وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ وَالْمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً
الشروح عليها
مسألة: (ولو ساق المُتَمَتِّعُ الهَدْىَ، لم يَكُنْ له أن يَحِلَّ) لقولِ اللهِ تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
ولِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: تَمَتَّعَ النّاسُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعُمْرَةِ الى الحَجِّ، فلما قَدِمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ، فإنَّه لَا يَحِلُّ مِنْ شَئٍ حَرُمَ منْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّه ». مُتَّفَقٌ عليه. وهذا مَذْهَبُ أبِى حَنِيفَةَ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ في قولٍ: له التَّحَلُّلُ، ويَنْحَرُ هَدْيَه عندَ المَرْوَةِ. ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِىِّ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ، وحديثُ ابنِ عُمَرَ، ورَوَتْ حَفْصَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ النّاس حَلُّوا مِن العُمْرَةِ، ولم تَحِلَّ أنْتَ مِن عُمْرَتِك؟ قال:«إنِّى لَبَّدْتُ رَأْسَى، وَقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلَا أحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ». مُتَّفَقٌ عليه . والأحادِيثُ في ذلك كثيرةٌ. وعن أحمدَ، في مَن قَدِم مُتَمَتِّعًا في أشْهُرِ الحَجِّ وساق الهَدْىَ، قال: إن دَخَلَها في العَشْرِ، لم يَنْحَرِ الهَدْىَ حتى يَنْحَرَه يومَ النَّحْرِ،
وإن قَدِم قبلَ العَشْرِ نَحَر الهَدْىَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا قَدِم قبلَ العَشْرِ حَلَّ وإن كان معه هَدْىٌ. وهذا قولُ عَطاءٍ. رَواه حَنبلٌ في «المَناسِكِ».
وقال: مَن لَبَّدَ أو ضَفَرَ، فهو بمَنْزِلَةِ مَن ساق الهَدْىَ؛ لحديثِ حَفصَةَ. والرِّوايَةُ الأُولَى أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ الصَّحِيحِ، وهو أوْلَى بالاتِّباعِ.
فصل: فأمّا المُعْتَمِرُ غيرُ المُتَمَتِّعِ، فإنَّه يَحِلُّ بكلِّ حالٍ في أشْهُرِ الحَجِّ وغيرِها، كان معه هَدْىٌ أولم يَكُنْ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمَرَ ثَلاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَتِه التىِ مع حَجَّتِه، بَعْضُهُنَّ في ذِى القَعْدَةِ، فكانَ يحِلُّ.
فإن كان معه هَدْىٌ نحَرَه عندَ المَرْوَةِ، وحيث نَحَرَه مِن الحَرَمِ جاز؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه .
١١٦٦ - مسألة: (والمَرْأةُ إذا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً (٢) فحاضَتْ، فخَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، أحْرَمَتْ بالحَجِّ، وصارَتْ قارِنَةً) إذا حاضَتِ المُتَمَتِّعَةُ قبلَ طوافِ العُمْرَةِ لم يَكُنْ لها أن تَطُوفَ بالبَيْتِ؛ لأنَّه صلاةٌ، ولأنَّها مَمْنُوعَةٌ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ، ولا يُمْكِنُها أن تَحِلَّ مِن عُمْرَتِها قبل الطَّوافِ.
فإذا خَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، أحْرَمَتْ بالحَجِّ مِن عُمْرَتِها، وصارَتْ قارِنَةً. هذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقال أبو حنيفةَ: قد رَفَضَتِ العُمْرَةَ، وصار حَجًّا. وما قال هذا أحَدٌ غيرُ أبى حنيفةَ، وحُجَّتُه ما روَى عُرْوَةُ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ الله عنها، قالت: أهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حائِضٌ، لم أطُفْ بالبَيْتِ، ولا بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فشَكَوْتُ ذلك إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ:«انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأهِلِّى بالحَجِّ، وَدَعِى الْعُمْرَةَ». قالَتْ: ففَعَلْتُ، فلَمّا قَضَيْنا الحَجَّ أرْسَلَنى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مع عبدِ الرحمنِ بنِ أبِى بَكْرٍ إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه، فقالَ:«هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِكِ».
مُتَّفَقٌ عليه . ففيه دَلِيلٌ على أنَّها رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا، وأحْرَمَتْ بحَجٍّ، مِن وجُوهٍ؛ أحَدُها قَوْلُه:«دَعِي عُمْرَتَكِ» والثّانِى قَوْلُه: «وَامْتَشِطِى».
والثّالِث قَوْلُه:«هذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِكِ». ولَنا ما رَوَى جابِرٌ، قال: أقْبَلَتْ عائِشَةُ بعُمْرَةٍ، حتى إذا كانت بِسَرِفٍ عَرَكَتْ ، ثم دَخَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عائِشَةَ، فوَجَدَها تَبْكِى، فقالَ:«مَا شَأْنُكِ؟». قالَتْ: شَأْنِى أنِّى قد حِضْتُ، وقد حَلَّ النّاسُ ولم أحِلَّ، ولم أطُفْ بالبَيْتِ، والنّاسُ يَذْهَبُون إلى الحَجِّ الآن. فقالَ:«إنَّ هَذَا أمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِى ثُمَّ أهِلِّى بالْحَجِّ». ففَعَلَتْ، ووَقَفَتِ المواقِفَ، حتى إذا طَهُرَتْ طافَت بالكَعْبَةِ وبالصَّفا والمَرْوَةِ، ثم قال:«قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ».
قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى أجِدُ في نَفْسِى أنِّى لم أطُفْ بالبَيْتِ حتى حَجَجْتُ. قال:«فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ». وروَى طاوُسٌ، عن عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: أهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ ولم أطُفْ حتى حِضْتُ، فنَسَكْتُ المَناسِكَ كلَّها، وقد أهْلَلْتُ بالحَجِّ. فقالَ لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ النَّفْرِ:«يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ». فأبَتْ، فبَعَثَ معها عبدَ الرحمنِ بنَ أبِى بَكْر، فأعْمَرَها مِن التَّنْعِيمِ. رَواهما مسلمٌ .
وهما يَدُلَّان على جَمِيعِ ما ذَكَرْنا. ولأنَّ إدْخالَ الحَجِّ على العُمْرَةِ جائِزٌ بالإجْماعِ مِن غيرِ خَشْيَةِ الفَواتِ، فمع خَشْيَتِه أوْلَى.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ لِمَن أهَلَّ بعُمْرَةٍ أن يُدْخِلَ عليها الحَجَّ، ما لم يَفْتَتِحِ الطَّوافَ بالبَيْتِ. وقد أمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مَن كان معه هَدْىٌ في حَجَّةِ الوَداء، أن يُهِلَّ بالحَجِّ مع العُمْرَةِ، ومع إمْكانِ الحَجِّ مع بَقاءِ العُمْرَةِ لا يَجُوزُ رَفْضُها، كغيرِ الحائِضِ.
فأمّا حديثُ عُرْوَةَ، فإنَّ قَوْلَه:«انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَدَعِى الْعُمْرَةَ». انْفَرَدَ به عُرْوَةُ، وخالَفَ به كلَّ مَن روَى عن عائِشَةَ حينَ حاضَت، وقد روَى ذلك طاوُسٌ، والقاسِمُ، والأسْوَدُ، وعَمْرَةُ ، عن عائِشَةَ، فلم يَذْكُرُوا ذلك . وحديثُ جابِرٍ، وطاوُس مُخالِفان لهذه الزِّيادَةِ. وقد روَى حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، عن عائِشَةَ، حديثَ حَيْضِها، فقالَ فيه: حَدَّثَنِى غيرُ واحِدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لها:«دَعِى عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى».
وذَكَر تَمامَ الحديثِ. وهذا يَدُلٌ على أنَّه لم يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ هذه الزِّيادَةَ، وهو مع ما ذَكَرْنا مِن مُخالَفَةِ بَقِيَّةِ الرُّواةِ يَدُلُّ على الوَهْمِ، مع مُخالَفَتِها للكِتابِ والأصُولِ، إذ ليس لَنا مَوْضِعٌ آخَرُ يَجُوزُ فيه رَفْضُ العُمْرَةِ مع إمْكانِ إتْمامِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ قَوْلَه:«دَعِى الْعُمْرَةَ». أى دَعِيها بِحالِها، وأهِلِّى بالحَجِّ معها، أو دَعِى أفْعالَ العُمْرَةِ، فإنَّها تَدْخُلُ في أفْعالِ الحَجِّ.
فأمّا العُمْرَةُ مِن التَّنْعِيمِ، فلم يَأْمُرْها بها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما قالَتْ للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّى أجِدُ في نَفْسِى أنِّى لم أطُفْ بالبَيْتِ حتى حَجَجْتُ. قال: «فَاذْهَبْ بِها يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، فأعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ». وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن الأسْودِ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها،
قال: قُلْتُ: اعْتَمَرْتِ بعدَ الحَجِّ؟ قالَتْ: واللهِ ما كانَتْ عُمْرَةً، ما كانَتْ إلَّا زِيارَةً ورَبِّ البَيْتِ، إنَّما هى مِثْلُ نَفَقَتِها. قال أحمدُ: إنَّما أعْمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عائِشَةَ حينَ ألَحَّتْ عليه، فقالت: يَرْجِعُ النّاسُ بنُسُكَيْن، وأرْجِعُ بنُسُكٍ. فقالَ:«يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أعْمِرْهَا». فنَظَرَ إلى أدْنَى الحِلِّ، فأعْمَرَها منه.
١١٦٧ - مسألة: (ومَن أحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ، وله صَرْفُه إلى ما شاء) يَصِحُّ الإِحْرامُ بالنُّسُكِ المُطْلَقِ، وهو أن لا يُعَيِّنَ حَجَّا ولا عُمْرَةً؛ لأنَّه إذا صَحَّ الإِحْرامُ مع الإبْهامِ، صَحَّ مع الإِطْلاقِ، قِياسًا عليه.
فإذا أحْرَمَ مُطْلَقًا، فله صَرْفُه إلى ما شاء مِن الأنْساكِ؛ لأنَّ له أن يَبْتَدِئَ الإحْرامَ بأيِّها شاء، فكانَ له صَرْفُ المُطْلَق إلى ذلك. والأوْلَى صَرْفُه إلى العُمْرَةِ؛ لأنَّه إن كان في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، فالإِحْرامُ بالحَجِّ مَكرُوةٌ أو مُمْتَنِعٌ،
وإن كان في أشْهُرٍ الحَجِّ، فالعُمْرَةُ أوْلَى؛ لأنَّ التَّمَتُّعَ أفْضَلُ. وقد قال أحمدُ: يَجْعَلُه عُمْرَةً؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أبا موسى حينَ أحْرَمَ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَجْعَلَها عُمْرَةً. كذا هذا. ١١٦٨ -
(وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ) «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - بالعمرة إِلَى الْحَجِّ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» فَعَلَى هَذَا: يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِذَا طَافَ، وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ بِالْحَلْقِ،
فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، نَصَّ عَلَيْهِ، «وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ فِي الْعَشْرِ، وَلَمْ يَحِلَّ» ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَنْ يَعْتَمِرُ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَمَعَهُ هَدْيٌ لَهُ أَنْ يَقُصَّ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ خَاصَّةً «لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ قَصَّرْتُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِقَصٍّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَنْ مَالِكٍ: لَهُ التَّحَلُّلُ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ كَالْقِرَانِ.
فَائِدَةٌ: حَيْثُ صَحَّ الْفَسْخُ، لَزِمَهُ دَمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْقَاضِي: لَا؛ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي ابْتِدَائِهَا أَوْ أَثْنَائِهَا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.
١ - (وَالْمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ) قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ (فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ) أَوْ خَافَهُ غَيْرُهَا (أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَهِلِّي بِالْحَجِّ» ، وَلِأَنَّ إِدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ من غير خَشْيَة الْفَوَاتِ، فَمَعَهَا أَوْلَى؛ لِكَوْنِهَا مَمْنُوعَةً مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ.
فَعَلَى هَذَا لَا تَقْضِي طَوَافَ الْقُدُومِ، لَكِنْ رَوَى عُرْوَةُ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ» .
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَثْبَاتَ رَوَوْهُ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَفْضُ نُسُكٍ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ، وَيَحْتَمِلُ: دَعِي الْعُمْرَةَ، وَأَهِلِّي مَعَهَا بِالْحَجِّ، وَدَعِي أَفْعَالَهَا.
ولو سَاقَ المُتَمَتِّعُ هَدْيًا، لم يَكُنْ له أنْ يَحِلَّ. هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ. فعلى هذا، يُحْرِمُ بالحَجِّ إذا طافَ وسَعَى لعُمْرَتِه قبلَ تَحلُّلِه بالحَلْقِ،
فإذا ذبَحَه يوْمَ النَّحْرِ، حَلَّ منهما معًا. نصَّ عليه. نقَل أبو طالِبٍ، الهَدْىُ يَمْنَعُه مِنَ التَّحَلُّلِ مِن جميعِ الأشْياءِ فى العَشْرِ وغيرِه. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يَحِلُّ كمَن لم يَهْدِ. وهو مُقْتَضَى ما نقَله يُوسُفُ بنُ مُوسى. قالَه القاضى. ونَقَل أبو طالِبٍ أيضًا، فى مَن يَعْتَمِرُ قارِنًا أو مُتَمَتِّعًا ومعه هَدْىٌ، له أنْ يُقَصِّرَ مِن شَعَرِ رأْسِه خاصَّةً.
وعنه، إنْ قَدِمَ قبلَ العَشْرِ، نحَرَ الهَدْىَ وحَلَّ. ونقَل يُوسُفُ بنُ مُوسى، فى مَن قَدِمَ مُتَمَتِّعًا معه هَدْىٌ، إنْ قَدِمَ فى شَوَّالٍ، نحَرَه وحَلَّ، وعليه هَدْىٌ آخَرُ،
وإنْ قَدِمَ فى العَشْرِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَحِلَّ. فقيلَ له: خبَرُ مُعاوِيَةَ؟ فقال: إنَّما حَلَّ بمِقْدارِ التَّقْصِيرِ. قال القاضى: ظاهِرُه يتَحَلَّلُ قبلَ العَشْرِ؛ لأنَّه لا يطولُ إحْرامُه.
وقال المُصَنِّفُ: يَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ، أنَّ له التَّحَلُّلَ، ويَنْحَرُ هَدْيَه عند المَرْوَةِ. ويأْتِى هذا أيضًا فى كلامِ المُصَنِّفِ، فى آخِرِ بابِ دُخولِ مَكَّةَ.
فائدتان؛ إحْداهما، حيثُ صحَّ الفَسْخُ، فإنَّه يَلْزَمُه دَمٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم. وذكرَه القاضى فى «الخِلَافِ». وَالْمَرأةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ، فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ، وَصَارَتْ قَارِنَةً.
وذكرَ المُصَنِّفُ، عنِ القاضى، أنَّه لا يَلْزَمُ دَم لعدَمِ النِّيَّةِ. وجزَم به فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». الثَّانيةُ، قال فى «المُسْتَوْعِبِ»: لا يُسْتَحَبُّ الإحْرامُ بنِيَّةِ الفَسْخِ. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: يُكْرَهُ ذلك. واقْتَصرَ فى «الفُروعِ» على حِكايَةِ قَوْلِهما. والمرأةُ إذا دخَلَتْ مُتَمَتِّعَة، فحاضَتْ فخَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، أحْرَمَتْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالحَجِّ وصارَتْ قارِنَةً.
نصَّ عليه. ولم تَقْضِ طَوافَ القُدُومِ. وهذا بلا نِزاعٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى ذلك كلِّه. وكذا الحُكْمُ لو خافَ غيرُها فَواتَ الحَجِّ. نصَّ عليه.
ويجِبُ دَمُ القِرَانِ، وتسْقُطُ عنه العُمْرَةُ. نصَّ عليه. وجزَم به القاضى وأصحابُه فى كُتُبِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِلافِ، واقْتَصرَ عليه فى «الفُروعِ».
وَمَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ، وَلَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ.
ومَن أحْرَم مُطْلَقًا - بأنْ نوَى نَفْسَ الإحرامِ، ولم يُعَيِّنْ نُسُكًا - صَحَّ، وله صَرْفُه إلى ما شاء. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال الإمامُ أحمدُ أيضًا: يجْعلُه عُمْرَةً.
وقال القاضى: يجْعلُه عُمْرَةً، إن كان فى غيرِ أشْهُرِ وإنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ.
الحَجِّ. وذكَر غيرُه أنَّه أوْلَى، كابْتداءِ إحْرامِ الحَجِّ فى غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: إنْ شرَطْنا تَعْيِينَ ما أحْرَمَ به، بطَل المُطْلَقُ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.
قال رحمه الله: (ولو ساق المتمتع هدياً لم يكن له أن يحل. والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة) .
أما عدم حل المتمتع إذا ساق الهدي فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال:«تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: من كان منكم معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل» متفق عليه.
وأما إحرام المتمتعة بالحج إذا حاضت فخشيت فوات الحج فـ «لأن عائشة رضي الله عنها كانت متمتعة فحاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أهلي بالحج ... مختصر» رواه مسلم.
ولأن إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات فلأن يجوز مع الخشية أولى.
فإن قيل: ما وجه خشية فوات الحج بالحيض؟
قيل: لأن المتمتعة لا تحل من عمرتها ما لم تطف فإذا حاضت لم يمكنها الطواف لأنها ممنوعة من دخول المسجد.
وأما صيرورتها قارنة فلأن أحد نوعي القران إدخال الحج على العمرة وذلك موجود هاهنا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.