فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ولا تَأْثِيرَ للحَرَم ولا للإحْرامِ في تَحْرِيمِ حَيَوانٍ إنسىٍّ، ولا مُحَرَّمِ الأكْلِ، إلَّا القَمْلَ) على المُحْرِمِ في رِوايَةِ. وأيُّ شئٍ تَصَدَّقَ به، كان خَيْراً منه) لا تَأثِيرَ للحَرَمِ ولا للإحْرامِ في تَحْرِيم شيئٍ مِن الحَيَوانِ الأهْلِيِّ؛ كبَهِيمةِ الأنعامِ، والخَيلِ، والدجاجِ، ونحوِها؛ لأنَّه ليس بِصَيْدٍ، وإنَّما حَرَّمَ الله سُبْحانَه الصَّيْدَ. وقد كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَذْبَح البُدْنَ في احْرامِه في الحَرَمِ، يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ سُبْحانَه بذلك.

٨٬٤٧٣

وقال عليه السلامُ:«أفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والثَّجُّ». يعني إسالَةَ الدِّماءِ بالذَّبْحِ والنَّحْرِ. وهذا لا خِلافَ فيه.

٨٬٤٧٤

فإن كان مُتَولِّدًا بينَ وَحْشِىٍّ وأهلىٍّ، غَلَب جانِبُ التَّحْرِيمِ.

فصل: فأمّا المُحَرَّمُ أكلُه فهو ثَلاثةُ أقْسام؛ أحَدُها، الخَمْسُ الفَواسِق التي أباحَ الشّارِعُ قَتْلَها في الحِلِّ والحَرَمِ، وهي الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفَأرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ.

٨٬٤٧٥

وفي بعض ألْفاظ الحديثِ: الحَيَّةُ مَكانَ العَقْرَبِ. فيُباحُ قَتْلُهُنَّ في الإحْرام والحَرَمِ. وهذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ منهم؛ الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ، وإسْحاقُ. وحُكِيَ عن النَّخَعِيِّ أنَّه مَنَع قَتْلَ الفَأْرَةِ. والحديثُ صَريحٌ في حِلِّ قَتْلِها، فلا تَعْوِيلَ على ما خالَفَه. والمُرادُ بالغُرابِ الأبقَعُ وغُرابُ البَيْنِ.

٨٬٤٧٦

وقال قَوْمٌ: لا يُباحُ قَتْلُ غُراب البَيْنِ؛ لأنَّه رُوِىَ:«خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ الحَيًّةُ، وَالْغُرَابُ الأبقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا». رَواه مسلمٌ . وهذا يُقَيِّدُ مُطْلَقَ ذِكْرِ الغُرابِ في الحديثِ الآخَرِ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على العُمُومِ، بدَلِيلِ أنَّ المُباحَ مِن الغِرْبانِ لا يَحِلُّ قَتْلُه. ولَنا، ما رَوَتْ عائشَةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالَتْ: أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِ خَمس فَواسِقَ في الحَرَمِ؛ الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ.

وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ جُنَاحٌ في قَتْلِهِنَّ». وذَكَر مثلَ حديثِ عائشَةَ. مُتَّفَقٌ عليهما . وهذا عامٌّ في الغُرابِ، وهو أَصَحُّ مِن الحديثِ الآخَرِ. ولأنَّ غُرابَ البَيْنِ مُحَرَّم الأكْلِ، يَعْدُو على أمْوالِ النّاس، ولا وَجْهَ لإخْراجِه مِن العُمُومِ. وفارَقَ ما أُبِيحَ أكْلُه، فإنَّه ليس في مَعْنى ما أُبِيحَ قَتْلُه، فلا يَلْزَمُ مِن تَخْصِيصِه تَخْصِيصُ ما ليس في مَعْناه.

القِسْم الثّانِي مِن المُحَرَّمِ أكلُه، ما كان طَبْعُه الأَذَى،

٨٬٤٧٧

وإن لم يُوجَدْ منه أذًى؛ كالأسَدِ، والنَّمِرِ، والفهْدِ، والذِّئْبِ، وما في مَعْناه، فيُباحُ قَتْلُه ايضُاً , ولا جَزاء فيه. قال مالكٌ: الكَلْبُ العَقُور، ما عَقَر النّاسَ وعَدا عليهم، مِثلَ الأسَدِ، والذِّئْبِ، والنَّمِرِ، والفهْدِ. فعلى هذا يُباحُ قَتْلُ كلِّ ما فيه أذًى للنّاسِ في أنفُسِهم وأمْوالهِم، مِثْلَ سِباعِ البَهائِمِ كلِّها، الحَرام أكْلُها، وجَوارِحِ الطَّيْرِ؛ كالبازِيِّ، والصَّقْرِ، والشّاهِينِ، والعُقابِ، ونحوِها، والحشَراتِ المُؤْذِيَة، والزُّنْبُورِ، والبَقِّ، والبَعُوضِ، والبَراغِيثِ، والذُّبابِ. وبه قال الشَّافعيُّ.

٨٬٤٧٨

وقال أصْحابُ الرايِ: يُقْتَلُ ما جاء في الحديثِ، والذِّئْبُ قِياسًا عليه. ولَنا، أنَّ الخَبَرَ نَصَّ مِن كلِّ جِنْسٍ على صُورَةٍ مِن أدْناه؛ تَنْبِيهًا على ما هو أعْلَى منها، ودَلالَةً على ما كان في مَعْناها، فنَصُّه على الغُرابِ والحِدَأةِ

٨٬٤٧٩

تَنْبِيهٌ على البازِيِّ ونحوِه، وعلى الفَارَةِ

٨٬٤٨٠

تَنْبِيهٌ على الحَشراتِ، وعلى العَقْرَبِ تَنْبية على الحَيَّة، وقد ذُكِرَتْ في بعضِ الأحاديثِ، وعلى الكَلْبِ العَقُورِ

٨٬٤٨١

تَنْبيهٌ على السِّباعِ التي هي أعْلَى منه، ولأنَّ ما لا يُضْمَنُ بقِيمَتِه ولا مِثْلِه، لا يُضْمَنُ بشئٍ، كالحَشراتِ. القِسْمُ الثّالِثُ مِن المُحَرَّمِ الأكْلِ، ما لا يُؤْذِي بِطبعِه، كالرَّخَمِ، والدِّيدانِ، فلا أثَرَ للحرَمِ ولا للإحْرامِ فيه، ولا جَزَاءَ فيه إن قَتَلَه. وبه قال الشافعيّ.

٨٬٤٨٢

وقال مالكٌ: يحرُمُ قَتْلُها، فإن قَتَلَها فَداها،

٨٬٤٨٣

وكذلك كل سَبُعٍ لا يَعْدُو على النّاسِ.

٨٬٤٨٤

فإذا وَطِئَ الذُّبابَ، أو النَّمْلَ، أو الذَّرَّ، أو قَتَل الزُّنبُورَ، تَصَدَّقَ بشَئٍ مِن الطَّعام.

٨٬٤٨٥

وقال ابنُ عَقِيل: في النَّمْلَةِ لُقْمَةٌ أو تَمْرَةٌ إذا لم تُؤْذِه. ويَتَخَرَّجُ في النًّحْلَةِ مثلُ ذلك؛ لأنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قتل النَّمْلَةِ والنَّحْلَةِ . وحَكَى ابنُ أبي موسى: في الضِّفْدَعِ حُكُومَةٌ. ولَنا، أنَّ الله سُبْحانَه إنَّما أوْجَبَ الجَزاءَ في الصَّيْدِ، وليس هذا بِصَيْدٍ. قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: الصَّيدُ ما جَمَع ثلاًثةَ أشْياءَ؛ أنْ يَكُونَ مُباحاً مُمْتَنِعًا . ولأنَّه لا مِثْلَ له ولا قِيمَةَ، والضَّمَانُ إنّما يَكُونُ بأحَدِ هذين فصل: ولا بأسَ من أن يُقَرِّدَ المُحْرِمُ بَعِيرَه.

رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، رَضىَ الله عنهما، أنَّه قَرَّدَ بَعِيرَه بالسُّقْيَا ، أي نَزَع القُرادَ عنه، فرَماه. وهذا قولُ ابن عباسٍ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ ، وعَطاءٍ.

٨٬٤٨٦

وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ. وكَرِهَه عِكْرِمَةُ. ولَنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولأنَّه مُؤْذٍ فأبِيحَ قَتْلُه، كالحَيَّه والعَقْرَبِ.

فصل: فأمّا القَمْلُ، ففيه روايَتان؛ إحْداهما، إباحَةُ قَتْلِه؛ لأنَّه مِن أكثرِ الهَوامِّ أذًى، فأُبِيحَ قَتْلُه، كالبَراغِيثِ، وسائِرِ ما يُؤْذِي. والثّانِيَةُ، أنَّ قَتْلَه مُحَرَّم. وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه يَتَرَفَّهُ بإزالَتِه، فَحُرِّمَ، كقَطْع الشَّعَرِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ والقَمْلُ يَتَناثَرُ على وَجْهِه، فقالَ له:«احْلِقْ رَأسَك».

٨٬٤٨٧

فلو كان قَتْلُ القَمْلِ وإزالته مُباحًا لم يَكُن كَعبٌ ليَتْرُكَه حتَّى يَصِيرَ كذلك، ولكانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بإزالَتِه خاصَّة. والصِّئبانُ كالقَمْلِ؛ لأنَّه بَيْضُه، ولا فَرْقَ بينَ قَتْلِ القَمْل ورَمْيه، أو قَتْلِه بالزِّئبَقِ، لحُصُولِ التَّرَفُّهِ به. قال القاضي: إنَّما الرِّوايَتان فيما أَزالَه مِن شَعَرِه،

٨٬٤٨٨

أمّا ما ألْقاه مِن ظاهِرِ بَدَنِه وثَوْبِه، فلا شئَ فيه، رِوايَةً واحِدَةً. وظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا يَقْتَضِي العُمُومَ.

٨٬٤٨٩

ويَجُوزُ له حَكُّ رَاسِه برِفْقٍ؛ كَيْلا يَقْطَعَ شَعَرًا، أو يَقْتُلَ قَمْلاً،

٨٬٤٩٠

فإن حَكَّ فرَأى في يَدِه شَعَرًا اسْتُحِبَّ له أن يَفدِيَه احْتِياطًا,

٨٬٤٩١

ولا يَجِبُ حَتى يَسْتَيْقِنَ.

٨٬٤٩٢

فصل: فإن تَفَلَّى المُحْرِمُ، أو قَتَل قَمْلاً، فلا فِدْيَةَ فيه،

٨٬٤٩٣

فإنَّ كَعْبَ ابنَ عُجْرَةَ حينَ حَلَق رَأْسَه قد أذْهَبَ قَمْلاً كَثِيرًا، ولم يَجِبْ عليه لذلك شيئٌ، إنَّما أوْجَبَ الفِدْيَةَ بحَلْقِ الشَّعَرِ، ولأنَّ القَمْلَ لا قِيمَةَ له، فأشْبَهَ البَعُوضَ والبَراغِيثَ، ولأنَّه ليس بصَيْدٍ، ولا هو مَأكُول. حُكِيَ عن ابن عُمَرَ، قال: هي أهْوَنُ مَقْتُول. وسُئلَ ابنُ عباس، عن مُحْرِم ألْقَى قَمْلَةً، ثم طَلَبَها فلم يَجِدْها، قال: تلك ضالَّة لا تُبْتَغَى. وهذا قولُ طاووسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعطَاءٍ، وأبِي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.

وعن أحمدَ -في مَن قَتَل قَمْلَةً- قال: يُطْعِمُ شَيْئًا. فعلى هذا، أيُّ شئٍ تَصَدَّقَ به أجْزَأهُ، سَواءٌ قَتَل قَلِيلاً أو كثيرًا. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْيِ.

٨٬٤٩٤

وقال إسْحاقُ: تَمْرَةٌ فما فَوْقَها.

٨٬٤٩٥

وقال مالكٌ: حَفْنَة مِن طَعامٍ. ورُوِي ذلك عن ابنِ عُمَرَ. وهذه الأقْوالُ كلُّها قَرِيبٌ مِن قَوْلِنا، فإنَّهُم لم يُرِيدُوا بذلك التَّقْدِيرَ، وإنَّما هو على التَّقْرِيبِ لأقَلِّ ما يُتَصَدَّقُ به. فصل: والخِلافُ إنَّما هو في قَتْلِه للمُحْرِمِ،

٨٬٤٩٦

أمّا في الحَرَمِ فيُباحُ قَتْلُ القَمْلِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه إنَّما حُرِّمَ في حَقِّ المُحْرِمِ؛ لِما فيه مِن التَّرَفُّهِ، فهو كقَطْعِ الشَّعَرِ,،

٨٬٤٩٧

ومَن كان في الحَرَمِ غيرَ مُحرِمٍ، فمُباحٌ له قَطْعُ الشَّعَرِ، وتَقْلِيم الأظْفارِ، والطِّيبُ، وسائرُ ما يُتَرَفَّهُ به.

فصل: ولا بَأسَ بغسْلِ المُحْرِمِ رَأْسَه وبَدَنَه برِفْقٍ. فَعَل ذلك عُمَرُ، وابْنُه، ورَخَّصَ فيه علىٌّ، وجابِرٌ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى. وكَرِه مالك للمُحْرِمِ أن يَغْطِسَ في الماءِ، ويُغيِّبَ فيه رَأسَه، ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ ذلك سِتْرٌ له.

٨٬٤٩٨

والصَّحِيحُ أَنَّه لا بَأْسَ بذلك؛ لأنَّ ذلك ليس بسِتْرٍ، ولهذا لا يَقُومُ مَقامَ السُّتْرَةِ في الصلاةِ. وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، قال: رُبَّما قال لي عُمَرُ ونحن مُحْرِمُون بالجُحْفَةِ: تعالَ أُباقِيك أيُّنا أطْوَلُ نَفَسًا في الماءِ. رَواه سعيد . ولأنّه ليس بسِتْرٍ مُعْتادٍ، وأشْبَهَ صَبَّ الماءِ عليه، ووَضْعَ يَدِه عليه. وقد روَى عبد اللهِ بنُ حُنَيْنٍ، قال: أرْسَلَنِي ابنُ عباسٍ إلى أبِي أَيوبَ الأنْصارِيِّ، فأتَيْتُه وهو يَغْتَسِلُ، فسَلَّمْتُ عليه، فقالَ: مَن هذا؟

فقلتُ : أنا عبد اللهِ بنُ حُنَيْنٍ، أرْسَلَنِي إليك عبد اللهِ بنُ عباس لم يَسْألك: كيف كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رَأسَه وهو مُحْرمٌ. فوَضَعَ أبو أيُّوبَ يَدَه على الثوْبِ، فطَأْطَأه حتَّى بَدا لي رَأسُه، ثم قال لإنْسانٍ يَصُبُّ عليه الماءَ: صُبَّ. فصَبَّ على رَأْسِه، ثم حَرَّكَ رَأْسَه بيَدَيْه، فأقْبَلَ بهما وأدْبَرَ، ثم قال: هكذا رَأَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يفْعَلُ.

مُتَّفَقٌ عليه .

فصل: ويُكْرَهُ له غَسْلُ رَأَسِه بالسِّدْرِ والخِطْمِيِّ ونحوِهما؛ لِما فيه من إزالَةِ الشَّعَثِ، والتعَرُّضِ لقَطْع الشعَرِ. وكَرِهَه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرأيِ.

٨٬٤٩٩

فإن فَعَل فلا فِدْيَةَ عليه. وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْر، وابن المُنْذِرِ. وعن أحمدَ رَحِمَه اللهُ: عليه الفِدْيَةُ. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ.

٨٬٥٠٠

وقال صاحِباه: عليه صَدَقَةٌ؛ لأنَّ الخِطْمِيَّ يُسْتَلَذُّ بِرائِحَتِه، ويُزيلُ الشَّعَثَ، ويَقْتُلُ الهَوامَّ، فوَجَبَتْ به الفِدْيَةُ، كالوَرْس. ولَنا، أنًّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -

٨٬٥٠١

قال، في المُحْرِمِ الذي وقَصَه بَعِيرُه:«اغْسِلُوُه بمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ؛ فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيا». مُتَّفقٌ عليه . فأمَرَ بِغَسْلِه بالسِّدْرِ، مع إثْباتِ حُكْمِ الإحْرامِ في حَقِّه، والخِطْمِىُّ كالسِّدْرِ. ولأنَّه ليس بطِيبٍ، فلم تَجِبِ الفِدْيَةُ باسْتِعْمالِه، كالتُّرابِ. وقَوْلُهم: تُسْتَلَذُّ رائِحَتُه. مَمْنُوعٌ، ثم يبطُلُ بالفاكِهَةِ وبعضِ التُّرابِ. وإزالَةُ الشعَثِ يَحْصُلُ بذلك أَيضًا. وقَتْلُ الهَوامِّ لا يُعْلَمُ حُصُولُه،

٨٬٥٠٢

ولا يَصِحُّ قِياسُه على الوَرْس؛ لأنه طِيبٌ. ولذلك لو اسْتَعْمَلَه في غيرِ الغسْلِ، أو في ثَوْبِه، مُنِعَ منه،

٨٬٥٠٣

بخِلافِ مسْألتِنا. ١٢٠٧ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَلَا تَأْثِيرَ لِلْمُحْرِمِ، وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إِنْسِيٍّ) أَيْ: أَهْلِيٍّ مُبَاحٍ إِجْمَاعًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَالْمُحَرَّمُ إِنَّمَا هُوَ الصَّيْدُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِذَبْحِ ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ، وَلِهَذَا قَالَ:«أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ»

لا زيادة له على هذه المسألة.

الإنصافالمرداوي

ولا تَأثِيرَ للحَرَمِ ولا للإحْرامِ في تَحْريمِ حَيوانٍ إنْسِيُّ، ولا مُحَرَّمِ الأكْلِ. ذكَر المُصَنِّفُ هنا شَيْئَين؛ أحدُهما، الحَيوان الإنْسِىُّ. والثَّانى، الحَيوانُ المُحَرَّم أكْلُه.

١٣٬٨٧١

فأمَّا الحَيوان الإنْسِيُّ، فلا يَحرمُ على المُحْرِمِ، ولا في الحَرَمِ إجْماعًا، لكِنَّ الاعْتِبارَ في الوَحْشِيِّ والأهْلِيِّ بأصْلِه، فالحَمامُ وَحْشِىٍّ،

١٣٬٨٧٢

وإنْ تأهَّلَ، نصَّ عليه، ففيه الجَزاءُ كالمُتَوَحِّشِ. قطَع به الأصحابُ.

١٣٬٨٧٣

والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أنَّ البَطَّ كالحَمامِ، فهو وَحْشِيُّ وإنْ تأَهَّلَ. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال الزَّرْكَشِيٌّ: المُصَحَّحُ وُجوبُ الجَزاءِ.

١٣٬٨٧٤

وعنه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لا يَضْمَنُه إذا كان أهْلِيًّا؛ لأنه مألوف بأصْلِ الخِلْقَةِ.

١٣٬٨٧٥

قال في «الفُروعِ»: كذا قالوا. وأطْلَقَ بعضُ الأصحابِ في الدَّجاجِ رِوايتَيْن، وخصَّهما ابنُ أبِي مُوسى ومَنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تابعَه بدَجَاجِ السِّنْدِ. وصحَّح المُصَنِّفُ، والشارِحُ، أنَّ الدَّجاجَ السِّنْدِيَّ وَحْشِيٌّ، كالحَمامِ. وأطْلَقَ في «الفَائقِ»، في دَجاجِ السِّنْدِ والبَطِّ، الروايتَيْن. وقدَّم في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، أنَّ في الدَّجاجِ الأهْلِيِّ الجَزَاءَ.

١٣٬٨٧٦

قلتُ: هذا مُشْكِلٌ جِدًّا، ورُبَّما كان مخالِفَ الإجْمَاعِ، والاعْتِبارُ في الأهْلِيِّ بأَصْلِه،

١٣٬٨٧٧

فلو توَحَّشَ بَقَرٌ أو غيرُه فهو أهْلِيٌّ. قال الإمامُ أحمدُ، في بَقَرَةٍ توَحَّشَتْ: لا شئَ فيها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

١٣٬٨٧٨

والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الجَوامِيسَ أهْلِيَّةَ مُطْلَقًا. ذكَرَه القاضِيّ وغيرُه. وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ» وغيره. وقدَّمه في «الفُروعِ».

١٣٬٨٧٩

وقال في «الرِّعايَةِ»: وما توَحَّشَ مِن إنْسِيِّ، أو تأْنَّسَ مِن وَحْشِيٍّ، فليسَ صَيْدًا.

١٣٬٨٨٠

وقيلَ: ما توَحَّشَ مِن إنْسِيِّ، فهو على الإباحَةِ لرَبِّه ولغيرِه، وما تأنَّسَ مِن وَحْشِيٍّ، فكما لو لم يَتَأنَّسْ.

١٣٬٨٨١

وقيل: ما تَلِفَ مِن وَحْشِيٍّ، لم يَحِلَّ، وفيه الجَزاءُ،

١٣٬٨٨٢

ولو توَحَّشَ إنْسِيٌّ، لم يَحْرُمْ. انتهى.

١٣٬٨٨٣

وأمَّا مُحَرّم الأكْلِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهب، أنَّه لا جَزاءَ في قَتْلِه، إلَّا ما سبَق مِنَ المُتَولِّدِ، وما يَأتِي في القَمْلِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ مِن حيثُ الجُمْلَةُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قال الإمامُ أحمدُ: لا فِدْيَةَ في الضِّفْدَعِ.

١٣٬٨٨٤

وقال في «الإرْشَادِ»: فيه حُكومَة. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». ونقَلَه عَبْدُ اللهِ.

١٣٬٨٨٥

قال في «المُسْتَوْعِبِ»: لا أعرِفُ له وَجْهاً.

١٣٬٨٨٦

وقال ابنُ عَقِيلٍ: في النَّمْلَة لُقْمَةٌ، أو تَمْرَةٌ إذا لم تُؤْذِه. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ويتَخرَّجُ مِثْلُ ذلك في النَّحْلَةِ،

١٣٬٨٨٧

وفي أُمِّ حُبَيْن وَجْهٌ؛ يَضْمَنُها بجَدْي. اخْتارَه بعضُ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهو خِلافُ القِياسِ. وأُمُّ حُبَيْن؛ هي الحِرْباءُ.

١٣٬٨٨٨

قال في «الفُروعِ»: وهي دابَّةٌ معْروفَةٌ، مثلُ أمِّ عُرْس، وابنِ آوَى. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هي دابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ البَطْنِ. قال فى «الفُروعِ»: فيتَوجَّهُ مثْلُه كلُّ مُحَرَّمٍ لم يُؤْمَرْ بقَتْلِه. انتهى.

١٣٬٨٨٩

وفي السِّنَّوْرِ الأهْلِيِّ وَجْهٌ؛ أنَّ فيه الجَزاءَ. ويأْتِي الكلامُ في الثَّعْلَبِ، والسِّنَّوْرِ الأهْلِيِّ، والهُدْهُدِ، والقِرْدِ، ونحوِها، في بابِ جَزاءِ الصَّيْدِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال رحمه الله: (ولا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم حيوان إنسي ولا مٌحَرّم الأكل إلا القمل في رواية. وأي شيء تصدّق به كان خيراً منه) .

٤٬٢٧٥

أما عدم تأثير الحرم والإحرام في تحريم الحيوان الإنسي كالبقر والغنم ونحو ذلك فلأن الله تعالى إنما حرم الصيد وليس هذا بصيد. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتقرب إلى الله تعالى بذبح ذلك في إحرامه.

٤٬٢٧٦

وقال صلى الله عليه وسلم:«أفضل الحج العج والثج». يعني إسالة الدم بالنحر.

٤٬٢٧٧

وأما عدم تأثيرهما في تحريم محرم الأكل غير القمل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل ذلك بقوله:«خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم».

وقال:«خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور» متفق عليه.

نص على الخمس الفواسق وقيس عليهن كل مؤذ.

٤٬٢٧٨

وأما القمل ففيه روايتان:

أحدهما: لا تأثير لهما في قتله لأنه يحرم أكله ويؤذي أشبه البراغيث.

والثانية: يحرم قتله في الإحرام؛ لأنه يترفه بإزالته.

فعلى هذا فيه الجزاء وأي شيء تصدق به كان خيراً منه لأنه لم يرد فيه أثر.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.