فَإِنْ فَاتَ وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً
الشروح عليها
مسألة: (ويَنْزِعُها أعْضاءً، ولا يَكْسِرُ عَظْمَها، وحُكْمُها حُكْمُ الأُضْحِيَةِ) يُسْتَحَبُّ أن يَفْصِلَها أعْضَاءً، ولا يَكْسِرَ عِظَامَها؛ لِما رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها قالت: السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكافِئتَانِ عن الغُلامِ، وعن الجارِيةِ شَاة، تُطْبَخُ جُدُولًا، لا يُكْسَرُ عَظْمٌ، وَيأْكُلُ، ويُطْعِمُ، ويَتَصَدَّقُ، وذلك يومَ السَّابعِ . قال أبو عُبَيْدٍ الهَرَوِىُّ في العَقِيقَةِ: تُطْبَخُ جُدُولًا، لا يُكْسَرُ لها عَظْم. أى عُضْوًا عُضْوًا، وهو الجَدْلُ بالدّالِ غيرِ المُعْجَمَةِ، والإِرْبُ، والشِّلْوُ، والعُضْوُ، والوصْلُ، كُلُّه واحِدٌ.
إنَّما فُعِل بها ذلك؛ لأنَّها أوَّلُ ذَبِيحَةٍ ذُبِحَتْ عن الغُلامِ، فاسْتُحِبَّ ذلك تَفاؤُلًا بالسَّلَامَةِ. كذلك قالت عائشةُ. ورُوِىَ أيضًا عن عَطاءٍ، وابنِ جُرَيْج. وبه قال الشافعىُّ.
فصل: وحُكْمُها حُكْمُ الأُضْحِيَةِ، في سِنِّها، وما يُجْزِئُ منها، وما لا يُجْزِئُ،
ويُسْتَحَبُّ فيها مِن الصِّفَةِ ما يُسْتَحَبُّ فيها. وكانت عائشةُ تقولُ: ائْتُونِى به أعْيَنَ أقْرَنَ. قال عَطاءٌ: الذَّكَرُ أحبُّ إلىَّ مِن الأُنْثَى، والضَّأْنُ أحَبُّ إلَيْنا مِن المَعْزِ.
ويُكْرَهُ فيها ما يُكْرَهُ في الأُضْحِيَةِ، وهى: الشَّرْقاءُ، والخَرْقاءُ، والمُقابَلَةُ، والمُدابَرَةُ.
ويُسْتَحَبُّ اسْتشْرَافُ العَيْنِ والأُذُنِ، كما ذَكَرْنا في الأُضْحِيَةِ سَواءً؛ لأنَّها تُشْبِهُهَا، فتُقاسُ عليها. وحُكْمُها في الأَكْلِ والهَديَّةِ والصَّدَقَةِ حُكْمُ الأُضْحِيَةِ. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال ابنُ سِيرينَ: اصْنَعْ بلَحْمِها كيف شئْتَ.
وقال ابنُ جُرَيْجٍ: تُطْبَخُ بماءٍ ومِلْحٍ، وتُهْدَى في الجيرانِ والصَّديقِ، ولا يُتَصَدَّقُ منها بشئٍ. وسُئِلَ أحمدُ عنها، فحَكَى قولَ ابنِ سيرِينَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه ذَهَب إليه. وسُئِلَ هل يَأْكُلُها كلَّها؟ قال: لم أقُلْ يَأْكُلُها كُلَّها ولا يَتَصَدَّقُ منها بشئٍ. والأشْبَهُ قِياسُها على الأُضْحِيَةَ؛ لأنَّها نَسِيكَة مَشْرُوعَة غيرُ واجِبَةٍ، أشْبَهَتِ الأُضْحِيَةَ، ولأنَّها أشْبَهَتْها في صِفَتِها وسِنِّها وقَدْرِها وشُرُوطِها، فكذلك في مَصْرِفِها.
وإن طَبَخَها ودَعَا مَن أكَلَها، فحَسَنٌ. فصل: قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّه: يُباعُ الجِلْدُ والرَّأْسُ والسِّقْطُ، ويُتَصَدَّقُ به. ونَصَّ في الأُضْحِيَةِ على خِلافِ هذا، وهو أقْيَسُ في مَذْهَبِه؛ لأنَّها ذَبِيحَةٌ للَّهِ، فلا يُباعُ منها شئٌ، كالهَدْىِ، ولأنَّه يُمْكِنُ الصَّدَقَةُ به، فلا حاجَةَ إلى بَيْعِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أن يُنْقَلَ حُكْمُ إحْداهُما إلى الأُخْرَى. فيُخَرَّجُ في المسألتين رِوايَتان، ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما من حيثُ إنَّ الأُضْحِيَةَ ذَبِيحة شُرِعَتْ يومَ النَّحْرِ، فأشْبَهَتِ الهَدْى، والعَقِيقَةُ شُرِعَتْ عندَ سُرُورٍ حادِثٍ وتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، أشْبَهَتِ الذَّبْحَ في الوَلِيمَةِ، ولأنَّ الذَّبِيحَةَ ههنا لم تَخْرُجْ عن مِلْكِه، فكانَ له أن يَفْعَلَ بها ما شاءَ، مِن بَيْعٍ وغيرِه، والصَّدَقَةُ بثَمَنِ ما يَبِيعُ منها، بمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ به في فَضْلِها وثَوابِها وحُصُولِ النَّفْع به، فكانَ له ذلك.
فصل: قال بعضُ أهْلِ العِلمِ: يُسْتَحَبُّ للوَالِدِ أن يُؤَذِّنَ في أذُنِ ابْنِه حينَ يُولدُ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ رافِعٍ، عن أبيهِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أذَّنَ في أُذُنِ الحسنِ حينَ وَلَدَتْه فاطِمَةُ . وعن عمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، أنَّه كان إذا وُلِدَ له موْلُودٌ أخَذَه في خِرْقَةٍ، فأذَّنَ في أذُنِه اليُمْنَى، وأقامَ في اليُسْرَى، وسَماهُ. ورُوِّينا أنَّ رجلًا قال لرجل عندَ الحسنِ يُهَنِّئُه بابْن: ليَهْنِكَ الفارِسُ. فقال الحسنُ: وما يُدْرِيكَ أفارِسٌ هو أو حِمارٌ؟
فقال: كيف نقولُ؟ قال: قُلْ: بُورِكَ لك في المَوْهُوب، وشَكَرْتَ الواهِبَ، وبَلَغَ أشُدَّه، ورُزِقْتَ بِرَّه. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يُحَنِّك أوْلادَ الأنْصارِ بالتَّمْرِ . وروَى أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: ذُهِبَ بعبدِ اللَّهِ بنِ أبى طَلْحَةَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حينَ وُلِدَ، قال:«هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟». فَناوَلْتُه تَمَراتٍ، فلَاكَهُنَّ، ثم فَغَرَ فاهُ، ثم مَجهُ فيه، فجَعَلَ يَتَلمَّظُ. فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «[انْظروا إلى] حُبِّ الأنْصَارِ التَّمْرَ».
وسَمَّاه عبدَ اللَّهِ.
١٣٨١ -
(فَإِنْ فَاتَ) أَيِ: الذَّبْحُ فِي السَّابِعِ (فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ،
فَإِنْ فَاتَ، فَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ) نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُهُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ،
فَلَوْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ أَجَزَأَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ هُوَ السُّنَّةُ فَإِنْ تَجَاوَزَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ سَابِعٍ، فَيُذْبَحُ فِي ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ فِي خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الْأَشْهَرُ - أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْأَسَابِيعُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، بَلْ يُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّ هَذَا قَضَاءٌ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ كَالْأُضْحِيَّةِ،
وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِالصِّغَرِ، فَإِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ أَصْلًا حَتَّى بَلَغَ وَكَسَبَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: ذَلِكَ عَلَى الْوَالِدِ، يَعْنِي لَا يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " وَ " الرَّوْضَةِ " أَنَّهُ يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا يُشْرَعُ لَهُ فِكَاكُ نَفْسِهِ. (وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً) أَيْ: يَقْطَعُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ مِفْصَلِهِ تَفَاؤُلًا بِسَلَامَةِ أَعْضَاءِ الْمَوْلُودِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وينزعها أعضاءً، ولا يكسر عظمها. وحكمها حكم الأضحية) .
أما نزع العقيقة أعضاء وعدم كسر عظمها فلأنه يروى عن عائشة رضي الله عنها .
ولأنه أول ذبيحة ذبحت عن الولد فلا يكسر عظمها تفاؤلاً بالسلامة.
ومعنى ينزعها أعضاء أي: يفصل أعضاءها بعضاً من بعض من غير كسر.
قال أبو عبيد الهروي في حديث العقيقة:«تقطع جدولاً» أي عضواً عضواً.
وأما كون حكم العقيقة حكم الأضحية ومعناه أن يجتنب فيها ما يجتنب في الأضحية، ويأكل منها كما يأكل،
ويستحب فيها ما يستحب وهلم جرا؛ فلأنها شبيهة بها فألحقت بها لذلك.
ولا بد أن يلحظ أنه يجوز بيع جلدها ورأسها وسواقطها ويتصدق به
بخلاف الأضحية؛ لأن ذلك منقول عن الإمام أحمد. والأصل فيه أن الأضحية ذبيحة لله تعالى فلا يباع شيء منها كالهدي
بخلاف العقيقة.
فعلى هذا يحمل كلام المصنف رحمه الله في كون حكم العقيقة كحكم الأضحية فيما سوى ذلك لئلا يناقض النقل.
وقال أبو الخطاب رحمه الله: يحتمل أن ينقل حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى فتخرج في كل واحدة روايتان.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.