وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ رَدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن فَضَل معه منه شئٌ فأدْخَلَه البَلَدَ، رَدَّه في الغَنِيمَةِ، إلَّا أن يَكُونَ يَسِيرًا، فله أكْلُه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)
أمّا الكثيرُ، فيَجِبُ رَدُّه، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّ ما كان مُباحًا له في حالِ الحَرْبِ،
فإذا أخَذَه على وَجْهٍ يَفْضُلُ منه كثيرٌ إلى دارِ الإِسْلامِ، فقد أخَذَ ما لا يحْتاجُ إليه، فيَلْزَمُه رَدُّه؛ لأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُه؛ لكَوْنِه مُشْتَرَكًا بينَ الغانِمِين، فهو كسائِرِ المالِ. وإنَّما أُبِيحَ منه ما دَعَتِ الحاجَةُ إليه، فما زادَ يَبْقَي على أصْلِ التَّحْريمِ، ولهذا لم يُبَحْ بَيْعُه.
وأمَّا اليَسِيرُ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهُما، يجِبُ رَدُّه أيضًا. اخْتارَه أبو بكْرٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبى ثَوْرٍ، وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا في الكثيرِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«أدُّوا الْخَيْطَ والْمِخْيَطَ». ولأنَّه مِن الغَنِيمَةِ، ولم يُقْسَمْ، فلم يُبَحْ في دارِ الإِسْلامِ، كالكثيرِ، وكما لو أخَذَه في دارِ الإِسْلامِ. والثانيةُ، يُباحُ. وهو قولُ مَكْحُولٍ، وخالدِ بنِ مَعْدانَ ، وعَطاءٍ الخُراسانِىِّ ، ومالكٍ، والأوْزَاعِىِّ. قال أحمدُ: أهلُ الشامِ يتَساهَلُون في هذه.
وقد روَى القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن بعضِ أصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: كُنّا نَأْكُلُ الجَزَرَ في الغَزْوِ، ولا نَقْسِمُه، حتى إن كُنّا لَنَرْجِعُ إلى رِحالِنا وأخْرِجَتُنا منه مَمْلُوءَةٌ. رَواه أبو داودَ، وسعيدٌ . وعن عبدِ اللَّهِ بنِ يَسارٍ السُّلَمِىِّ، قال: دَخَلْتُ على رجل مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقَدَّمَ إلىَّ تُمَيْرًا مِن تُمَيْرِ الرُّومِ، فقُلْتُ: لقد سَبَقْتَ النّاسَ بهذا. قال: ليس هذا مِن العامِ، هذا مِن العامِ الأوَّلِ.
رَواه الأثْرَمُ في «سُنَنِه». وقال الأوْزَاعِىُّ: أدْرَكْتُ النّاسَ يَقْدَمُون بالقَدِيدِ، فيُهْدِيه بعضُهم إلى بعض، لا يُنْكِرُه إمامٌ ولا عامِل ولا جماعَةٌ. وهذا نَقْلٌ للإِجْماعِ. ولأنَّه أُبِيحَ إمْساكُه عن القِسْمَةِ، فأُبِيحَ في دارِ الإِسْلامِ، كمُباحاتِ دارِ الحَرْبِ التى لا قِيمَةَ لها فيها. ويُفارِقُ الكَثِيرَ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ إمْساكُه عن القِسْمَةِ، ولأنَّ اليَسِيرَ تَجْرى فيه المُسامَحَةُ، ونَفْعُه قليلٌ،
بخِلافِ الكثيرِ. فصل: وإذا جُمِدَتِ المغانِمُ وفيها طعامٌ أو عَلَفٌ، لم يَجُزْ لأحَدٍ أخْذُه إلَّا للضَّرورَةِ؛ لأنَّنا إنَّما أبَحْنا أخْذَه قبلَ جَمْعِه؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ فيه مِلكُ المسلمين بعدُ، فأشْبَهَ المُباحاتِ مِن الحَطَبِ والحشيشِ،
فإذا جُمِعَتْ ثَبَت مِلْكُ المسلمين فيها، فخَرَجَتْ عن حَيِّزِ المُباحاتِ، وصارَتْ كسائِرِ أمْلاكِهم، فلم يَجُزِ الأكْلُ منها إلَّا لضَرُورَةٍ، وهو أن لا يَجِدُوا ما يأْكُلُونَه، فحِينَئِذٍ يجوزُ، لأنَّ حِفْظَ نُفُوسِهم ودَوابِّهم أهَمُّ، وسواءٌ حِيزَتْ في دارِ الحَرْبِ أو في دارِ الإِسْلامِ.
وقال القاضى: يجوزُ الأكْلُ منها ما كانتْ في دارِ الحَرْبِ،
وإن حِيزَتْ، لأنَّ دارَ الحَرْبِ مَظِنَّةُ الحاجَةِ، لعُسْرِ نَقْلِ المِيْرَةِ إليها،
بخِلافِ دارِ الإِسلامِ. والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ ما ثَبَت عليه أيْدِى المسلمين، وتَحَقَّقَ مِلْكُهم له، لا يَنْبَغِى أن يُؤْخَذَ إلَّا برِضاهم، كسائِرِ أمْلاكِهم، ولأنَّ حِيازَتَه في دارِ الحَرْبِ تُثْبِتُ المِلْكَ فيه، بدليل جَوازِ قِسْمَتِه، وثُبُوتِ أحْكامِ المِلْكِ فيه،
بخِلافِ ما قبلَ الحِيازَةِ، فإنَّ المِلْكَ لم يَثْبُت فيه بعدُ.
١٤٣٧ -
(وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ) وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِ الْأَكْثَرُ. (رَدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ) أَيْ: إِذَا كَانَ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَمَا بَقِيَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الطَّبْخَةِ، وَالطَّبْخَتَيْنِ مِنَ اللَّحْمِ، وَالْعَلِيفَةِ وَالْعَلِيفَتَيْنِ، مِنَ الشَّعِيرِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ الْمُسَامَحَةُ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَقْدَمُونَ بِالْقَدِيدِ فَيَهْدِيهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ. وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ رَدُّهُ. نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " خِلَافِهِمَا " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَدُّوُا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ» . وَلِأَنَّهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَلَمْ يُقَسَّمْ فَلَمْ يُبَحْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْكَبِيرِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ فضَل معه شَئٌ فأدْخَلَه البلَدَ، رَدَّه فى الغَنِيمَةِ، إلَّا أنْ يكونَ يَسِيرًا، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فله أكلُه، فى إحْدَى الرِّوايتَيْن. نصَّ عليه فى رِوايَةِ ابنِ إبْراهِيمَ. وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِىِّ»، و «العُمْدَةِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يَلْزَمُه رَدُّه فى المَغْنَمِ. نصَّ عليها فى رِوايَةِ أبى طالِبٍ. وهى المذهبُ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ الخَلَّالُ، وأبو بَكْرٍ عَبْدُ العزيزِ، والقاضى. وأطْلَقهما الخِرَقِىُّ، والشَّارِحُ، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الإِرْشادِ»، والزَّرْكَشِىُّ، وأبو الخطابِ فى «خِلافَيْهما». وجزَم به . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُنَوِّرِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ».
فائدة: لو باعَه، رَدَّ ثَمنَه،
وإنْ أكلَه، لم يَرُدَّ قِيمَةَ أكْلِه. على الصَّحيحِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه، يَرُدُّها.
تنبيهات، الأَوَّلُ، الذى يظْفَرُ أنَّ اليَسِيرَ هنا يرْجِعُ قدْرُه إلى العُرْفِ.
وقال فى «التَّبْصِرَةِ»، و «المُوجَزِ»: هو كطَعامِ أو عَلَفِ يَوْمَيْن. ونقلَه أبو طالِبٍ. قال فى «الرِّعايَةِ»: اليَسِيرُ كعَلْفَةٍ وعَلْفَتَيْن، وطَبْخَةٍ وطبْخَتَيْن. الثَّانى، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يأْخُذُ غيرَ الطَّعام والعَلَفِ. وهو صحيحٌ. قال الإِمامُ أحمدُ: لا يغْسِلُ ثَوْبَه بالصَّابونِ،
فإنْ غسَل، رَدَّ قِيمَتَه فى المَغْنَمِ. نقلَه أبو طالِبٍ. واقْتَصرَ عليه فى «الفُروعِ». الثَّالثُ، السُّكَّرُ والمَعاجِينُ ونحوُهما كالطعامِ، وفى إلْحاقِ العَقاقيرِ بالطَّعامِ وَجْهان. وأطْلَقَهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الأُوْلَى إلْحاقُه بالطَّعامِ إنِ احْتاجَ إليه، وإلَّا فلا.
وقيل فى مَوْضِعٍ مِنَ «الرِّعايَةِ»: وله شُرْبُ الدَّواءِ مِنَ المَغْنَمِ وأَكْلُه. الرَّابعُ، محَلُّ جَوازِ الأخْذِ والأكْلِ، إذا لم يَحُزْها الإِمامُ،
أما إذا حازَها الإِمامُ ووَكَّل مَنْ يحْفَظها، فإنَّه لا يجوزُ لأحَدٍ أخْذُ شئٍ منه إلَّا لضَرُورَةٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ والمنْصوصِ عنه. واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقدَّمه الزَّرْكَشِىُّ وغيرُه. وجوَّز القاضى فى «المُجَرَّدِ» الأَكْلَ منه فى دارِ الحَرْبِ مُطْلَقًا.
فائدتان؛ إحْداهما، يدْخُلُ فى الغَنِيمَةِ جَوارِحُ الصَّيْدِ، كالفُهودِ والبُزاةِ. نقَل صَالِحٌ، لا بأْسَ بثَمَنِ البَازِى. انتهى. ولا يدْخُلُ ثَمَنُ كَلْبٍ وخِنْزِيرٍ، ويَخُصُّ وَمَنْ أَخَذَ سِلَاحًا، فَلَهُ أنْ يُقَاتِلَ بِهِ حَتَّى تَنْقَضِىَ الْحَرْبُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ. وَلَيْسَ لَهُ رُكُوبُ الْفَرَسِ، فى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
الإِمامُ بالكَلْبِ مَن شاءَ، فلو رَغِبَ فيها بعضُ الغانِمِين دُونَ بعضٍ، دُفِعَتْ إليه،
وإنْ رَغِبَ فيها الكُلُّ، أو ناسٌ كثيرٌ، قُسِمَتْ عدَدًا مِن غيرِ تَقْويمٍ إنْ أمْكَنَ قِسْمَتُها،
وإنْ تعَذَّرَ، أو تَنازَعُوا فى الجَيِّدِ منها، أُقْرِعَ بينَهم. ويُكْسَر الصَّلِيبُ، ويُقْتَلُ الخِنْزيرُ. قالَه الإِمامُ أحمدُ. ونقلَ أبو داودَ، يُصَبُّ الخَمْرُ، ولا يُكْسَرُ الإناءُ. الثَّانيةُ، يَجُوزُ له إذا كان مُحْتاجًا، دَهْنُ بدَنِه ودابَّتِه بدُهْن،
ويجوزُ شُرْبُ شَرابٍ. ونقَل أبو داودَ، دَهْنُه بدُهْن للتَّزَيُّنِ لا يُعْجِبُنِى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.