وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ قُبِلَ مِنْهُ
الشروح عليها
مسألة: (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الإِسْلَام بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِلَ مِنْهُ) إذا دَخَل حَرْبِىٌّ دارَ الإِسلامِ بغيرِ أمانٍ، وادَّعَى أنَّه رسولٌ، قُبِلَ منه، ولم يَجُزِ التَّعَرُّضُ له، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لرسُولَىْ مُسَيْلِمَةَ:«لَوْلَا أنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا». ولأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بذلك.
وإنِ ادَّعَى أنَّه تاجِرٌ، وقد جَرَتِ العادَةُ بدُخُولِ تُجَّارِهم إلينا، لم يُعْرَضْ له إذا كان معه ما يَبِيعُه؛ لأنَّهم دَخَلُوا يَعْتَقِدُون الأمانَ، أشْبَهَ ما لو دَخَلُوا بإشارَةِ مسلمٍ. قال أحمدُ: إذا رَكِب القومُ في البَحْرِ، فاسْتَقْبَلَهم فيه تُجَّارٌ مُشْرِكُون مِن أرْضِ العَدُوِّ، ويُرِيدُون بِلادَ الإِسْلامِ، لم يَعْرِضُوا لهم، ولم يُقاتِلُوهم، وكلُّ مَن دَخَل بِلادَ المسلمين مِن أرْضِ الحَرْبِ بتِجارَةٍ، بُويعَ، ولم يُسْأَلْ عن شئٍ.
وإن لم تكنْ معه تِجارَةٌ، فقال: جِئْتُ مُسْتَأْمِنًا. لم يُقْبَلْ منه، وكان الإِمامُ فيه مُخَيَّرًا. ونحوُ هذا قولُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ.
(وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ قُبِلَ مِنْهُ) لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُمْكِنٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَتْلِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ إِلَيْهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
أَمَّا الرَّسُولُ فَلِمَا سَبَقَ، وَأَمَّا التَّاجِرُ، فَلِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ بِمَالِهِ، وَلَا سِلَاحَ مَعَهُ، دَلَّ عَلَى قَصْدِهِ الْأَمَانَ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمُؤَلِّفُ هُنَا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِهِ،
وَالْمَذْهَبُ اشْتَرَطَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الشَّرْطِ.
فَإِذَا انْتَفَتْ، وَدَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْعِصْمَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تِجَارَةٌ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِذَا قَالَ: جِئْتُ مُسْتَأْمَنًا، لِأَنَّهُ غَيْرُ صَادِقٍ.
ومَن دخَل دارَ الإِسْلامِ بغيرِ أمانٍ، وادَّعَى أنَّه رَسُولٌ، أو تاجِرٌ ومعه مَتاعٌ يَبِيعُه، قُبِلَ منه. وهذا مُقَيَّد بأنْ تُصَدِّقَه عادَةٌ. وهذا المذهبُ. نصَّ عليه.
وَإنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، أَوْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فى مَرْكَبٍ إِلَيْنَا، فَهُوَ لِمَنْ أَخذَهُ.
وَعَنْهُ، يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. ونقَل أبو طالِبٍ، إنْ لم يُعْرَفُ بتِجارَةٍ ولم يُشْبِهْهم، أو كان معه آلةُ حَرْبٍ، لم يُقْبَلْ منه، ويُحْبَسُ حتَّى يُتَبَيّنَ أمْرُه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، ويُعْمَل فى ذلك بالقَرائنِ. وعلى المذهبِ، إنْ لم تُصَدِّقْه عادَة، أو لم يَكُنْ معه تِجارَة، وادَّعَى أنَّه جاءَ مُسْتَامِنًا، فهو كالأسِيرِ، يُخَيَّرُ الإِمامُ فيه، على ما تقدَّم.
فائدة: لو دخَل أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِين دارَ الحَرْبِ بأمانٍ، بتِجارَةٍ أو رِسالَةٍ، لم يَخُنْهم فى شئٍ، ويَحْرُمُ عليه ذلك.
قال: (ومن دخل دار الإسلام بغير أمان فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يبيعه قُبل منه. وإن كان جاسوساً خُير الإمام فيه كالأسير. وإن كان ممن ضل عن الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا فهو لمن أخذه. وعنه: يكون فيئاً للمسلمين) .
أما كون قول من دخل دار الإسلام فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يُقبل فلأن ما ادعاه ممكن فيكون شبهة في درء القتل فلأنه يتعذر عليه إقامة البينة على ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: ومعه متاع فشرط في قبول قوله أنه تاجر لأنه إذا لم يكن معه ذلك لم يحتمل صدقه.
وقوله: قُبل منه فيه إشعار بأنه لا يتعرض إليه. صرح بذلك هو وغيره من الأصحاب.
أما الرسول «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرسولي مُسَيْلمة: لولا أن الرسول لا يقتل لقتلتكما» رواه أبو داود.
وأما التاجر فلأنه إذا جاء بماله ولا سلاح معه دل على قصد الأمان.
ولم يشترط المصنف رحمه الله هنا أن تكون العادة جارية بذلك لما ذكر من قصده الأمان. واشترطه في الكافي وصرح به غيره من الأصحاب لأن العادة جارية مجرى الشرط.
فإذا لم تكن عادة ولم يدخل بأمان وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة.
وأما كون الإمام يخير في الجاسوس كالأسير فلأنه كافر قصد نكاية المسلمين فخير الإمام فيه بعد القدرة عليه كالأسير.
وأما كون المأخوذ ممن ذكر لمن أخذه على المذهب فلأنه مباح ظهر عليه بغير جهاد فكان لآخذه كمباحات دار الإسلام.
وأما كونه يكون فيئاً على روايةٍ فلأنه مال مشترك ظهر عليه بغير قتال أشبه ما تركوه فزعاً وهربوا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.