فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ جَازَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
(فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ جَازَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى حَاصِلٌ بِهِ فَجَازَ كَمَا لَوْ تَأَخَّرَ، وَهَذَا إِذَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ،
فَلَوْ قَالَ: قَبِلْتُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ قَالَ: بِعْتُكَ لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ التَّأَخُّرُ وَكَنِكَاحٍ، نَصَّ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِ رِوَايَةً، وَعَلَى الْأُولَى فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ "، إِذَا تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الْمَاضِي كَابْتَعْتُ مِنْكَ، فَيَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ أَوِ الطَّلَبِ كَبِعْنِي بِكَذَا، فَيَقُولُ: بِعْتُكَ، فَالْأَشْهَرُ الصِّحَّةُ،
وَعَنْهُ لَا يَنْعَقِدُ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وِفِاقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَبُولٍ وَلَا اسْتِدْعَاءٍ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَبُولًا.
فإنْ تقَدَّمَ القَبولُ الإِيجابَ، جازَ، فى إحْدى الرِّوايَتَيْن. وأطْلَقهما فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغة»، و «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ إحْداهما، يجوزُ، أى يصِحُّ. وهو المذهبُ، سواءٌ تقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى أو بلَفْظِ الطَّلَبِ، كقَوْلِه: بِعْنِى ثَوْبَك. أو مَلِّكْنِيه. فيقولُ: بِعْتُكَ. جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهما. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه» وغيرُه. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، وغيرِهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ، أى لا يصِحُّ.
اخْتارَها أكثرُ الأصحابِ. قالَه فى «الفُروعِ»، كالنِّكاحِ. قال فى «النُّكتِ»: نصَرَه القاضى وأصحابُه. قال القاضى: هذه الرِّوايَةُ هى المَشْهورَةُ. واخْتارَه أبو بَكْرٍ وغيرُه. قال ابنُ هُبَيْرَةَ: هذه أشْهَرُهما عن أحمدَ. انتهى. وجزَم به فى «المُبْهِجِ» وغيرِه. وصحَّحَه فى «الخُلاصَةِ» وغيرِها. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، إنْ تقدَّم القَبولُ على الإِيجابِ بلَفْظِ الماضِى، صحَّ،
وإنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الطلَبِ، لم يصِحَّ. قال فى «المُغْنِى»،
و «الحاوِيَيْن»: فإنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى، صحَّ،
وإنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الطلَبِ، فرِوايَتان.
وقال فى «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»: إنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى،
وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِيجَابِ، صَحَّ مَا دَامَا فى الْمَجلِسِ وَلَمْ صحَّ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن،
وإنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الطَّلَبِ، فرِوايَتان. وقطَع فى «الكافِى» بالصِّحَّةِ إنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى، وعدَمِ الصِّحَّةِ إنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الطَّلَبِ.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، وهو مُرادُ المُصَنِّفِ، إن كان بلَفْظِ الماضِى المُجَرَّدِ عن الاسْتِفْهامِ، أو بلَفْظِ الطَّلَبِ لا غيرُ، كما تقدَّم.
أمَّا لو كان بلَفْظِ المُضارِعِ، أو كان بلَفْظِ الماضِى المُسْتَفْهَمِ به، مثْلَ قوْلِه: أبِعْتَنِى هذا بكذا؟ أو أتَبِيعُنِى هذا بكذا؟ فيقولُ: بِعْتُكَ. لم يصِحَّ. نصَّ عليه. حتى يقولَ بعدَ ذلك: ابْتَعْتُ، أو قَبِلْتُ، أو اشْتَريْتُ، أو تَملكْتُ، ونحوَها.
فوائد؛ الأُولَى، لو قال البائِعُ للمُشْتَرِى: اشْتَرِه بكذا، أو ابْتَعْه بكذا. فقال: اشْتَريْتُه، أو ابْتَعْتُه. لم يصِح، حتى يقولَ البائِعُ بعدَه: بِعْتُكَ، أو مَلَّكْتُكَ. قالَه فى «الرِّعايَةِ». قال فى «النُّكَتِ»: وفيه نظَرٌ ظاهِرٌ، والأَوْلَى، أنْ يكونَ كتَقَدُّمِ الطَّلَبِ مِنَ المُشْتَرِى، وأنَّه دالٌّ على الإيجابِ والبَذْلِ. انتهى. الثَّانيةُ، لو قال: بِعْتُكَ. أو قَبِلْتُ، إنْ شاءَ اللَّه. صح، بلا نزِاعٍ أعْلَمُه. وجزَم به فى «المُغْنِى» وغيرِه، فى آخِرِ الإِقْرارِ. ويأْتِى نظِيرُه فى النِّكاحِ، ويأتِى ذلك فى بابِ ما يحْصُلُ به الإِقْرارُ.
الثَّالثةُ، قوله: وإنْ تراخَى القَبولُ عنِ الإيجابِ، صَحَّ ما داما فى المجْلِسِ ولم يتَشاغَلا بما يقْطَعُه. قيَّد الأصحابُ قوْلَهم: ولم يتَشاغَلا بما يقْطَعُه، بالعُرْفِ. يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثّانِيَةُ، الْمُعَاطَاةُ، مِثْلَ أن يَقُولَ: أعْطِنِى بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا. فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ. أو يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَم. فَيَأْخُذَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلَّا فى الشَّئِ الْيَسِيرِ.
قال: (فإن تقدم القبول الإيجاب جاز في إحدى الروايتين، وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه، وإلا فلا) .
أما كون تقدم القبول الإيجاب يجوز في روايةٍ؛ فلأن المعنى حاصل بذلك فوجب أن يجوز كما لو تأخر.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأن القبول رتبته التأخر فلم يجز تقدمه كما لو تقدم في النكاح. وذكر المصنف في المغني أنه إن تقدم بلفظ الاستفهام مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا؟ فيقول: بعتك لم يصح لأنه ليس بقبول ولا استدعاء،
وإن تقدم بلفظ الماضي مثل أن يقول: ابتعت منك فيقول: بعتك صح لأنه متضمن معنى القبول حقيقة.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أنه لا يصح قياساً على تقدمه بلفظ الطلب.
وإن تقدم بلفظ الطلب مثل أن يقول: بعني ثوبك فيقول: بعتك فذكر القاضي فيه روايتين:
إحداهما: يصح؛ لأن ذلك يتضمن معنى القبول فصح كما لو كان بلفظ الماضي.
والثانية: لا يصح؛ لأنه لفظ لو تأخر عن الإيجاب لم يصح به البيع فلم يصح إذا تقدم كلفظ الاستفهام.
ولأنه عقد عري عن القبول فلم يصح كما لو لم يطلب.
وأما كون القبول إذا تراخى عن الإيجاب يصح ما دام المتبايعان في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطع البيع؛ فلأن المجلس مُنَزّلٌ منزلة العقد في كثير من الأحكام فليكن هاهنا كذلك.
وأما كونه لا يصح إذا تراخى عن الإيجاب حتى انقضى المجلس؛ فلأنه لما بَعُد صار كلا قبول.
وأما كونه لا يصح إذا تشاغلا بما يقطعه؛ فلأنهما إذا تشاغلا بذلك صارا كالمعرضين عن البيع فلم يصح بعد ذلك كما لو صرح بالرد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.