الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ إِلَّا الصَّبِيَّ الْمُمَيَّزَ وَالسَّفِيهَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
(فصل: الثّانِى، أن يَكُونَ العاقِدُ جائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وهو المُكَلَّفُ الرَّشِيدُ) فلا يَصِحُّ مِن غيرِ عاقِلٍ؛ كالطِّفْلِ، والمَجْنُونِ، والمُبَرْسَمِ، والسَّكْرانِ، والنّائِمِ؛ لأنَّه قولٌ يُعْتَبَرُ له الرِّضا، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ عاقِلٍ، كالإِقْرارِ. وسَواءٌ أذِنَ له وَلِيُّه، أو لم يَأذَنْ.
فأمّا (الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، والسَّفِيهُ، فيَصِحُّ تَصَرُّفُهما بإذْنِ ولِيِّهما، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. ولا يَصِحُّ بغَيْرِ إذْنِهما، إلَّا في الشئِ اليَسِيرِ) يَصِحُّ تَصَرُّفُ الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، بالبَيْعِ والشِّراءِ فيما أذِنَ له الوَلِىُّ فيه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وهو قولُ أبى حَنِيفة. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ حتى يَبْلُغَ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ. ولأنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ منه على الحَدِّ الذى يَصِحُّ به التَّصَرُّفُ؛ لخَفائِه وَتَزايُدِه تَزَايُدًا خَفِىَّ التَّدْرِيجِ، فجَعَلَ الشّارِعُ له ضابِطًا، وهو البُلُوغُ، فلا تَثْبُت له أحْكَامُ العُقَلاءِ قبلَ وجُودِ المَظِنَّةِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}. مَعْناهُ، اخْتَبِرُوهُم لتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ، وإنَّما يَتَحَقَّقُ ذلك بتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إليهم مِن البَيْعِ والشِّراءِ؛ ليُعْلَمَ هل تَغَيَّرَ أو لا، ولأنَّه عاقِلٌ مُمَيِّزٌ مَحْجُورٌ عليه، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُه بإذْنِ وَلِيِّه، كالعَبْدِ. وفارَقَ غيرَ المُمَيِّزِ، فإنّه لا تَحْصُلُ له المَصْلَحَةُ بتَصَرُّفِه؛ لعَدَمِ تَمْيِيزِه ومَعْرِفَتِه، ولا حاجَةَ إلى اخْتِبارِه؛ لأنَّه قد عُلِمَ حالُه. وقَوْلُهم: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه.
قلنا: يُعْلَمُ ذلك بتَصَرُّفاتِه وجَرَيانِها على وَفْقِ المَصْلَحَةِ، كما يُعْلَمُ في حَقِّ البالِغِ،
فإنَّ مَعْرِفَةَ رُشْدِه شَرْطٌ لدَفْعِ مالِه إليه وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، كذا ههُنا.
فأمّا إنْ تَصَرَّفَ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، إلَّا في الشئِ اليَسِيرِ.
وكذلك تَصَرُّفُ غيرِ المُمَيِّزِ؛ لِما رُوِى أنَّ أبا الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، اشْتَرَى مِن صَبِىٍّ عُصْفُورًا، فأرْسَلَه. ذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازَةِ الوَلِىِّ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ. وهو مَبْنِىٌّ على تَصَرُّفِ الفُضُولِىِّ، وسَنَذْكُرُه، إنْ شاء اللَّهُ تعالى.
وكذلك الحُكْمُ في تَصَرُّفِ السَّفِيهِ بإذْنِ وَلِيِّه، فيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فمَلَكَه بالإِذْنِ، كالنِّكاحِ، وقِياسًا على الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الحَجْرَ على الصَّبِىِّ أعْلَى مِن الحَجْرِ عليه، فههُنا أوْلَى بالصِّحَّةِ، ولأنَّنا لو مَنَعْنا تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، لم يَكُنْ لنا طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ رُشْدِه واخْتِبارِه. والثانِيَةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه لتَبْذِيرِه وسُوءِ تَصَرُّفِه،
فإذا أذِنَ له، فقد أذِنَ فيما لا مَصْلَحَةَ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو أذِنَ له في بَيْعِ ما يُساوِى عَشْرَةً بخَمْسَةٍ. وللشافعىِّ وَجْهان كهاتين.
ويَصِحُّ تَصَرُّفه في الشئِ اليَسِيرِ، كالصَّبِىِّ.
(الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ يُشْتَرَطُ لَهُ الرِّضَى فَاشْتُرِطَ فِي عَاقِدِهِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ كَالْإِقْرَارِ (وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ) وَالْمُرَادُ بِهِ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الرَّشِيدُ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ طِفْلٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَكْرَانَ وَلَا نَائِمٍ وَلَا مُبَرْسَمٍ، وَلَا شِرَاؤُهُ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ أَمْ لَا (إِلَّا الصَّبِيَّ الْمُمَيَّزَ وَالسَّفِيهَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} أَيِ: اخْتَبِرُوهُمْ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِتَفْوِيضِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إِلَيْهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ، وَالسَّفِيهُ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ فِي الصَّبِيِّ بِمَا ذَكَرْنَا فَالسَّفِيهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ إِلَّا فِي عَدَمِ وَقْفِهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ جَوَازَ الْإِذْنِ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ لِمَصْلَحَةٍ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُمَيَّزِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى فَضَبَطَهُ الشَّارِعُ بِحَدٍّ، وَهُوَ الْبُلُوغُ، وَالسَّفِيهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِسُوءِ تَصَرُّفِهِ وَتَبْذِيرِهِ،
فَإِذَا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فَقَدْ أَذِنَ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ
فَصْلٌ: الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ العَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ،
وقال فى «الانْتِصارِ»: يُقْبَلُ منه بقَرِينَةٍ. الخامسةُ، مَن قال لآخَرَ: اشْتَرِنِى مِن زَيْدٍ، فإنِّى عبْدُه. فاشْتَراه، فبانَ حُرًّا، لم يَلْزَمْه العُهْدَةُ، حضَر البائِعُ أو غابَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نقَلَه الجماعةُ. كقَوْلِه: اشْتَرِ منه عَبْدَه هذا. ويُؤَدَّبُ هو وبائعُه، لكنْ ما أخَذ المُقِرُّ غَرِمَه. نصَّ عليهما. وسألَه ابنُ الحَكَمِ عن رَجُلٍ يُفِرُّ بالعُبودِيَّةِ حتىِ يُباعَ؟ قال: يُؤْخَذُ البائِعُ والمُقِرُّ بالثَّمَنِ،
فإنْ ماتَ أحدُهما أو غابَ، أُخِذَ الآخَرُ بالثَّمَنِ. واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ هذا فى كلِّ غارٍّ. وما هو ببَعِيدٍ.
ولو كان الغارُّ أُنْثَى، حُدَّتْ ولا مَهْرَ، نصَّ عليه، ويَلْحَقُه الوَلَدُ. السَّادسةُ، لو أقرَّ أنَّه عبْدُه، فرَهَنَه، قال فى «الفُروعِ»: فيتَوجَّهُ كبَيْعٍ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. ولم يُنْقَلْ عن أحمدَ فيه إلَّا رِوايَةُ ابنِ الحَكَمِ المُتقَدِّمةُ،
وقال بها أبو بَكْرٍ. الثَّانِى، أنْ يكونَ العاقِدُ جائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وهو المُكَلَّفُ الرَّشِيدُ. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحاب، اشْتِراطُ التَّكْليفِ والرُّشْدِ فى صحَّةِ البَيْعِ مِن حيثُ الجُمْلَةُ.
وعنه، يصِحُّ تصَرُّفُ المُمَيِّز، ويقِفُ على إجازَةِ وَلِيِّه.
وعنه، يصِحُّ مُطْلقًا. ذكَرَها الفَخْرُ إسْماعِيلُ البَغْدَادِىُّ .
وقال فى «الانْتِصارِ»، إِلَّا الصَّبِىَّ الْمُميِّزَ، وَالسَّفِيهَ؛ فَإنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإذْنِ وَلِيِّهِمَا، فى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِلَّا فى الشَّىْءِ الْيَسِيرِ.
و «عُيونِ المَسائلِ»: ذكَر أبو بَكْرٍ صحَّةَ بَيْعِه ونِكاحِه. إِلَّا الصَّبِىَّ المُمَيِّزَ والسَّفِيهَ، فإنَّه يصِحُّ تَصَرُّفُهما بإذْنِ وَلِيِّهما فى إحْدَى الرِّوايَتين. وهى المذهبُ، وعليه الأصحابُ. والرِّوايَةُ الأُخْرَى، لا يصِحُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تصَرُّفُهما إلَّا فى الشَّئِ اليَسِيرِ. وأطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وأطْلَقَ وَجْهَيْن فى «الكافِى»، و «التَّلْخيصِ». وأطْلَقَهما فى السَّفِيهِ، فى بابِ الحَجْرِ، فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى».
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن محَلِّ الخِلافِ، عَدمُ وَقْفِ تصَرُّفِ السَّفِيهِ. قال فى «الفُروعِ»: والسَّفِيهُ مثْلُ المُمَيِّزِ إلَّا فى عدَمِ وَقْفِه. يعْنِى، أنَّ لنا رِوايَةً فى المُمَيَّزِ بصِحَّةِ تَصَرُّفِه، ووُقوفِه على إجازَةِ الوَلىِّ،
بخِلافِ السَّفِيهِ. ويُسْتَثْنَى أيضًا مِنَ الخِلافِ فى المُمَيَّزِ والمُراهِقِ، تصَرُّفُه للاخْتِبارِ، فإنَّه يصِحُّ، قوْلًا واحدًا. جزَم به فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهما.
قلتُ: ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ، إجْراءُ الخِلافِ فيه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، عدَمُ صحَّةِ تصَرُّفِ غيرِ المُمَيِّزِ مُطْلَقًا: أمَّا فى الكَثِيرِ، فلا يصِحُّ، قوْلًا واحدًا،
ولو أَذِنَ فيه الوَلِىُّ. وأمَّا اليَسيرُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، صِحَّةُ تصَرُّفِه. وهو الصَّوابُ. قطَع به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وقيلَ: لا يصِحُّ. وجزَم به فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى». وأطْلقَهما فى «الفُروعِ».
فائدة: يصِحُّ تصَرُّفُ العَبْدِ والأمَةِ بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، فيما يصِحُّ فيه تصَرُّفُ الصَّغيرِ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه. قالَه الأصحابُ.
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللَّه، أن تصَرُّفَ الصَّبِىِّ والسَّفيهِ، لا يصِحُّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّهما، إلَّا فى الشَّئِ اليَسِيرِ، كما قال المُصَنِّفُ. وهو صحيحٌ فى الجُمْلَةِ، وهو المذهبُ، وعليه الأكثرُ. ونقَل حَنْبَلٌ، إنْ تزَوَّجَ الصَّغِيرُ، فبلَغ أبَاه، فأجازَه، جازَ.
قال جماعةٌ: ولو أجازَه هو بعدَ رُشْدِه، لم يَجُزْ. ونقَل أبو طالِبٍ، وأبو الحارِثِ، وابنُ مُشَيْشٍ، صحَّةَ عِتْقِه إذا عقَلَه.
وكذا قال فى «عُيونِ المَسائلِ»: يصِحُّ عِتْقُه،
وأنَّ أحمدَ قالَه. [وقدَّم فى «التَّبْصِرَةِ» صحَّةَ عِتْقِ المُمَيِّزِ] . وذكَر فى «المُبْهِجِ»، و «التَّرْغِيبِ»، فى صحَّةِ عِتْقِ المَحْجُورِ عليه، وابنِ عَشرٍ، وابنَةِ تِسْعٍ، رِوايتَيْن.
وقال فى «المُوجَزِ»: فى صحَّةِ عِتْقِ المُمَيِّزِ رِوايَتان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال فى «الانْتِصارِ»، و «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، والمُصَنِّفُ فى هذا الكتابِ فى بابِ الحَجْرِ، وغيرُهم: فى صحَّةِ عِتْقِ السَّفِيهِ روِايَتان. ويأتِى بعضُ ذلك فى أوَّلِ كتابِ العِتْقِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الصَّحيحُ عن أحمدَ، عدَمُ صحَّةِ عقُودِه،
وأنَّ شيْخَه القاضى قال: الصَّحيحُ عندِى، فى عقودِه كلِّها رِوايَتان. وقدَّم فى «التَّبْصِرَةِ» صِحَّةَ عِتْقِ مُمَيِّزٍ وسَفِيهٍ ومُفْلِسٍ. ونقَل حَنْبَلٌ، إذا بلَغ عشْرًا، تزَوَّج، وَزوَّج، وطَلَّق. وفى طريقَةِ بعضِ أصحابِنا، فى صحَّةِ تصَرُّفِ مُمَيِّز ونُفوذِه، بلا إذْنِ وَلِىٍّ، وإبْرائِه وإعْتاقِه وطَلاقِه، رِوايَتان. انتهى. وشِراءُ السَّفِيهِ فى ذِمَّتِه واقْتِراضُه، لا يصِحُّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يصِحُّ. ويأْتِى أحْكامُ السَّفِيهِ فى بابِ الحَجْرِ.
وأمَّا الصَّبِىُّ، فله أحْكامٌ كثِيرَةٌ مُتفَرِّقَةٌ فى الفِقْهِ، ذُكِرَ أكثرُها فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، ويأْتِى بعضُها فى كلامِ المُصَنِّفِ فى وَصِيَّتِه، وتَزْوِيجِه، وطَلاقِه، وظِهارِه، وإيلائِه، وإسْلامِه، ورِدَّتِه، وشَهادَتِه، وإقْرارِه، وغيرِ ذلك. وفى قَبُولِ المُمَيِّزِ والسَّفِيهِ،
وكذا العَبْدُ، هِبَةً ووَصِيَّةً بدُونِ إذْنٍ، ثَلَاثةُ أوْجُهٍ؛ ثالِثُها، يصِحُّ مِنَ العَبْدِ دُونَ غيرِه. نصَّ عليه. قالَه فى «الفُروعِ». وذكَر فى «المُغْنِى»، أنَّه يصِحُّ قَبُولُ المُمَيِّزِ،
وكذا قبْضُه، واخْتارَه أيضًا الشَّارِحُ، والحَارِثِىُّ. وفيه احْتِمالٌ. وأطْلَقهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، فى السَّفِيهِ والمُمَيِّزِ. وأطْلقَهما فى «الفائقِ»، فى المُمَيِّزِ .
قلتُ: الصَّوابُ الصِّحَّةُ فى الجميعِ، ويُقْبَلُ مِن مُمَيَّزٍ. قال أبو الفَرَجِ: ودُونَه هَدِيَّةٌ أرْسَلَ بها، وإذْنهُ فى دُخولِ الدَّارِ ونحوِها. وفى «جامِعِ القاضى»،
ومِن فاسِقٍ وكافِرٍ. وذكَرَه القُرْطُبِىُّ إجْماعًا.
وقال القاضى فى مَوْضِعٍ: يَقْبَلُه منه إنْ ظَنَّ صِدْقَه بقرِينَةٍ، وإلَّا فلا. قال فى «الفُروعِ»: وهذا مُتَّجَهٌ.
فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف، وهو: المكلف الرشيد، إلا الصبي المميز والسفيه فإنه يصح تصرفهما بإذن وليهما في إحدى الروايتين، ولا يصح بغير إذنه إلا في الشيء اليسير) .
أما كون ثاني الشروط السبعة لصحة البيع: أن يكون العاقد غير الصبي والسفيه جائز التصرف؛ فلأن البيع قولٌ يشترط له الرضى فاشترط في عاقده جواز التصرف كالإقرار.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو المكلف الرشيد فتفسير لجائز التصرف. والمراد بالمكلف العاقل البالغ.
فعلى هذا لا يصح بيع طفل ولا مجنون ولا سكران ولا نائم ولا مبرسم ولا شراءه؛ لأن كل واحد منهم لا عقل له.
وأما كون تصرف الصبي المميز والسفيه بإذن وليهما يصح في روايةٍ: أما في الصبي فلقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} أي اختبروهم وإنما يتحقق الاختبار بتفويض البيع والشراء إليه.
ولأنه عاقل فصح تصرفه بإذن وليه وإن كان محجوراً عليه كالعبد.
وأما في السفيه؛ فلأنه إذا صح تصرف المميز بإذن وليه؛ فلأن يصح تصرف السفيه بإذن وليه بطريق الأولى.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلما تقدم في غيرهما.
وأما كونه لا يصح بغير إذن وليهما في الشيء الكثير؛ فللدلالة على اشتراط جواز التصرف السالم عن معارضة دليل صحة تصرفهما بإذن وليهما.
وأما كونه يصح في الشيء اليسير؛ فلأن الحكمة الحاملة على الحجر عليهما خوف ضياع مالهما بتصرفهما وذلك في اليسير مفقود.
وعن أبي الدرداء «أنه اشترى من صبي عصفوراً وأطلقه».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.