وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا وَنَحْوَهُ فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ،
الشروح عليها
مسألة: (وإن شَرَطَ رَهْنًا فاسِدًا) كالخَمْرِ (ونحْوِه، فهل يَبْطُلُ البَيْعُ؟ على وَجْهَيْنِ) أصْلُهما الرِّوَايَتَانِ في الشُّروطِ الفاسِدَةِ، وقد مَضَى ذكْرُهما.
فصل: وَإذا قال رَجُلٌ لغَرِيمِه: بِعْنِى هذا على أن أَقْضِيَكَ دَيْنَكَ منه. ففَعَلَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ؛ لأَنَّه شَرَطَ أن لا يَتَصَرَّفَ فيه بغيرِ القَضاءِ. وهل يَبْطُلُ البَيْعُ؟ يَنْبَنِى على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ، على ما ذَكَرْنا.
وإن قال: اقْضِنِى حَقِّى على أن أبِيعَكَ كذا
وكذا. فالشَّرْطُ باطلٌ، والقَضاءُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه أقْبَضَه حَقَّه.
وإن قال: اقْضِنِى أَجْوَدَ من مالِى، على أن أَبِيعَكَ كذا. فالقَضَاءُ والشَّرْطُ باطِلَانِ، وعليه رَدُّ ما قَبَضَه، ويُطالِبُ بمالِه.
فصل: ومَتَى حَكَمْنَا بفَسَادِ العَقْدِ، لم يَثْبُتْ به مِلْكٌ، سواءٌ اتَّصَلَ به القَبْضُ أو لَا. ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ المُشْتَرِى فيه بِبَيْعٍ، ولا هِبَةٍ، ولا عِتْقٍ، ولا غيرِه. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حَنِيفةَ: يَثْبُتُ المِلْكُ فيه إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ، وللبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه، فيَأْخُذُه مع زِيادَتِه المُنْفَصِلةِ ، إلَّا أن يَتَصَرفَ فيه المُشْتَرِى تصَرُّفًا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيه، فيَأْخُذَ قِيمَتَه. مُحْتَجًّا بحَدِيثِ بَرِيرَةَ؛
فإنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْها بشَرْطِ الوَلاءِ، فأعْتَقَتْها، فأَجَازَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- العِتْقَ، والبَيْعُ فاسِدٌ. ولأنَّ المُشْتَرِىَ على صِفَةٍ يملِكُ المَبِيع ابْتِداءً بعَقْدٍ، وقد حَصَلَ عليه الضَّمَانُ للبَدَلِ عن عَقْدٍ فيه تَسْلِيطٌ، فوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَه، كالعَقْدِ الصَّحِيحِ. ولَنا، أنَّه مَقْبُوضٌ بعَقْدٍ فاسِدٍ، فلم يمْلِكْهُ، كما لو كان الثَّمَنُ مَيْتَةً، أو دَمًا.
فأمّا حَدِيثُ بَرِيرَةَ، فإنّمَا يَدُلُّ على صِحَّةِ العَقْدِ، لا على ما ذَكَرُوه. وليس في الحَدِيثِ أنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْهَا بهذا الشَّرْطِ، بل الظاهِرُ أنَّ أَهْلَها حينَ بَلَغَهُم إنْكَارُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هذا الشَّرْطَ، تَرَكُوهُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ الشَّرْطَ كان سابِقًا للعَقْدِ، فلم يُؤَثِّرْ فيه. فصل: وعليه رَدُّ المَبِيعِ، مع نَمائِه [المُتَّصِلِ و] المُنْفَصِلِ، وأُجْرَةِ مثلِه مُدَّةَ بقَائِه في يَدَهِ،
وإنْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ؛ لأنَّها جُمْلَةٌ مَضْمُونَةٌ، فأجْزَاؤُها تكونُ مَضْمُونَةً أيضًا.
وإنْ تَلِفَ المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِى، فعليه ضَمانُه بقِيِمَتِه يومَ التَّلَفِ. قاله القاضِى. ولأنَّ أَحمَدَ نَصَّ عليه في الغَصْبِ. ولأنَّه قَبَضَه بإذْنِ مالِكِه، فأشْبَهَ العارِيَّةَ. وذَكَرَ الخِرَقِىُّ في الغَصْبِ، أنّه يَلْزَمُه قِيمَتُه أكْثَرَ ما كانت. فيُخَرَّجُ ههنا كذلك. ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهَانِ كهذَيْنِ.
فصل: فإنْ كان المَبِيعُ أمَةً، فَوَطِئَها المُشْتَرِى، فلا حَدَّ عليه؛ لاعْتِقَادِه أَنَّها مِلْكُه، ولأنَّ في المِلْكِ اخْتِلَافًا. وعليه مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّ الحَدَّ إذا سَقَطَ للشُّبْهَةِ، وَجَبَ المَهْرُ. ولأنَّ الوَطْءَ في مِلْكِ الغَيْرِ يُوجِبُ المَهْرَ. وعليه أرْشُ البَكَارَةِ، إنْ كانَتْ بِكْرًا.
فإنْ قيلَ: أليس إذا تَزَوَّجَ امرأةً تَزْويجًا فاسِدًا، فَوَطِئَها، فأزَالَ بكَارَتَها، لا يَضْمَنُ البَكَارَةَ؟ قُلْنا: لأنَّ النِّكَاحَ. تَضَمَّنَ الإِذْنَ في الوَطْء المُذْهِب للبَكَارَةِ؛ لأنَّه مَعْقودٌ على الوَطْءِ، ولا كذلك البَيْعُ، لأنَّه ليس بمَعْقودٍ على الوَطْءِ، بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ شِراءُ مَنْ لا يَحِلَّ وَطْؤُها.
فإنْ قيلَ: فإذا أوْجَبْتُم مَهْرَ بِكْرٍ، فكيف تُوجِبُونَ ضمانَ البَكَارَةِ، وقد دَخَلَ ضَمانُها في المَهْرِ؟
وإذا أوْجَبْتُم ضمانَ البَكَارَةِ، فكيف تُوجِبُونَ مَهْرَ بِكْرٍ، وقد أَدَّى عِوَضَ البَكَارَةِ بضَمانِه لها، فجَرَى مَجْرَى مَنْ أَزَالَ بكارَتَها بإصْبَعِه، ثم وَطِئَها؟ قُلْنا: لأَنَّ مَهْرَ البِكْرِ ضمانُ المَنْفَعَةِ، وأَرْشَ البَكَارَةِ ضمانُ جُزْءٍ، فلذلك اجْتَمَعَا،
وأمّا الثَّانِى، فإنَّه إذا وَطِئَها بِكْرًا، فقد اسْتَوْفَى نَفْعَ هذا الجُزْءِ، فَوَجَبَتْ قِيمَةُ ما اسْتَوْفَى مِن نَفْعِه،
وإذا أَتْلَفَه وَجَبَ ضمانُ عَيْنِه،
ولا يَجُوزُ أن يَضْمَنَ العَيْنَ ويُسْقِطَ ضمانَ المَنْفَعَةِ، كما لو غَصَبَ عَيْنًا ذاتَ مَنْفَعَةٍ، فاسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها، ثم أَتْلَفَها، أو غَصَبَ ثَوْبًا، فلَبِسَه حتى أَبْلاهُ وأتْلَفَه، فإنَّه يَضْمَنُ القِيمَةَ والمَنْفَعَةَ، كذا ههُنا.
فصل: وإنْ وَلَدَت كان وَلَدُها حُرًّا؛ لأنَّه وَطِئَها بشُبْهَةٍ، ويَلْحَقُ به؛ لذلك، ولا ولاءَ عليه؛ لأنَّه حُرُّ الأَصْلِ، وعلى الوَاطِئَ قِيمَتُه يومَ وَضْعِه؛ لأنَّه يومُ الحَيْلُولَةِ بَيْنَه وبينَ صاحِبِه.
فإنْ سَقَطَ مَيْتًا لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه إِنَّما يَضْمَنُه حينَ وَضْعِه، ولا قِيمَةَ له حِينَئِذٍ.
فإنْ قيلَ: فلو ضَرَبَ بَطْنَها فألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا وجَبَ ضَمانُه. قُلْنا: الضّارِبُ يَجِبُ عليه غُرَّةٌ، وههُنا يَضْمَنُه بقِيمَتِه، ولا قِيمَةَ له، ولأنَّ الجانِىَ أتْلَفَه وقَطَعَ نماءَه، وههُنا يَضْمَنُه بالحَيْلُولَةِ [بينه وبينَ سَيِّدِه، وَوَقْتُ الحَيْلُولةِ وَقْتُ السُّقُوطِ، وكان مَيْتًا، فلم يجبْ ضَمانُه، وعليه ضَمانُ نقْصِ الوِلادةِ].
فإن كان الضَّارِبُ أَجْنَبيًّا، فألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا، فعلى الضّارِبِ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أو أَمَةٌ، للسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِن دِيَةِ الجَنِينِ، أو قِيمتِه يومَ سَقَطَ؛ لأنَّ ضمانَ الضّارِبِ له قامَ مَقامَ خُرُوجِه حَيًّا، ولذلك ضَمِنَه للبائِعِ. وإنَّما كان للسَّيِّدِ أقلُّ الأمْرَيْنِ؛ لأنَّ الغُرَّةَ إنْ كانَتْ أَكْثَرَ مِن القِيمَةِ، فالباقِى منها لوَرَثَتِه؛ لأنَّه حَصَلَ بالحُرِّيَّةِ، فلا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ منها شيئًا.
وإنْ كانَتْ أقَلَّ، لم يَكُنْ على الضّارِبِ أكثرُ منها؛ لأنَّهُ بسَبَبِ ذلك ضَمِنَ.
وإنْ ضَرَبَ الواطِئُ بَطْنَها، فأَلْقَتِ الجَنِينَ مَيْتًا، فعليه الغُرَّةُ أيضًا، ولا يَرِثُ منها شيئًا، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ، كما ذَكَرْنا.
وإنْ سَلَّمَ الجارِيَةَ المَبِيعَةَ إلى البائِعِ حامِلًا، فوَلَدَتْ عندَه، ضَمِنَ نَقْصَ الوِلادَةِ،
وأنْ تَلِفَتْ بذلك ضَمِنَها؛ لأنَّ تَلَفَها بسَبَبٍ منه.
وإنْ مَلَكَها الواطِئُ، لم تَصِرْ بذلك أُمَّ وَلَدٍ، على الصَّحِيحِ مِن المَذهَبِ؛ لأَنَّها عَلِقت منه في غيرِ مِلكِه، فأشْبَهَ الزَّوْجَةَ. وهكذا كُلُّ مَوْضِعٍ حَبِلَتْ في مِلْكِ غيرِه، لا تَصِيرُ له أُمَّ وَلَدٍ بهذا. فصل: إذا باعَ المُشْتَرِي المَبِيعَ الفاسِدَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه باعَ مِلْكَ غَيْرِه بغيرِ إذنِه، وعلى المُشتَرِى رَدُّه على البائِعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه مالِكُه، ولبائِعِه أخْذُه حيث وجَدَه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثَّانِى بالثَّمَنِ على الذى باعه، ويَرْجِعُ الأَوَّلُ على بائِعِه.
فإن تَلِفَ في يَدِ الثَّانِى، فللبَائِعِ مُطَالَبَةُ مَن شاء منهما؛ لأنَّ الأوَّلَ ضامِنٌ، والثانِىَ قَبَضَه مِن يَدِ ضامِنِه بغيرِ إذْنِ صاحِبِه، فكانَ ضامِنًا.
فإنْ كانت قِيمَتُه أكْثَرَ مِن ثَمَنِه فضَمِنَ الثَّانِى، لم يَرْجِعْ بالفَضْلِ على الأوَّلِ، لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه.
وإن ضَمِنَ الأَوَّلُ، رَجَع بالفَضْلِ على الثَّانِى.
فصل: وإنْ زَادَ المَبيعُ في يَدِ المُشْتَرِى بسِمَنٍ أو نحوِه، ثم نَقَص حتى عادَ إلى ما كانَ عليه، أَو وَلَدَتِ الأَمَةُ في يَدِ المُشْتَرِى ثم ماتَ وَلَدُها، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، لأَنَّها زِيادَةٌ في عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، أشْبَهَتِ الزِّيَادَةَ في المَغْصُوبِ، واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَها؛ لأنَّه دَخَلَ على أن لا يَكُونَ في مُقابَلَةِ الزِّيادَةِ عِوَضٌ. فعلى هذا تَكُونُ الزِّيَادَةُ أَمانَةً في يَدِه؛ إن تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه أو عُدْوَانِه، ضَمِنَها، وإلَّا فَلَا.
وإن تَلِفَتِ العَيْنُ بعدَ زِيادَتِها، أُسْقِطَت تلك الزِّيادَةُ مِن القِيمَةِ، وضَمِنَها بما بَقِىَ مِن القِيمَةِ حينَ التَّلَفِ. قال القاضِى: وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
فصل: وإذا باعَ بَيْعًا فاسِدًا، وتَقابَضَا، ثم أَتْلَفَ البائِعُ الثَّمنَ، ثم أَفْلَسَ، فله الرُّجُوعُ في المَبِيعِ، والمُشْتَرِى أُسْوَةُ الغُرَماءِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: المُشْتَرِى أحَقُّ بالمَبِيعِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ لأنَّه في يَدِه، فكانَ أحَقَّ به، كالمُرْتَهِنِ. ولَنا، أنَّه لم يَقْبِضْه وَثِيقَةً، فلم يَكُنْ أحَقَّ به، كما لو كان وَدِيعَةً عنده،
بخِلَافِ المُرْتَهن؛ فإنّه قَبَضَه على أنَّه وَثِيقةٌ بحَقِّهِ.
فصل: وإذا قال: بعْ عَبْدَكَ مِن فُلانٍ بأَلْفٍ، على أنَّ عَلَىَّ خَمْسَمائَةٍ. فبَاعَهُ بهذا الشَّرْطِ، فالبَيْعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَجِبُ أن يكونَ جَمِيعُه على المُشْتَرِى،
فإذا شَرَطَ كَوْنَ بَعْضِه على غيرِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ المَبِيعَ، والثّمنُ على غَيْرِه، ولا يُشْبِهُ هذا ما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ -أو- طَلِّقِ امْرَأَتَكَ وعَلَىَّ خَمْسُمائَةٍ. لكَوْنِ هذا عِوَضًا في مُقابَلَةِ فَكِّ الزَّوْجَةِ ورَقَبَةِ العَبْدِ، ولذلك لم يَجُزْ في النِّكَاحِ.
أمّا في مَسْأَلتِنا، فإنّه مُعَاوَضَةٌ في مُقَابَلَةِ نَقْلِ المِلْكِ، فلا يَثْبُتُ؛ لأَنَّ العِوَضَ على غَيْرِه.
وإن كان هذا القَوْلُ على وَجْهِ الضَّمانِ، صَحَّ البَيْعُ، ولَزِمَ الضَّمَانُ. (الثالثُ، أن يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ البَيْعَ، كقَوْلِه: بِعْتُكَ إن جِئْتَنِى بكذا. أو: إن رَضِىَ فلانٌ) فلا يَصِحُّ البَيْعُ؛ لأنَّه عَلَّقَ البَيْعَ على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فلم يَصِحَّ، كما إذا قال: بِعْتُكَ إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
١٥٩٨ - مسألة: وكذلك إذا قال : (إن جِئْتُكَ بحَقِّكَ في مَحِلِّه، وإلَّا فالرَّهْنُ لَكَ. فلا يَصِحُّ البَيْعُ، إلَّا بَيْعَ العُرْبُونِ؛ وهو أن يَشْتَرِىَ شَيْئًا، ويُعْطِىَ البائِعَ دِرْهَمًا ويقولَ: إن أخَذْتُه، وإلَّا فالدِّرْهَمُ لَكَ. فقال أحمدُ: يَصِحُّ؛ لأَنَّ عمرَ فَعَلَه. وعند أبى الخَطَّابِ) أنّه
(وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا) كَالْخَمْرِ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ، عند الِاسْتِيفَاء إِذَا لَمْ يُمْكِنْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ (وَنَحْوَهُ) كَخِيَارٍ أَوْ أَجَلٍ مَجْهُولَيْنِ (فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَالْمَنْصُوصُ صِحَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
[الثَّالِثُ أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ] (الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ) فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَقْلُ الْمِلْكِ حَالَ التَّبَايُعِ، وَالشَّرْطُ هُنَا يَمْنَعُهُ،
وَعَنْهُ: صِحَّةُ عَقْدِهِ لِمَا تَقَدَّمَ،
وَعَنْهُ: صِحَّتُهُمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي كُلِّ الْعُقُودِ الَّتِي لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْمُنْجَزَ وَالْمُعَلَّقَ وَالصَّرِيحَ وَالْكِنَايَةَ كَالنَّذْرِ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ: بِعْتُ، أَوْ قَبِلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَفَسَّرَهُ أَحْمَدُ بِذَلِكَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَالْأُولَى، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ
وِإنْ شرَط رَهْنًا فاسِدًا ونحوَه. مِثْلَ أَنْ يشْتَرِطَ خِيارًا أو أجَلًا مَجْهُولَيْن، أو نَفْعَ بائعٍ ومَبِيعٍ إنْ لم يصِحَّا، أو تأْخِيرَ تَسْلِيمِه بلا انْتفِاع.
وكذا فِناءُ الدَّارِ لا بحَقِّ طرِيقِها، فهل يبْطُلُ البَيْعُ؟ على وَجْهَيْن. بناءً على الرِّوايتَيْن فى شَرْطِ ما يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، خِلافًا ومذهبًا، وقد عَلِمْتَ أَنَّ المذهبَ عدَمُ البُطْلانِ.
فائدة: لو علَّق عِتْقَ عَبْدِه على بَيْعِه فباعَه، عتَق وانْفَسخَ البَيْعُ. نَصَّ عليه فى رِوايَةِ الجماعةِ. قال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: ولم يُنْقَلْ عنه فى ذلك خِلافٌ. انتهى. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ مِن حيثُ الجُمْلَةُ. قال فى «المُذْهَبِ» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
وغيرِه: عتَق العَبْدُ على قَوْلِ أصحابِنا. وترَدَّدَ فيه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ فى مَوْضِعٍ، وله فيه طَرِيقَة أُخْرَى تأْتِى. قال العَلَّامَةُ ابنُ رَجَبٍ فى «قَواعِدِه»: اخْتلَفَ الأصحابُ فى تَخْريجِ كلامِ الإِمامِ أحمدَ على طُرُقٍ؛ أحدُها، أنَّه مَبْنِىٌّ على القَوْلِ بأنَّ المِلْكَ لم يُنْقَلْ عن البائعِ فى مُدَّةِ الخِيارِ،
فأمَّا على القَوْلِ بالانْتِقالِ، وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيحُ، فلا يَعْتِقُ. وهى طَرِيقَةُ أبى الخَطَّابِ فى «انْتِصارِه». واخْتارَه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، وهو احْتِمالٌ فى «الحاوِى» وغيرِه. قال ابنُ رَجَبٍ: وفى هذه الطَّريقَةِ ضَعْفٌ. وبيَّنَهَ. الثانى، أنَّ عِتْقَه على البائعِ، لثُبوتِ الخِيارِ له، فلم تنْقَطِعْ عُلْقَتُه عن المَبِيعِ بعدُ. وهى طَرِيقَةُ القاضى، وابنِ عَقِيلٍ، وأبى الخَطَّابِ. الثَّالثُ، أنَّه يَعْتِقُ على البائعِ عَقِبَ إيجابِه، وقبلَ قَبُولِ المُشْتَرِى. وهى طرِيقَةُ ابنِ . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبى مُوسى، وصاحِبِ «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفِ فى «المُغْنِى»، والشَّارحِ. وصاحِبِ «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم؛ لأنَّه علَّقَه على بَيْعِه، وبَيْعُه الصَّادِرُ منه هو الإِيجابُ فقط، ولهذا سُمِّىَ بائعًا. قال ابنُ رَجَبٍ: وفيه نظَرٌ. وهو كما قال. الرَّابعُ، أنه يعْتِقُ على البائِعِ فى حالَةِ انْتِقالِ المِلْكِ إلى المُشْتَرِى، حيثُ يتَرتَّبُ على الإِيجابِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . .
والقَبُولِ انْتِقالُ المِلْكِ، وثُبوتُ العِتْقِ، فيتدَافَعان، وينْفُذُ العِتْقُ لقُوَّتِه وسِرايَتِه، دُونَ انْتِقالِ المِلْكِ. وهى طَريقَةُ أبى الخَطَّابِ فى «رُءوسِ المَسائلِ». قال ابنُ رَجَبٍ: ويَشْهَدُ لها تَشْبِيهُ أحمدَ بالمُدَبَّرِ والوَصِيَّةِ. الخامسُ، أنَّه يعتِقُ بعدَ انْعِقادِ البَيْعِ وصِحَّتِه، وانْتِقالِ المَبِيعِ إلى المُشْتَرِى، ثم يَنْفَسِخُ البَيْعُ بالعِتْقِ على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
البائِعِ. وصرَّح بذلك القاضى فى «خِلافِه»، وابنُ عَقِيلٍ فى «عُمَدِ الأدِلَّةِ»، والمَجْدُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، وتَشْبِيهِه بالوَصِيَّةِ. وسلَك الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ طريقًا سادِسًا، فقال: إنْ كان المُعَلِّقُ للعِتْقِ قصْدُه اليَمِينُ دُونَ التَّبرُّرِ بعِتْقِه، أجْزأه كفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لأنَّه إذا باعَه خرَج عن مِلْكِه، فَبَقِىَ كنَذْرِه أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَ غيرِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .
فتُجْزِئُه الكَفَّارَةُ، وإنْ قصَد به التَّقَرُّبَ، صارَ عِتْقُه مُسْتَحَقًّا كالنَّذْرِ، فلا يصِحُّ بَيْعُه، ويكونُ العِتْقُ مُعَلَّقا على صُورَةِ البَيْعِ كما لو قال، لِمَا لا يحِلُّ بَيْعُه: إذا بِعْتُه فعلىَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ. أو قال لأُمِّ وَلَدِه: إنْ بِعْتُكِ فأنتِ حُرَّةٌ. انتهى كلامُ ابنِ رَجَبٍ. فلَقد أجادَ، وله على هذه الطُّرُقِ اعْتِراضاتٌ ومُؤَاخَذاتٌ، لا يَلِيقُ ذِكْرُها هنا، وذلك فى «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والخَمْسِين». ويأْتِى فى أوَاخِرِ بابِ الإِقْرارِ بالمُجْمَلِ لو قال لعَبْدِه: إنْ أقْرَرْتُ بك لزَيْدٍ، فأنتَ حُرٌّ.
أو: فأنتَ حُرٌّ ساعَةَ إقْرارِى. الثَّالِثُ، أن يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِى بِكَذَا. أو: إِنْ رَضِىَ فُلَانٌ. أو يَقُولَ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ فى مَحِلِّهِ، وَإلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ. فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ؛ وَهُوَ أن يَشْتَرِىَ شَيْئًا، وَيُعْطِىَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا، وَيَقُولَ: إِن أَخَذْتُهُ، وَإلَّا فَالدِّرْهَمُ لَكَ. فَقَالَ أحْمَدُ، رَضِىَ اللَّه عَنْهُ: يَصِحُّ؛ لأَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَهُ. وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، لَا يَصِحُّ. الثَّالِثُ، أَنْ يشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ البَيْعَ، كَقَوْلِه: بِعْتُك إنْ جِئْتَنِى بكذا. أو: إنْ رَضِىَ فُلان.
فلا يَصِحُّ البَيْعُ. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. قال فى «الفائقِ»: ففاسِدٌ، قالَه أصحابُنا؛ لكَوْنِه عَقْدَ مُعاوَضَةٍ. ثم قال: ونُقِلَ عن الإِمامِ أحمدَ تَعْليقُه فِعْلًا منه. قال شيْخُنا: هو صحيحٌ، وهو المُخْتارُ. انتهى. أو يقُولَ للْمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُك بحقِّك، وإلَّا فالرَّهْنُ لك -يعْنِى، مَبِيعًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
بمالك عندِى مِنَ الحَقِّ- فلا يصِحُّ البَيْعُ. ولا الشَّرْطُ فى الرَّهْنِ. وهو المذهبُ. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، وغيرِهم، وجزَم به فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم، ونصَّ عليه ببُطْلانِ الشَّرْطِ. وهذا مَعْنَى قوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ:«لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ».
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: لا يبْطُلُ الثَّانى،
وإنْ لم يَأْتِه صارَ له، وفعَلَه الإِمامُ. قالَه فى «الفائقِ».
وقال: قلتُ: فعليه، غَلْقُ الرَّهْنِ، اسْتِحْقاقُ المُرْتَهِنِ له بوَضْعِ العَقْدِ، لا بالشَّرْطِ، كما لو باعَه منه. ذكَرَه فى بابِ الرَّهْنِ.
وأمَّا صِحَّةُ الرَّهْنِ، ففيه رِوايَتان، يأْتِيان مع الشَّرْطِ فى كلامِ المُصَنِّفِ، فى بابِ الرَّهْنِ فى آخِرِ الفَصْلَ الأوَّلِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو قَبِلَ المُرْتَهِنُ ذلك، فهو أمانَةٌ عندَه إلى ذلك الوَقْتِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم يصِيرُ مَضْمُونًا، لأَنَّ قبْضَه صارَ بعَقْدٍ فاسِدٍ. ذكَرَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ.
وقال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: والمَنْصُوصُ عن أحمدَ فى رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَسَنِ ابنِ هَارُونَ ، أنَّه لا يضْمَنُه بحالٍ. ذكَرَه القاضى فى «الخِلافِ»، لأَنَّ الشَّرْطَ يفْسُدُ، فيَصِيرُ وُجودُه كعَدَمِه. الثَّانيةُ، يصِحُّ شَرْطُ رَهْنِ المَبِيعِ على ثَمَنِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ، فيقولُ: بِعْتُك على أَنْ تَرْهَنَه بثَمَنِه.
وقيل: لا يصِحُّ. واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، والقاضى.
ولو قال: إنْ، أو إذا رَهَنْتَنِيه، فقد بِعْتُك. فبيْعٌ مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ. وأجابَ أبو الخَطَّابِ، وأبو الوَفاءِ، إن قال: بِعْتُك على أَنْ تَرْهَنَنِى. لم يصِحَّ وإنْ قال: إذا رَهَنْتَنِيه على ثَمَنِه وهو كذا، فقد بِعْتُك، فقال: اشْتَريْتُ ورَهَنْتُها عندَك على الثَّمَنِ. صحُّ الشِّراءُ والرَّهْنُ.
قال: (الثالث: أن يشترط شرطاً يعلق البيع كقوله: بعتك إن جئتني بكذا أو إن رضي فلان، أو يقول للمرتهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك فلا يصح البيع. إلا بيع العربون وهو: أن يشتري شيئاً ويعطي البائع درهماً ويقول للمشتري: إن أخذته وإلا فالدرهم لك. فقال أحمد: يصح؛ لأن عمر فعله. وعند أبي الخطاب لا يصح) .
أما كون البيع لا يصح إذا شرط فيه شرطاً يعلقه كما تقدم ذكره ونحوه؛ فلأن مقتضى البيع نقل الملك حال التبايع والشرط هنا يمنعه.
وأما كونه لا يصح إذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يَغْلَقُ الرهْن» رواه الأثرم.
ومعناه ما ذكر. قاله أبو عبيد في غريبه، وأنشد عليه: وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا يعني أنها ارتهنت قبله فذهبت به.
وأما كون بيع العربون يصح على قول الإمام أحمد؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله من أن عمر فعله وذلك لأنه روي عنه «أنه اشترى داراً للسجن من صفوان فإن رضي عمر وإلا له كذا وكذا
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.