وَإِنْ طَالَتْ وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَجُوزُ مَجْهُولًا، في ظاهرِ المَذْهَبِ. وعنه، يَجُوزُ، وهما على خِيارِهما، ما لم يَقْطَعَاهُ أو تَنْتَهِى مُدَّتُه) إذا شَرَطَ الخِيارَ أبدًا، أو مَتَى شاءَ، أو قال أحَدُهما: ولِىَ الخِيارُ. ولم يَذْكُرْ مُدَّتَه، أو شَرَطَاهُ إلى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، كقُدُومِ زَيْدٍ، أو نُزُولِ الفَطَرِ، أو مُشَاوَرَةِ إنْسَانٍ، ونحوِ ذلك، لم يَصِحَّ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب. هذا اخْتِيارُ القاضِى، وابنِ عَقِيلٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ، وهما على خِيَارِهما أبدًا، أو يَقْطَعَاه، أو تَنْتَهِىَ مُدَّتُه إنْ كان مَشْرُوطًا إلى مُدَّةٍ.
وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِم».
وقال مالِكٌ: يَصِحُّ، ويُضْرَبُ لهما مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ المَبِيعُ في مِثْلِها في العادَةِ؛ لأَنَّ ذلك مُقَرَّرٌ في العادَةِ،
فإذا أطْلَقَا، حُمِلَ عليه. وقال أبو حَنِيفَةَ: إنْ أسْقَطَا الشَّرْطَ قبلَ مُضِىِّ الثَّلاثِ، أو حَذَفَا الزَّائِدَ عليها وبَيَّنَا مُدَّتَه، صَحَّ؛ لأَنَّهُما حَذَفَا المُفْسِدَ قبلَ اتصَالِه بالعَقْدِ، فوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، كما لو لم يَشْتَرِطَاهُ. ولَنا، أنَّها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بالعَقْدِ، فلا تَجُوزُ مع الجَهالَةِ، كالأَجَلِ. ولأَنَّ اشْتِراطَ الخِيارِ أبدًا يَقْتَضِى المَنْعَ مِن التَّصَرُّفِ على الأَبَدِ، وذلك يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ بشَرْطِ أَنْ لا تَتَصَرَّفَ. وقولُ مالِكٍ: إنَّه يُرَدُّ إلى العادَةِ.
لا يَصِحُّ، فإنَّه لا عادَةَ في الخِيارِ يرجَعُ إليها. واشْتِرَاطُه مع الجَهالَةِ نادِرٌ. وقولُ أبى حَنِيفَةَ لا يَصِحُّ،
فإنَّ المُفْسِدَ هو الشَّرْطُ، وهو مُقْتَرِنٌ بالعَقْدِ. ولأَنَّ العَقْدَ لا يَخْلُو مِن أَنْ يكُونَ صَحِيحًا أو فاسِدًا،
فإنْ كان صَحِيحًا مع الشَّرْطِ، لم يَفْسُدْ بوُجُودِ ما شَرَطْنَاهُ فيه ،
وإنْ كان فاسِدًا، لم يَنْقَلِبْ صحِيحًا، كبَيْعِ دِرْهَم بدِرْهَمَيْنِ إذا حَذَفَ أحَدَهُما.
وإذا قُلْنا: يَفْسُدُ الشَّرْطُ. هل يَفْسُدُ به البَيْعُ؟ علِى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهُما، يَفْسُدُ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ قارَنه شَرْط فاسِدٌ فأفْسَدَهُ ، كنِكَاحِ الشِّغَارِ. ولأَنَّ البائِعَ إنَّما رَضِىَ ببَذْلِه بهذا الثَّمَنِ مع الخيارِ في اسْتِرْجاعِه، والمُشْتَرِىَ إنَّما رَضِىَ بِبَذْلِ هذا الثَّمَنِ فيه مع الخيارِ في فَسْخِه،
فلو صَحَّحْنَاهُ لأَزَلْنا مِلْكَ كُلِّ واحِدٍ منهما عنه بغيرِ رِضَاهُ، وأَلْزَمْناهُ ما لم يَرْضَ به. ولأَنَّ الشَّرْطَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ،
فإذا حَذَفْنَاهُ وَجَبَ رَدُّ ما سَقَطَ مِن الثَّمَنِ مِن أجْلِه، وذلك مَجْهُولٌ، فيكُونُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، فيَفْسُدُ به العَقْدُ. والثانِيَةُ، لا يَفْسُدُ به العَقْدُ. وهو قَوْلُ ابنِ أبى لَيْلَى؛ لحَدِيثِ بَرِيرَةَ . ولأَنَّ العَقْدَ قد تمَّ بأرْكَانِه، والشَّرْطَ زائِدٌ،
فإذا فَسَدَ وزَالَ، سَقَطَ الفاسِدُ، وبَقِىَ العَقْدُ برُكْنَيْه، فَصَحَّ ، كما لو لم يَشْتَرِطْ.
فصل: وإنْ شَرَطَه إلىِ الحَصَادِ، أو الجَذاذِ، احْتَمَلَ أَنْ يكونَ كتَعْلِيقِه على قُدوم زَيْدٍ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَأَخَّرُ، فكانَ مَجْهُولًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ لأَنَّ ذلك يَتَقَارَبُ في العادَةِ، ولا يَكْثُرُ تَفَاوُتُه.
وإنْ شَرَطَهُ إلى العَطاءِ، وأرادَ وَقْتَ العَطاءِ، وكان مَعْلُومًا، صَحَّ.
وإنْ أرادَ نَفْسَ العَطاءِ، فهو مَجْهُولٌ.
فصل: وإنْ شَرَطَا الخِيارَ شَهْرًا، يَوْمًا يَثْبُتُ، ويَوْمًا لَا، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ في اليَوْمِ الأَوَّلِ؛ لإِمْكَانِه،
ويَبْطُلُ فيما بَعْدَه؛ لأنَّه إذا لَزِمَ في اليَوْمِ الثَّانِى، لم يَعُدْ إلى الجَوازِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطلَ الشَّرْط كُلُّه؛ لأنَّه شَرْطٌ واحِدٌ تَنَاوَلَ الخِيارَ في أيّامٍ،
فإذا فَسَدَ بَعْضُه، فَسَدَ جَمِيعُه، كما لو شَرَطَه إلى الحَصادِ.
١٦٠٤ -
(وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا) كَقُدُومِ زَيْدٍ، أَوْ مَجِيءِ الْمَطَرِ أَوِ الْأَبَدِ (فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَلَمْ تَجُزْ مَعَ الْجَهَالَةِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْأَبَدِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا يجُوزُ مَجْهُولًا فى ظاهرِ المذهبِ. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يجُوزُ، وهما على خِيارِهما إلَّا أَنْ يقْطَعاه، أو تَنْتَهِىَ مُدَّتُه. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه». وأطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، أنَّه لو شرَطَه إلى الحَصادِ أوِ الجَدادِ، أنَّه لا يجُوزُ؛ لأنَّه مَجْهولٌ. وهو إحْدَى الرِّوايتَيْن،
والمذهبُ منهما، وهو ظاهِرُ كلامِه فى «الوَجيزِ»، وظاهِرُ ما قدَّمه فى «الفُروعِ». وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ هنا وإنْ منَعْنا فى المَجْهولِ؛ لأنَّه مَعْروفٌ فى العادَةِ، ولا يتفاوَتُ كثيرًا. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه فى «الفائقِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وأطْلَقَهما المُصَنِّفُ فى هذا الكتابِ فى بابِ السَّلَمِ، و «المُحَرَّرِ»، و «الخُلاصَةِ».
فائدتان؛ إحْداهما، إذا شرَط الخِيارَ مُدَّةً، على أَنْ يثْبُتَ يَوْمًا ولا يثْبُتَ يوْمًا، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا فى الْبَيْعِ، وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ، وَالإِجَارَةُ فى الذِّمَّةِ، أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِى الْعَقْدَ.
فقيلَ: يصِحُّ مُطْلَقًا. قدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وقيل: لا يصِحُّ مُطْلَقًا. وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى».
وقيل: يصِحُّ فى اليَوْمِ الأَوَّلِ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. وجزَم به فى «المُذْهَبِ». وقدَّمه فى «الفائقِ». وأطْلَقَهُنَّ فى «الفُروعِ». الثَّانيةُ، لو شرَط خِيارَ الشَّرْطِ حِيلَةً؛ ليَرْبَحَ فيما أقْرَضَه، لم يَجُزْ. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
قلتُ: وأكثرُ النَّاسِ يسْتَعْمِلُونه فى هذه الأزْمِنَةِ، ويَتَداوَلُونَه فيما بينَهم، فلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ.
قال: (ولا يجوز مجهولاً في ظاهر المذهب. وعنه: يجوز، وهما على خيارهما إلى أن يقطعاه أو تنتهي مدته) .
أما كون خيار الشرط لا يجوز أن يكون مجهولاً؛ مثل: أن يشترط الخيار متى شاء، أو إلى قدوم زيد، أو إلى الأبد، أو ما أشبه ذلك في ظاهر المذهب؛ فلأنها مدة ملحقة بالعقد فلا تجوز مع الجهالة كالأجل. ولأن الخيار إلى الأبد يقتضي المنع من التصرف في المبيع على الأبد وذلك ينافي مقتضى العقد.
وأما كونه يجوز على روايةٍ فلقوله عليه السلام:«المؤمنون على شروطهم».
فعلى هذا هما على خيارهما إلى أن يقطعاه أو تنتهي مدته إن كانت معلقة بما تنتهي به.
والأولى أولى. اختارها القاضي وابن عقيل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.