فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ويَرُدُّ مع المُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صاعًا مِن تَمْرٍ. فإنْ لم يَجِدِ التَّمْرَ، فقِيمَتُهُ في مَوْضِعِه، سواءٌ كانت ناقَةً، أو بقَرَةً، أو شاةً) إذا رَدَّ المُصَرَّاةَ لَزِمَه ردُّ بَدَلِ اللَّبَنِ، في قولِ كُل مَنْ جَوَّزَ رَدَّها، وهو مُقَدَّرٌ بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، كما جاءَ في الحَدِيثِ. وهذا قَوْلُ اللَّيثِ، وإسحاقَ، والشّافِعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ. وذَهَبَ مالِكٌ، وبعضُ الشافِعِيَّةِ إلى أنَّ الواجِبَ صاعٌ مِن قُوتِ البَلَدِ؛ لأنَّ في بعضِ الحديثِ : «ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِنْ طَعامٍ».

١٢٬٠٨٧

وفي بَعْضِها:«ورَدَّ مَعَها مِثْلَ أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا». فجَمَعَ بين الأحَادِيثِ، وجَعَلَ تَنْصِيصَه على التَّمْرِ لأَنَّه غالِبُ قوتِ البَلدِ في المَدِينَةِ، [ونصَّ على القَمْحِ]؛ لأنَّه غالِبُ قوتِ بلَدٍ آخَرَ.

١٢٬٠٨٨

وقال أبو يُوسُفَ: يَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فَيُقَدَّرُ بقِيمَتِه، كسائِرِ المُتْلَفَاتِ. وحُكِيَ ذلك عن ابنِ أبي لَيلَى. وحُكِيَ عن زُفَرَ، أنّه يَرُدُّ صَاعًا مِن تَمْر أو نِصْف صاعٍ بُرٍّ، كقَوْلِهم في الفِطْرَةِ. ولَنا، الحَدِيث الصَّحِيحُ الذي أوْرَدْنَاهُ، وقد نصّ فيه على التَّمْرِ فقال:«إِنْ شاءَ رَدَّهَا وصَاعًا مِن تَمْرٍ». وللبُخَارِيِّ: «مَن اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَها ففي حَلْبِها صاعٌ مِن تَمْرٍ». ولمُسْلِمٍ:«رَدَّهَا ورَدَّ صَاعًا مِن تَمْرٍ، لا سَمْرَاءَ».

يَعْنِي لا يَرُدُّ قمْحًا. والمرادُ بالطَّعامِ في الحَدِيثِ التَّمْرُ، لأنَّه مُطْلَقٌ في أحَدِ الحَدِيثَينِ، مُقَيَّدٌ في الآخرِ، في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، والمُطْلَقُ فيما هذا سَبِيلُه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. وحَدِيثُ ابنِ عمرَ في رُواتِه جُمَيعُ بنُ عُمَيرٍ التَّيمِيُّ. قال ابنُ نُمَيرٍ: هو مِن أكْذَبِ النّاسِ.

١٢٬٠٨٩

وقال ابنُ حِبّانَ: كان يَضَعُ الحَدِيثَ. مع أنَّ الحَدِيثَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بالاتِّفَاقِ، إذْ لا قائِلَ بإيجابِ مثلِ لَبَنِها، أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا، ثم قد شَكَّ فيه الرَّاوى، مع مُخَالفَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وقِياسُ أبي يُوسُفَ مُخالِفٌ للنَّصِّ، فلا يُقْبَلُ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدِّرَ الشارِعُ بَدَلَ هذا المُتْلَفِ، قَطْعًا للخُصُومَةِ والتَّنَازُعِ، كما قَدَّرَ دِيَةَ الآدَمِيِّ ودِيَةَ أطْرَافِه. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على أنَّ الصّاعَ كان قِيمَةَ اللَّبَنِ فلذلك أوْجَبَه؛

لوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، أحدُها، أنَّ القِيمَةَ هي الأثْمانُ لا التَّمْرُ. الثانِي، أنَّه أوْجَبَ في المُصَرَّاةِ مِن الإِبِلِ والغَنَمِ جَمِيعًا صاعًا مِن تَمْرٍ مع اخْتِلافِ لَبَنِها. الثالِثُ، أنّ لَفْظَه للعُمُومِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُصَرَّاةٍ، ولا يَتَّفِقُ أنْ تكونَ قِيمَةُ لَبَنِ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صاعًا،

١٢٬٠٩٠

وإنْ أمْكَنَ أنْ يكونَ كذلك، فيَتَعَيَّنُ إيجابُ الصاعِ؛ لأَنَّه القِيمَةُ التي عَيَّنَ الشارِعُ إيجابَها فلا يَجُوزُ العُدُولُ عنها.

١٢٬٠٩١

ويَجِبُ أنْ يكونَ صاعُ التَّمْرِ جَيِّدًا غيرَ مَعِيبٍ؛ لأَنَّهُ واجِب بإطْلاقِ الشارِعِ، فيَنْصَرِفُ إلى مَا ذَكَرْنَاه، كالصّاعِ الواجِبِ في الفِطْرَةِ. ويَكْفِي فيه أدْنَى ما يَقَعُ عليه اسمُ الجَيِّدِ. ولا فَرْق بين أنْ تكونَ قيمَةُ التَّمْرِ أقَلَّ مِن قِيمَةِ الشاةِ أو أكْثَرَ أو مِثْلَها. نَصَّ عليه. وليس فيه جَمْعٌ بين البَدَلِ والمُبْدَلِ؛ لأنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ، قَدَّرَهُ الشَّارِعُ به، كما قَدَّرَ في يَدَي العَبْدِ قيمَتَه،

١٢٬٠٩٢

وفي يَدَيهِ ورِجْلَيهِ قِيمَتَه مَرَّتَينِ، مع بقاءِ العَبْدِ على مِلْكِ السَّيِّدِ.

١٢٬٠٩٣

وإنْ عَدِمَ التَّمْرَ في مَوْضِعِه، فعَلَيه قِيمَتَه في مَوْضِعِ العَقْدِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ عَينٍ أَتلَفَها، فَيَجِبُ عليه قِيمَتُها.

فصل: ولا فَرْقَ بينَ النَّاقَةِ والبَقَرَةِ والشَّاةِ فيما ذَكَرْنا.

١٢٬٠٩٤

وقال داودُ: لا يَثْبُتُ الخِيارُ بتَصْرِيَةِ البَقَرَةِ؛ لأنَّ الحَدِيثَ:«لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والغَنَمَ». فَدَلَّ على أنَّ ما عَداهُما بخِلافِهما، ولأنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ فيهما بالنَّصِّ، والقِياسُ لا تَثْبُتُ به الأَحْكَامُ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه:«مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً». و «مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً». ولم يُفَصِّلْ. والخَبَرُ فيه

١٢٬٠٩٥

تَنْبِيهٌ على تَصْرِيَةِ البَقَرِ؛ لأنَّ لَبَنَها أكثرُ وأنْفَعُ، فيَثْبُتُ بالتَّنْبِيهِ، وهو حُجَّةٌ عندَ الجَمِيعِ.

فصل: إذا اشْتَرَى مُصَرَّاتَينِ أو أكثَرَ في عَقْدٍ، فرَدَّهُنَّ، رَدَّ مع كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا. وبه قال الشافعيُّ، وبعضُ المالِكِيَّةِ.

١٢٬٠٩٦

وقال بعضُهم: في الجميعِ صَاعٌ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَهَا ففي حَلْبَتِها صاعٌ مِن تَمْرٍ». ولَنا، قولُه:«مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً». وهذا يَتَنَاوَلُ الواحِدَةَ. ولأنَّ ما جُعِلَ عِوَضًا عن شيءٍ في صَفقَتَينِ، وَجَبَ إذا كان في صَفْقَةٍ واحِدَةٍ، كأَرِشِ العَيبِ.

١٢٬٠٩٧

وأمّا الحَدِيثُ، فإنَّ الضَّمِيرَ فيه يَعُودُ إلى الواحِدَةِ.

١٦٢٤ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) سَلِيمٍ،

٩٬٦٤١

وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ،

٩٬٦٤٢

وَقِيلَ: أَوْ قَمْحٍ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا إِنْ حَلَبَهَا،

٩٬٦٤٣

فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ قَبْلَ الْحَلْبِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِلْبَدَلِ مَعَ وُجُودِ الْمُبْدَلِ

الإنصافالمرداوي

ويَرُدُّ مع المُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِن تَمْرٍ. يتعَيَّنُ التَّمْرُ في الرَّدِّ بشَرْطِه،

١٧٬٤٣٠

ولو زادَتْ قِيمَتُه على المُصَرَّاةِ، أو نقَصَتْ عن قِيمَةِ اللَّبَنِ. على الصَّحيحِ فَقِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَاقَةً، أوْ بَقَرَةً، أوْ شَاةً.

مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.

١٧٬٤٣١

وقيل: يُجْزِئُ القَمْحُ أيضًا. اخْتارَه الشِّيرَازِيُّ؛ لحَديثٍ روَاه البَيهَقِيُّ .

١٧٬٤٣٢

وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُعْتَبرُ في كل بَلَدٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

صاعٌ مِن غالبِ قُوتِه.

فائدتان؛ إحْداهما، علَّل أبو بَكْرٍ وُجوبَ الصَّاعِ بأنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ اخْتَلطَ بلَبَنٍ حدَث في مِلْكِ المُشْتَرِي، فلمَّا لم يتَمَيَّزْ، قطَع عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، المُشاجَرَةَ بينَهما بإيجابِ صاعٍ. الثَّانيةُ، لو اشْترَى أكثرَ مِن مُصَرَّاةٍ، رَد مع كلِّ واحدٍ صاعًا. صرَّح به في «الفائقِ» وغيرِه.

١٧٬٤٣٣

قلتُ: وهو داخِلٌ في عُمومِ كلامِهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

١٧٬٤٣٤

تنبيه: قوله: فإنْ لم يجِدِ التَّمْرَ، فقِيمَتُه في مَوْضِعِه. أي في مَوْضِعِ العَقْدِ.

١٧٬٤٣٥

فَإنْ كَانَ اللَّبَنُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، رَدَّهُ، وَأَجْزَأهُ. وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزِئَهُ إِلَّا التَّمْرُ.

صرَّح به الأصحابُ، ولو زادَت على قِيمَةِ المُصَراةِ. نصَّ عليه أحمدُ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٢٬٠٧٦ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.