وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ هَلْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ رِوَايَتَانِ إِلَّا أَنْ لا يَحْتَمِلَ إِلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ بِغَيْرِ يَمِينٍ
الشروح عليها
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في العَيبِ: هل كان عند البائِعِ، أو حَدَثَ عندَ المُشْتَرِي، ففي أيِّهما يُقبَلُ قَوْلُة؟ رِوَايَتَانِ. إلَّا أنْ لا يَحْتَمِلَ إلَّا قولُ أحَدِهما، فالقَوْلُ قولُه بغيرِ يَمِينٍ) إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعانِ في العَيبِ، هل كان في المَبِيعِ قبلَ العَقْدِ، أو حَدَثَ عند المُشْتَرِي؟
فإن كان لا يَحْتَمِلُ إلَّا قَوْلَ أحَدِهما، كالإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، والشَّجَّةِ المُنْدَمِلَةِ التي لا يُمْكِنُ حُدوثُ مِثْلِها، والجُرْحِ الطارِيء الذي لا يمكِنُ كَوْنُه قَدِيمًا، فالقَوْلُ قوْلُ مَن يَدَّعِي ذلك، بغَيرِ يَمِينٍ؛ لأَنَّا نَعْلَمُ صِدْقَهُ، فلا حاجَةَ إلى اسْتِحْلافِه.
وإنِ احْتَمَلَ قَوْلَ كُلِّ واحِدٍ منهما، كالخَرْقِ في الثَّوْبِ، والرَّفْو، ونحوهما، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهُما، القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، فَيَحْلِفُ باللهِ أنَّه اشْتَرَاهُ وبه هذا العَيبُ، أو أنَّه ما حَدَثَ عِنْدَه، ويكونُ له الخِيَارُ. اخْتَارَها الخِرَقِيُّ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ القَبْضِ في الجُزْءِ الفائِتِ، واستِحْقَاقُ ما يُقابِلُه مِن الثَّمَنِ، ولُزُومُ العَقْدِ في حَقِّهِ، فكان القَوْلُ قَوْلَ مَن يَنْفِي ذلك, كما لو اخْتَلَفَا في قَبْضِ المَبِيعِ. والثانِيَةُ، القَوْلُ قولُ البائِعِ مع يَمِينِه، فيَحْلِفُ على حَسَبِ جَوابِه، إنْ أجَابَ أنَّه باعَهُ بَرِيئًا مِن العَيب، حَلَفَ على ذلك،
وإنْ أجَابَ أنَّه لا يَسْتَحِقُّ، على ما يَدَّعِيهِ مِن الرَّدِّ، حَلَفَ على ذلك. ويَمِينُه على البَتِّ؛ لأنَّ الأَيمانَ كُلَّها على البَتِّ، إلَّا ما كان على النَّفْي في فِعْلِ الغَيرِ.
وعنه، أنَّها على نَفْي العِلْمِ، فيَحْلِفُ أنَّه ما يَعْلَمُ به عَيبًا حال البَيعِ. ذَكَرَها ابنُ أبي مُوسَى. والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ سَلامَةُ المَبِيعِ وصِحَّةُ العَقْدِ، ولأَنَّ المُشْتَرِيَ يَدَّعِي عليه اسْتِحْقاقَ فَسْخِ البَيعِ، والبائِعُ يُنْكِرُه، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
فصل: وإذا باعَ الوَكِيلُ، ثم ظَهَرَ المُشْتَرِي على عَيبٍ كان بالمَبِيعِ، فله رَدُّهُ على المُوَكِّلِ؛ لأَنَّ المَبِيعَ يُرَدُّ بالعَيبِ على مَن كان له.
فإن كان العَيبُ ممّا يُمْكِنُ حُدُوثُه، فأقَرَّ به الوَكِيلُ، وأَنْكَرَه المُوَكِّلُ، فقال أبو الخَطّابِ: يُقْبَلُ إقْرَارُه على مُوَكِّلِه بالعَيبِ؛ لأَنَّه أمْرٌ يَسْتَحِقُّ به الرَّدَّ، فقُبِلَ إقْرارُه به على مُوَكِّلِه، كخِيَارِ الشَّرْطِ.
وقال أصحابُ أبي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيُّ: لا يُقْبَلُ إقْرَارُ الوَكِيلِ بذلك. قال شَيخُنا : وهو أصَحُّ؛ لأَنَّه إقْرارٌ على الغَيرِ، فلم يُقْبَلْ، كالأَجْنَبِيِّ. وفارَقَ خِيارَ الشَّرْطِ مِن حيث إنَّ المُوَكِّلَ يَعْلَمُ صِفَةَ سِلْعَتِه، ولا يَعْلَمُ صِفَةَ العَقْدِ، لغَيبَتِه عنه. فعلى هذا، إذا رَدَّهُ المُشْتَرِي على الوَكِيلِ، لم يَمْلِكِ الوَكِيل رَدَّه على المُوَكِّلِ؛ لأَنَّ رَدَّه بإقْرارِه ، وهو غير مَقْبُولٍ على غَيرِه. ذَكَرَه القاضِي.
فإنْ أنْكَرَه الوَكِيل فتَوَجَّهَتِ اليَمِين عليه فنَكَلَ عنها، فَردَّ عليه بنكولِه، فهل له رَدُّه على المُوَكِّلِ؟ على وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، ليس له رَدُّه؛ لأَنَّ ذلك يَجْرِي مَجْرَى إقْرارِه.
والثاني، له رَدُّه؛ لأَنَّه رَجَعَ إليه بغيرِ رِضَاه، أشْبَهَ ما لو قامَت به بَيِّنَةٌ.
فصل: ولو اشْتَرَى جارِيَةً على أنَّها بِكْرٌ، فقال المُشْتَرِي: هي ثَيِّبٌ. أُرِيَتِ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ، ويُقْبَل قَوْلُ واحِدَةٍ.
فإنْ وَطِئها المُشْتَرِي، وقال: ما وَجَدْتها بِكْرًا. خُرِّجَ فيه وَجْهَانِ، بناءً على الاخْتِلَافِ في العَيبِ الحادِثِ.
فصل: وإن رَدَّ المُشْتَرِي السِّلْعَةَ بعَيبٍ، فأنْكَرَ البائِعُ أنَّها سِلْعَتُه، فالقَوْلُ قوْلُ البائِعِ مِع يَمِينِه. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي. ونحوَه قال الأَوْزَاعِيُّ، فإنَّه
قال في مَن صَرَفَ دَراهِمَ، [بدَنانِيرَ، ثم رَجَع بدِرْهَمٍ]، فقال الصَّيرَفِيُّ : ليس هذا دِرْهَمِي. يَحْلِفُ الصَّيرَفِيُّ: باللهِ لقد وَفَّيتُكَ. ويَبْرَأُ؛ لأَنَّ البائِعَ مُنْكِرٌ كَوْنَ هذه سِلْعَتَه، ومُنْكِرٌ اسْتِحْقَاقَ الفَسْخِ، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
فأمّا إن جاءَ لِيَرُدَّ السِّلْعَةَ بخِيَارٍ، فأنْكَرَ البائِعُ أنَّها سِلْعَتُه، فحَكَى ابنُ المُنْذِر عن أحمدَ، أنَّ القَوْلَ قولُ المُشْتَرِي. وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي؛ لأنَّهُما اتَّفَقَا على اسْتِحْقاقِ فَسْخِ العَقْدِ، والرَّدُّ بالعَيبِ بخِلافِه. ١٦٤٥ -
(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ هَلْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي) وَكَانَ مُحْتَمِلًا لِقَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَالْخَرْقِ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ رِوَايَتَانِ) .
وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيهِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ وَيَمِينِهِ عَلَى الْبَتِّ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ، أَوْ أَنَّهُ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ أَنَصُّهُمَا.
وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ وَعَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ، وَيَمِينُهُ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ،
فَإِنْ أَجَابَ أَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ،
وَإِنْ أَجَابَ أَنَّهُ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الرَّدِّ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا عَلَى الْبَتِّ إِلَّا عَلَى النَّفْيِ فِي فِعْلِ الْغَيْرِ،
وَعَنْهُ: عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَفِي الْإِيضَاحِ يَتَحَالَفَانِ (إِلَّا أَنْ لا يَحْتَمِلَ إِلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا) كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَالْجُرْحِ الْمُنْدَمِلِ عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَالْجُرْحِ الطَّرِيِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ) مَنْ يَدَّعِيهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِلْعِلْمِ بِصِدْقِهِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى اسْتِحْلَافِهِ،
وَقِيلَ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ.
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي بَكَارَتَهَا أُرِيَتِ الثِّقَاتِ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدَةٍ،
فَإِنْ وَطِئَهَا، وَقَالَ: مَا وَجَدْتُهَا بِكْرًا، فَوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْعَيْبِ الْحَادِثِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: إِذَا وَكَّلَ فِي الْبَيْعِ فَبَاعَ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ بِالْمَبِيعِ فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ،
فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ فَأَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ، وَأَنْكَرَ مُوَكَّلُهُ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى مُوَكَّلِهِ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّدَّ، فَقُبِلَ كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَصَحَّحَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَمْ يُقْبَلْ كَالْأَجْنَبِيِّ فَعَلَيْهِ لَوْ رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ، لِأَنَّ رَدَّهُ بِإِقْرَارِهِ وهو غير مقبول عَلَى غَيْرِهِ،
فَإِنْ أَنْكَرَهُ الْوَكِيلُ وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَنَكَلَ عَنْهَا، فَرُدَّ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. الثَّانِي: إِذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّهَا سِلْعَتُهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ
بِخِلَافِ مَا إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ بِخِيَارِ شَرْطٍ،
فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، نَصَّ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ نَقَلَهُ مُهَنَّا.
وإنِ اخْتَلفا في العَيبِ؛ هل كان عندَ البائِعِ، أو حدَث عند المُشْتَرِي، ففِي أَيِّهما يُقْبَلُ قوْلُه؟ رِوايَتان. وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»؛ إحْداهما، يُقَبلُ قوْلُ المُشْتَرِي. صحَّحَه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». قال . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «إدْراكِ الغايَةِ»: يُقْبَلُ قوْلُ المُشْتَرِي في الأظْهَرِ. وقطَع به الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاويَين». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يُقْبَلُ قوْلُ البائِعِ. وهي أنَصُّهما. واخْتارَها القاضي في «الرِّوايتَين»، وأبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ». وقدَّمها في «المُحَرَّرِ».
وقال في «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: وفرق بعضُهم بينَ أنْ يكونَ المَبِيعُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَينًا مُعَيَّنَةً، أو في الذِّمَّةِ؛
فإنْ كان في الذِّمَّةِ، فالقَوْلُ قولُ القابِض، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ الأصْلَ اشْتِغالُ ذِمَّةِ البائعِ، فلم يَثبُتْ بَراءَتُها.
وقال في «الإِيضَاحِ»: يتَحالفَان، كالحَلِفِ في قَدْرِ الثَّمَنِ. على ما يأْتِي إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
فائدة: إذا قُلْنا: القَوْلُ قوْلُ المُشتَرِي. فمع يَمِينِه، ويكونُ على البَتِّ. قاله الأصحابُ.
وإنْ قُلْنا: القَوْلُ قوْلُ البائعِ. فمع يَمِينه، وهي على حسَبِ جَوابِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتكونُ على البَتِّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، على نَفْي العِلْمِ. ذكَرَها ابنُ أبي مُوسى. إلَّا أن لا يَحْتَمِلَ إلَّا قَوْلُ أحَدِهما، فالقَوْلُ قَوْلُه بغَيرِ يَمِينٍ. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وأكثرُهم قطَع به.
وقيل: القَوْلُ قوْلُه مع يَمِينِه. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ. قاله في «المُسْتَوْعِبِ». وأطْلَقَهما في «الرِّعايَةِ».
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ في أصْلِ المَسْأَلَةِ، إذا لم تَخْرُجْ عن يَدِه،
فإنْ خَرَجَتْ عن يَدِه إلى غيرِه، لم يَجُزْ له رَدُّه. نقَلَه مُهَنَّا، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ إحْداها، لو ردَّ المُشْتَري السِّلْعَةَ بعَيبٍ، فأنْكَر البائعُ أنَّها سِلْعَتُه، فالقَوْلُ قوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ كوْنَ هذه سِلْعَتَه، ومُنْكرٌ اسْتِحْقاقَ الفَسْخِ، والقَوْلُ قوْلُ المُنْكِرِ. الثَّانيةُ، لو ردَّ المُشْتَرِي السِّلْعَةَ بخِيارِ الشَّرْطِ، فأنْكَر البائعُ أنَّها سِلْعَتُه، فالقَوْلُ قوْلُ المُشْتَرِي؛ لأنَّهما اتَّفَقا على اسْتِحقاقِ فَسْخِ العَقْدِ، والرَّدُ بالعَيبِ بخِلافِه. وهذان الفَرْعان نصَّ عليهما الإِمامُ أحمدُ. وجزَم بهما المُصنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، قُبَيلَ بابِ السَّلَمِ: وإنْ ردَّه بعَيبٍ، فقال: ليسَ هذا المَبِيعُ الذي قبَضْتَه مِنِّي. صُدِّقَ إن حلَف. واخْتارَ فيها هذا، إنْ كان عيَّنَه في العَقْدِ،
وإنْ عيَّنَه بعدَه عمَّا وجَب في ذِمَّتِه بالعَقْدِ، صُدِّقَ المُشْتَرِي إنْ حلَف. انتهى. الثَّالثةُ، لو باعَ سِلْعَةً بنَقْدٍ أو غيرِه، مُعَيَّنٍ حال العَقْدِ، وقبَضَه البائعُ، ثم أحْضَرَه وبه عَيبٌ، وادَّعَى أنَّه الذي دَفَعَه إليه المُشْتَرِي، وأنْكَرَ المُشْتَرِي كوْنَه الذي اشْتَرَى به، ولا بَيِّنَةَ لواحدٍ منهما، فالقَوْلُ قوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعدَمُ وُقوعِ العَقْدِ على هذا المَعِيبِ.
ولو كان الثَّمَنُ في الذِّمَّةِ، ثم نَقَدَه المُشْتَرِي الثَّمَنَ، أو قبَضه مِن قَرْضٍ، أو سلَمٍ، أو غيرِ ذلك ممَّا هو في ذِمَّتِه، ثم اخْتلَفا كذلك، ولا بَيِّنَةَ، فالقَوْلُ قوْلُ البائعِ، وهو القابِضُ مع يَمينِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّ القَوْلَ في الدَّعاوَى قوْلُ مَنِ الظاهِرِ معه، والظَّاهِرِ مع البائعِ؛ لأنَّه ثبَت له في ذِمَّةِ المُشْتَرِي ما انْعَقَدَ عليه العَقْدُ غيرَ مَعِيبٍ، فلم يُغْفَلْ. في بَراءَة ذِمَّتِه. جزمَ به في «الفُروقِ الزَّرِيرَانِيَّةِ».
وصحَّحَه في «الحاوي الكَبيرِ» في بابِ أحكَامِ القَبْضِ، في أثْناءِ الفَصْلِ الرَّابعِ، وصحَّحَه في «الحاوي الصَّغِيرِ»، في بابِ السَّلَمِ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، قبلَ القَرْضِ بفَصْلٍ: ولو قال المُسْلِمُ: هذا الذي أقْبَضْتَنِي وهو مَعِيبٌ. فأنْكَرَ أنَّه هذا، قُدِّمَ قَوْلُ القابضِ. انتهى.
وقيل: القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، وهو المَقْبُوضُ منه؛ لأنَّه قد أقْبَضَ في الظَّاهِرِ ما عليه. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، في آخِرِ بابِ القَبْضِ. ومَحَلُّ الخِلافِ، إذا لم يُخْرِجْه عن يَدِه, كما تقدَّم في التي قبلَها.
تنبيه: هذه طَرِيقَةُ صاحبِ «الفُروقِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الحاويَين»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، في هذه المَسْأَلَةِ.
وقال في «القَواعِدِ»، في الفائِدَةِ السَّادِسَةِ: لو باعَه سِلْعَةً بنَقْدٍ مُعَيَّنٍ، ثم أتَاه به، فقال: هذا الثَّمَنُ وقد خرَج مَعِيبًا. وأنْكَرَ المُشْتَرِي، ففيه طَرِيقان؛ أحدُهما، إنْ قُلْنا: النُّقودُ تتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ. فالقَوْلُ قوْلُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه يَدَّعِي عليه اسْتِحْقاقَ الرَّدِّ، والأصْلُ عدَمُه،
وإنْ قُلْنا: لا يتَعَيَّنُ. فوَجْهان؛ أحدُهما، القوْل قوْل المُشتَرِي أيضًا؛ لأنَّه أقبَضَ في الظَّاهرِ ما . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه. والثَّانِي، قَوْلُ القابِضِ؛ لأنَّ الثَّمَنَ في ذِمَّتِه، والأصْلُ اشْتِغالها به، إلَّا أنْ يَثْبُتَ بَراءَتُها منه. وهي طَريقَتُه في «المُسْتَوْعِبِ». الطَّرِيقَةُ الثَّانيةُ، إنْ قُلْنا: النُّقودُ لا تتَعَيَّنُ. فالقَوْلُ قوْلُ البائعِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه قد ثبَت اشْتِغالُ ذِمَّةِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ، ولم يَثْبُتْ بَراءَتُها منه،
وإنْ قُلْنا: تتَعَيَّنُ. فوَجْهان مُخَرجان مِنَ الرِّوايتَين، فيما إذا ادَّعَى كلُّ واحدٍ مِنَ المُتَبايِعَين أنَّ العَيبَ حدَث عندَه في السِّلْعَةِ؛ أحدُهما، القَوْلُ قوْلُ البائعِ؛ لأنَّه يدَّعِي سلامَةَ العَقْدِ، والأصْلُ عدَمُه، ويدَّعِي عليه ثُبُوتَ الفَسْخِ، والأصْلُ عدَمُه.
والثَّانِي، قَوْلُ القابِضِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ التَّسْليمَ، والأصْلُ عدَمُه. وهي طَرِيقَةُ القاضي في بعضِ تَعالِيقِه. وجزَم صاحِبُ «المُغْنِي»، و «المُحَررِ»، بأنَّ القَوْلَ قوْلُ البائعِ، إذا أنْكَرَ أنْ يكونَ المَرْدودُ بالعَيب هو المَبِيعَ، ولم يحْكِيا خِلافًا، ولا فَصْلًا بينَ أنْ يكونَ المَبِيعُ في الذِّمَّةِ أو مُعينًا؛ نَظرًا إلى أنَّه يدَّعِي عليه اسْتِحْقاقَ الرَّدِّ، والأصْلُ عدَمُه. وذكَر الأصحابُ مِثْلَ ذلك في مَسائلِ الصَّرْفِ. وفرَّق السَّامَرِّيُّ في «فُروقِه» بينَ أنْ يكونَ المَرْدودُ بعَيب وَقعَ عليه مُعَيَّنًا، فيكونَ القَوْلُ قوْلَ البائعِ، وبين أنْ يكونَ في الذِّمَّةِ، فيكونَ القَوْلُ قوْلَ المُشْتَرِي، لِمَا تقدَّم.
وهذا فيما إذا أنْكَرَ المُدَّعَى عليه العَيبَ، أنَّ ماله كان مَعِيبًا.
أمَّا إنِ اعْترَفَ بالعَيبِ، فقد فسَخ صاحِبُه، وأنْكَرَ أنْ يكونَ هو هذا المُعَيَّنَ، فالقَوْلُ قوْلُ مَن هو في يَدِه. صرَّح به في التَّفْليسِ في «المُغْني»، مُعَلِّلًا بأنَّه قَبِلَ اسْتِحْقاقَ ما ادَّعَى عليه الآخَرُ، والأصْلُ معه، ويَشْهَدُ له أنَّ المَبِيعَ في مُدَّةِ الخِيارِ، إذا ردَّه المُشْتَرِي بالخِيارِ، فأنْكَر البائعُ أنْ يكونَ هو المَبِيعَ، فالقوْلُ قوْلُ المُشْتَرِي. حكَاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ؛ لاتِّفاقِهما على اسْتِحْقاقِ وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا تَلْزَمُهُ عُقُوَبَةٌ مِنْ قِصَاصٍ أوْ غَيرِه، يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي الفَسْخٍ بالخِيارِ.
وقد يَنْبَنِي على ذلك، أنَّ المَبِيعَ بعدَ الفَسْخِ بعَيبٍ ونحوه، هل هو أمَانةٌ في يَدِ المُشْتَرِي، أو مَضْمونٌ عليه؟ فيه خِلافٌ. وقد يكونُ مَأْخَذُه أنَّه أمانَةٌ عندَه.
ومِنَ الأصحابِ مَن علَّلَ بأنَّ الأصْلَ برَاءَةُ ذِمَّةِ البائعِ ممَّا يُدَّعَى عليه، فهو كما لو أقرَّ بعَينٍ، ثم أحْضَرَها، فأنْكَرَ المُقَرُّ له أنْ تكونَ هي المُقَرَّ بها،
فإنَّ القَوْلَ قوْلُ المُقِرِّ مع يَمِينِه. انتهى كلامُه في «القَواعِدِ». الرَّابعةُ, لو باعَ الوَكيلُ شيئًا، ثم ظهَر المُشْتَرِي على عَيبٍ، فله ردُّه على المُوَكِّلِ،
فإنْ كان ممَّا يُمْكِنُ حدُوثُه، فَأقَرَّ الوَكيلُ أنَّه كان مَوْجُودًا حالةَ العَقْدِ، وأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فقال أبو الخَطَّابِ: يُقْبَلُ إقْرارُه على مُوَكِّلِه بالعَيبِ.
قال المُصَنِّفُ: والأصحُّ أنَّه لا يُقْبَلُ. وصحَّحَه في «الفائقِ». وظاهِرُ «الشَّرْحِ» الإِطْلاقُ. الخامسةُ، لو اشْتَرَى جارِيَةً على أنَّها بِكْرٌ، فقال المُشْتَرِي: هي ثَيِّبٌ. أُرِيَتِ النِّساءَ الثِّقاتِ، ويُقْبَلُ قَوْلُ واحِدَةٍ،
فإنْ وَطِئَها المُشْتَرِي، وقال: ما وَجَدْتُها بِكْرًا. خُرِّجَ فيها وَجْهان، بِنَاءً على العَيبِ الحادِثِ. قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. السَّادِسَةُ، لو باعَ أمَةً بعَبْدٍ، ثم ظهَر بالعَبْدِ عَيبٌ، فله الفَسْخُ، وأخْذُ الأمَةِ أو قِيمَتِها لعِتْقِ مُشتَرٍ، وليس لبائعِ الأمَةِ التَّصَرُّفُ فيها قبلَ الاسْتِرْجاعِ بالقَوْلِ؛ لأنَّ مِلْكَ المُشْتَرِي عليها تامُّ مُسْتَقِرٌّ،
فلو أقْدَم البائعُ وأعْتَقَ الأمَةَ أو وَطِئَها، لم يَكُنْ ذلك فَسْخًا، ولم يَنْفُذْ عِتْقُه. قاله القاضي. وذكَر في «المُحَرَّرِ»، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصُولِ»، احْتِمالًا أنَّ وَطْئَه اسْتِرجْاعٌ. ورَدَّه في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والخَمْسِين».
قال: (وإن اختلفا في العيب هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري ففي أيهما يقبل قوله؟ روايتان. إلا أن لا يحتمل إلا قول أحدهما فالقول قوله بغير يمين) .
أما كون القول قول المشتري في العيب الذي يحتمل حدوثه قبل الشراء وبعده كالخرق والرفو في الثوب وما أشبه ذلك في روايةٍ؛ فلأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق القدر الذي قابل العيب من الثمن فكان القول قول من ينفيه كما لو اختلفا في قبض الجميع.
وأما كون القول قول البائع في ذلك في روايةٍ؛ فلأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد.
ولأن المشتري يدعي عليه فسخ العقد وهو ينكره.
وأما كون القول قول من لا يحتمل إلا قوله؛ فلأن غيره كاذب في قوله.
فإن قيل: ما صورة ذلك؟
قيل: ذلك على ضربين:
أحدهما: أن لا يحتمل إلا قول المشتري مثل: أن يكون مما لا يحتمل حدوثه عند المشتري كالأصبع الزائدة والجراحة المندملة التي لا يحتمل حدوث مثلها.
وثانيهما: أن لا يحتمل إلا قول البائع مثل: أن يكون مما لا يحتمل حدوثه قبل البيع كالجرح الطري الذي لا يحتمل كونه قديماً. والقول في الأول قول المشتري وفي الثاني قول البائع لما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: بغير يمين فإشارة إلى أن اليمين لا تجب في الموضعين المذكورين في حق مَن القول قوله لأن اليمين إنما شرع في موضع يحتمل صدق صاحبه.
وفي قوله: بغير يمين أيضاً إشعار بأن المسألة قبلُ تجب اليمين على من قيل القولُ قولُه لأنه يحتمل صدق صاحبه.
وصفة يمين المشتري: أن يحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب وأنه ما حدث عنده. وصفة يمين البائع على حسب جوابه: إن أجاب: بعته بريئاً من العيوب حلف على ذلك،
وإن أجاب: لا يستحق عليّ ما يدعيه من الرد حلف على ذلك.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.