وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ أصْلِه بعَصِيرِه، ولا خالِصِه بمَشُوبِه، ولا رَطْبِه بِيَابِسِه، ولا نِيئه بمَطْبُوخِه) لا يَجُوزُ بَيعُ شَيءٍ من مالِ الرِّبَا بأَصْلِه الذي فيه منه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ، والزَّيتُونِ بالزَّيتِ، وسائِرِ الأدْهانِ بأُصُولِها، والعَصِيرِ بأَصلِه؛ كعَصِيرِ العِنَبِ، والرُّمَّانِ، والتُّفَّاحِ، والسَّفَرْجَلِ، وقَصَبِ السُّكَّرِ، لا يُباعُ شيءٌ منها بأَصْلِه. وبه قال الشّافِعِيُّ، و ابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يَجُوزُ وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إذا عَلِمَ أنّ ما في الأصْلِ من الدُّهْن والعَصِيرِ أقَلُّ من المُنْفَرِدِ،
وإنْ لم يَعْلَمْ، لم يَجُزْ. ولَنا، أنّه مالٌ بِيعَ بأَصْلِه الذي هو منه، فلم يَجُزْ، كَبَيعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ، وقد أثْبَتْنا ذلك بالنَّصِّ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ، ولا بالسَّمْنِ، ولا بشيءٍ منِ فُرُوعِه؛ كاللِّبَأ والمَخِيضِ، وسواءٌ كان فيه من غَيرِه أوْ لَا؛ لأنَّه مُسْتَخْرَجٌ من اللَّبَنِ، فلم يَجُزْ بَيعُه بأَصْلِه الذي فيه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وعن أحمدَ، أنَّه يَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ إذا كان الزُّبْدُ المُنْفَرِدُ أكثرَ من الزُّبْدِ الذي في اللَّبَنِ. وهذا يَقْتَضِي جوازَ بَيعِه به مُتَفَاضِلًا، ومَنْعَ جَوازِه مُتَماثِلًا. قال القاضِي: وهذه الرِّوَايَةُ لا تُخَرَّجُ على المَذْهَبِ؛
لأنَّ الشَّيئَينِ إذا دَخَلَهُما الرِّبَا، لم يَجُزْ بَيعُ أحَدِهما بالآخرِ ومعه من غيرِ جِنْسِه، كمُدِّ عَجْوَةٍ.
والصَّحِيحُ أنّ هذه الرِّوَايَةَ دَالَّة على جَوازِ البَيعِ في مسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكَوْنُها مُخالِفَةً لروايَاتٍ أُخَرَ لا يَمْنَعُ كَوْنَها رِوَايَةً كسائِرِ الرِّوَاياتِ المُخَالِفَةِ لغَيرِها لكَوْنِها مُخَالِفَةً لظَاهِرِ المَذْهَبِ. والحُكْمُ في السَّمْنِ كالحُكْمِ في الزُّبْدِ.
وأما اللَّبَنُ بالمَخِيضِ، فلا يَجُوزُ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ، كالتي قَبْلَها.
وأمّا اللَّبَنُ باللِّبَأَ فإنْ كان قبلَ أنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، جازَ مُتَماثِلًا؛ لأنَّهُ لَبَن بِلَبَنٍ.
وإنْ مَسَّتْهُ النّارُ، لم يَجُزْ. وذَكَرَ القاضِي وجْهًا، أنّه يَجُوزُ. وليس بصحِيحٍ؛ لأنَّ النّارَ عَقَدَتْ أجْزَاءَ أحَدِهما، وذَهَبَتْ بِبَعْضِ رُطوبَتِه، فلم يَجُزْ بَيعُه بما لم تَمَسَّهُ النّارُ، كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ الخالِصِ بالمَشُوبِ، كحِنْطَةٍ فيها شَعِيرٌ أو زُوانٍ بخَالِصَةٍ أو غيرِ خالِصَةٍ، أو لَبَن مَشُوبٍ بخالِص أو مَشُوبٍ، أو اللَّبَنِ بالكِشْكِ أو الكَامَخِ . ويَتَخَرَّجُ الجوازُ إذا كان اللَّبَنُ أكثَرَ من اللَّبَنِ الذي في الكِشْكِ والكَامَخِ، بناغ على مُدِّ عَجْوَةٍ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ العَسَلِ في شَمْعِه بمِثْلِه،
فإنْ كان الخَلْطُ يَسِيرًا، كحَبَّاتِ الشَّعِيرِ [في الحِنْطَةِ]، ويَسِيرِ الترابِ والزُّوانِ الذي لا يَظْهَرُ في الكَيلِ، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالتَّمَاثُلِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ التَّمْرِ بالدِّبْسِ والخَلِّ والنّاطِفِ ، والقُطارَةِ ؛ لأنَّ بَعْضَها معه من غيرِ جِنْسِه، وبَعْضَها مائِعٌ، والتَّمْرُ جامِدٌ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ الناطِفِ بَعْضِه بِبَعْض، ولا بغَيرِه من المَصْنُوعِ من التَّمْرِ؛ لأنَّ مَعَهُما شَيئًا مَقْصُودًا من غيرِ جِنْمسِهما، فهو كمُدِّ عَجْوَةٍ، والعِنَبُ كالتَّمْرِ فيما ذَكَرْناه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ المَشُوبِ بالمَشُوبِ، كالكِشْكِ والكامَخِ،
ولا يَجُوزُ بَيعُ أَحَدِهِما بالآخَر، كمسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ،
ولا يَجُوزُ بَيعُ نِيئهِ بمَطْبُوخِه؛ كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والحِنْطَةِ المَقلِيَّةِ بالنِّيئةِ؛ لانه لا يَحْصُلُ التَّمَاثُلُ؛ لأنَّ النّارَ ذَهَبَت بِبَعْضِ رُطُوبَتِها وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
فصل:[ويَجُوزُ] بَيعُ نَوْعٍ بنَوْعٍ آخَرَ إذا لم يَكُنْ فيه منه، فيَجُوزُ بَيعُ الزُّبْدِ بالزُّبْدِ، والسَّمْنِ بالمَخِيضِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ من أصْلٍ واحِدٍ، أشْبَها اللَّحْمَ والشَّحْمَ. وممَّنْ أجازَ بَيعَ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ؛ الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي في الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، وهو يَسِيرٌ، فلم يَمْنَعْ، كالمِلْحِ في الشَّيرَجِ. وبَيعُ السَّمْنِ بالمَخِيضِ أوْلَى بالجَوازِ؛ لخُلُوِّه من اللَّبَنِ المَخِيضِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ الزُّبْدِ بالسَّمْنِ؛ لأنَّ في الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا، ولا شيءَ في السَّمْنِ، فيَخْتَلُّ التَّماثُلُ، ولأنَّه من الزُّبْدِ، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالزَّيتُونِ بالزَّيتِ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. واخْتَارَ القاضِي جَوازَهُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي في الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، فوُجُودُه كعَدَمِه، ولهذا جازَ بَيعُ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ التماثُلَ شَرْطٌ، وانْفِرادُ أحَدِهما بوُجُودِ اللَّبَنِ فيه يُخِلُّ بالتّماثلِ، فلم يَجُزِ البَيعُ، كتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بما نَواهُ فيه، ولأنَّ أحَدَهما يَنْفَرِدُ برُطُوبَةٍ لا تُوجَدُ في الآخَرِ، أشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، وكُلَّ رَطْبٍ بِيابِسٍ من جِنْسِه.
ولا يَجُوزُ بَيعُ شيءٍ من الزُّبْدِ والسَّمْنِ والمَخِيضِ بشيءٍ من أنْواعِ اللَّبَنِ، كالجُبْنِ واللِّبَأَ ونحوهِما؛ لأنَّ هذه الأنْواعَ لم يُنْزَعْ منها شيء، فهي كاللَّبَنِ الذي فيه زُبْدُه، فلم يَجُزْ بَيعُها به، كبَيعِ اللَّبَنِ بها.
وأمّا بَيعُ الجبْنِ بالأقطِ، فلا يَجُوزُ بَيعُ رُطُوبَتِهما أو رُطُوبَةِ أحَدِهما، كما لا يَجُوزُ بَيع الرُّطَبِ بالتمْرِ.
وإنْ كانَا يابِسَينِ احْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ الجُبْنَ مَوْزُونٌ والأقِطَ مَكِيلٌ، فأشْبَهَ بَيعَ الخُبْزِ بالدَّقِيقِ. ويحْتَمِلُ الجَوازَ إذا تَماثَلَا، كبَيعِ الجُبْنِ بالجُبْنِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ رَطْبٍ بِيابِس، كالرُّطَبِ بالتمْرِ، والعِنَبِ بالزَّبِيبِ، والحِنْطَةِ المَبْلُولَةِ أو الرَّطْبَةِ باليابِسَةِ، والمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ، ونحو ذلك. وبه قال سَعْدُ بنُ أبي وَقّاصٍ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، واللَّيثُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمّدٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ؛ لأنَّه
إمّا أنْ يكونَا جِنْسًا، فيَجُوزُ مُتَماثِلًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ». أو يكُونَا جِنْسَينَ، فيَجُوزُ؛ لقَوْلِه عليه السّلامُ:«فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ، فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ يدًا بِيَدٍ». ولَنا، قَوْلُه عليه السّلامُ:«لا تَبِيعُوا التَّمْرَ بالتَّمْرِ».
وفي لَفْظٍ: نَهَى عن بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، ورَخَّصَ في العَرِيَّةِ أنْ تُباعَ بخَرْصِهَا، يأكُلُها أهلُها رُطَبًا. مُتَّفَقٌ عليهما . وعن سَعْدٍ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عنِ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، قال:«أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟» قالُوا: نعم. فنَهَى. عن ذلك. رَواهُ مالِكٌ، وأبو داوُدَ، والأثْرَمُ، وابنِ ماجه .
وفي رِوَايَةِ الأثْرَمِ، قال:«فَلَا إذَنْ». نَهَى وعَلَّلَ بأنَّه يَنْقُصُ إذا يَبِسَ. ورَوَى مالِكٌ عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ؛ والمُزَابَنَةُ: بَيعُ الرُّطَب بالتَّمْرِ كَيلًا، وبَيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كَيلًا. ولأنَّه جِنْسٌ فيه الرِّبَا بِيعَ بَعْضُه بِبَعْضٍ على وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فلم يَجُزْ، كبَيعِ المَقْلِيَّةِ بالنيئَةِ،
ولا يَلْزَمُ الحدِيثُ بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ يَسِيرٌ. قال الخَطّابِيُّ : وقد تَكَلَّمَ بعضُ النّاسِ في إسْنادِ حَدِيثِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ.
وقال: زيدٌ أبو عَيَّاش رَاويه ضَعِيف. وليس الأمْرُ على ما تَوَهَّمَه، وأبو عَيَّاشٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ، وقد ذَكَرَه مالِكٌ في «المُوَطَّأ»، وهو لا يَرْوي عن مَتْرُوكِ الحَدِيثِ.
١٦٨٥ -
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ) كَالْحِنْطَةِ بِالْهَرِيسَةِ، أَوِ الْخُبْزِ وَالنَّشَاءِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أَجْزَاءَ الْمَطْبُوخِ وَتَنْفُخُهَا، فَلَا يَحْصُلُ التَّسَاوِي.
فَرْعٌ: فَرْعُ الْحِنْطَةِ إِذَا جَمَعَ غَيْرَهُ كَالْهَرِيسَةِ، وَالْحَرِيرَةِ، وَالْفَالُوذَجِ، وَالسَّنَبُوسَكُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَا نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَهُوَ مَقْصُودٌ كَاللَّحْمِ فِي الْهَرِيسَةِ، وَالْعَسَلِ فِي الْفَالُوذَجِ، وَالْمَاءِ وَالدُّهْنِ فِي الْحَرِيرَةِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ
فَأَمَّا بَيْعُ الْحِنْطَةِ، وَمَا صُنِعَ مِنْهَا بِغَيْرِهَا مِنَ الْحُبُوبِ فَجَائِزٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِمَا
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه، ولا أصله بعصيره، ولا خالصه بمشوبه، ولا رَطْبه بيابسه) .
أما كون بيع نيء الشيء بمطبوخه كالحنطة بالهريسة أو بالحريرة أو بالنشاء أو ما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلأن النار تعقد أجزاء المطبوخ وتنفخها فلا يحصل التساوي.
وأما كون بيع أصله بعصيره كالسمسم بالشيرج والزيتون بالزيت وما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلأنه مال ربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان.
وأما كون بيع خالصه بمشوبه لا يجوز كلبن لا ماء فيه بلبن مخلوط بماء لا يجوز فلانتفاء التساوي المشترط.
وأما كون بيع رَطْبه بيابسه كبيع الرطب بالتمر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر. فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فقال: لا إذاً» . علل بالنقصان إذا يبس وهو موجود في كل رطب بِيع بيابسه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.