وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا
الشروح عليها
فصل: وإن خِيفَ على الأصُولِ الضَّرَرُ بتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عليها، لعَطَشْ أو غيرِه، والضَّرَرُ يَسِير، لم يُجْبَرْ على قَطْعِها؛ لأنَّها مُسْتَحِقَّة للبَقَاءِ، فلم يُجْبَرْ على إزَالتِها لدَفْعِ ضَرَر يَسِير عن غيرِه.
وإنْ كان كَثِيرًا، فخِيف على الأصُولِ الجَفافُ، أو نَقْصُ حَمْلِها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُجْبَرُ لذلك .
والثاني، يُجْبَرُ على القَطْعِ، لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُها وإنْ لم تُقْطَعْ، والأصُولُ تَسْلَمُ بالقَطْعِ، فكان القَطْعُ أوْلَى. وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كالوَجْهَينَ.
فصل: (ولا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ولا الزَّرْعِ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه، إلَّا بشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ) لا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُو صَلاحِها بشَرْطِ التبقِيَةِ إجْماعًا؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الثِّمَارِ حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها. نَهَى البائِعَ والمُبْتَاعَ. مُتَّفَقٌ عليه . والنَّهْيُ يَقتَضِي فسادَ المَنْهِيِّ عنه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على القَوْلِ بجُمْلَةِ هذا الحَدِيثِ.
فصل: وكذلك الزَّرْعُ الأخْضَرُ في الأرْضِ، لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا بشَرْطِ القَطْعِ، كما ذَكَرْنَا في الثَّمَرَةِ على الأصُولِ؛ لِما رَوَى مُسْلِمٌ أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ السُّنْبُلِ حتى يَبْيَضَّ ويأمَنَ العاهَةَ. نَهَى البائِعَ والمُشْتَرِيَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أعْلَمُ أحَدًا يَعْدِلُ عن القَوْلِ به. وهو قولُ مالِك، وأهْلِ المَدِينَةِ، وأهْلِ البَصْرَةِ، وأصحَابِ الحَدِيثِ، وأصْحابِ الرَّأي.
فإنْ باعَهُ بشَرْطِ القَطْعِ، أو باعَ الثَّمَرَةَ قبل بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، صَحَّ بالإجْماعِ، لأنَّ المَنْعَ إنَّما كان خَوْفًا من تَلَفِ الثَّمرَةِ وحُدُوثِ العاهَةِ عليها قبلَ أخْذِها؛ لِما رَوَى أنَسٌ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ ، قال:«أرَأيتَ إذا مَنَع اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأخُذُ أحَدُكُم مال أخِيهِ؟». رَواهُ البُخَارِيُّ . وهذا مَأمُونٌ فيما يُقْطَعُ، فصَحَّ بَيعُه، كما لو بَدَا صَلَاحُه.
فصل: وإذا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، أو نِصْفَ الزَّرْعِ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه مُشاعًا، لم يَجُزْ، سَواءٌ اشْتَرَاها من رَجُل، أو من أكثرَ منه، وسَواء شَرَطَ القَطْعَ أو لم يَشْرُطْه؛ لأنه لا يُمْكِنُه قَطْعُه إلَّا بقَطْعِ ما لا يَمْلِكُه، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه. ١٧١١ -
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) أَيْ: بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إِجْمَاعًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا نَهَى الْبَائِعَ، وَالْمُبْتَاعَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَلَا الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ، إلا بِشرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ. ولا يجوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُو صَلاحِها، ولا الزَّرْعِ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه -بلا نِزاعٍ في الجُمْلَةِ- إلّا بشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ. نصّ عليه. لكِنْ يُشْترَطُ أنْ يكونَ مُنْتَفِعًا به في الحالِ. قاله في «الرِّعايَةِ»، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في «تَعْلِيقهِ» على «المُحَرَّرِ».
قلتُ: وهو مُرادُ غيرِهما. وقد دخَل في كلامِ الأصحابِ في شُروطِ البَيعِ، حيثُ اشْتَرطُوا أنْ يكونَ فيه مَنْفَعَة مُباحَة.
فوائد؛ الأولَى، يُسْتَثْنَى مِن عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ مِن عدَمِ الجَوازِ، لو باعَ الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بأصْلِها، فإنه يصِحُّ. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وحكَاه المُصَنِّفُ، والشّارِحُ، والزرْكَشِيُّ إجْماعًا؛ لأنَّه دخَل تَبَعًا.
وقيل: لا يجوزُ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وجماعَةٍ. وأطْلَقهما في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُحَرَّرِ». ويُسْتَثْنَى أيضًا، لو باعَ الأرْضَ بما فيها مِن زَرْع قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه، فإنَّه يصِحُّ. جزَم به في «المُحَررِ»، و «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، و «الحاوي الكَبِيرِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». وصحَّحَه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحأوى الصّغِيرِ». وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يصِحُّ. وقدمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. الثَّانية، يجوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها لمالِكِ الشَّجَرِ. جزَم به في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى». واخْتارَه في «الحاوي الكَبِيرِ». وصحَّحه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الرعايَةِ الكُبْرَى». وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يصِحُّ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ، والخِرَقِيِّ. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرّر»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». فعلى الوَجْهِ الثّاني، لو شرَط القَطْعَ، صحَّ.
قال المُصَنِّفُ: ولا يَلْزَمُ الوَفاءُ بالشَّرْطِ؛ لأن الأصْلَ له. قال الزَّرْكَشِيُّ: ومُقْتَضَى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا، أنَّ اشْتِراطَ القَطْعِ حَقٌّ للآدَمِيِّ. وفيه نظَر، بل هو حق لله تَعالى.
ويجوزُ بَيعُ الزَّرْعِ قبلَ اشْتِدادِه لمالِكِ الأرْضِ. جزَم به في «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، و «الحاوي الكَبِيرِ». واخْتارَه أبو الخَطَّابِ. وصحَّحه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصغِيرِ». وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يصِحُّ. وقدمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وهو ظاهِرُ كلام المُصَنِّفِ. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّر»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ» و «الزَّرْكَشِيِّ». الثالثةُ، لو باعَ بعضَ ما لم يَبْدُ صَلاحُه مُشاعًا، لم يصِحَّ،
ولو شرَط القَطْعَ. قاله الأصحابُ.
قلتُ: فيُعايىَ بها. وَلَا بَيعِ الرَّطْبَةِ، وَالْبُقُولِ، إلا بِشَرْطِ جَزِّهِ، وَلَا الْقِثَّاءِ وَنَحْوهِ، إلا لَقَطَةً لَقَطَةً، إلا أن يَبِيعَ أصلَهُ.
فصل [في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولا الزرع قبل اشتداد حبه إلا بشرط القطع (١) في الحال، ولا بيع الرطبة والبقول إلا بشرط جزه، ولا القثاء ونحوه إلا لقطة لقطة إلا أن يبيع أصله، والحصاد واللقاط على المشتري فإن باعه مطلقاً أو بشرط التبقية لم يصح).
أما كون بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لا يجوز إذا لم يشترط القطع في الحال فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ الثمارِ حتى يَبدُو صَلاحَها، نَهى البائعَ والمشتري» متفق عليه.
والنهي يقتضي الفساد.
وأما كونه يجوز بشرط القطع في الحال؛ فلأن النهي إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها بدليل ما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيعِ الثمارِ حتى تُزْهِي. قال: أرأيتَ إذا منعَ الله الثمرةَ، بمَ يأخذُ أحدُكُمْ مالَ أخيه» رواه البخاري.
وهذا مأمون فيما يشترط قطعه فجاز بيعه كما لو بدا صلاحه.
وأما كون بيع الزرع قبل اشتداد حبه لا يجوز إذا لم يشترط القطع فلما روى عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيعِ السنبلِ حتى يَبْيضَّ ويأمنَ العَاهَة» رواه مسلم. وروي عنه «أنه عليه السلام نَهى عن بيعِ الحبِ حتى يَشتد» رواه الترمذي.
وأما كونه يجوز إذا شرط القطع فلزوال معنى النهي بدليل قوله:«ويأمن العاهة».
وأما كون بيع الرطبة والبقول لا يجوز إلا بشرط جز الظاهر منه؛ فلأن ما في الأرض مستور مغيب وما يحدث منه معدوم فلم يجز بيعه كبيع ما يحدث من الثمرة.
وأما كون بيع ما ظهر منه يجوز بشرط جزه؛ فلأنه مبيع معلوم لا جهالة فيه ولا غرر أشبه ما جاز بيعه من غيره.
وأما كون بيع القثاء والباذنجان لا يجوز إلا لقطة لقطة؛ فلأن الزائد على ذلك ثمر لم يخلق فلم يجز بيعه أشبه ما لو باع ذلك قبل ظهور شيء منه.
وأما كون بيع ذلك لقطة لقطة يجوز؛ فلأنه مبيع معلوم لا جهالة فيه ولا غرر أشبه ما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن يبيع أصله فيحتمل أن يعود إلى قوله: ولا بيع الرطبة وما بعده لقربه منه، ويحتمل أن يعود إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وما بعده وهو الظاهر إذ الاستثناء المتعقب جملاً يعود إلى كلها لا سيما إذا طابق الحكم. فعلى هذا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إذا بيعت مع الشجرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من باع نخلاً قبل أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع»، وبيع الزرع قبل اشتداده إذا بيع مع الأرض لأنه بمنزلة الثمر على الشجر.
ومثل ذلك بيع الرطبة والبقول لأنه في معناه، وبيع القثاء والباذنجان مع أصولهما لأن ذلك أصل يتكرر ثمره أشبه الشجر.
وأما كون الحصاد واللقاط على المشتري؛ فلأن ذلك من مؤونة نقلها أشبه ما لو اشترى طعاماً في دار فإن الأجرة على المشتري. وفارق هذا الكيال في المكيل والوزان في الموزون من حيث إن أجرة ذلك على البائع لأن ذلك من مؤونة تسليم المبيع إلى المشتري وهاهنا حصل التسليم بدون القطع واللقاط بدليل جواز بيعها والتصرف فيها بدون ذلك.
وأما كون بيع ذلك كله مطلقاً وبشرط التبقية لا يصح فلما تقدم من الأدلة الدالة على اشتراط ما تقدم ذكره من بُدُوّ صلاحٍ واشتداد حبٍّ وشرط جز والبيع لقطة لقطة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.