وَإِنِ اكْتَالَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِيكَالِ وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ فَقَبَضَهُ، صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدِ اكْتَالَهُ حَقِيقَةً، وَالثَّانِي حَصَلَ لَهُ اسْتِمْرَارُ الْكَيْلِ وَاسْتِدَامَتُهُ كَابْتِدَائِهِ، كَمَا أَنَّ اسْتِدَامَةَ الرُّكُوبِ رُكُوبٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ زِيَادَةٌ بِابْتِدَائِهِ،
الشروح عليها
مسألة: (وإنِ اكْتَاله، وتَرَكَهُ في المِكْيَالِ، وسَلَّمَه إلى غَرِيمِه، فقَبَضَه، صَحَّ القَبْضُ لهما) لأَنَّ اسْتِدامَةَ الكَيلِ بمَنْزِلَةِ ابْتدائِه، فلا مَعْنَى لابْتِداءِ الكَيلِ ها هنا؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به زِيادَةُ عِلْمٍ. [وقالتِ الشافعيَّةُ]: لا يَصِحُّ؛ للحَدِيثِ الذي ذَكَرْنَاه في المَسْأَلَةِ قَبْلَها. وهذا يمكنُ القَوْلُ بمُوجَبِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُشْتَرِي له [في المِكْيالِ] جَرْيٌ لصاعِه فيه.
فصل: وإنْ دَفَعَ زَيدٌ إلى عَمْرٍو دَراهِمَ، فقال: اشْتَرِ لَكَ بها مِثْلَ الطَّعَامِ الذي لَكَ عَلَيَّ. فَفَعَلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ دَرَاهِمَ زَيدٍ لا تكونُ عِوَضًا لعَمْرٍو.
فإنِ اشْتَرَى الطَّعَامَ بعَينِها أو في ذِمَّتِه، فهو كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ.
وإنْ قال: اشْتَرِ لِي بها طَعامًا، ثم اقْبِضْهُ لنَفْسِكَ. فَفَعَلَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولم يَصِحَّ القَبْضُ لنَفْسِه، على ما تَقَدَّمَ في مثلِ هذه الصُّورَةِ.
وإنْ قال: اقبِضْهُ لي، ثم اقبضْهُ لنَفْسِكَ. فَفَعَلَ، صَحَّ . نَصَّ عليه.
وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أنْ يكونَ قابِضًا من نَفْسِه لنَفْسِه. ولَنا، أنَّه يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ لنَفْسِه من مالِ وَلَدِه، ويَبِيعَه، ويَقْبِضَ لنَفْسِه من نَفْسِه، ولوَلَدِه من نَفْسِه،
وكذلك لو وَهَبَ وَلَدَه الصَّغِيرَ شَيئًا، جازَ أنْ يَقْبَلَ له من نَفْسِه، ويَقْبِضَ منها، فكذا ها هنا. ١٧٥٦ -
(وَإِنِ اكْتَالَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِيكَالِ وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ فَقَبَضَهُ، صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدِ اكْتَالَهُ حَقِيقَةً، وَالثَّانِي حَصَلَ لَهُ اسْتِمْرَارُ الْكَيْلِ وَاسْتِدَامَتُهُ كَابْتِدَائِهِ، كَمَا أَنَّ اسْتِدَامَةَ الرُّكُوبِ رُكُوبٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ زِيَادَةٌ بِابْتِدَائِهِ، فَلَا مَعْنَى لَهُ (وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ) ، وَكَذَا كُلُّ دَيْنٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنِ اكْتاله، وترَكَه في المِكْيالِ، وسَلَّمَه إلى غَرِيمِه، فقَبَضَه، صَحَّ القَبْضُ لهما. وهو المذهبُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» و «النَّظْمِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
فوائد؛ منها، لو دفَع إليه كِيسًا،
وقال له: اسْتَوْفِ منه قَدْرَ حَقِّك. ففعَل، فهل يصِحُّ؟ على وجْهَين، بِناءً على قَبْضِ المُوَكَّلِ مِن نَفْسِه لنَفْسِه. والمَنْصُوصُ، الصِّحَّةُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ. وهو المذهبُ، ويكونُ الباقِي في يَدِه وَدِيعَةً. وعلى عدَمِ الصِّحَّةِ، قَدْرُ حقِّه كالمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْم، والباقِي أمانَةٌ. ذكَرَه في «التَّلْخيصِ». وتقدَّم ذلك في أحْكامِ القَبْضِ، في آخِرِ بابِ الخِيارِ في البَيعِ. ومنها، لو أَذِنَ لغَرِيمِه في الصَّدَقَةِ، بدَينِه الذي عليه، عنه، أو في صَرْفِه، أو المُضارَبَةِ به ، لم يصِحَّ، ولم يَبْرَأْ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعنه، يصِحُّ. بَناه القاضي على شِرائِه مِن نَفْسِه، وبَناه في «النِّهايَةِ» على قَبْضِه مِن نَفْسِه لمُوَكِّلِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيهما رِوايَتان تقَدَّمَتا في أحْكامِ القَبْضِ مِن نَفْسِه لمُوَكِّلِه، وتأْتِي المُضارَبَةُ في كلامِ المُصَنِّفِ في الشَّرِكَةِ.
وكذا الحُكْمُ لو قال: اعْزِلْه وضارِبْ به. ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، لا يجْعَلُه مُضارَبَةً إلَّا أنْ يقولَ: ادْفَعْه إلى زَيدٍ، ثُمَّ يدْفَعُه إليك. ومنها، لو قال: تصَدَّقْ عنِّي بكذا. ولم يَقُلْ: مِن دَينِي. صحَّ، وكان إقْراضًا، كما لو قال ذلك لغيرِ غَرِيمِه، ويسْقُطُ مِنَ الدَّينِ بمِقْدارِه للمُقَاصَّةِ . قاله في «المُحَرَّرِ»، و «الفَائقِ»، وغيرِهما. ومنها، مسْألَةُ المُقاصَّةِ، وعادَةُ المُصَنِّفِين؛ بعضُهم يذْكُرُها هنا، وبعضُهم يذكُرُها في أواخِرِ بابِ الحَوالةِ. والمُصَنِّفُ، رَحِمَهُ الله، لم يذْكُرْها رَأسًا، ولكِنْ ذكَر ما يدُلُّ عليها في كِتابِ الصَّداقِ،
وهو قوْلُه: وإذا زوَّجَ عبْدَه حُرَّةً، ثم باعَها العَبْدَ بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، تحَوَّلَ صَداقُها أو نِصْفُه، إنْ كان قبلَ الدُّخولِ، إلى ثَمَنِه. فنَقُولُ: مَن ثبَت له على غَرِيمِه مِثْلُ ما له عليه -قَدْرًا وصِفةً، حالًا ومُؤَجَّلًا- فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّهما يتَساقَطان، أو يَسْقُطُ مِنَ الأكْثَرِ قَدْرُ الأقَلِّ مُطْلَقًا. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» في هذه المَسْأَلَةِ، وجزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «المُنَوِّرِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهمِ، بل عليه الأصحابُ.
وعنه.، لا يتَساقَطان إلَّا برِضَاهُما.
قال في «الفائقِ»: وتتَخرَّجُ الصِّحَّةُ بتراضِيهما، وهو المُخْتارُ.
وعنه، يتَساقَطان برِضَى أحَدِهما. وعنه، لا يتَساقَطان مُطْلَقًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ في غيرِ دَينِ السَّلَمِ،
أمَّا إنْ كان الدَّينان أو أحَدُهما دَينَ سَلَمٍ، امْتَنَعَتِ المُقاصَّةُ، قَوْلًا واحدًا. قطَع به الأصحابُ؛ منهم صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائِق»، وغيرُهم.
وقال القاضي أبو الحُسَينِ في «فُروعِه»: وكذلك لو كان الدَّيْنان مِن غيرِ الأثْمانِ.
وقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: مَن عليها دَينٌ مِن جِنْسِ واجبِ نفَقَتِها، لم يُحْتَسَبْ به مِع عُسْرَتِها؛ لأنَّ قَضاءَ الدَّينِ فيما فضَل. ومنها، لو كان أحَدُ الدَّينَين حالًّا، والآخرُ مُؤَجَّلًا، لم يَتَساقَطا. ذكَرَه الشِّيرازِيُّ في «المُنْتَخَبِ»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ في وَطْءِ المُكاتَبَةِ، وذكَرَه المُصَنِّفُ أيضًا، والشَّارِحُ في مَسْألَةِ الظَّفرِ. وفها، لو قال لغَرِيمِه: اسْتَلِفْ ألْفًا في ذِمَّتِك في طَعامٍ، ففعَل، ثم أَذنَ له [في قَضائِه بالثَّمَنِ الذي له عليه، فقدِ اشْتَرَى لغيره بمالِ ذلك الغَيرِ، ووَكَّلَه] في قَضاءِ دَينِه بما لَه عليه مِنَ الدَّينِ.
ومنها، لو قال: أعْطِ فُلانًا كذا. صحَّ، وكان قَرْضًا. وذكَر -في «المَجْموعِ»، و «الوَسِيلَةِ» فيه- رِوايَتَيْ قَضاءِ دَينِ غيرِه بغيرِ إذْنِه. وظاهِرُ «التَّبْصِرَةِ»، يَلْزَمُه إنْ قال: عنِّي. فقط،
وإنْ قاله لغيرِ غَرِيمِه، صحَّ إنْ قال: عنِّي. وإلَّا فلا. ونصَر الشَّرِيفُ الصِّحَّةَ، وجزَم به الحَلْوانِيُّ. وفها، لو دفَع لغَرِيمِه نَقْدًا، ثم قال: اشْتَرِ به مالك علَيَّ، ثم اقْبِضْه لك. صحَّا. نصَّ عليه. قاله في «الرِّعايَةِ».
وإنْ قال: اشْتَرِه لي، ثم اقْبِضْه لنَفْسِكَ. صحَّ الشِّراءُ،
ثم إنْ قال: اقْبِضْه لنَفْسِك. لم يصِحَّ قَبْضُه لنَفْسِه.
وفي صِحَّةِ قَبْضِه للمُوَكَّلِ رِوايَتان. وأطْلَقَهما في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ». قال في «الرِّعايَةِ»: صحَّ الشِّراءُ دُونَ القَبْضِ لنَفْسِه.
وإنْ قال: اقْبِضْه لي، ثم اقْبِضْه لك. صحَّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، لا يصِحُّ. وإنْ قال: اشْتَرِ به مِثْلَ ما لكَ علَيَّ. لم يصِحَّ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهم.
قال في «الفُروعِ»: لم يصِحَّ؛ لأنَّه فُضُولِيٌّ. قال: ويتَوَجَّهُ في صِحَّتِه الرِّوايَتان في التي قبلَها. ومنها، لو أرادَ قَضاءَ دَينٍ عن غيرِه، فلم يَقْبَلْه ربُّه، أو أعْسَرَ بنَفَقَةِ زَوْجَتِه، فبذَلَها أجْنَبِيٌّ، لم يُجْبَرا. وفيه احْتِمالٌ كتَوْكِيلِه، وكتَمْلِيكِه للزَّوْجِ والمَدْيُونِ.
ومتى نوَى مَدْيُونٌ وَفاءَ دَينٍ بَرِئَ، وإلَّا فمُتَبَرِّعٌ،
وإنْ وَفَّاه حاكِمٌ قَهْرًا، كفَتْ نِيَّتُه إنْ قَضاه مِن مَدْيُونٍ.
وفي لُزومِ رَبِّ دَينٍ بنِيَّةِ قَبْضٍ مِنه وَجْهان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
قلتُ: الصَّوابُ عدَمُ اللُّزومِ. وإنْ ردَّ بدَلَ عَينٍ، فلا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ. ذكَرَه في «الفُنونِ»، واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
تنبيه: عادَةُ بعضِ المُصَنِّفِين ذِكْرُ مَسْأَلَةِ قَبْضِ أحَدِ الشَّرِيكَين مِنَ الدَّينِ المُشْتَرَكِ، في التَّصَرُّفِ في الدَّينِ؛ منهم صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهما. وذكَرَها في «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، وغيرِهم، في آخِرِ بابِ الحَوالةِ. وذكَرَها المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ في بابِ الشَّرِكَةِ، فنَذْكُرُها هناك، ونذْكُرُ ما يتَعلَّقُ بها مِنَ الفُروعِ، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وعادَةُ المُصَنِّفِينَ، أيضًا، ذِكْرُ مَسْأَلَةِ البَراءَةِ مِنَ الدَّينِ، والبَراءَةِ مِنَ المَجْهُولِ هنا، ولم يذكُرْهما المُصَنِّفُ هنا، وذكَر البَراءَةَ مِنَ الدَّينِ في بابِ الهِبَةِ؛
فنَذْكُرُهما، وما يتَعلَّقُ بهما مِنَ الفُروعِ هناك، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ جُزَافًا، فَالْقَولُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.