وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَيُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا
الشروح عليها
مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ مُؤَجَّلٍ، ويُباعُ ويُجْعَلُ ثَمَنُه رَهْنًا) يَجُوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ حالٍّ ومُؤَجَّلٍ؛ لأنَّه يُمْكِنُ إيفاءُ الدَّين. مِن ثَمَنِه، أشبَهَ الثَّوْبَ، سواءٌ كان مِمّا يُمْكِنُ تَجْفِيفُه، كالعِنَبِ، أو لا يُمْكِنُ، كالبِطِّيخِ،
فإنْ كان مِمّا يُجَفَّفُ، فعلى الرّاهِنِ تَجْفِيفُه؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ حِفْظِه وتبْقِيَتِه، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الحَيَوانِ.
وإن كان مِمّا لا يُجَفَّفُ، فإنَّه يُباعُ ويَقْضِي الدَّينَ مِن ثَمَنِه إن كان حالًّا، أو يَحِلُّ قبلَ فسادِه،
وإن لم يَحِلَّ قبلَ فَسادِه، فشَرَطا بَيعَه وجَعْلَ ثَمَنِه رَهْنًا، فَعَلا ذلك.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فذَكَرَ القاضِي فيه وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ بَيعَ الرَّهْنِ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ لا يَقْتَضِيه عَقْدُ الرَّهْنِ، فلم يَجِبْ، كما لو شَرَط أنْ لا يَبِيعَه.
والثّاني، يَصِحُّ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العُرْفَ يَقْتَضِي ذلك؛ لكَوْنِ المالِكِ لا يُعَرِّضُ مِلْكَه للتَّلَفِ والهَلاكِ،
فإذا تَعَيَّنَ حِفْظُه في بَيعِه، حُمِلَ عليه مُطْلَقُ العَقْدِ، كالتَّجْفِيفِ في العِنَبِ، والإِنْفاقِ على الحَيَوانِ. وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين.
فأمّا إن شَرَطا أن لا يُباعَ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرَط ما يَتَضَمَّنُ فَسادَه، وفَواتَ المَقْصُودِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَط عدمَ النَّفَقَةِ على الحَيَوانِ. إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه إن شَرَط للمُرْتَهِنِ بَيعَه، أو أذِنَ له فيه بعدَ العَقْدِ، أو اتَّفَقا على أنَّ الرّاهِنَ يَبِيعُه أو غيرَه، باعَه، وإلَّا باعَه الحاكِمُ، وجَعَل ثَمَنَه رَهْنًا، ولا يَقْضِي الدَّينَ مِن ثَمَنِه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له تَعْجيلُ وفاءِ الدَّينِ قبلَ حِلِّه.
وكذلك الحُكْمُ إن رَهَنَه ثِيابًا فخافَ تَلَفَها، أَو حَيَوانًا فخافَ مَوْتَه، لِما ذَكَرنا.
١٧٧٨ -
(وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ) كَالْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ) لَيْسَ قَيْدًا فِيهِ، أَوْ يَصِحُّ بِالْحَالِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ التَّأْجِيلَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَنْعِ صِحَّةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تُوُهِّمَ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَقْتَضِي بَقَاءَ الْمَرْهُونِ إِلَى الِاسْتِحْقَاقِ (وَيُبَاعُ) عَلَى الْأَصَحِّ (وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلُ الْعَيْنِ وَبَدَلُ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَحِلَّ الدَّيْنُ،
فَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ، فَإِنَّهُ يقضي الدَّيْن مِنْ ثَمَنِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ". وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَنْ رَهَنَ وَغَابَ فَخَافَ الْمُرْتَهِنُ فَسَادَهُ، أَوْ ذَهَابَهُ فَلْيَأْتِ السُّلْطَانَ حَتَّى يَبِيعَهُ، كَمَا أَرْسَلَ ابْنُ سِيرِينَ إِلَى إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعِهِ،
فَإِذَا بَاعَهُ حفظه حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِ بِأَمْرِهِ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ يَقْضِيهِ، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ، أَوْ لَا،
وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ أَشْبَهَ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ هُنَا عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَعَلَى هَذَا إِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ يَبِيعُهُ، أَوْ غَيْرُهُ، بَاعَهُ وَإِلَّا بَاعَهُ الْحَاكِمُ،
فَإِنْ أَطْلَقَا فَالْخِلَافُ.
[صِحَّةُ رَهْنِ الْمُشَاعِ]
ويجوزُ رَهْنُ كُلِّ عَينٍ يجوزُ بَيعُها، إلَّا المُكاتَبَ، إذا قُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ. لم يَجُزْ رَهْنُه. يصِحُّ رَهْنُ كلِّ عَينٍ يجوزُ بَيعُها. وهنا مَسائلُ فيها إلا الْمُكَاتَبَ، إِذَا قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ. لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ.
خِلافٌ؛ منها، المُكاتَبُ، ويصِحُّ رَهْنُه إذا قُلْنا: يصِحُّ بَيعُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال القاضي: قِياسُ المذهبِ صِحَّةُ رَهْنِه.
قال في «الرِّعايَةِ»: هذا المذهبُ. وجزَم به في «الفائقِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ». وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يصِحُّ رهْنُه، وإنْ قُلْنا بصِحَّةِ بَيعِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا اشْتَرطْنا اسْتدامَةَ القَبْضِ في الرَّهْنِ. وهو الذي جزَم به المُصَنِّفُ هنا، [وصحَّحه في «المُغْنِي»] . وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «النَّظْمِ». وقدَّمه في «الشَّرْحِ».
قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»: ويصِحُّ رَهْنُ المُكاتَب إنْ جازَ بَيعُه، ولم يَلْزَمْ بَقاءُ القَبْضِ. فعلى المذهبِ، يُمَكَّنُ مِنَ الكَسْبِ كما قبلَ الرَّهْنِ، وما أدَّاه، فهو رَهْنٌ معه؛
فإنْ عجَز، ثبَت الرَّهْنُ فيه وفي أكْسَابِه،
وإنْ عتَق، كان ما أدَّاه مِن نُجومِه بعدَ عَقْدِ الرَّهْنِ رَهْنًا. ومنها، العَينُ المُؤْجَرَةُ،
وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيهِ الْفَسَادُ بِدَينٍ مُؤَجَّلٍ، وَيُبَاعُ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا.
ويصِحُّ رَهْنُها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: لا يصِحُّ. ومنها، ما قاله المُصَنِّفُ،
وهو قوْلُه: ويجوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ مُؤجَّلٍ، ويُباعُ ويُجْعَلُ ثَمَنُه رَهْنًا. وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وقدَّمه في «التَّلْخِيصِ»، و «الرِّعايَةِ»،
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. وفيه وَجْهٌ، أنَّه لا يصِحُّ. ذكَرَه القاضي.
قال: (ويجوز رهن ما يسرع إليه الفساد بدين مؤجل ويباع ويجعل ثمنه رهناً) .
أما كون رهن ما يسرع إليه الفساد بدين كالعنب والرطب والبطيخ؛ فلأنه يجوز بيعه فيحصل مقصود الرهن.
وقول المصنف رحمه الله: بدين مؤجل ليس قيداً في المسألة بل ذكره تنبيها على أن التأجيل لا أثر له في منع صحة ذلك وذلك أنه ربما توهم أن عقد الرهن يقتضي بقاء المرهون إلى استحقاق الاستيفاء فإذا كان الدين مؤجلاً أدت الصحة إلى مخالفة الاقتضاء المذكور وليس كذلك لأن بيع ما ذكر وجعل ثمنه مكانه يقوم مقام العين لأن الثمن بدل العين وبدل الشيء يقوم مقامه.
وأما كونه يباع؛ فلأن تركه يؤدي إلى تلفه وضياعه وذلك منهي عنه.
ولم يفرق المصنف رحمه الله بين ما يمكن تجفيفه كالعنب والرطب وبين ما لا يمكن تجفيفه كالبطيخ والطبيخ. وصرح في المغني بأن ما يمكن تجفيفه يجب على الراهن أن يجففه لأن ذلك من مؤونة حفظه وتبقيته فكان على الراهن كنفقة الحيوان وأن ما لا يمكن تجفيفه يباع لما في تركه من ضياع المال وهذا صحيح يجب حمل كلام المصنف عليه.
وأما كونه يجعل ثمن الرهن رهناً؛ فلأنه بدل عن رهن وحكم البدل حكم المبدل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.