وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إِلَّا بِالْقَبْضِ وَاسْتِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بالقَبْضِ، واسْتِدامَتُه شَرْطٌ في اللُّزُوم) لا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بالقَبْضِ، ويَكُونُ قبلَ القَبْضِ رَهْنًا جائِزًا، يَجُوزُ للرّاهِنِ فَسْخُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعيُّ. وسَواءٌ في ذلك المَكِيلُ والمَوْزُونُ وغيرُه.
وقال بعضُ أصْحابِنا: في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالبَيعِ. وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَيمُونِيِّ.
وقال مالِكٌ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَلْزَمُ بالقَبْضِ، فلَزِمَ قبلَه، كالبَيعِ. ووَجْهُ الأولَى قَوْلُه تعالى:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}. وَصَفَها بكَوْنِها مَقْبُوضَةً، ولأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فافْتَقَرَ إلى القَبْضِ، كالقَرْضِ، ولأنَّه رَهْنٌ لم يُقْبَضْ، فلا يَلْزَمُ إقْباضُه، كما لو مات الرّاهِنُ. فعلى هذا، إن تَصَرَّفَ الرّاهِنُ فيه قبلَ القَبْضِ بهِبَةٍ أو بَيعٍ أو عِتْقٍ، أو جَعَلَه صَداقًا، أو رَهَنَه ثانِيًا، بَطَل الرَّهْنُ الأوَّلُ، سَواءٌ قَبَض الهِبَةَ والبَيعَ والرَّهنَ الثَّانِيَ أو لم يَقْبِضْه؛
لأنَّه أخْرَجَه عن إمْكانِ اسْتِيفاءِ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، أو فَعَل ما يَدُلُّ على قَصْدِه ذلك.
وإن دَبَّرَه أو أجَرَه، أو زَوَّجَ الأمَةَ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ، لأنَّ هذا التَّصَرُّفَ لا يَمْنَعُ البَيعَ، فلا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ. ولأنَّه لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الرَّهْنِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَه، كاسْتِخْدامِه.
وإن كاتَبَ العَبْدَ الرَّهْنَ ، انْبَنَى على صِحَّةِ رَهْنِ المُكاتَبِ،
فإن قُلْنا: يَجُوزُ رَهْنُه. لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ، كالتَّدْبِيرِ.
وإن قُلْنا: لا يجُوزُ. بَطَل الرَّهْنُ، كما لو أعْتَقَه.
فصل: فإن قُلْنا: إنَّ ابْتِداءَ القَبْضِ شَرْطٌ في لُزُومِ الرَّهْنِ. فاسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ؛ لأنَّها إحْدَى حالتَيِ الرَّهْنِ، فأشْبَهَتْ الابتِداءَ.
وإن قُلْنا: إنَّ الابتِداءَ ليس بشَرْطٍ في اللُّزُومِ. فكذلك الاسْتِدامَةُ.
١٧٨٣ -
(وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ) فِي حَقِّ الرَّاهِنِ (إِلَّا بِالْقَبْضِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ فَافْتَقَرَ إِلَى الْقَبْضِ كَالْقَرْضِ وَسَوَاءٌ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ مَنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَغَيْرِهِمَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "،
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَلْزَمُ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْقَبْضِ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا رِوَايَتَانِ كَالْبَيْعِ،
وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي غَيْرِهِمَا لَا يَلْزَمُ فِي رِوَايَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ فَسْخُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِكُلِّ نَوْعٍ،
فَإِنْ كَانَ بِبَيْعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا بَطَلَ حُكْمُ الرَّهْنِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ ثَمَنِهِ،
وَإِنْ كَانَ بِتَدْبِيرٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ تَزْوِيجٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ " تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ وَصِفَةُ قَبْضِهِ كَمَبِيعٍ،
فَلَوْ رَهَنَهُ دَارًا وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلِلرَّاهِنِ فِيهَا قُمَاشٌ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهَا بِمِلْكِ الرَّاهِنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ كَالثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي الْقَبْضِ إِذْنُ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِي الْأَشْهَرِ،
وَيَبْطُلُ إِذْنُهُ بِنَحْوِ إِغْمَاءٍ وَخَرَسٍ،
فَلَوْ رَهَنَهُ مَا فِي يَدِهِ،
وَلَوْ غَصْبًا فَكَبَتَهُ إِيَّاهُ، وَيَزُولُ ضَمَانُهُ (وَاسْتِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ) ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَلِأَنَّهَا إِحْدَى حَالَتَيِ الرَّهْنِ فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهِ شَرْطًا كَالِابْتِدَاءِ
بِخِلَافِ الْهِبَةِ، فَإِنَّ الْقَبْضَ فِي ابْتِدَائِهَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ،
فَإِذَا ثَبَتَ اسْتَغْنَى عَنِ الْقَبْضِ، وَالرَّهْنُ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْهُ،
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ زَالَ ذَلِكَ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْقَبْضِ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ،
وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ فَفِي الِاسْتِدَامَةِ كَذَلِكَ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لَكِنْ لَوْ أَجَّرَهُ، أَوْ أَعَارَهُ لِمُرْتَهِنٍ، أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَلُزُومُهُ بَاقٍ عَلَى الْمَذْهَبِ،
وَعَنْهُ: يَزُولُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ فَعَلَيْهَا يَعُودُ بِمُضِيِّ إِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ مِنْ مُرْتَهِنٍ
ولا يلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بالقَبْضِ. يعْنِي للمُرْتَهِنِ أو لمَنِ اتَّفَق عليه،
فلو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتَنابَ المُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ في القَبْضِ، لم يصِحَّ. قاله في «التَّلْخيصِ» وغيرِه. فشَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ مَسْألتَين؛ إحْداهما، أن يكونَ الرَّهْنُ مَوْصُوفًا غيرَ مُعَيَّن، فلا يلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ، وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. فعلى. هذا، يكون قبلَ القَبْض جائزًا،
ويصِحُّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وابنِ أبِي مُوسى، والقاضي، في «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، وابنِ عَقِيل، في «التّذْكِرَةِ»، وابنِ عَبْدُوس، أنَّ القَبْضَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الرَّهْنِ، وأنَّه قبلَ القَبْضِ غيرُ صَحيح. ويأتِي ذلك. وحمَل المُصَنِّفُ، وابنُ الزَّاغُونِيِّ، والقاضي كلامَ الخِرَقِيِّ على الأوَّلِ. الثَّانيةُ، أن يكونَ الرَّهْنُ مُعَيَّنًا، كالعَبْدِ، والدَّارِ، ونحوهما، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ، كغيرِ المُتَعَيِّنِ.
قال في «الكافِي»، وابنُ مُنَجَّى، وغيرُهما: هذا المذهبُ. وجزَم جده في «الوَجيزِ» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ، وأبي بَكْر في «التَنْبِيهِ»، وابنِ أبِي مُوسى. ونَصَره أبو الخَطَّابِ، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَر، وغيرُهما.
قال في «الفُروعِ»: ذكَرَه الشَّيخُ وغيرُه المذهبَ.
وعنه، أنَّ القَبْضَ ليس بشَرْطٍ في المُتَعَيِّنِ، فيلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. نصَّ عليه. قال القاضي في «التَّعْليقِ»: هذا قَوْلُ أصحابِنا.
قال في «التَّلْخيصِ»: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَين. وهو المذهبُ عندَ ابنِ عَقِيل وغيرِه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ». فعليهما، متى امْتنَعَ الرَّاهِنُ مِن تَقْبِيضِه، أُجْبِرَ عليه، كالبَيعِ.
وإنْ ردَّه المُرْتَهِنُ على الرَّاهِنِ بعارِيَّةٍ أو غيرِها، ثم طلَبَه، أُجْبِرَ الرَّاهِنُ على ردِّه. وذكَر جماعةٌ مِنَ الأصحابِ، أنَّه لا يصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبوضًا، سواءٌ كان مُعَيَّنًا أو لا. ذكَرَه في «الفُروعِ».
قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأرْبَعِين»: وصرَّح أبو بَكْرٍ بأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ لصِحَّةِ الرَّهْنِ، وأنَّه يبْطُلُ بزَوالِه.
وكذلك المَجْدُ في «شَرْحِه»، والشِّيرازِي، وغيرُهما. انتهى. وقد تقدَّم أنَّه ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ وغيرِه.
فائدة: صِفَةُ قَبْضِ الرَّهْنِ، كقَبْضِ المَبِيعِ، على ما تقدَّم.
فَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِن، زَال لُزُومُه،
فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيهِ، عَادَ اللُّزُومُ.
واسْتِدامَتُه شَرْطٌ في اللُّزُومِ. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعْنِي، حيثُ قُلْنا: لا يلْزَمُ إلَّا بالقَبْض.
وعنه، أنَّ اسْتِدامَتَه في المُتَعَيِّنِ ليسَتْ بشَرْطٍ. واخْتارَه في «الفائقِ».
فائدة: لو رهَنَه ما هو في يَدِ المُرْتَهِنِ، ومَضمون عليه؛ كالغُصوبِ، والعَوارِي، والمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ -حيثُ قُلْنا: يُضْمَنُ- والمَقْبوضُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعَقْدٍ فاسدٍ، صحَّ الرَّهْنُ، وزال الضَّمانُ، كما لو كان غيرَ مَضْمُونٍ عليه، كالوَديعَةِ ونحوها. وظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ لُزومُ الرَّهْنِ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ولا يحْتاجُ إلى أمْر زائدٍ على ذلك. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
قلتُ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا المذهبُ، وهي شَبِيهَةٌ بالهِبَةِ.
قال في «الفُروعِ»: فإن رهَنَه ما في يَدِه،
ولو غَصْبًا، فكهِبَتِه إيَّاه. وقال القاضي وأصحابُه: لا يصيرُ رَهْنًا حتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يتَأتَّى قَبْضه فيها. وأطْلَقَهما في «الرِّعايَةِ». فعلى الثَّاني، إنْ كان مَنْقُولًا ، فبمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيالُه واتِّزانُه فيها.
وإنْ كان غيرَ مَنْقُولٍ، فبمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ كان غائبًا، ثم يصِرْ مَقْبُوضًا حتَّى يُوافِيَه هو أو وَكِيلُه، ثم تمْضِيَ مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُه فيها،
فلو تَلِفَ قبلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يتَأتَّى قبْضُه فيها، فهو كتَلَفِ الرَّهْنِ قبلَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَبْضِه. ثم هل يفْتَقِرُ إلى إذْنِ الرَّاهِنِ في قَبْضِه؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ».
قال في «الفُروعِ»: فإن رهَنَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما في يَدِه، [ولو غَصْبًا]، فكهِبَتِه إيَّاه، ويزولُ ضَمانُه.
وظاهِرُه أنَّه يلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، على المذهبِ،
ولا يصِحُّ القَبْضُ إلَّا بإذْنِه، على المذهبِ، كما في الهِبَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على ما يأتي في بابِ الهِبَةَ. وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ، إلا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَتُؤخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ رَهْنًا مَكَانهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْسِرِ.
قال: (ولا يلزم الرهن إلا بالقبض واستدامته شرط في اللزوم. فإن أخرجه المرتهن باختياره إلى الراهن زال لزومه. فإن رده إليه عاد اللزوم. ولو رهنه عصيراً فتخمر زال لزومه فإن تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق. وعنه: أن القبض واستدامته في المتعين ليس بشرط، فمتى امتنع الراهن من تقبيضه أُجبر عليه) .
أما كون رهن غير المتعين لا يلزم بغير القبض؛ فلأن الله قال:{فرهان مقبوضة}. وصفه بكونه مقبوضاً.
ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول فافتقر إلى القبض كالقرض.
ولأنه رهن لم يقبض فلم يلزم إقباضه كما لو مات الراهن.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا فرق بين المكيل والموزون وغيرهما وصرح به في المغني لعموم ما ذكر. وحكي في المغني أيضاً عن بعض الأصحاب أنه قال: المكيل والموزون لا يلزم فيهما إلا بالقبض وفيما عداهما روايتان كالبيع. وهذا القياس ليس بصحيح لأنه يوهم أن البيع في غير المكيل والموزون لا يلزم في روايةٍ ولا خلاف في لزومه لأن أحد المتبايعين لو أراد فسخه لم يملكه
بخلاف الرهن وإنما الخلاف في ضمانه هل هو على البائع أو على المشتري فإذاً حكم المقيس والمقيس عليه مختلف لأن الكلام في الرهن في اللزوم وفي البيع في الضمان.
وأما كون رهن المتعين لا يلزم إلا بالقبض على المذهب فكغيره.
وأما كونه يلزم بمجرد العقد على روايةٍ؛ فلأن تعيينه قائم مقام قبضه ولذلك قام مقام قبضه في البيع في رواية.
وأما كون استدامة القبض شرطاً في اللزوم على المذهب؛ فلما تقدم من قوله تعالى:{فرهان مقبوضة}.
ولأنها إحدى حالتي الرهن. فكان القبض فيها شرطاً؛ كالابتداء.
ولأن الرهن يراد للوثيقة ليتمكن من بيعه واستيفاء دينه من ثمنه فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه ولم يحصل وثيقة.
فعلى هذه الرواية إن أخرجه المرتهن باختياره زال اللزوم؛ لأن استدامة القبض شرط في اللزوم وقد زالت. فوجب أن يزول اللزوم لزوال شرطه. وقيد إخراج المرتهن الرهن باختياره احترازاً من خروجه لا باختياره؛ كالغصب والسرقة ونحوهما؛ لأن ذلك لا يزيل اللزوم؛ لأن يد المرتهن ثابتة عليه حكماً فكان حكمه حكم من لم يزل يده.
وإن رده عاد اللزوم بحكم العقد السابق. ولا يحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن العقد قد وجد، ولم يوجد ما يبطل الصحة. أشبه ما لو تراخى القبض عن العقد.
ولو كان الرهن عصيراً فتخمر زال لزومه أيضاً؛ لأن تخمير العصير بمنزلة إخراجه من يده في زوال يده؛ لأنه لا يد لمسلم على خمر.
ولأن صيرورته خمراً يخرجه عن صحة العقد؛ فلأن يخرجه عن اللزوم بطريق الأولى.
وإن تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق؛ لأن صيرورته خمراً شارك إخراج الرهن من يد المرتهن في زوال اللزوم فوجب أن يشارك عوده خلاً عود الرهن إلى يد المرتهن في عود اللزوم. ولقائل أن يفرق بين إعادة الراهن الرهن وبين تخلل الخمر؛ لأن العقد مقتض للصحة واستدامة القبض شرط في اللزوم،
فإذا زالت الاستدامة بقيت الصحة،
فإذا عادت الاستدامة عاد اللزوم مستنداً إلى العقد المقتضي للصحة
بخلاف ما إذا تخلل الخمر فإنه لما صار خمراً خرج عن اللزوم وعن الصحة إذْ لا يصح رهن الخمر فارتفع موجب العقد،
فإذا تخلل لم يجد اللزوم ما يستند إليه. وقد صرح المصنف رحمه الله ببطلان الرهن بصيرورته خمراً وبأن اللزوم يعود بتخلله، وأورد ما ذكر من الإشكال. وأجاب عنه: بأن العقد إذا وقع صحيحاً ثم حدث بالمعقود معنى أخرجه من حكم العقد، ثم زال ذلك لا يمتنع عود حكم العقد؛ كزوجة الكافر إذا أسلمت فإنه يحرم وطؤها ويخرج عن حكم العقد فإذا أسلم الزوج في العدة عاد حكم العقد.
وفي هذا الجواب نظر فإن الزوج إذا أسلم بعد زوجته يحكم ببقاء النكاح لا بعوده. بناء على أن الفرقة تتوقف على انقضاء العدة على الصحيح من المذهب. وعلى روايةِ وقوع الفرقة باختلاف الدين لا يحكم بعود النكاح؛ لأنه انفسخ فكيف يعود بعد فسخه. ولقائل أن يقول في مسألة التحلل: إن الصحة تبقى مراعاة؛ كالكافرة إذا أسلمت. إلا أنه يناقض منصوص المصنف في المغني بالبطلان. ويجاب عنه: بأن مقتضى الدليل أن لا يثبت صحة شيء مع ما ينافيها خولف ذلك في إسلام أحد الزوجين؛
لأن جماعة من الصحابة أسلم الأزواج قبل النساء وبالعكس فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.