وَإِنِ ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَكَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ كَالْبَيْعِ، وَالْقَرْضِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ حُبِسَ إِلَى أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى نَفَادِ مَالِهِ أَوْ إِعْسَارِهِ وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا عَلَى وَجْهَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (وإنِ ادَّعَى الإِعْسارَ، وكان دَينُه عن عِوَضٍ، كالبَيعِ والقَرْضِ، أو عُرِفَ له مالٌ سابقٌ، حُبِس، إلَّا أن يُقِيمَ البَيِّنَةَ على نَفادِ مالِه وإعْسارِه. وهل يَحْلِفُ معها؟ على وَجْهَين. وإن لم يكنْ كذلك، حَلَف وخُلِّيَ سَبيلُه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن وَجب عليه دَينٌ حالٌّ، فطُولِبَ به، فلم يُؤَدِّه،
فإن كان في يَدِه مالٌ ظاهِرٌ، أمَرَه الحاكِمُ بالقَضاءِ.
وإن لم يَظْهَرْ له مالٌ، فادَّعَى الإِعْسارَ، فصَدَّقَه غَرِيمُه، لم يُحْبَسْ، ووَجَب إنْظارُه، ولم يَجُزْ مُلازَمَتُه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ}. ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لغُرَماءِ الذي كَثُر دَينُه:«خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، لَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ». ولأنَّ الحَبْسَ
إمّا أن يَكُونَ لإثْباتِ عُسْرَتِه أو لقضاءِ دَينِه، وعُسْرَتُه ثابِتَةٌ والقَضاءُ مُتَعَذِّرٌ، فلا
فائِدَةَ في الحَبْسِ. فإن كَذَّبَه غَرِيمُه، فلا يَخْلُو؛
إمّا أن يَكُونَ عُرِف له مالٌ أو لم يُعْرَفْ،
فإن عُرِف له مالٌ؛ لكَوْنِ الدَّينِ ثَبَتَ عن مُعاوَضَةٍ، كالقَرْضِ والبَيعِ، أو عُرِف له أصْلُ مالٌ سِوَى هذا، فالقَوْلُ قولُ غَرِيمِه مع يَمِينِه.
فإذا حَلَفَ أنَّه ذو مالٍ، حُبِس حتى تَشْهَدَ البَيِّنَةُ بإعْسَارِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن عُلَماءِ الأمْصارِ وقُضاتِهِم يَرَوْن الحَبْسَ في الدَّينِ؛ منهم مالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، والنُّعْمانُ، وسَوّارٌ، وعُبَيدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ. ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ. وكان عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَقُولُ: يُقْسَمُ مالُه بينَ الغُرَماءِ، ولا يُحْبَسُ. وبه قال عبيدُ الله بنُ أبي جَعْفَرٍ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ. ولَنا، أنَّ الظّاهِرَ قولُ الغَرِيمِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه، كسائِرِ الدَّعاوَى.
فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ مالِه، قُبِلَتْ شَهادَتُهُم، سَواءٌ كانت مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، أو لم تَكُنْ؛ لأنَّ التَّلَفَ يَطَّلِعُ عليه أهْلُ الخِبْرَةِ وغيرُهم.
وإن طَلَب الغَرِيمُ إحْلافَه على ذلك، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّه تَكْذِيبٌ للبَيِّنَةِ،
وإن شَهِدَتْ مع ذلك بالإِعْسارِ، اكْتُفِيَ بشَهادَتِها ، وثَبَتَتْ عُسْرَتُه،
وإن لم تَشْهَدْ إلَّا بالتَّلَفِ، وطَلَبَ الغَرِيمُ يَمِينَه على عُسْرَتِه، وأنَّه ليس له مالٌ آخَرُ، اسْتُحْلِفَ على ذلك؛ لأنَّه غيرُ ما شَهِدَتْ به البَيِّنَةُ.
وإن لم تَشْهَدْ بالتَّلَفِ، وإنَّما شَهدَتْ بالإِعْسارِ، لم تُقْبَلِ الشَّهادَةُ إلَّا مِن ذي خِبْرَةٍ باطِنَةٍ؛ لأنَّ هذا في الأمُورِ الباطِنَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه في الغَالِب إلَّا أهْلُ الخِبْرَةِ والمُخالطَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وحُكِيَ عن مالِكٍ أَنَّه قال: لا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ على الإعْسارِ؛ لأنَّها شَهادَة على النَّفْي، فلم تُسْمَعْ، كما لو شَهِدَتْ على أَنه لا دَينَ عليه. ولَنا، ما روَى قَبِيصَةُ بنُ المُخارِقِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا قَبِيصَةُ، إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حتَّى يُصِيبَها ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فاجْتَاحَتْ مَاله، فحَلَّتْ له المَسْأَلَةُ حتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ أو قال -سِدَادًا مِنْ عَيش، ورَجُلٌ أصَابَتْه فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَا مِنْ قَوْمِه: لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ. فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ -أو قال- سِدَادًا مِنْ عَيشٍ».
رَواه مسلمٌ، وأبو دَاودَ . وقَوْلُهم: إنَّ الشَّهادَةَ على النَّفْي لا تُقْبَلُ. قُلْنا: لا تُرَدُّ مُطْلَقًا، فإنَّه لو شَهِدَتِ بَيِّنَة أنَّ هذا وارِثُ هذا المَيِّتِ، لا وارِثَ له سِواه، قُبِلَتْ، ولأنَّ هذه وإن كانت تَتَضَمَّنُ النَّفْيَ، فهي تُثْبِتُ حالةً تَظْهَرُ، ويُوقَفُ عليها بالمُشاهَدَةِ،
بخِلافِ ما إذا شَهِدَتْ أنَّه لا حَقَّ له،
فإنَّ هذا ممّا لا يُوقَفُ علية ، ولا يَشهَدُ به حالٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى مَعْرِفَتِه به ،
بخِلافِ مَسْألِتنا. وتُسْمَعُ البَيِّنَةُ في الحالِ. وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُسْمَعُ في الحالِ، ويُحْبَسُ شَهْرًا.
وقِيلَ: ثَلاثَةَ أشْهُرٍ. ورُوِيَ أرْبَعَةً، حتى يَغْلِبَ على ظَنِّ الحاكِمِ أنّه لو كان له مالٌ لأظْهَرَه. ولَنا، أنَّ كلَّ بَيِّنةٍ جازَ سَماعُها بعدَ مُدَّةٍ، جاز سَماعُها في الحالِ، كسائِرِ البَيِّناتِ، وما ذَكَرُوه لو كان صَحِيحًا لأغْنَى عن البَيِّنَةِ.
فإن قال الغَريمُ: أحْلِفُوه لي مع بَيِّنَتِه أنَّه لا مال له. لم يُسْتَحْلَفْ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه
قال، في رِوايَةِ ابنَ إبراهيمَ، في رجلٍ جاء بشُهُودٍ على حَقٍّ، فقال الغَرِيمُ: اسْتَحْلِفُوه. لا يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ:«البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ». قال القاضي: سَواءٌ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ المالِ أو بالإِعْسارِ. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّها بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، فلم يُسْتَحْلَفْ معها، كما لو شَهِدَتْ بأنَّ هذا عَبْدُه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُسْتَحْلَفُ. وهو القَوْلُ الثانِي للشافعيِّ؛ لأَنه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ له مالٌ خَفِيَ عن البَيِّنَةِ.
قال شيخُنا : ويَصِحُّ عندِي إلْزامُه اليَمِينَ على الإِعْسارِ إذا شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ المالِ، وسُقُوطُها عنه فيما إذا شَهِدَتْ بالإِعْسارِ، لأنَّها إذا شَهِدَتْ بالتَّلَفِ، صار كمَن لم يَثْبُتْ له أصْلُ مالٍ، أو بمَنْزِلَةِ مَن أقَرَّ له غَرِيمُه بتَلَفِ ذلك المالِ، وادَّعَى أنَّ له مالًا سِواه أو أنَّه اسْتَحْدَثَ مالًا بعدَ تَلَفِه،
ولو لم تَقُمِ البَيِّنَةُ، وأقَرَّ له غَرِيمُه بتَلَفِ مالِه، وادَّعَى أنَّ له مالًا سِواه، لَزِمَتْه اليَمِينُ، فكذلك إذا قامَتْ به البَيِّنَةُ، فإنَّها لا تَزيدُ على الإِقْرارِ.
فإنْ كان الحَقُّ ثَبَت عليه في غيرِ مُقابَلَةِ مالٍ أخَذَه، كأَرشِ جِنايَةٍ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ، ومَهْرٍ، أو ضَمانٍ، أو كَفالةٍ، أو عِوَضِ خُلْعٍ إن كانْتِ امْرَأَةً، [ولم] يُعْرَفْ له مالٌ، حَلَف أنَّه لا مال له، وخُلِّيَ سَبِيلُه. وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وإنَّما اكْتَفَينا بيمينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ المالِ، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لِحَبَّةَ وسَوَاءٍ ابْنَيْ خالِدِ بنِ سَوَاء: «لَا تَيأسَا مِن الرِّزْقِ مَا اهْتَزَّتْ رُءُوسُكُمَا، فَإنَّ ابْنَ آدَمَ يُخْلَقُ [وَلَيسَ لَهُ إلَّا قِشْرَتَاه]، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللهُ تَعَالى» .
قال ابنُ المُنْذِرِ:[الحَبْسُ عقوبةٌ]، ولا نَعْلَمُ له ذَنْبًا يُعَاقَبُ به. والأصْلُ عَدَمُ مالِه،
بخِلافِ مَن عُلِم له مالٌ،
فإنَّ الأصْلَ بقاءُ مالِه، فيُحْبَسُ حتى يُعْلَمَ ذَهابُه. ومُطلَقُ كلامِ الخِرَقِيِّ يَدُلُّ على أنَّه يُحْبَسُ في الحالتَين، لكنَّه يَنْبَغِي أن يُحْمَلَ كَلامُه على هذا؛ لقِيامِ الدَّلِيلِ على الفَرْقِ.
فصل: ومتى ثَبَت إعْسارُه عندَ الحاكِمِ، لم يَجُزْ مُطالبَتُه ولا مُلازَمَتُه. وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لغُرَمائِه مُلازَمَتُه مِن غيرِ أن يَمْنَعُوه مِن الكَسْبِ،
فإذا رَجَع إلى بَيتِه فأذِنَ لهم في الدُّخُولِ معه، وإلَّا مَنَعُوه مِن الدُّخُولِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لِصَاحِبِ الْحَقِّ اليَدُ وَاللِّسَانُ». ولَنا، أنَّ مَن ليسَ لصاحِب الحَقِّ مُطالبَتُه لم يَكُنْ له مُلازَمَتُه، كصاحِبِ الدَّينِ المُؤَجَّلِ، وقولُ اللهِ تعالى:{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ}.
ومَن وَجَب إنظارُه حَرُمَتْ مُلازَمَتُه، كمَن دَينُه مُؤَجَّلٌ، والحديثُ فيه مقالٌ. قاله ابنُ المُنْذِرِ. ثم نَحْمِلُه على المُوسِرِ؛ بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا. وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لغُرَماءِ الذي أُصِيبَ في ثمارٍ ابْتاعَهَا، فكَثُرَ دَينُه:«خُذُوا مَا وَجَدْتُم، وَلَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ». رَواه مسلمٌ، والتِّرْمِذِيُّ . ١٩١٠ -
(وَإِنِ ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَكَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ كَالْبَيْعِ، وَالْقَرْضِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ) ، زَادَ جَمَاعَةٌ: وَالْغَالِبُ بَقَاؤُهُ (حُبِسَ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَالِهِ، وَحَبْسُهُ وَسِيلَةٌ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ كَالْمُقِرِّ بِيَسَارِهِ،
وَكَذَا إِذَا لَزِمَهُ عَنْ غَيْرِ مَالٍ كَالضَّمَانِ وَأَقَرَّ بِالْمَلَاءَةِ فَيَقْبَلُ قَوْلَ غَرِيمِهِ: إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُسْرَتَهُ بِدَيْنِهِ (إِلَى أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى نَفَادِ مَالِهِ) أَيْ: تَلَفِهِ، وَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ التَّلَفَ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ (أَوْ إِعْسَارِهِ) ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُظْهِرُ عُسْرَتَهُ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ حَبْسُهُ
وَيَجِبُ إِنْظَارُهُ، وَلَا تَحِلُّ مُلَازَمَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} وَتُعْتَبَرُ الْبَيِّنَةُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " (وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا) أَيْ: مَعَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَحْلِفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ شَهِدَتْ بِتَلَفِ الْمَالِ، أَوِ الْإِعْسَارِ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، فَلَمْ يُسْتَحْلَفْ مَعَهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِأَنَّ هَذَا عَبْدُهُ،
وَالثَّانِي: بَلَى، وَذَكَرُهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَصْحَابِنَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ بَاطِنٌ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ،
وَالْمَذْهَبُ كَمَا قَطَعَ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهَا إِنْ شَهِدَتْ بِالتَّلَفِ فَطُلِبَ مِنْهُ الْيَمِينُ عَلَى عُسْرَتِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى أَمْرٍ مُحْتَمِلٍ خِلَافَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ،
وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْإِعْسَارِ، فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ الْبَيِّنَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ مَتَى تَوَجَّهَ حَبْسُهُ حُبِسَ،
وَلَوْ كَانَ أَجِيرًا فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، أَوِ امْرَأَةً مُزَوَّجَةً، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ، وَالزَّوْجِيَّةَ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْحَبْسِ إِنْ قِيلَ بِهِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا،
فَإِذَا حُبِسَ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ حُقُوقِهِ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَبْلَ الْحَبْسِ بَلْ يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا كَحَبْسِهِ فِي دَيْنِ غَيْرِهِ فَلَهُ إِلْزَامُهَا بِمُلَازَمَةِ بَيْتِهِ،
فَإِنْ خَافَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ بِلَا إِذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ، كَمَا لَوْ سَافَرَ عَنْهَا.
وإنِ ادَّعَى الإِعْسارَ، وكان دَينُه عن عِوَضٍ، كالبَيعِ والقَرْضِ، أو عُرِفَ له مَالٌ سابِقٌ، حُبِسَ، إلَّا أنْ يُقِيمَ البَيَّنَةَ على نَفادِ مَالِه، أو إعْسَارِه، وهل يَحْلِفُ معها؟ على وَجْهَين. إذا ادَّعَى الإعْسارَ، فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ يكونَ دَينُه عن عِوَضٍ، أو يُعْرَفَ له مالٌ سابِقٌ، أو غيرَ ذلك.
فإنْ كان دَينُه عن عِوَضٍ؛ كالبَيعِ، والقَرْضِ، ونحوهما، والغالِبُ بَقاؤُه، أو عن غيرِ مالٍ، كالضَّمانِ، ونحوه، وأقَرَّ أنَّه مَلِئٌ، أو عُرِفَ له مالٌ سابِقٌ، لم يُقْبَلْ قوْلُه إلا ببَيِّنَةٍ.
ثم إن البَيِّنَةَ. لا تَخْلُو؛
إمَّا أنْ تَشْهَدَ بنَفادِ مالِه، أو إعْسارِه.
فإنْ شَهِدَتْ بنَفادِ مالِه أو تنفِه، حلف معها، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، أنْ لا مال له في الباطِنِ.
قال في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ويَحْلِفُ معها على الأصحِّ.
قال في «الفائقِ»: حلَف معها في أصحِّ الوَجْهَين. وجزَم به في «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصغْرَى»، و «الحاويَيْن». والوَجْهُ الثَّانِي، لا يَحْلِفُ مع بَيِّنَةٍ هنا.
وإنْ شَهِدَتْ بإعْسارِه، فلا بُدَّ أنْ تكونَ البَيِّنَةُ ممَّن يُخْبِرُ باطِنَ حالِه؛ لأنَّها شَهادَةٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على نَفْي، قُبِلَتْ للحاجَةِ، ولا حَلِفَ معها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ»: ولم يَحْلِفْ معها، على الأصحِّ؛ لئَلَّا يكونَ مُكَذِّبًا لبَيِّنَتِه. وجزَم به في «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن». وقدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ». والوَجْهُ الثَّانِي، يحَلِفُ معها. وذكَر ابنُ أبِي مُوسى، عن بعضِ الأصحاب، أنَّه يَحْلِفُ مع بَيِّنَتِه أنَّه مُعْسِرٌ؛ لأنَّها تَشْهَدُ بالظَّاهرِ.
فوائد؛ إحْداها، يُكْتَفَى في البَيِّنةِ أنْ تَشْهَدَ بالتَّلَفِ، أو بالإِعْسارِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المُحَقَّقُ؛ وفاقًا للمَجْدِ وغيرِه.
قلتُ: وجزَم به المُصَنِّفُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، أنه لا يُكْتَفَى في الشَّهادَةِ بالإِعْسارِ، بل لا بدَّ مِنَ الشهادَةِ بالتَّلَفِ والإِعْسارِ معًا.
وكذا قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، فإنَّهم قالُوا: تَشْهَدُ بذَهابِه وإعْسارِه، لا أنَّه لا يَمْلِكُ شيئًا. الثَّانيةُ، تُسْمَعُ بَينةُ إعْسارِه ونحوُها قبلَ حَبْسِه وبعدَه،
ولو بيَوْمٍ. قاله الأصحابُ. الثَّالِثَةُ، إذا لم يَكُنْ لمُدَّعِي الإِعْسارِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيِّنَةٌ، والحالةُ ما تقدَّم، كان القَوْلُ قَوْلَ غَرِيمِه مع يَمِينِه؛ أنَّه لا يَعْلَمُ عُسْرَتَه بدَينِه، وكان له حَبْسُه، ومُلازَمتُه. قاله في «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: إنْ حلَف أنه قادِرٌ، حبَسَه، وإلَّا حلَف المُنْكِرُ عليهما، وخُلِّيَ. ونقَل حَنْبَلٌ، يُحْبَسُ إنْ عُلِمَ له ما يَقْضِي.
وفي «المُسْتَوْعِبِ»، إنْ عُرِفَ بمالٍ، أو أقَرَّ أنَّه مَلِئٌ به، وحلَف غَرِيمُه أنَّه لا يعْلَمُ عُسْرَتَه، حُبِسَ.
وفي «الرِّعايَةِ»: يَحْلِفُ أنَّه مُوسِرٌ بدَينِه، ولا يعْلَمُ إعْسارَه به.
وفي «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، إذا حلَف أنه ذو مالٍ، حُبِسَ.
وقال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِ جماعَةٍ، أنَّه لا يَحْلِفُ إلَّا أنْ يَدَّعِيَ المَدْيونُ تَلَفًا أو إعْسارًا، أو يَسْأَلَ سُؤاله، فتَكُونُ دَعْوَى مُسْتَقِلَّةً.
فإنْ كان له ببَقاءِ مالِه أو قُدْرَتِه بَيِّنَةٌ ، فلا كَلامَ، وإلَّا فيَمِينُ صاحِبِ الحقِّ بحَسَبِ جَواب المَدْيونِ كسائرِ الدَّعاوَى.
قال في «الفُروعِ»: وهذا أظْهَرُ، وهو مُرادُهم، لأنَّه ادَّعَى الإعْسارَ، وأنَّه يعْلَمُ ذِلك، وأنْكَرَه. انتهى. وحيثُ قُلْنا: يَحْلِفُ صاحِبُ الحقِّ. وأبَى، حلَف الآخرُ، وخُلِّيَ سَبِيلُه. الرَّابعَةُ، يُكْتَفَى في البَيِّنَةِ هنا باثْنَين. على الصَّحيحِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وعنه، لا يَكْفِي أقَلُّ مِن ثَلاثةٍ، كمَن يُرِيدُ أخْذَ الزَّكاةِ، وكان مَعْروفًا بغِنًى، وادَّعَى الفَقْرَ. على ما تقدَّم في أواخِرِ باب ذِكْرِ أهْلِ الزَّكاةِ.
قال: (فإن ادعى الإعسار وكان دينه عن عوض كالبيع والقرض، أو عرف له مال سابق حبس إلا أن يقيم البينة على نفاد ماله وإعساره. وهل يحلف معها؟ على وجهين. وإن لم يكن كذلك حلف وخلي سبيله) .
أما كون من ادعى الإعسار وكان دينه عن عوض، أو عرف له مال سابق يحبس إذا لم يقم البينة على نفاده وإعساره؛ فلأن الأصل بقاء ماله وإذا كان باقياً تعين حبسه ليقضي دينه؛ كالمقر بيساره. ولا بد أن يُلحظ أن صاحب الدين مكذب للمدعي في دعواه لأنه لو صدقه لكان كما لو قامت البينة بإعساره. وسيأتي ذكره.
وأما كونه لا يحبس إذا أقام البينة على ذلك؛ فلأن البينة تظهر الإعسار فيجب إنظاره لقوله تعالى:{وإن كان ذو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٌ}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها وكثر دينه:«خُذوا ما وَجدتمْ وليسَ لكمْ إلا ذلك».
ولأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو ليقضي دينه، وعسرته ثابتة والقضاء متعذر.
وإذا كان كذلك لم يكن في الحبس
فائدة.
وأما صفة ما تشهد به البينة فظاهر كلام المصنف هنا أنها لا بد وأن تشهد على النفاد. وذكر في المغني أن البينة إن شهدت بالتلف سُمِعت وإن لم تكن من أهل الخبرة الباطنة،
وإن شهدت بالإعسار لم تسمع إلا أن تكون من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة لأن الإعسار من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلا أهل الخبرة الباطنة والمخالطة.
وفي هذا إشعار بأن البينة إن كانت من أهل الخبرة الباطنة كفى أن تشهد بالإعسار دون النفاد،
وإن لم يكن كذلك لم يكف بل لا بد من الشهادة على النفاد. وهو تفصيل حسن لأن البينة إذا كانت من أهل الخبرة الباطنة لزم من صحة شهادتهما نفاد المال
بخلاف ما إذا لم يكن كذلك.
وأما كونه لا يحلف مع البينة على وجهٍ؛ فلأن في ذلك تكذيباً للبينة.
وأما كونه يحلف على وجهٍ فلاحتمال أن يكون له مال لا يُعلم.
وأما كونه يخلى سبيله؛ فلأن الأصل أنه لا مال له.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.