وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَيْنِهِ فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ
الشروح عليها
مسألة: (وإن كان) حالًا و (له مالٌ لا يَفِي بدَينِه، فَسَألَ غُرَماؤُه الحاكِمَ الحَجْرَ عليه، لَزِمَتْه إجابَتُهم) إذا اتَّفَقَ الغُرَماءُ على طَلَبِ الحَجْرِ عليه في هذه الحالِ، لَزِم الحاكِمَ إجابَتُهْم.
ولا يَجُوزُ الحَجْرُ عليه بغيرِ سُؤالِ غُرَمائِه؛ لأنَّه لا ولايَةَ له في ذلك، إنَّما يَفْعَلُه لحَقِّ الغُرَماءِ، فاعْتُبِرَ رِضاهم.
وكذلك إن سَألَه بعضهم. وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس للحاكِمِ الحَجْرُ عَلَيه،
فإذا أدَّى اجْتِهادُه إلى الحَجْرِ عليه ثَبَت؛ لأنَّه فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فيه. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَر على مُعاذٍ، وباع ماله في دَينِه. رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه . فصل: وتَصَرُّفُه قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ في مالِه نافِذٌ، مِن البَيعِ، والهِبَةِ، والإِقْرارِ، وقَضاءِ بعضِ الغُرَماءِ، وغيرِ ذلك. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّه رَشِيدٌ غيرُ مَحْجُورٍ عليه، فنَفَذَ تَصَرُّفُه، كغَيرِه، ولأنَّ سَبَبَ المَنْعِ الحَجْرُ، فلا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ ولم يُحْجَرْ عليه، أشْبَهَ المَلِئَ.
وإن أَكْرَى جَمَلًا بعَينِه، أو دارًا لم تَنْفَسِخْ إجارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكْتَرِي أحَقَّ به حتى تَنْقَضِيَ مُدَّته.
١٩١١ -
(وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَيْنِهِ) أَيِ: الْحَالِّ، وَلَا كَسْبَ لَهُ، وَلَا مَا يُنْفِقُ مِنْهُ غَيْرَهُ، أَوْ خِيفَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ (فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ لَمَّا سَأَلَهُ غُرَمَاؤُهُ،
وَالْأَصَحُّ أَنَّ طَلَبَ الْبَعْضِ كَالْكُلِّ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْغُرَمَاءِ، لَكِنْ لَوْ طَلَبَهُ الْمُفْلِسُ وَحْدَهُ فَوَجْهَانِ، الْمَذْهَبُ لَا يَلْزَمُهُ إِجَابَتُهُ
وإنْ كان له مالٌ لا يَفِي بدَينِه، وسأَل غُرَماؤُه الحَاكِمَ الحَجْرَ عليه، لَزِمَه إجابَتُهم. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، إنْ ضاقَ مالُه عن دُيونِه، صارَ مَحْجُورًا عليه بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ. ويأْتِي مَعْنَى ذلك قَرِيبًا.
تنبيهات؛ أحدُها، قوْلُه: وإنْ كان له مالٌ لا يَفِي بدَينِه. هكذا عِبارَةُ أكثرِ الأصحابِ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ومَن له دُونَ ما عليه مِن دَينٍ حالٍّ، أو قَدْرُه، ولا كَسْبَ له، ولا ما يُنْفِقُ منه غيرَه، أو خِيفَ تَصَرُّفُه فيه. الثَّاني، ظاهرُ قوْلِه: فسألَ غُرَماؤُه الحَجْرَ. أنَّه لو سَألَه البعضُ الحَجْرَ عليه، لم يَلْزَمْه
وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ وَالإِشْهَادُ عَلَيهِ.
إجابَتُهم. وهو ظاهِرُ «المُغْنِي»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي»، وجماعَةٍ. وهو أحَدُ الوَجْهَين. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». والوَجْهُ الثَّانِي، يَلْزَمُه إجابَتُهم أيضًا. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: لَزِمَ الحَجْرُ عليه بطَلَبِ غُرَمائِه.
والأصحُّ، أو بعضِهم. قال في «تَجْريدِ العِنايَةِ»: هذا الأظْهَرُ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذكِرَتِه». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ». وهو الصَّوابُ. الثَّالثُ، ظاهِرُ كلامِه أيضًا، أنَّ المُعْسِرَ لو طلَب الحَجْرَ على نَفْسِه مِنَ الحاكِمِ، لا يَلْزَمُه إجابَتُه إلى ذلك. وهو فَصْل: وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيهِ أرْبَعَةُ أَحْكَامٍ، أَحَدُهَا، تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيهِ،
وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، إلا الْعِتْقَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
ظاهِرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ. وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: إنْ زادَ دَينُه على المالِ،
وقيل: أو طلَب المُفْلِسُ الحَجْرَ مِنَ الحاكِمِ. لَزِمَه.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وإنْ طلَبَه المُفْلِسُ وحْدَه، احْتَمَلَ وَجْهَين.
قال في «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»: وبسُؤالِه في وَجْهٍ.
قال: (وإن كان له مال لا يفي بدينه فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم. ويستحب إظهاره، والإشهاد عليه) .
أما كون الحاكم يلزمه إجابة غرماء المفلس إذا سألوه الحجر عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ لما سأل غرماؤه ذلك،
وفي الحديث عن عبدالرحمن بن كعب قال: «كان معاذ من أفضلِ شبابِ قومهِ، ولم يكن يُمسكُ شيئاً. فلم يزلْ يَدّان حتى أُغرقَ مالهُ في الدينِ. فكلمَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم غرماؤُه. ولو تُركَ أحدٌ من أجلِ أحد لتُركَ معاذٌ من أجلِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فباعَ لهمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مالهُ حتى قام معاذٌ بغيرِ شيء» .
وأما كون إظهار الحجر والإشهاد عليه يستحب؛ فلأن في ذلك إعلاماً للناس بحاله، فلا يعامله أحد إلا على بصيرة وظنِّ فَوات ما عامله به .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.