وَمَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَعَاوَدَ السَّفَهَ أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ
الشروح عليها
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ومَن فُكَّ عنه الحَجْرُ، فعاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيدَ الحَجْرُ عليه) وجُمْلَةُ ذك، أنَّ المَحْجُورَ عليه إذا فُكَّ عنه الحَجْرُ لرُشْدِه وبُلُوغِه، ودُفِع إليه مالُه، ثم عاد إلى السَّفَهِ، أُعِيدَ عليه الحَجْرُ. وبه قال القاسِمُ بنُ محمدٍ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُبْتَدَأُ الحَجْرُ على بالِغٍ عاقِلٍ، وتَصَرُّفُه نافِذٌ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، لأنَّه مُكَلَّفٌ، فلا يُحْجَرُ عليه، كالرَّشِيدِ. ولَنا، ما رَوَى عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ جَعْفَرٍ ابْتاعَ بَيعًا، فقال عليٌّ: لآتِيَنَّ عُثْمانَ ليَحْجُرَ عليك. فأتَى عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَر الزُّبَيرَ، فقال: قد ابْتَعْتُ بَيعًا،
وإنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أن يَأْتِيَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ فيَسْألَه الحَجْرَ عَلَيَّ. فقال الزُّبَيرُ: أنا شَرِيكُكَ في البَيعِ. فأتَى عليٌّ عُثْمانَ، فقال: إنَّ ابنَ جَعْفَرٍ قد ابْتاعَ بَيعَ كذا، فاحْجُرْ عليه. فقال الزُّبَيرُ: أنا شَرِيكُه في البَيعِ. قال عثمانُ: كيف أحْجُرُ على مَن شَرِيكُه الزُّبَير ؟ قال أحمدُ: لم أسْمَعْ هذا إلَّا مِن أبي يُوسُف القاضِي. وهذه قَضِيَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها، ولم يُخالِفْها أحَدٌ في عَصْرِهِم، فتكُونُ إجْماعًا. ولأنَّه سَفِيهٌ، فيُحْجَرٌ عليه، كما لو بَلَغ سَفِيهًا،
فإنَّ العِلَّةَ التي اقْتَضَتِ الحَجْرَ عليه إذا بَلَغ سَفِيهًا سَفَهُهُ، وهو مَوْجُودٌ، ولأنَّ السَّفَهَ لو قارَنَ البُلُوغَ مَنَع دَفْعَ مالِه إليه،
فإذا حَدَث، أوْجَبَ انْتِزاعَ المالِ، كالجُنُونِ. وفارَقَ الرَّشِيدَ؛
فإنَّ رُشْدَه لو قارَنَ البُلُوغَ لم يَمْنَعْ دَفْعَ مالِه إليه. إذا ثَبَتَ ذلك، فلا يَحْجُرُ عليه إلَّا الحاكِمُ. وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال محمدٌ: يَصِيرُ مَحْجُورًا عليه بمُجَرَّدِ تَبْذِيرِه؛ لأنَّ ذلك سَبَبُ الحَجْرِ، فأشْبَهَ الجُنُونَ. ولَنا، أنَّ التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ، ويُخْتَلَفُ فيه، ويَحْتاجُ إلى الاجْتِهادِ،
فإذا افْتَقَرَ السَّبَبُ إلى الاجْتِهادِ، لم يَثْبُتْ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ، كالحَجْرِ على المُفْلِسِ، وفارَقَ الجُنُونَ، فإنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، ولا خِلافَ فيه.
١٩٥٨ -
(وَمَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ) لِرُشْدِهِ، أَوْ بُلُوغِهِ وَدُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ (فَعَاوَدَ السَّفَهَ أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ لِمَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ابْتَاعَ بَيْعًا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لِآتِيَنَّ عُثْمَانَ لِيَحْجُرَ عَلَيْكَ، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُكَ فِي الْبَيْعِ فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ فَذَكَرَ لَهُ الْقَضِيَّةَ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ، وَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ سَفِيهٌ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا نَظَرًا إِلَى دَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ الْعِلْمِ، وَالْحَاجِرُ هُنَا الْحَاكِمُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ وَلِيُّهُ.
وَقِيلَ: أَوْ أَبُوهُ، وَقِيلَ: إِنْ زَالَ الْحَجْرُ بِرُشْدِهِ بِلَا حُكْمٍ عَادَ بِمُجَرَّدِهِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاجْتِهَادِ،
وَإِذَا افْتَقَرَ السَّبَبُ إِلَى الِاجْتِهَادِ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ
بِخِلَافِ الْجُنُونِ، فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
فَرْعٌ: لَوْ فَسَقَ، وَلَمْ يُبَذِّرْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ،
وَإِنِ اعْتُبِرَ فِي رُشْدِهِ إِصْلَاحُ دِينِهِ فَوَجْهَانِ
فَصلٌ: وَمَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ، فَعَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيهِ.
الكُبْرى». قال النَّاظِمُ: هذا أوْلَى. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وأمَّا الغِبْطَةُ، فيَجوزُ بَيعُه لها، بلا نِزاعٍ. لكِنِ اشْتَرطَ المُصَنِّفُ: أنْ يُزَادَ في ثمَنِه الثُّلُثُ فصَاعِدًا. وهو أحَدُ الوَجْهَين. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «الحاويَيْن».
وقال القاضي: بزِيادَةٍ كثيرةٍ ظاهِرَةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه. ولم يُقَيِّدْه بالثُّلُثِ ولا غيرِه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
والصَّحيحُ مِنَ المذهب، جَوازُ بَيعِه، إذا كان فيه مَصْلَحَةٌ. نصَّ عليه، كما تقدَّم، سواء حصَل زِيادَةٌ أوْ لا. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشارِحُ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، والنَّاظِمُ.
قال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: هذا نصُّه. ومال إليه. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ». ومَن فُكَّ عنه الحَجْرُ فعاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيدَ عليه الحَجْرُ. بلا نِزاعٍ. ونقَلَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجماعَةُ عن أحمدَ. وَلَا يَنْظُرُ في مَالِهِ إلا الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إلا بِحُكْمِهِ.
وَقِيلَ: يَنْفَكُّ بِمُجَرَّدِ رُشْدِهِ.
فصل [فيمن عاود السفه] قال المصنف رحمه الله: (ومن فك (١) عنه الحجر فعاود السفه أعيد الحجر عليه ولا ينظر في ماله إلا الحاكم ولا ينفك إلا بحكمه.
وقيل: ينفك بمجرد رشده. ويستحب إظهار الحجر عليه والإشهاد عليه لتجتنب معاملته).
أما كون الحجر يعاد على من عاود السفه فلما روى عروة بن الزبير «أن عبدالله بن جعفر ابتاعَ بَيعاً فأتى الزبير فقال: إني قد ابتعتُ بَيعاً وإن علياً يُريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر عليّ. فقال الزبير: أنا شريككَ في البيعِ فأتى علي عثمان. فقال: إن ابن جعفرَ قد ابتاعَ بيع كذا فاحجر عليه. فقال الزبير: أنا شَريكه. فقال عثمان: كيفَ أحجرُ على رجلٍ شريكهُ الزبير» رواه الشافعي في مسنده.
وهذه قضية قد اشتهرت ولم تنكر فتكون إجماعاً.
ولأن السفه يقتضي الحجر لو قارنه فيقتضيه إذا طرأ كالجنون .
وأما كونه لا ينظر في ماله إلا الحاكم؛ فلأن علياً سأل عثمان الحجر على ابن جعفر ولو كان الحجر لغيره لسأل من له الحجر.
ولأن معرفة التبذير يحتاج إلى نظر لأن الغبن قد يكون تبذيراً وقد يكون غير تبذير فلم يكن بد من الحاكم كالحجر للفلس.
ولأنه حجر مختلف فيه. أشبه الحجر للفلس.
وأما كونه لا ينفك الحجر عنه إلا بحكم الحاكم على المذهب؛ فلأنه حُجِر عليه بحكم الحاكم فلا ينفك إلا بحكمه.
وأما كونه ينفك عنه بمجرد رشده على قولٍ؛ فلأن السفه سبب الحجر فوجب أن ينفك بزواله كما في حق الصبي والمجنون. وعزا المصنف في المغني هذا القول إلى أبي الخطاب ثم قال: والأول أولى لما ذكر.
ولأنه يحتاج إلى تأمل واجتهاد في معرفة رشده وزوال تبذيره. وفارق الصبي والمجنون من حيث إن الحجر عليهما ثبت بغير حكم الحاكم فينفك بغير حكمه.
وأما كونه يستحب إظهار الحجر عليه والإشهاد عليه فقد صرح المصنف رحمه الله بالعلة من اجتناب معاملته وذلك مطلوب لما فيه من أمن ضياع المال لأن الإظهار والإشهاد سبب إلى تحصيله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.