تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَفِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ
الشروح عليها
بابُ المُساقاةِ وهي أن يَدْفَعَ إنْسانٌ شَجَرَه إلى آخَرَ، ليَقُومَ بسَقْيِه وعَمَلِ سائِرِ ما يَحْتاجُ إليه، بجُزْءٍ مَعْلُومٍ له مِن الثَّمَرَةِ. وسُمِّيَتْ مُساقاةً لأنَّها مُفاعَلَةٌ مِن السَّقْي؛ لأنَّ أهْلَ الحِجازِ أكثرُ [حاجَةِ شَجَرِهم] إلى السَّقْي، لكَوْنِهم يَسْقُون مِن الآبارِ، فسُمِّيَتْ بذلك. والأصْلُ في جَوازِها السُّنَّةُ والإِجْماعُ؛
أما السُّنَّةُ، فما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: عامَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهلَ خَيبَرَ بشَطْرِ مَا يَخْرُجُ منها، مِن ثَمَرٍ أو زَرْعٍ. مُتَّفَق عليه .
وأمّا الإِجْماعُ، فقال أبو جَعْفَرٍ [محمدُ بنُ] عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، رَضِيَ الله عنه وعن آبائِه: عامَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهْلَ خَيبَرَ بالشَّطرِ، ثم أبو بَكْرٍ، ثم عُمَرُ، ثم عُثْمانُ، ثم عَلِيٌّ، ثم أهلُوهُم إلى اليَوْمِ، يُعْطُون الثُّلُثَ والرُّبْعَ . وهذا عَمِلَ به الخُلَفاءُ الرَّاشِدُون مُدَّةَ خِلافَتِهم، واشْتَهَرَ ذلك، ولم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا.
٢١١٤ - مسألة: (تجوزُ المُساقاةُ في النَّخْلِ، وفي كُل شَجَرٍ له ثَمَرٌ مَأكُولٌ ببعضِ ثَمَرَتِه) هذا قولُ الخُلَفاءِ الراشِدِين، رَضِيَ اللهُ عنهم. وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسالِمٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال داودُ: لا تجوزُ إلَّا في ثَمَرِ النَّخْلِ؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَدَ بها فيه.
وقال الشافعيُّ: لا تجوزُ إلَّا في النَّخْلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ تجبُ في ثَمَرتِهما.
وفي سائِرِ الشَّجَرِ قولان؛ أحَدُهما، لا تجوزُ فيه؛ لأنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في نَمائِه، فأشْبَهَ ما لا ثَمَرَةَ له.
وقال أبو حنيفةَ، وزُفَرُ: لا تجوزُ بحالٍ؛ لأنَّها إجَارَةٌ بثَمَرَةٍ لم تُخْلَقْ، أو إجَارَةٌ بثَمَرَةٍ مَجْهُولَةٍ، أشْبَهَ إجَارَتَه بثَمَرةِ غيرِ الشَّجَرِ الذي يَسْقِيه. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والإِجْماعِ،
ولا يجوزُ التَّعْويلُ على ما خالفَهُما.
فإن قِيلَ: راوي حَدِيثِ خَيبَرَ ابنُ عُمَرَ، وقد رَجَع عنه، فقال: كُنّا نُخابِرُ أرْبَعِين سَنَةً حتى حَدَّثَنا رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُخابَرَةِ . ولا يَنْعَقِدُ الإِجْماعُ مع مُخالفَتِه، ويَدُلُّ أيضًا على نسْخِ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ لرُجُوعِه عن العَمَلِ به إلى حَدِيثِ رافِع. قلنا: لا يجوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رافِع على ما يُخالِفُ الإِجْماع، ولا حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَزَلْ يُعامِلُ أهْلَ خَيبَرَ حتى ماتَ، ثم عَمِلَ به الخُلفاءُ بعدَه، ثم مَن بعدَهم، فكيف يُتَصَوَّرُ نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن شيءٍ ثم يُخالِفه؟
أم كيف يُعْمَل ذلك في عَصْرِ الخلَفاءِ ولم يُخْبِرْهُم مَن سَمِعَ النَّهْيَ، وهو حاضِرٌ معهم وعالِمٌ بفِعْلِهم؟
فلو صَحَّ خبَر رافِعٍ لوجَبَ حَمْله على ما يُوافِق السُّنَّةَ والإِجْماعَ. على أنَّه قد رُوِيَ في تَفسِيرِ خبَرِ رافِعٍ عنه ما يَدلُّ على صِحَّةِ قَوْلِنا، فرَوَى البُخارِيُّ ، بإسْنادِه، قال: كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ بالنّاحِيَةِ منها تُسَمَّى لِسَيِّدِ الأرْضِ، فَمِمّا يُصَابُ ذلك وتَسْلَمُ الأرْضُ، ومِمَّا تُصابُ الأرْضُ ويَسْلَمُ ذلك، فنُهِينَا،
فأمّا الذَّهَبُ والوَرِقُ، فلم يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. ورُوِيَ تَفسِيرُه أيضًا بشيءٍ غيرِ هذا مِن أنواعِ الفَسَادِ، وهو مُضْطَربٌ جِدًّا. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن حديثِ رافِع: نهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزارَعةِ. فقال: رافِعٌ يُرْوَى عنه في هذا ضُرُوبٌ. كأنَّه يُرِيدُ أنَّ اخْتِلافَ الرِّواياتِ عنه يُوهِنُ حَدِيثَه.
وقال طاوُسٌ: إنَّ أعلَمَهُم، يَعْنِي ابنَ عَبّاسٍ، أخْبَرني أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَنْهَ عنه، ولكن قال:«لأنْ يَمْنَحَ أحدُكُمْ أخاهُ أرضَهُ، خَيرٌ مِنْ أن يَأخُذَ عَلَيهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا». رَواه البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ . وأنْكَرَ زَيدُ بنُ ثابتٍ حَدِيثَ رافعٍ عليه . فكَيف يجوزُ نَسْخُ [أمْرٍ فَعَلَه] رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى ماتَ وهو يَفْعَلُه، ثم أجْمَعَ عليه خُلَفاؤه وأصحابُه بعدَه، بخَبَرٍ لا يجوزُ العَمَلُ به،
ولو لم يُخالِفْه غيرُه! ورُجُوعُ ابنِ عُمَرَ إليه يَحْتَمِلُ أنَّه رَجَعَ عن شيءٍ مِن المُعامَلاتِ الفاسِدَةِ التي فسَّرَها رافِعٌ في حَدِيثه.
وأمَّا غيرُ ابنِ عُمَرَ فقد أنْكَرَ على رافع ولم يَقْبَلْ حَدِيثَه، وحَمَلَه على أنَّه غَلِطَ في رِوايته. والمَعْنَى يَدُلُّ على ذلك؛
فإنَّ كثيرًا مِن أهْلِ النَّخِيلِ والشَّجَرِ يَعْجِزُونَ عن عِمارَتِه وسَقْيِه، ولا يُمْكِنُهم الاسْتِئْجارُ عليه، وكَثِيرٌ مِن النّاسِ لا شَجَرَ لهم، ويَحْتاجُون إلى الثَّمرِ، ففي تَجْويزِ المُساقاةِ دَفعٌ للحاجَتَين، وتَحْصِيلٌ لِمَصْلحةِ الفِئَتَينِ، فجازَ، كالمُضارَبَةِ بالأثْمانِ.
فأمَّا قياسُهم فيَبْطُلُ بالمُضارَبَةِ، فإنَّه يَعْمَلُ في المالِ بنَمائِه، وهو مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ، وقد جازَ بالإجْماعِ، وهذا في مَعْناه.
ثم إنَّ الشارِعَ قد جَوَّزَ العَقْدَ في الإجارةِ على المَنافِعِ المَعْدُومةِ للحاجَةِ، فلِمَ لا يجوزُ على الثَّمَرةِ المَعْدُومةِ للحاجَةِ، مع أنَّ القياسَ إنَّما يكونُ في إلْحاقِ المَسْكُوتِ عنه بالمَنْصُوصِ عليه، أو المُجْمَعِ عليه،
فأمَّا في إبْطالِ نَصٍّ وخَرْقِ إجْماعٍ بقِياسِ نَصٍّ آخَرَ، فلا سَبِيلَ إليه.
وأمَّا تَخْصِيصُ ذلك بالنَّخْلٍ، أو به وبالكَرْمِ، فيُخالِفُ عُمُومَ قولِه: عامَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهْلَ خيبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنها مِنْ زَرعٍ أو ثَمَرٍ. وهذا عامٌّ في كلِّ ثَمَرٍ، ولا تكادُ بَلْدةٌ ذاتُ أشْجارٍ تَخْلُو مِن شجَرٍ غيرٍ النَّخِيلِ، وقد جاءَ في لَفْظِ بعضِ الأخْبارِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَامَلَ أهْلَ خيبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ. [رَواه الدّارَقُطْنِيُّ]. ولأنَّه شَجَرٌ يُثْمِرُ كلَّ حَوْلٍ، فأشْبَهَ النَّخْلَ والكَرْمَ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى المُساقاةِ عليه كالنَّخْلِ وأكثرَ؛
لكَثْرَتِه، فأشْبَهَ النَّخْلَ، ووُجُوبُ الزَّكَاةِ ليس مِن العِلَّةِ المُجَوِّزَةِ للمُساقاةِ، ولا أثَر له فيها، وإنَّما العِلَّةُ ما ذَكَرْناه.
فصل: فأمَّا ما لا ثَمَرَ له، كالصَّفْصافِ والجَوْزِ، أو له ثَمَرٌ غيرُ مَقْصُودٍ، كالصَّنَوْبَرِ والأَرْزِ، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليه. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه غيرُ مَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولأنَّ المُساقاةَ إنَّما تجوزُ بجُزْءٍ مِن الثَّمَرَةِ، وهذا لا ثَمَرَةَ له إلَّا أن يكونَ ممَّا يُقْصَدُ وَرَقُه أو زَهْرُه، كالتُّوتِ والوَرْدِ، فالقِياسُ يَقْتَضِي جَوازَ المُساقاةِ عليه؛ لأنَّه في مَعْنَى الثَّمَر، لكَوْنِه ممَّا يَتَكَرَّرُ كلَّ عام ويُمْكِنُ أخْذُه والمُساقاةُ عليه بجُزْءٍ منه، فيَثْبُتُ له حُكْمُه.
٢١١٥ -
بَابُ الْمُسَاقَاةِ] [مَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ] بَابُ الْمُسَاقَاةِ هِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ السَّقْيِ ; لِأَنَّهُ أَهَمُّ أَمْرِهَا، وَكَانَتِ النَّخْلُ بِالْحِجَازِ تُسْقَى نَضْحًا أَيْ مِنَ الْآبَارِ، فَيَعْظُمُ أَمْرُهُ، وَتَكْثُرُ مَشَقَّتُهُ، وَهِيَ عِبَارَةُ أَنْ يَدْفَعَ إِنْسَانٌ شَجَرَهُ إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ مَا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ لِيَغْرِسَهُ، وَيَعْمَلَ عَلَيْهِ، وَلَا بِمَانِعٍ لِدُخُولِ مَا لَهُ ثَمَنٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَالصَّنَوْبَرِ، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا السُّنَّةُ، فَمِنْهَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ:«عَامَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ِأَهْلِ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: عَامَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ِأَهْلِ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ أَهْلُوهُمْ إِلَى الْيَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ، وَهَذَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ. (تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ) وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ دَاوُدُ (وَفِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا شَجَرَ لَهُمْ، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى الثَّمَرِ فَفِي تَجْوِيزِ الْمُسَاقَاةِ دَفْعُ الْحَاجَتَيْنِ، وَحُصُولُ الْمَنْفَعَةِ لَهُمَا فَجَازَ كَالْمُضَارَبَةِ، وَالْمُنْتَفَعُ بِهِ كَالْمَأْكُولِ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَلَى مَا لَا ثَمَرَ لَهُ كَالْجوزِ، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَالصَّنَوْبَرِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إِذْ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ لَكِنْ إِنْ قُصِدَ وَرَقُهُ كَالتُّوتِ، أَوْ زَهْرُهُ كَالْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ ;
لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةِ لِكَوْنِهِ يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ، وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ الْمَنْصُوصَ يَشْمَلُهُ (بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ) أَيْ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ كَالثُّلُثِ وَنَحْوِه لِلْخَبَرِ، لَا عَلَى صَاعٍ، أَوْ آصُعٍ، أَوْ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْصُلَ إِلَّا ذَلِكَ، فَيَتَضَرَّرُ الْمَالِكُ، أَوْ يَكْثُرُ الْحَاصِلُ فَيَتَضَرَّرُ الْعَامِلُ، وَتَكُونُ التَّسْمِيَةُ لَهُ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ يَسْتَحِقُّ بِالْأَصْلِ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ،
فَلَوْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَ نَخْلٍ غَيْرِ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهِ، أَوْ ثَمَرَةَ سَنَةٍ غَيْرِ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ لِمُخَالَفَةِ مَوْضُوعِهَا، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ السَّقْيِ وَالْبَعْلِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهَا.
أَصْلٌ: لَا يُقَالُ ابْنُ عُمَرَ قَدْ رَجَعَ عَمَّا رَوَى لِقَوْلِهِ: «كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ» ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رَافِعٍ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يُعَامِلُ ِأَهْلِ خَيْبَرَ حَتَّى مَاتَ ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى طَاوُسٌ أَنَّ أَعْلَمَهُمْ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - أَخْبَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ عَنْهُ،
وَقَالَ ; «لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضه خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ أَجْرًا مَعْلُومًا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَدِيثُ رَافِعٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قُلْنَا لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ:«كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرَيِ الْأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ وَلَهُمْ هَذِهِ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْهُ، فَأَمَّا الْوَرَقُ فَلَمْ يَنْهَنَا» ، وَرُجُوعُ ابْنِ عُمَرَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ مَعَ أَنَّ فِيهِ اضْطِرَابًا، قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعٍ، فَقَالَ: يُرْوَى فِيهِ ضُرُوبٌ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
[مَا تَصِحُّ بِهِ الْمُسَاقَاةُ]
بَابُ المُسَاقَاةِ بابُ المُساقاةِ فائدة: المُساقاةُ، مُفاعَلَةٌ مِنَ السَّقْي؛ وهي دَفْعُ شَجَرٍ إلى مَن يقومُ بمَصْلَحَتِه بجُزْءٍ مَعْلومٍ مِن ثَمَرَتِه. قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، والسَّامَريُّ في «مُسْتَوْعِبِه»، وزاد، أنْ يُسَلِّمَ نخْلَه أو كَرْمَه، أو شَجَرًا له ثَمَرٌ مأكُولٌ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وليس بجامِعٍ؛ لخُروجِ ما يدْفَعُ إليه ليَغْرِسَه ويَعْمَلَ عليه، ولا بمانِعٍ؛ لدُخولِ ما لَه ثَمَرٌ غيرُ مَقْصُودٍ، كالصَّنَوْبَرِ. تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ،
وَفِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأكُولٌ بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ. تَجُوزُ المُساقاةُ في النَّخْلِ، وكلِّ شَجَرٍ له ثَمَرٌ مَأكُولٌ ببعضِ ثَمَرَتِه. هذا المذهبُ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وقال المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشّارِحُ: تصِحُّ على كلِّ ثَمَرٍ مَقْصودٍ. فلا تصِحُّ في الصَّنَوْبَرِ. وقالا: تصِحُّ على ما يُقْصَدُ وَرَقُه أو زَهْرُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجزَم به في «النَّظْمِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ».
قال في «الرعايةِ الكُبْرى»: قلتُ: ونحوُه؛ كوَرْدٍ، وياسَمِينَ ونحْوهما. انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وعنه، لا تصِحُّ إلا في النَّخْلِ والكَرْمِ، لا غيرُ.
وقال في «الرعايةِ الكُبْرى»، بعدَ ذِكْرِ ما تقدَّم: ولا تصِحُّ على شَجَرٍ بثَمَرٍ بعدَ عِدَّةِ سِنِين.
وقيل: تصِحُّ. انتهى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلتُ: وهو مُشْكِلٌ؛ فإنَّ النخْلَ وبعضَ الأشْجارِ لا تُثْمِرُ إلَّا بعدَ مُدَّةٍ طويلَةٍ، وتصِحُّ المُساقاةُ عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو ساقاه على ما يتَكَررُ حَمْلُه؛ مِن أُصُولِ البُقولِ، والخَضْراواتِ؛ كالقُطْنِ والمَقاثِي، والباذِنْجانِ، ونحوه، لم تصِحَّ.
قال في «الرِّعايةِ» وغيرِه: ولا تصِحُّ المُساقاةُ على ما لا ساقَ له.
وقال في «القاعِدَةِ الثّمانِين»: إنْ قيلَ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هي كالشَّجَرِ. صحَّتِ المُسَاقاةُ. وإنْ قيلَ: هي كالزرْعِ. فهي مُزارَعَةٌ. وفيه وَجْهان. وَتَصِحُّ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُعَامَلَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا.
باب المساقاة] المساقاة: أن يُسَلِّم الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما يحتاج إليه، بجزء معلوم له من ثمره. وسميت مساقاة لأنها مفاعلة من السقي؛ لأن أهل الحجاز أكثر حاجتهم إلى السقي لأنهم كانوا يسقون من الآبار.
والأصل فيها «أن النبي صلى الله عليه وسلم عاملَ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ» حديث صحيح متفق عليه.
قال المصنف رحمه الله: (تجوز المساقاة في النخل، وكل شجر له ثمر مأكول ببعض ثمرته) .
أما كون المساقاة تجوز في النخل؛ فلما تقدم من معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها.
ولأن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فعلوا ذلك.
ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة؛ لأن أرباب الثمار لا يتمكنون من عملها، والأكثر يحتاجون إلى الانتفاع بما يحصل لهم من غلتها فشرعت لذلك.
وأما كونها تجوز في كل شجر له ثمر مأكول؛ فلأن ذلك مساو للنخل معنى فوجب أن يساويه حكماً.
وأما قول المصنف رحمه الله:"ببعض ثمرته" ففيه
تنبيه على أنه لا بد وأن يكون نصيب العامل من المساقى عليه. ولأنه لا بد وأن يكون مشاعاً. وقد تقدم ذكر ذلك في الشركة .
فإن قيل: الحديث المتقدم ذكره منسوخ بما روى رافع بن خديج «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة». وذلك معاملة أهل خيبر.
قيل: هذا حديث مضطرب جداً. وقد فسره رافع في بعض الروايات بما لا يختلف في فساده. فروى البخاري بإسناده عن رافع قال:«كنا نُكري الأرض بالناحيةِ. فربما يصابُ ذلكَ وتَسْلَمُ الأرض، وربما تصابُ الأرضُ ويسلَمُ ذلك فَنُهينَا».
وروى البخاري ومسلم بإسنادهما عن طاووس قال:«إنّ أعلمَكمْ -يعني ابن عباس- أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لمْ ينهَ عنهُ. ولكن قال: لأن يمنحَ أحدكمْ أخاهُ خيرٌ لهُ منْ أنْ يأخذَ عليهِ خراجاً معلوماً».
وقد اشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرجع عن معاملة أهل خيبر حتى مات ثم عمل به أبو بكر حتى مات. ثم عمر حتى أجلى اليهود فكيف يكون منسوخاً؟ .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.