وَهُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوذُ وَهُوَ حُرٌّ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ فَيَكُونُ كَافِرًا
الشروح عليها
بابُ اللَّقِيطِ (وهو الطِّفْلُ المَنْبُوذُ) واللَّقِيطُ بمَعْنَى المَلْقُوطِ، كالقَتِيلِ والجَرِيحِ. والْتِقاطُه واجِبٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ولأنَّ فيه إحْياءَ نَفْسِه، فكان واجِبًا، كإطْعامِه إذا اضْطُرَّ، وإنْجائِه مِن الغَرَقِ. وهو من فُرُوضِ الكِفاياتِ، إذا قام به مَن يَكْفِي سَقَط عن الباقِين،
وإن تَرَكَه الجماعةُ، أثِمُوا كُلُّهُم إذا تَرَكُوه مع إمْكانِ أخْذِه. وقد رُوِيَ عن سُنَينٍ أبي جَمِيلَةَ، قال: وَجَدْتُ مَلْقُوطًا فأتَيتُ به عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، فقال عَرِيفِي: يا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ. فقال عُمَرُ: أكَذِلكَ هُوَ؟ قال: نعم. قال: فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، ولَكَ وَلاؤُه، وعَلَينا نَفَقَتُه. رَواه سَعِيدٌ عن سُفْيانَ عن الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سُنَينًا أبا جَمِيلةَ بهذا،
وقال: وعَلَينا رَضَاعُهُ. ٢٥٢٠ - مسألة: (وهو حُرٌّ) اللَّقِيط حُرٌّ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا النَّخَعِيَّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ عوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ. رُوِيَ هذا القولُ عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، رَضِيَ الله عنهما. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ، والثَّورِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي،
ومَن تَبِعَهُم. وقال النَّخَعِيُّ: إنِ الْتَقَطَه للْحِسْبَةِ، فهو حُرٌّ،
وإن كان أرادَ أن يَسْتَرِقَّه، فذلك له. وهذا قولٌ شَذَّ فيه عن الخُلَفاء والعُلَماءِ،
ولا يَصِحُّ في النَّظرَ، فإنَّ الأصْلَ في الآدَمِيِّينَ الحُرِّيَّةُ،
فإنَّ الله تعالى خَلَق آدمَ وذُرِّيَّتَهَ أحْرارًا، وإنَّما الرِّقُّ لعارِض،
فإذا لم يُعْلَمْ ذلك العارِضُ، فله حُكْمُ الأصْلَ.
٢٥٢١ - مسألة: (يُنْفَقُ عليه مِن بَيتِ المالِ إن لم) يُوجَدْ (معه ما يُنْفَقُ عليه) إذا لم يُوجَدْ مع اللَّقِيطِ شيءٌ، لم يَلْزَمِ المُلْتَقِطَ الإِنْفاقُ عليه، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ غيرُ واجبَةٍ على المُلْتَقِطِ كوُجُوبِ نَفَقةِ الوَلَدِ. وذلك لأن أسْبابَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ مِن القَرابةِ، والزَّوْجِيَّة، والمِلْكِ، والوَلاءِ، مُنْتَفِيَةٌ، فالالْتِقاطُ إنَّما هو تَخْلِيصٌ له مِن الهلاكِ، وتَبَرُّعٌ بحِفْظِه، فلا يُوجِبُ ذلك النَّفَقَةَ، كما لو فَعَلَه بغيرِ اللَّقِيطِ.
وتَجِبُ نفقَتُه في بَيتِ المالِ، لقولِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، في حَدِيثِ أبي جَميلةَ: اذْهَبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه، وعلينا نَفَقَتُه.
وفي روايةٍ: مِن بيتِ المالِ. ولأنَّ بيتَ المالِ وارِثُه، ومالُه مَصْرُوفٌ إليه، فكانت نَفَقَتُه عليه، كَقرابَتِه ومَولاه.
فإن تَعَذَّرَ الإِنْفاقُ عليه مِن بَيتِ المالِ، لكَوْنِه لا مال فيه، أو كان في مكانٍ لا إمامَ فيه، أو لم يُعْطَ شيئًا، فعَلَى من عَلِمَ حاله مِن المُسْلِمِينَ الإِنْفاقُ عليه؛ لقَوْلِ الله تِعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}. ولأنَّ في تَركِ الإِنْفاقِ عليه هَلاكَه، وحِفْظُه مِن ذلك واجِبٌ، كإنقاذِه مِن الغَرَقِ. وهو فَرْضُ كِفايةٍ،
ومن أنْفَقَ عليه مُتَبَرِّعًا، فلا شيءَ له، سواءٌ كان المُلْتَقِطَ أو غيرَه،
وإن لم يَتَبرَّعْ أحَدٌ بالإنْفاقِ عليه، فأنْفَقَ عليه المُلْتَقِطُ أو غيرُه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه إذا أيسَرَ، وكان ذلك بأمْرِ الحاكِمِ، لَزِم اللَّقِيطَ ذلك إذا كانتِ النَّفَقَةُ قَصْدًا بالمَعْرُوفِ. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ.
فإن أنْفَقَ بغيرِ أمْرِ الحاكِمِ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه، فقال أحمدُ: تُؤَدَّى النَّفَقَةُ مِن بيتِ المالِ.
وقال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ عليه بالنَّفَقَةِ إذا أشْهَدَ عليه، يحْلِفُ ما أنْفَقَ احْتِسابًا،
فإن حَلَف اسْتُسْعِيَ . وقال الشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ عليه مِن غيرِ إذْنِه، ولا إذْنِ وَلِيِّه، ولا إذْنِ الحاكِمِ، فلم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو تَبَرَّعَ به. ولَنا، أنَّه أدَّى مالًا وَجَب على غيرِه، فكان له الرُّجُوعُ على مَن كان الوُجُوبُ عليه، كالضّامِنِ إذا قَضَى عن المَضْمُونِ عنه. ٢٥٢٢ - مسألة: (ويُحْكَمُ بإسْلامِه، إلَّا أن يُوجَدَ في بَلَدِ الكُفّارِ ولا مُسْلِمَ فيه، فيكونَ كافِرًا. فإن كان فيه مُسْلِمٌ، فعلى وَجْهَين) إذا وُجِدَ اللَّقِيطُ في دارِ الإِسْلامِ، فهو مَحْكُومٌ بإسْلامِه وإن كان فيها أَهْلُ الذِّمَّةِ؛
تغْلِيبًا للإِسْلام، ولظاهِرِ الدّارِ، ولأنَّ الإِسْلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى. ودارُ الإسْلام قِسْمان؛ أَحدُهما، ما اختَطَّهُ المُسْلِمونَ؛ كبَغْدادَ، والبَصْرَةِ، فلَقِيطُها محْكُومٌ بإسْلامِه، على ما ذَكَرْنا. الثاني، دارٌ فَتَحَها المُسْلِمونَ؛ كمَدائِنِ الشّامِ، فهذه إن كان فيها مُسْلِمٌ حُكِمَ بإسْلامِ لَقِيطِها؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ لذلك المُسْلِمِ، تَغْلِيبًا للإسْلامِ،
وإن لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ، بل كان أهْلُها أهْلَ ذِمَّةٍ، حُكِمَ بكُفْرِه؛ لأنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الإسْلامِ إنَّما يكونُ مع الاحْتِمالِ.
فأمّا بَلَدُ الكُفّارِ فضَرْبانِ؛ أحَدُهما، بَلَدٌ كان للمسلمين فغَلَبَ الكُفّارُ عليه، كالسّاحِلِ، فهذا كالقِسْمِ الذي قبلَه: إن كان فيه مُسْلِمٌ حُكِمَ بإسْلامِ لَقِيطِه،
وإن لم يَكُنْ فيه مُسْلِمٌ فهو كافِرٌ.
وقال القاضِي: يُحْكَمُ بإسْلامِه أيضًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ فيه مُؤْمِن يَكْتُمُ إيمانَه،
بخِلافِ الذي قبلَه، فإنَّه لا حاجَةَ به إلى كَتْمِ إيمانِه في دارِ الإسْلامِ. الثّاني، دارٌ لم تَكُنْ للمسلمين أصْلًا؛ كبِلادِ الهِنْدِ والرُّومِ،
فإن لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ، فلَقِيطُها كافِرٌ؛ لأنَّ الدّارَ لهم وأهْلَها منهم.
وإن كان فيها مُسْلِمونَ؛ كالتُّجّارِ، وغيرِهم، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُحْكَمُ بإسْلامِه، تَغْلِيبًا للإِسْلامِ.
والثّاني، يُحْكَمُ بكُفْرِه، تَغْلِيبًا للدّارِ والأكْثَرِ. وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الطِّفْلَ إذا وُجِدَ في بلادِ المسلمين مَيِّتًا في أيِّ مكانٍ وُجِدَ، أنَّه يَجِبُ غَسْلُه ودَفْنُه في مقابِرِ المسلمين، وقد مَنَعُوا أن يُدْفَنَ أطْفالُ المُشْرِكين في مقابِرِ المسلمين.
قال: وإذا وُجِدَ لَقِيطٌ في قَرْيَةٍ ليس فيها إلَّا مُشْرِكٌ، فهو على ظاهِرِ ما حَكَمُوا به أنَّه كافِرٌ. هذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
٢٥٢٣ -
بَابِ اللَّقِيطِ] [تَعْرِيفُ اللَّقِيطِ] بَابُ اللَّقِيطِ هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ، وَالْتِقَاطُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إِحْيَاءَ نَفْسٍ، فَكَانَ وَاجِبًا كَإِطْعَامِهِ إِذَا اضْطُرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنَ الْغَرَقِ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ مَلْقُوطًا، فَأَتَيْتُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقَالَ عَرِيفِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ،
وَفِي لَفْظٍ: عَلَيْنَا رِضَاعُهُ. (وَهُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوذُ) مِنْ نَبَذَ، أَيْ طَرَحَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي شَارِعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَدَّعِيهِ،
وَقِيلَ: وَالْمُمَيِّزُ إِلَى الْبُلُوغِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَآهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُرَبِّيَهُ إِنْ كَانَ أَمِينًا،
وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا فَلِلْحَاكِمِ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ، وَتَسْلِيمُهُ إِلَى أَمِينٍ لِيُرَبِّيَهُ.
وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: اللَّقِيطُ وَقَدْ عُرِّفَ، وَالِالْتِقَاطُ،
وَفِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ مَا فِي اللُّقَطَةِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ قَوْلًا وَاحِدًا لِئَلَّا يَسْتَرِقَّهُ، وَالْمُلْتَقِطُ وَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ،
وَفِي اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ وَجْهَانِ. (وَهُوَ حُرٌّ) فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ،
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِنِ الْتَقَطَهُ لِلْحِسْبَةِ فَهُوَ حُرٌّ،
وَإِنِ الْتَقَطَهُ لِلِاسْتِرْقَاقِ فَهُوَ لَهُ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ،
وَلَا يَصِحُّ فِي النَّظَرِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ،
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ كَوِجْدَانِهِ فِي دَارِ حَرْبٍ (يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ) ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مَصْرِفُ مِيرَاثِهِ،
وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إِجْمَاعًا،
فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَعَلَى مَنْ عُلِمَ حَالُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
فَإِنْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ،
ثُمَّ إِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا فَلَا شَيْءَ لَهُ،
وَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لَزِمَ اللَّقِيطَ ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ،
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنَ الْحَاكِمِ فَقَوْلَانِ، وَمَا حُكِيَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مَعَ إِذْنِ الْحَاكِمِ سَهْوٌ (وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ) أَيْ هُوَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ إِذَا وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ،
وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَالدَّارِ؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، ثُمَّ دَارُ الْإِسْلَامِ قِسْمَانِ: مَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ لَقِيطُهَا مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ قَطْعًا، الثَّانِي: دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ كَمَدَائِنِ الشَّامِ،
فَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ حُكِمَ بِكُفْرِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ فَيَكُونُ كَافِرًا) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَأَهْلَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ بِلَادُ الْكُفَّارِ قِسْمَانِ أَيْضًا: بَلَدٌ يَغْلِبُ الْمُسْلِمُونَ الْكُفَّارَ عَلَيْهِ كَالسَّاحِلِ،
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، وَبِلَادٌ لَمْ تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَالْهِنْدِ وَالرُّومِ، فَلَقِيطُهَا كَافِرٌ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ،
بَابُ اللَّقِيطِ وَهُوَ الطِّفْل الْمَنْبُوذُ.
بابُ اللَّقِيطِ فائدة: قولُه: وهو الطِّفْلُ المَنْبُوذُ. قال الحارِثِيُّ: تعْريفُ اللقِيطِ بالمَنْبوذِ يحْتاجُ إلى إضْمارٍ؛ لتَضادِّ ما بينَ اللَّقْطِ والنَّبْذِ، كما بُيِّنَ. ومع هذا فليس جامِعًا؛ وَهُوَ حُرٌّ، لأنَّ الطِّفْلَ قد يكونُ ضائعًا لا مَنْبُوذًا. ومنهم مَن عرَّفَ بأنَّه الضَّائعُ. وفيه ما فيه.
وقال في «الرِّعايتَين»: وهو كلُّ طِفْلٍ نُبِذَ، أو ضَلَّ.
تنبيه: قولُه: وهو الطِّفْلُ. يعْنِي، في الواقِعِ في الغالِبِ، وإلَّا فهو لَقِيطٌ إلى سِنِّ التَّمْيِيزِ فقط. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الحارِثِي».
وقيلَ: والمُمَيِّزُ أيضًا إلى البُلُوغِ.
قال في «الفائقِ»: وهو المَشْهورُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ
قال في «التَّلْخيصِ»: والمُخْتارُ عند أصجابِنا أنَّ المُمَيِّزَ يكونُ لَقِيطًا؛ لأنَّهم قالوا: إذا الْتَقَطَ رجُلٌ وامْرأةٌ معًا مَن له أكَثرُ مِن سَبْعِ سِنِين، أُقْرِعَ بينَهما ، ولم يُخَيَّرْ،
بخِلافِ الأَبوَين. وهو حُرٌّ. يعْنِي ، في جميعِ أحْكامِه. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيّ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: إلَّا في القَوَدِ. ومِثْلُه دَعْوَى قاذِفِه رِقَّه ، على ما يأْتِي. يُنْفَقُ عَلَيهِ مِنْ بَيتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيهِ.
فائدة: يُسْتَحَبُّ للمُلْتَقِطِ الإِشهادُ عليه وعلى ما معه. على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ.
وقيل: يِجبُ. وتقدَّم نَظِيرُه في اللُّقَطَةِ.
تنبيه: قولُه: يُنْفَقُ عليه مِن بَيتِ المالِ، إنْ لم يكُنْ معه ما يُنْفَقُ عليه. بلا نِزاعٍ. لكِنْ إنْ تَعذَّرَ، اقْتَرَضَ الحاكِمُ عليه. قاله الحارِثِيُّ.
فإنْ تَعذَّرَ، فعلى مَن عَلِمَ حاله الإِنْفاقُ، فهي فَرْضُ كِفايَةٍ، كالْتِقاطِه . وهذا الإنْفاقُ يجِبُ مجَّانًا عندَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضي وجماعةٍ؛ منهم صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ». واخْتارَه صاحِبُ «المُوجَزِ»، و «التبصِرَةِ»، وقالا: له أنْ يُنْفِقَ عليه مِنَ الزَّكاةِ. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ». قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ.
وقال: وكلامُ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقْتَضِي ثُبوتَ العِوَضِ للمُنْفِقِ ، إنِ اقْتَرنَ بالإنْفاقِ قَصْدُ الرُّجوعِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»؛ لأنَّه جعَل الإِنْفاقَ عليه بنِيَّةِ الرُّجوعِ، كمَن أدَّى حَقًّا واجِبًا عن غيرِه. على ما تقدَّم في بابِ إلضَّمانِ.
وقال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والسَّبْعِين»: نفَقَةُ اللَّقِيطِ خرَّجَها. بعضُ الأصحابِ على الرِّوايتَين، في مَن أدَّي حَقًّا واجِبًا عن غيرِه، على ما تقدَّم في بابِ الضَّمانِ، ومنهم مَن قال: يرْجِعُ هنا، قوْلًا واحدًا. وإليه ميلُ صاحِبِ «المُغْنِي»؛ لأنَّ له ولايةً على اللَّقِيطِ. ونصَّ أحمدُ، أنَّه يرْجِعُ بما أنْفقَه على بَيتِ المالِ. انتهى.
وقال النَّاظِمُ: إنْ نوَى الرُّجوعَ، واسْتَأْذَنَ الحاكِمَ، رجَع على الطِّفْلِ بعدَ الرُّشْدِ، وإلَّا رجَع على بَيتِ المالِ. قال الحارِثِيُّ: وناقَضَ السَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، فقالا، بعدَ تَعذُّرِ الاقْتِراضِ على بَيتِ المالِ، وامْتِناعِ مَن وجَب عليه الإنْفاقُ مجَّانًا: إنْ أنْفَقَ المُلْتَقِطُ، رجَع على اللَّقِيطِ، في إحْدَى الرِّوايتَين، والأُخْرَى، لا يرْجِعُ ما لم يكُنِ الحاكِمُ أذِنَ له في الإنْفاقِ. زادَ في «التَّلْخيصِ»،
والأصحُّ أنَّه يرْجِعُ. انتهى. قال الحارِثِيُّ: والوُجوبُ مجَّانًا وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، إلا أنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ، فَيَكُونَ كَافِرًا.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
واسْتِحْقاقُ العِوَضِ لا يجْتَمِعان، وإنَّما ذلك، واللهُ أعلمُ، ما إذا كان للَّقِيطِ مال تعَذَّر إنْفاقُه لمانعٍ، أو يُنْتَظَرُ حصُولُه مِن وَقْفٍ، أو غيرِه. ويُحْكَمُ بإِسْلامِه -بلا نِزاعٍ- إلَّا أنْ يُوجَدَ في بَلَدِ الكُفَّارِ، ولا مُسْلِمَ فيه، فيَكُونَ كافِرًا. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. قال الحارِثِيُّ: فالمذهبُ عندَ الأصحابِ، الحُكْمُ بكُفْرِه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. قال المُصَنِّفُ،
والشَّارِحُ: وقال القاضي: يُحْكَمُ بإسْلامِه أيضًا؛ لأنَّه يحْتَمِلُ أنْ يكونَ فيه مُؤْمِنٌ يكْتُمُ إيمانَه. قال الحارِثِيُّ: وحكَى صاحِبُ «المُحَرَّرِ» وَجْهًا بأنَّه مُسْلِمٌ؛ اعْتِبارًا بفَقْدِ أبَوَيه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو كان في دارِ الإسْلامِ بَلدٌ، كلُّ أهْلِها أهْلُ ذِمَّةٍ، ووُجِدَ فيها لَقِيط، حُكِمَ بكُفْرِه،
وإنْ كان فيها مُسْلِمٌ، حُكِمَ بإسْلامِه، قوْلًا واحدًا فيهما، عندَ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، وغيرِهم.
وقيل: يُحْكَمُ بإسْلامِه إذا كان كل أهْلِها أهْلَ ذِمَّةٍ. قال الحارِثِيُّ: اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
فإنْ لم يكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ صاحِبُ اليَدِ. بلا نِزاعٍ. لكِنْ هل يحْلِفُ معها؟ فيه وَجْهان، وأطْلَقَهما في «الكافِي»، «الفُروعِ»؛ [أحدُهما، لا يحْلِفُ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، والقاضي،
وقال: هو قِياسُ المذهبِ]. وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه». والوَجْهُ الثَّاني، يحْلِفُ. قاله أبو الخَطَّابِ، ونصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
فَإِنْ كَانَ فِي أَيدِيهِمَا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا، قُدِّمَ،
فائدة: قوْلُه: فإنْ كان في أَيدِيهما، أُقْرِعَ بينَهما.
فمَن قرَع، سُلِّمَ إليه مع يَمِينِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قاله في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وقالا: وعلى قَوْلِ القاضي لا تُشْرَعُ اليَمِينُ هنا، ويُسَلَّمُ إليه بمُجَرَّدِ وُقوعِ القُرْعَةِ له. وأطْلَقَهما في «الكافِي».
فائدة: لو ادَّعَى أحدُهما أنَّه أخَذَه منه قَهْرًا، وسألَ الحاكِمَ يَمِينَه،
قال في «الفُروعِ»: فيتَوجَّهُ إحْلافُه.
وقال في «المُنْتَخَبِ»: لا يحْلِفُ؛ كطَلاقٍ ادُّعِيَ على الزَّوْجِ. وإنْ لم يكُنْ لهما يَدٌ، فوصَفَه أحدُهما -يعْني، بعَلامَةٍ مَسْتورَةٍ في جَسَدِه- قُدِّمَ. هذا المذهبُ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «المُحَرَّرِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والتِّسْعِين»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وذكَر القاضي في «الخِلافِ»، وصاحِبُ «المُبْهِجِ»، وَإلَّا سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أوْ مِنْ غَيرِهِمَا.
و «المُنْتَخَبِ»، و «الوَسِيلَةِ» أنَّه لا يُقَدَّمُ واصِفُه. وذكَرَه في «الفُنونِ»، و «عُيونِ المَسائلِ» عن أصحابِنا، وإليه مَيلُ الحارِثِيِّ؛ فإنَّه نظَر على تعْليلِ الأصحابِ.
فائدة: لو وَصَفاه جميعًا، أُقْرِعَ بينَهما. قاله في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ.
باب اللقيط] اللَّقيط: فعيل بمعنى مفعول، كقولهم: قتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح.
والالتقاط واجب، لقوله تعالى:{وتعاونوا على البر والتقوى}.
ولأن فيه إحياءَ النفس. فكان واجباً، كما لو اضطر إلى طعامه. وهذا الوجوب على الكفاية إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين؛ لأن الغرض يحصل بذلك.
قال المصنف رحمه الله: (وهو الطفل المنبوذ. وهو حرٌ يُنفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما يُنفق عليه) .
أما قول المصنف رحمه الله: وهو الطفل المنبوذ؛ فبيان لمعنى اللقيط. والمنبوذ: الذي نُبذ. أي: طُرح.
وأما كون اللقيط حراً. فقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حرٌّ.
ولأن الأصل في الآدمي الحرية؛ لأن الله خلق آدم وبنيه أحراراً. وإنما يحصل الرق بعارضٍ.
فإذا لم يُعلم ذلك العارض بقي على حكم الأصل.
وأما كونه يُنفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما يُنفق عليه؛ فلأن ميراثه مصروف إليه. فكانت نفقته فيه، كالوارث. وروي عن عمر رضي الله عنه:«أنه قال في اللقيط: علينا نفقته»
وفي رواية: «من بيت المال». قال: (ويُحكم بإسلامه. إلا أن يوجد في بلد الكفار ولا مسلم فيه فيكون كافراً. فإن كان فيه مسلم فعلى وجهين) .
أما كون اللقيط يحكم بإسلامه إذا وجد في بلاد الإسلام، كالبصرة، والكوفة، ودمشق، ومصر، وما أشبه ذلك.
وإن كان فيها أهل الذمة؛ فلظاهر الدار.
ولأن الإسلام يَعلو ولا يُعلى.
وأما كونه كافراً إذا وجد في بلاد الكفار، كبلاد الهند، والروم، وما أشبهها إذا لم يكن فيها مسلم كتاجرٍ ونحوه؛ فلأنه لم يوجد فيها مسلمٌ يمكن إلصاق اللقيط إليه.
ولأن الحكم للدار وهي دار كُفر.
وأما كونه يحكم بإسلامه إذا كان فيها مسلم على وجهٍ؛ فتغليب للإسلام.
وأما كونه يحكم بكفره على وجهٍ؛ فتغليب للدار.
وكل موضع حكم بإسلام اللقيط فهو بطريق الظهور لا بطريق اليقين. بدليل أنه لو أقام كافرٌ بينة أنه ابنه وُلد على فراشه حُكم له به.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.