وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا بَأْسَ أن يُعَجِّلَ المُكاتَبُ لسيدِه، ويَضَعَ عنه بَعْضَ كتابَتِه) مثلَ أن يُكاتِبَه على ألفٍ في نَجْمَين إلى سنةٍ، ثم قال: عَجِّلْ لي خَمْسَمائةٍ حتَّى أضَعَ عنك الباقِي. أو: حتَّى أُبْرِئَك مِن الباقِي. أو قال: صَالِحْنِي منه على خَمْسِمائَةٍ مُعَجَّلَةٍ. جاز ذلك. يقول طاوسٌ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وأبو حنيفةَ. وكَرِهَهُ الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ.
وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ؛ لأنَّ هذا بَيعُ ألفٍ بخَمْسِمائَةٍ، وهو رِبا الجاهليةِ؛ وهو أن يَزِيدَ في الدَّينِ لأجْلِ الأجَلِ، وهذا أيضًا هِبَةٌ. و لأنَّ هذا لا يجوزُ بينَ الأجَانِبِ، والرِّبَا يَجْرِي بينَ المُكاتَبِ وسيدِه، فلم يَجُزْ هذا بينَهما، كالأجانِبِ. ولَنا، أنَّ مال الكِتابةِ غيرُ مُسْتَقِرٍ، ولا هو [دَين صَحِيحٌ]، بدليلِ أنَّه لا يُجْبَرُ على أدائه، وله أن يَمْتَنِعَ مِن أدَائِه، ولا تَصِحُّ الكَفالةُ به، وما يُؤَدِّيه إلى سيدِه كسْبُ عبدِه، وإنَّما جَعَل الشَّرْعُ هذا العَقْدَ وَسِيلَةً إلى العِتْقِ، وأوْجَبَ فيه التَّأْجِيلَ مُبالغةً في تَحْصِيلِ العِتْقِ، وتَخْفِيفًا على المُكاتَبِ.
فإذا أمْكَنَه التَّعْجيلُ على وَجْهٍ يُسْقِطُ عنه بعضَ ما عليه، كان أبلَغَ في حُصُولِ العِتْقِ، وأخَفَّ على العَبْدِ، ويَحْصُلُ مِن السيدِ إسْقَاطُ بعضِ مالِه على عبدِه،
ومِن اللهِ تعالى إسْقاطُ بعضِ ما أوْجَبَه عليه مِن الأجَلِ لمصْلَحَتِه. ويُفارِقُ سائرَ الدُّيُونِ بما ذَكَرنا، ويُفارِقُ الأجَانِبَ، مِن حيث إنَّ هذا عبدُه، فهو أشْبَهُ بعَبدِه القِنِّ.
وأمَّا قولُهم: إنَّ الرِّبا يَجْرِي بينَهما. فيَمْنَعُه ما ذَكَرَه ابنُ أبي موسى ،
وإن سَلَّمْنا، فإنَّ هذا مُفارِقٌ لسائِرِ الرِّبا بما ذَكَرْناه، وهو يُخالِفُ رِبا الجاهِلِيَّةِ؛ فإنَّه إسْقاطٌ لبعضِ. الدَّينِ، ورِبَا الجاهِليَّةِ زِيادَة في الدَّينِ تُفْضِي إلى نَفادِ مالِ المَدِينِ وتَحَمُّلِه ما يَعْجِزُ عن أدائِه مِن الدَّينِ، فيُحْبَسُ مِن أجْلِه، وهذا يُفْضِي إلى تَعْجِيلِ عِتْقِ المُكاتَبِ وخَلاصِه مِن الرِّقِّ والتَّخْفِيفِ عنه، فافْتَرَقا.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ) مِثْلَ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى نَجْمَيْنِ إِلَى سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: عَجِّلْ لِي خَمْسَمِائَةٍ حَتَّى أَضَعَ عَنْكَ الْبَاقِيَ، أَوْ قَالَ: صَالِحْنِي عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ، جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ ; لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا هُوَ مِنَ الدُّيُونِ الصَّحِيحَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ هَذَا الْعَقْدَ وَسِيلَةً إِلَى الْعِتْقِ، وَأَوْجَبَ فِيهِ التَّأْجِيلَ مُبَالَغَةً فِي تَحْصِيلِ الْعِتْقِ وَتَخْفِيفًا عَنِ الْمُكَاتَبِ،
وَإِذَا أَمْكَنَهُ التَّعْجِيلُ عَلَى وَجْهٍ، يَسْقُطُ عَنْهُ بَعْضُ مَا عَلَيْهِ، كَانَ أَبْلَغَ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ،
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ وَالْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّعْجِيلِ، صَحَّ رُجُوعُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا صَالَحَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، صَحَّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُؤَجَّلٍ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ بِيعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ،
وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ، أَوْ عَنِ الْحِنْطَةِ بِشَعِيرٍ، لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ بِيعٌ فِي الْحَقِيقَةِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْمُصَالَحَةُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، فَعَلَى قَوْلِهِ تَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ كَيْفَ مَا كَانَتْ كَعَبْدِهِ الْقِنِّ وَسَيِّدِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَإِذَا أَدَّى وَعَتَقَ، فَوَجَدَ السَّيِّدُ بِالْعِوَضِ عَيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ) إِذَا بَانَ بِالْعِوَضِ عَيْبٌ فَأَمْسَكَهُ، اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ ; لِأَنَّ إِمْسَاكَهُ الْمَعِيبَ رَاضِيًا بِهِ رِضًا مِنْهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، فَجَرَى مَجْرَى إِبْرَائِهِ، إِنِ اخْتَارَ إِمْسَاكَهُ، وَأَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ، فَلَهُ ذَلِكَ،
وَإِنْ رَدَّهُ، أَخَذَ عِوَضَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ قِيمَتُهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ: إِنْهُ لَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ ; لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ،
فَإِذَا حَكَمَ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَبْطُلْ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ،
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَجَّهُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ، وَيَحْكُمُ بِارْتِفَاعِ الْعِتْقِ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالتَّرَاضِي كَالْمَبِيعِ،
أَمَّا إِذَا دَفَعَ مَالَ الْكِتَابَةِ، فَبَانَ مُسْتَحِقًّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ وُجُودَ هَذَا الدَّفْعِ كَعَدَمِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ.
[يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ وَمَنَافِعَهُ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ] فَصْلٌ
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده ويضع عنه بعض كتابته) .
أما كونه لا بأس بما ذكر فلأن الملحوظ في الكتابة جانب المكاتب لا جانب السيد.
وأما كونه لا بأس بما ذكر في دين الكتابة دون غيره؛ فلأن دين الكتابة غير مستقر وليس بدين في الحقيقة.
بخلاف غيره فإنه مستقرٌ ودين في الحقيقة.
قال: (وإذا أدى وعتق. فوجد السيد بالعوض عيباً: فله أرشه، أو قيمته. ولا يرتفع العتق) .
أما كون السيد له الأرش أو القيمة؛ فلأن إطلاق العقد يقتضي السلامة.
فإذا تعذر رد المكاتب رقيقاً وجب أحدهما؛ لأن فيه جبر ما اقتضاه إطلاق العقد.
وأما كونه لا يرتفع العتق؛ فلأن العتق إتلاف.
فإذا حكم بوقوعه لم يبطل؛ كعقد الخلع.
ولأنه ليس المقصود منه المال. أشبه الخلع. والله أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.