وَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أُمَّهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَيُؤَدَّبُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن وَطِئَها ولم يَشْتَرِطْ، أو وَطِئَ أمَتَها، أُدِّبَ، ولم يَبْلُغْ به الحَدَّ) إذا وَطِئَها مِن غيرِ شَرْطٍ لم يَجِبْ عليه الحَدُّ؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ، في قولِ عامةِ الفقهاءِ. ورُوِيَ عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، أنَّهما قالا: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه عَقَدَ عليها عَقْدَ مُعاوَضَةٍ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فأوْجَبَ الحَدَّ بوطْئِها، كالبَيعِ. ولَنا، أنَّها مَمْلوكَتُه، فلم يَجِبْ عليه الحَدُّ بوَطْئِها، كالمرْهُونَةِ والمُسْتَأجَرَةِ، ويُخالِفُ البَيعَ، فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، والكِتابَةُ لا تُزِيلُه، بدليلِ قولِه - عليه السلام -: «المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ».
وعليه مَهْرُها إذا وَطِئَها بغيرِ شَرْطٍ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها المَمْنوعَ مِن اسْتِيفائِها، فأشْبَهَ مَنَافِعَ بَدنِها،
فإن كانا عالِمَين عُزِّرا، وإن كانا جاهِلَين عُذِرَا ،
وإن كان أحَدُهما عالمًا والآخَرُ جاهِلًا، عُزِّرَ العالِمُ وعُذِرَ الجاهِلُ. ولا تَخْرُجُ بالوَطْءِ عن الكِتابَةِ.
وقال اللَّيثُ: إن طاوَعَتْه فقد فَسَخَتْ كِتابَتَها وعادَتْ قِنًّا. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَنْفَسِخْ بالمُطاوَعةِ على الوَطْءِ، كالإِجارَةِ والبَيعِ بعدَ لُزومِه.
ويَجِبُ لها المَهْرُ، مُطَاوعَةً له كانت أو مُكْرَهَةً. وبه قال الحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ، والشافعيُّ.
وقال قَتادةُ: يَجِبُ إذا أكْرَهَها،
ولا يَجِبُ إذا طَاوَعَتْه. ونَقَلَه المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ، لأنَّ المُطاوعَةَ بَذَلَتْ نَفْسَها بغيرِ عِوَضٍ، فصارَتْ كالزَّانِيَةِ. ومَنْصُوصُ الشافعيِّ، وُجُوبُه في الحالين. وأنْكَرَ أصحابُه ما نقله المُزَنِيُّ، وقالوا: لا يُعْرَفُ.
وقال مالكٌ: لا شيءَ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه. ولَنا، أنَّه عِوَضُ مَنْفَعَتِها، فوَجَبَ لها، كعِوَضِ بَدَنِها، ولأنَّ المُكاتَبَةَ في يَدِ نَفْسِها، ومَنافِعُها لها؛ ولهذا لو وَطِئَها أجْنَبِيٌّ كان المَهْرُ لها، وإنَّما وَجَبَ في حالِ المُطاوَعَةِ؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ عنه للشُّبْهَةِ، فوَجَبَ لها المَهْرُ؛ لو وَطِئَ امرأةً بشُبْهَةِ عَقْدٍ مُطاوعَةً.
فإن تَكَرَّرَ وَطْؤُها، وكان قد أدَّى مَهْرَ الوَطْءِ الأوَّلِ، فللثاني مَهْرٌ أيضًا؛ لأنَّ الأداءَ قَطَعَ حُكْمَ الوَطْءِ،
وإن لم يكُنْ أدَّى عن الأوَّلِ، لم يَجِبْ إلَّا مَهْر واحدٌ؛ لأنَّ هذا عن وَطءِ الشُّبْهَةِ، فلم يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ واحدٌ، كالوَطْءِ في النِّكاحِ الفاسِدِ.
(وَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أُمَّهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ) وَلِأَنَّهُ عِوَضُ شَيْءٍ مُسْتَحَقٍّ لِلْكِتَابَةِ، فَكَانَ لَهَا كَبَقِيَّةِ مَنَافِعِهَا، وَسَوَاءٌ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ أَوْ طَاوَعَتْهُ ; لِأَنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا فَوَجَبَ لَهَا كَأُجْرَةِ خِدْمَتِهَا،
وَقِيلَ: إِنْ طَاوَعَتْهُ، فَلَا (وَيُؤَدَّبُ) لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا
وإنْ وَطِئَها ولم يشْتَرِطْ، أو وَطِئَ أمَتَها، فلها عليه المَهْرُ. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. جزَم به الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا يلْزَمُه إنْ الْمَهْر، وَيُؤَدَّبُ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ.
وَإنْ شَرَطَ وَطْئَهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيهِ.
طاوَعَتْه. قدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وصحَّحه في «النَّظْمِ». وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
فائدة: إذا تكَرَّرَ وَطْؤُه؛ فإنْ كان قد أدَّى مَهْرَ الوَطْءِ الأَوَّلِ، لَزِمَه للثَّانِي مَهْرٌ أيضًا،
وإنْ لم يكُنْ أدَّى عنه، لم يلْزَمْه إلَّا مَهْرٌ واحدٌ. ذكَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. وسيَأْتِي ذلك مُسْتَوْفًى في آخِرِ كتابِ الصَّداقِ.
تنبيه: مُرادُه بقوْلِه: ويُؤدَّبُ ولا يَبْلُغُ به الحَدَّ. إذا كان عالِمًا بالتَّحْرِيم.
فأمَا إنْ كان غيرَ عالم بالتَّحْرِيمِ، فإنَّه لا يُعَزَّرُ.
وَمَتَى وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.