وَعَنْهُ: لَا يَنْظُرُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَّا إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَلِلْعَبْدِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا مِنْ مَوْلَاتِهِ وَلِغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ كَالْكَبِيرِ وَالْعِنِّينِ وَنَحْوِهِمَا - النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ
الشروح عليها
(الوَجْهِ وَالكَفَّين) يَجُوزُ له النَّظرُ إلى ذلك مِن الأمَةِ المُسْتامَةِ كما يَجُوزُ إلى مَن يُريدُ خِطْبَتَها، قِياسًا عليها، بل الأمَةُ المُسْتامَةُ أَوْلَى، لأنَّها تُرادُ للاسْتِمتاعِ وغيرِه، مِن التِّجارَةِ فيها، وحُسْنُها يَزِيدُ في ثَمَنِها.
فأمَّا ذَواتُ المَحارِم، فيَجُوزُ النَّظَرُ مِنْهُنَّ إلى ما يَظْهَرُ غالبًا، كالرَّقَبَةِ، والرَّأْسِ، والكَفَّينِ، والقَدَمينِ، ونحو ذلك، وليس له النَّظرُ إلى ما لا يَظهَرُ غالبًا، كالصَّدْرِ والظَّهْرِ ونحوهما. قال الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَنْظُرُ إلى شَعَرِ امرأةِ أَبيهِ، [فقال: هذا في القرآنِ: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}. إلَّا لكذا
وكذا. قُلْتُ: فيَنْظُرُ إلى ساقِ امرأةِ أبيه] وصَدْرِها؟ قال: لا، ما يُعْجِبُنِي. ثم قال: أنا أكْرَهُ أن يَنْظُرَ مِن أُمِّه وأُختِه إلى مثلِ هذا، وإلى كلِّ شيءٍ لشَهْوَةٍ. وذَكَر القاضِي أنَّ حُكْمَ الرجلِ مع ذَواتِ مَحارِمِه حُكْمُ الرجلِ مع الرجلِ، والمرأةِ مع المرأةِ.
وقال أبو بكرٍ: كَراهِيَةُ أحمدَ النَّظَرَ إلى ساقِ أمِّه وصَدْرِها على التَّوَقِّي، لأنَّه يَدْعُو إلى الشَّهْوَةِ. يَعْنِي أنَّه يُكْرَهُ ولا يَحْرُمُ. ومَنَع الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحَّاكُ، النَّظَرَ إلَى شَعَرِ ذَواتِ المَحارِمِ. وهو إحدَى الرِّوايتَين عن أحمدَ. [ورُوي عن هند] بِنتِ المُهَلَّبِ، قالتْ: قلت للحسنِ: يَنْظُرُ الرجلُ إلى قُرْطِ أُختِه، أو إلى عُنُقِها؟ قال: لا، ولا كَرامَةَ.
وقال الضَّحَّاكُ : لو دَخَلْتُ على أُمِّي، لقُلْتُ: أَيَّتُها العَجُوزُ، غَطِّي شَعَرَك.
والصَّحِيحُ إباحَةُ النَّظَرِ إلى ما يَظْهَرُ غالبًا، لقولِ اللهِ تعالى:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ}. الآية. وقالت سَهْلَةُ بنتُ سُهَيلٍ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا نَرَى سالِمًا وَلَدًا، فكان يَأْوي معي ومع أبي حُذيفَةَ في بَيتٍ واحِدٍ، ويَرانِي فُضُلًا، وقد أنزَلَ اللهُ فيهم ما قد عَلِمْتَ، فكيفَ تَرَى فيه؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أرْضِعِيهِ». فأرْضَعَتْه خمسَ رَضَعاتٍ، فكان بمَنزِلَةِ وَلَدِها. رَواه مُسلمٌ بمعناه، وأبو داودَ، [وغيرُه]. وهذا دَلِيل على أنَّه كان يَنظُرُ منها إلى ما يَظْهَرُ غالِبًا، فإنَّها قالت: يَرانِي فُضُلًا.
ومعناه في ثِيابِ البِذْلَةِ التي لا تَسْتُرُ أطْرافَها.
قال امْرؤُ القَيسِ :
فجِئْتُ وقد نَضَتْ لِنَومٍ ثِيابَهَا ... [لَدَى السِّترِ] إلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ ومثلُ هذا يَظْهَرُ منه الأطْرافُ والشَّعَرُ، فكان يَراها كذلك؛ إذ اعْتَقَدَتْه وَلدًا، ثم دَلَّهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ما يَسْتَدِيمونَ به ما كانوا يَعْتَقِدُونَه ويَفْعَلُونَه. وروَى الشافعيُّ في «مُسْنَدِه»، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ ، أنَّها ارْتَضَعَتْ مِن أسماءَ امرأةِ الزُّبَيرِ. قالت: فكنتُ أراه أبًا، وكان يَدْخُلُ عليَّ وأنا أمْشُطُ رَأْسِي، فيَأْخُذُ ببعضِ قُرُونِ رأسِي ويقولُ: أقْبِلي عليَّ.
ولأنَّ التَّحَرُّزَ مِن هذا لا يُمْكِنُ، فأُبِيحَ كالوَجْهِ. وما لا يَظْهَرُ غالبًا لا يُباحُ؛ لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إليه، ولا تُؤْمَنُ معه الشَّهْوَةُ ومُواقَعَةُ المَحْظُورِ، فحَرُمَ النَّظرُ إليه كما تَحْتَ السُّرَّةِ.
فصل: وذَواتُ مَحارِمِه، كلُّ مَن حَرُمَ نِكاحُها على التَّأْبِيدِ، بنَسَبٍ أو رَضاعٍ، أو تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ بسَبَبٍ مُباحٍ، لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سالمٍ وزينبَ. وعن عائشةَ، أنَّ أفْلَحَ أخا أبي القُعَيسِ ، اسْتَأْذَنَ عليها بعدَ ما أُنْزِلَ الحِجابُ، فأبَتْ أن تَأْذَنَ له، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ائْذَنِي له، فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ». وقد ذَكُر اللهُ تعالى آبَاءَ بُعُولَتِهِنَّ [وأبناءَ بُعُولَتِهنَّ]، كما ذَكَرَ آباءَهُنَّ وأبْناءَهُنَّ في إبْداءِ الزِّينَةِ لهم.
وتَوقَّفَ أحمدُ عن النَّظَرِ إلى شَعَرِ أمِّ المرْأةِ وبِنْتِها؛ لأنَّهما غيرُ مَذْكُورَتَين في الآيةِ. قال القاضِي: إنَّما حَكَى قولَ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ولم يَأْخُذْ به. وقد صَرَّحَ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ أنَّه مَحْرَمٌ يَجُوزُ له المُسافَرَةُ بها.
وقال في رِوايةِ أبِي طالبٍ: ساعةَ يَعْقِدُ عُقْدَةَ النكاحِ تَحْرُمُ عليه أُمُّ امْرأَته، فله أن يَرَى شَعَرَها ومَحاسِنَها، ليست مثلَ التي يَزْنِي بها، لا يَحِلُّ له أبدًا أن يَنْظُرَ إلى شَعَرِها، ولا إلى شيءٍ مِن جَسَدِها، وهي حَرامٌ عليه.
فصل: فأمَّا أمُّ المَزْنِيِّ بها وابْنَتُها، فلا يَحِلُّ له النَّظَر إليهنَّ وإن حَرمَ نِكاحُهُنَّ؛ لأنَّ تَحْرِيمَهنَّ بسَبَبٍ مُحَرم، فلم يُفِدْ إباحَةَ النَّظرَ، كالمحَرَّمَةِ باللِّعانِ.
وكذلك بِنتُ المَوْطوءَةِ بشبْهَةٍ وأُمُّها، ليستْ مِن ذَواتِ مَحارِمِه.
وكذلك الكافِرُ ليس بمَحْرَمٍ لقَرَابَتِه المُسْلِمَةِ، قال أحمدُ في يَهُودِيٍّ أو نَصْرانِيٍّ أسْلَمَتْ بِنتُه: لا يُسافِر بها، ليس هو مَحْرَمًا لها. [والظاهِرُ أنَّه إنَّما أرادَ أنَّه ليس مَحْرَمًا لها] في السَّفَرِ،
أمَّا النَّظَر، فلا يَجِبُ عليها الحِجابُ منه؛ لأنَّ أبا سُفْيانَ أتَى المدِينةَ وهو مُشْرِكٌ، فدَخَلَ على ابنتِه أمِّ حَبِيبَةَ، فطَوَتْ فِراشَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِئَلَّا يَجْلِسَ عليه، ولم تَحْتَجِبْ منه، ولا أمَرَها به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .
٣٠٦٠ - مسألة: (وللعَبْدِ النَّظرُ إلَيهما مِن مَوْلَاتِهِ) يَعْنِي إلى الوَجْهِ والكَفَّينِ؛ لقولِ الله تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ}.
ولما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إِذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ»، قال التِّرمِذيُّ: هذا حديث حسنٌ صَحيحٌ. وعن أنسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتى فاطِمَةَ بعَبْدٍ قد وَهَبَه لها، وعلى فاطِمَةَ ثَوْبٌ إذا قَنَّعَتْ به رَأْسَها لم يَبْلُغْ رِجْلَيها،
وإذا غَطَّتْ به رِجلَيها لم يَبْلُغْ رَأْسَها، فلمَّا رَأى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما تَلْقَى، قال: «إِنَّهُ لَيسَ عَلَيكِ بَأْسٌ، إنَّما هُوَ أَبُوكِ وغُلَامُكِ ». رَواه أبو داودَ .
وأمَّا النَّظَرُ إلى شَعَرِها، فكَرِهَه أبو عبدِ اللهِ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وطاوسٌ، ومجاهِدٌ، والحَسَنُ. وأباحَه ابنُ عباسٍ؛ لما ذَكَرْنا مِن الآيةِ والخَبَرَين، ولأنَّ اللهَ تعالى قال:{لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} إلى قولِه: {لَيسَ عَلَيكُمْ وَلَا عَلَيهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ}. ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فأُبِيحَ له ذلك كذَوى المحارِمِ. وجَعَلَه بعضُ أصْحابِنا كالأجْنَبِيِّ.
والصَّحِيحُ ما قُلْنا إن شاءَ الله تعالى.
٣٠٦١ - مسألة: (ولغيرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِن الرِّجَالِ، كالكَبِيرِ والعِنِّينِ ونَحْوهما، النَّظَرُ إلى ذلك. وعنه، لا يُباحُ) مَن لا شَهْوَةَ له مِن الرِّجالِ، كالمُخَنَّثِ،
ومَن ذَهَبَتْ شَهْوَتُه لكِبَرٍ أو عُنَّةٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، [أو الشَّيخِ الخَصِيِّ]، فحُكْمُه حُكْمُ ذِي المَحْرَمِ في النَّظَرِ؛ لقول اللهِ تعالى:{أَو التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ}. أي غيرِ أُولِي الحاجَةِ إلى النِّساءِ. قاله ابنُ عباس.
وعنه، هو المُخَنَّثُ الذي لا يَقُومُ زُبُّه . وعن مجاهدٍ وقَتادَةَ، الذي لا أرَبَ له في النِّساءِ.
فإن كان المُخَنَّثُ ذا شهوةٍ، ويَعْرِفُ أمْرَ النِّساء، فحُكْمُه حُكْمُ غيرِه؛ لأنَّ عائشةَ قالت: دَخَل على أزواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُخَنَّثٌ، فكانوا يَعُدُّونَهُ مِن غيرِ أُولِي الإِرْبَةِ، فدَخَلَ علينا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يَنْعَتُ امرأةً، أنَّها إذا أقْبَلَتْ أقبَلَتْ بأرْبَعٍ،
وإذا أدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بثَمانٍ. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أرَى هَدا يَعْلَمُ ما هَهُنَا؟ لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيكُمْ هَذَا». فحَجَبُوه. رَواه أبو داودَ، وغيرُه . قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ليس المُخَنَّثُ الذي تُعْرَفُ فيه الفاحِشَةُ خاصَّةً، وإنّما التَّخْنِيثُ شِدَّةُ التَّأْنِيثِ في الخِلْقَةِ، حتى يُشْبِهَ المَرأةَ في اللِّينِ، والكلامِ، والنَّغَمَةِ، والنَّظرِ، والعَقْلِ،
فإذا كان كذلك، لم يَكُنْ له في النِّساءِ إرْبٌ، وكان لا يَفْطِنُ لأمورِ النِّساءِ، فهو مِن غيرِ أُولِي الإِرْبَةِ الذين أُبِيحَ لهم الدُّخُولُ على النِّساءِ، ألا تَرَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَمْنَعْ ذلك المُخَنَّثَ مِن الدُّخولِ على نِسائِه ، فلما سَمِعَه يَصِفُ ابْنَةَ غَيلان، وفَهِم أمْرَ النِّساءِ، أمَرَ بحَجْبِه.
وعنه، لا يُباحُ؛ لأنَّه ذَكَرٌ بالِغٌ أَجنبِيٌّ، فلم يُبَحْ له ذلك، كالذي له إِرْبٌ. ٣٠٦٢ -
(وَعَنْهُ: لَا يَنْظُرُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَّا إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} يَعْنِي وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَوْرَةِ، وَذَوَاتُ الْمَحَارِمِ: مَنْ حُرُمَ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ; بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ تَحْرِيمِ مُصَاهَرَةٍ،
فَأَمَّا أُمُّ الْمَزْنِيِّ وَابْنَتُهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ،
وَإِنْ حَرُمَ نِكَاحُهُنَّ كَالْمُحَرَّمَةِ بِاللَّعَّانِ،
وَكَذَا بِنْتُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَأُمُّهَا ; فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ.
فَرْعٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَنْظُرُ عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ، وَلَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ مُشْتَرَكَةً ; لِعُمُومِ النَّظَرِ، إِلَّا مِنْ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ، وَنَصُّهُ: إِنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ خَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ إِلَى أَجْنَبِيَّةٍ. (وَلِلْعَبْدِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا) أَيْ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ (مِنْ مَوْلَاتِهِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} ;
وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ وَهَبَهُ لَهَا، قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ، إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ، إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ النَّظَرَ إِلَى شَعْرِهَا، رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَأَبَاحَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَجَعَلَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَذَكَرَ السَّامَرِّيُّ فِي النَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَخْلُو بِهَا ;
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا عَلَى الْأَصَحِّ (وَلِغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ كَالْكَبِيرِ وَالْعِنِّينِ وَنَحْوِهِمَا - النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ) أَيْ: إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ} أَيْ غَيْرُ أُولِي الْحَاجَةِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: هُوَ الَّذِي لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ،
وللعَبْدِ النَّظرُ إليهما مِن مَوْلاتِه. يعْنِي إلى الوَجْهِ والكَفَّين. هذا أحدُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَوْلَين. وجَزَم به في «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم. وصحَّحه في «النَّظْمِ»، واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ أن للعَبْدِ النَّظَرَ مِن مَوْلاتِه إلى ما ينْظرُ إليه الرَّجُلُ مِن ذَواتِ مَحارِمِه، على ما تقدَّم خِلافًا ومذهبًا. قدَّمه في «الفُروعِ». وجزَم به في «الكافِي».
وعنه، المَنْعُ مِنَ النَّظَرِ للعَبْدِ مُطْلَقًا. نقَلَه ابنُ هانِئٍ. وهو قوْلٌ في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». قال الشَّارِحُ: وهو قوْلُ بعضِ أصحابِنا، وما هو ببعيدٍ.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِهم، لا ينْظُرُ عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ، ولا ينْظُرُ الرجُلُ أَمَةً مُشْتَرَكَةً؛ لعُمومِ مَنْعِ النَّظَرِ، إلَّا مِن عَبْدِها وأَمَتِه. انتهى.
وقال وَلِغَيرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ، كَالْكَبِيرِ وَالْعِنِّينِ وَنَحْوهِمَا، النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ.
وَعَنْهُ، لَا يُبَاحُ.
بعضُ الأصحابِ: للعَبْدِ المُشْتَرَكِ بينَ النِّساءِ النَّظَرُ إلى جَمِيعِهِنَّ؛ لوُجودِ الحاجَةِ بالنسْبَةِ إلى الجميعِ. وجزَم به في «تَجْريدِ العِنايَةِ»، فقال: ولعَبْدٍ،
ولو مُبَعَّضًا، نَظَرُ وَجْهِ سيِّدتِه وكَفَّيها. وذكَر المُصَنِّفُ في «فَتاويه» أنَّه يجوزُ لهُنَّ جميعِهنَّ النَّظَرُ إليه، لحاجَتِهِنَّ إلى ذلك،
بخِلافِ الأمَةِ المُشْترَكَةِ بينَ رِجالٍ، ليس لأحَدٍ منهم النَّظَرُ إلى عَوْرَتِها. ولغيرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ، كالكَبِيرِ والعِنِّينِ ونحوهما، النَّظَرُ إلى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك. يعْنِي إلى الوَجْهِ والكَفَّين. وهذا أحدُ الوَجْهَين. صحَّحَه في «النَّظْمِ». واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفائقِ».
وقيل: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُكْمُهم حكمُ العَبْدِ مع سيِّدَتِه في النَّظرَ. وهو المذهبُ. قدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «الكافِي»، و «المُغْنِي»: حُكْمُهم حُكْمُ ذِي المَحْرَمِ في النَّظَرِ. وقطَع به.
وقيل: لا يُباحُ لهم النَّظَرُ مُطْلَقًا. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وكثيرٍ مِنَ الأصحابِ، أنَّ الخَصِيَّ والمَجْبُوبَ لا يجوزُ لهما النَّظَرُ إلى الأجْنَبِيَّةِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. قال الأثْرَمُ: اسْتَعْظَمَ الإمامُ أحمدُ إدْخال الخِصْيانِ على النِّساءِ. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». قال ابنُ عَقِيلٍ: لا تُباحُ خَلْوَةُ النِّساءِ بالخِصْيانِ ولا بالمَجْبُوبِين، لأنَّ العُضْوَ وإنْ تعَطَّلَ أو عُدِمَ، فشَهْوَةُ الرِّجالِ لا تزُولُ مِن قُلُوبِهم، ولا يُؤْمَنُ التَّمَتُّعُ بالقُبَلِ وغيرِها،
وكذلك لا يُباحُ خَلْوَةُ الفَحْلِ بالرَّتْقاءِ مِنَ النِّساءِ لهذه العِلَّةِ. انتهى.
وقيل: هما كذِي مَحْرَمٍ. وهو احْتِمالٌ في وَلِلشَّاهِدِ وَالْمُبْتَاعِ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الْمَشْهُودِ عَلَيهَا وَمَنْ تُعَامِلُهُ.
«الهِدايَةِ». قال في «الفُروعِ»: ونصُّه: لا.
وقال في «الانْتِصارِ»: الخِصَى يَكْسِرُ النَّشاطَ؛ ولهذا يُؤْمَنُ على الحُرَمِ.
قال: (وللعبد النظر إليهما من مولاته) .
أما كون العبد له النظر إلى مولاته؛ فلأن الله تعالى قال:{أو ما ملكت أيمانهن}.
وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا كان لإحداكُنّ مُكَاتَبْ فملكَ ما يُؤدي. فلتحتَجِبْ منه». رواه أبو داود والترمذي وصححه.
مفهومه عدم احتجابها قبل ذلك.
وعن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوبٌ إذا قنَّعَتْ به رأسَها لم يبلغْ رجلَها، وإذا غطّت به رجلَها لم يبلغْ رأسَها. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تَلْقَى. قال: إنه ليسَ عليكِ بأس. إنما هو أبوكِ وغلامُك». رواه أبو داود.
وأما كونه له النظر إلى وجهها وكفها وهو المراد بقوله: إليهما؛ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
فإن قيل: حديث أنس يدل على أنه له النظر إلى رأسها ورجلها.
قيل: ذكر المصنف في الكافي أن له النظر إلى ما يظهر منها غالباً. فيكون فيه الخلاف الذي في الخاطب .
ووجهه ما ذكر من الحديث أو الحاجة. قال: (ولغير أولي الإرْبةِ من الرجال؛ كالكبير، والعِنّين، ونحوهما: النظر إلى ذلك. وعنه: لا يباح) .
أما كون غير أولي الإربة له النظر إلى الوجه والكفين على المذهب فلقوله تعالى:{أو التابعين غير أولي الإربة}.
فإن قيل: ما المراد بغير أولي الإربة؟
قيل: غير أولي الحاجة.
وعن مجاهد وقتادة:«هو الذي لا إربَ له في النساء». وعن ابن عباس نحوه.
وأما كونه لا يباح له ذلك على روايةٍ؛ فلعموم الأدلة المقتضية للمنع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.