وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثُّيُوبَةِ بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ
الشروح عليها
مسألة: (ولا فَرْقَ بينَ الثُّيُوبَةِ بوَطْءٍ مُباحٍ أو مُحَرَّمٍ) وجُمْلته أنَّ الثِّيِّبَ المُعْتَبَرَ نُطْقُها، هي الموْطُوءَةُ في القُبُلِ، سَواء كان الوَطْءُ مُباحًا أو مُحَرَّمًا. وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، في المُصابَةِ بالفُجُورِ: حُكْمُها حُكْمُ البِكْرِ في إذْنِها و تَزْويجِها؛ لأنَّ عِلَّةَ الاكْتِفاءِ بصُماتِ البِكْرِ الحَيَاءُ، [والحَياءُ] مِن الشيءِ لا يَزُولُ إلَّا بمُباشَرَتِه، وهذه لم تُباشِرِ الإِذْنَ في النِّكاحِ، فبَقِيَ حَياؤُها منه بحالِه. ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا» . ولأنَّ قولَه عليه السَّلامُ:«لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وإذْنُهَا أنْ تَسْكُتَ». يَدُلُّ على أنَّه لا بدَّ مِن نُطْقِ الثَّيِّبِ؛
لأنَّه قَسَم النِّساءَ قِسْمَين، فجَعَلَ السُّكُوتَ إذْنًا لأحَدِهما، فوَجَب أن يكونَ الآخَرُ بخِلافِه، وهذه ثَيَّبٌ،
فإنَّ الثَّيِّبَ المَوْطُوءَةُ في القُبُلِ، وهذه كذلك. ولأنَّه لو وَصَّى لثَّيِّبِ النِّساءِ دَخَلَتْ في الوَصِيَّةِ،
ولو وَصَّى للأبْكارِ لم تَدْخُلْ،
ولو اشْتَرَطَها في التَّزْويجِ أو الشِّراءِ بِكْرًا فوَجَدَها مُصابَةً بالزِّنَى، مَلَك الفَسْخَ، ولأنَّها مَوْطُوءَةٌ في القُبُلِ، أشْبَهَتِ المَوْطُوءَةَ بشُبْهَةٍ، والتَّعْلِيلُ بالحيَاءِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّه أمْرٌ خَفِيٌّ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُه بنَفْسِه، وإنَّما يُعْتَبَرُ بمَظِنَّتِه، وهي البَكارَةُ، ثم هذا التَّعْلِيلُ يُفْضِي إلى إبْطالِ مَنْطُوقِ الحديثِ، فيكونُ باطلًا في نَفْسِه. ولا فَرْقَ بينَ المُكْرَهَةِ والمُطاوعَةِ، وعلى هذا ليس لأبِيها إجْبارُها إذا كانت بالِغَةً.
وفي تَزْويجِها إذا كانت صغيرةً وَجْهان. قولُهم: إنَّها لم تُباشِرِ الإِذْنَ. قُلْنا: يَبْطُلُ بالمَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ، وبمِلْكِ يَمِينٍ، و المُزَوَّجَةِ وهي صغيرةٌ.
٣٠٩٩ - مسألة: (فأمَّا زَوالُ الْبَكارَةِ بإِصْبَعٍ أو وَثْبَةٍ، فلا يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ) إذا ذَهَبَتْ بكارَتُها بغير الوَطْءِ؛ كالوَثْبَةِ، أو شِدَّةِ حَيضَةٍ، أو إصْبَعٍ، أو عُودٍ، فحُكْمُها حكمُ الأبْكارِ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّها لم تَخْبُرِ المَقْصُودَ، ولا وُجِد وَطْؤُها في القُبُلِ، فأشْبَهَتْ مَن لم تَزُلْ عُذْرَتُها.
وكذلك لو وُطِئَتْ في الدُّبُرِ؛ لأنَّها غيرُ مَوْطُوءَةٍ في القُبُلِ.
(وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثُّيُوبَةِ بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ) وَعَلَى الْأَصَحِّ ; لِعُمُومِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي اقْتَضَتِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبِكْرِ - مُبَاضَعَةُ الرِّجَالِ وَمُخَالَطَتُهُمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمُصَابَةِ بِالزِّنَا ; وَلِهَذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَوْ أَوْصَى لِثَيِّبٍ دَخَلَا
(فَأَمَّا زَوَالُ الْبَكَارَةِ بِأُصْبُعٍ أَوْ وَثْبَةٍ فَلَا تُغَيِّرُ صِفَةَ الْإِذْنِ) ; لِعَدَمِ الْمُبَاضَعَةِ وَالْمُخَالَطَةِ، وَكَمَا لَوْ وُطِئَتْ فِي الدُّبُرِ، وَعَكْسُ هَذَا لَوْ عَادَتْ بَكَارَتُهَا بِوَطْءٍ بَعْدَ زَوَالِهَا فَهِيَ فِي حُكْمِ الثَّيِّبِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وِفَاقًا لِوُجُودِ الْمُبَاضَعَةِ،
وَعَنْهُ: زَوَالُ عُذْرَتِهَا مُطْلَقًا وَلَوْ بِوَطْءِ دُبُرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَشْمَلُ الْأَبَ وَغَيْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ،
وَقَالَ فِي " التَّعْلِيقِ ": إِنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَبِ - النُّطْقُ،
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِئْذَانِ تَسْمِيَةُ الزَّوْجِ عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ مَعْرِفَتُهَا بِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْوَلِيُّ] [حُكْمُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ] فَصْلٌ
فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَينَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا، مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، عَدْلًا أَو فَاسِقًا، تَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيها.
وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ فِي تَعْرِيفِهَا وَحِفْظِهَا. ولا فرْقَ بينَ كَوْنِ المُلْتَقِطِ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، مُسْلِمًا أوْ كافِرًا، عَدْلًا أوْ فاسِقًا، يأْمَنُ نَفْسَه عليها. وهذا المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِير»، و «الفُروعِ». قال ابنُ مُنْجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. قال . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الخُلاصَةِ»: فإنْ كان الفاسِقُ لا يُؤْمَنُ على تَعْريفِها، ضُمَّ إليه أمِينٌ. انتهى.
وقيل: يُضَمُّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ في تعْريفِها وحِفْظِها. قطَع به القاضي، وابنُ عَقيلٍ، وأبو الحَسَنِ ابنُ البَنَّا، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الكافِي»، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ». قال في «الفائقِ»: ويُضَمُّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ في أصحِّ الوَجْهَين. وقدَّمه الحارِثِيُّ. قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»،
والشَّارِحُ: وإنْ عَلِمَ الحاكِمُ أو السُّلْطانُ بها، أقَرَّها في يَدِه، وضمَّ إليه مُشْرِفًا يُشْرِفُ عليه، ويتَوَلَّى تعْرِيفَها
وقيل: يُضَمُّ إلى الذِّمِّيِّ عَدْلٌ.
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: إنْ عَلِمَ بها الحاكِمُ، أقَرَّها في يَدِه، وضمَّ إليه مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عليه، ويُعَرِّفُها. قال الحارِثِيُّ: ولابُدَّ مِن مُشْرِفٍ يُشْرِفُ عليه.
وقيل: تُنْزَعُ لُقَطَةُ الذِّمِّيِّ [مِن يَدِه]، وتُوضَعُ على يَدِ عَدْلٍ. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وَإنْ وَجَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ سَفِيهٌ، قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا،
فَإِذَا عَرَّفَهَا، فَهِيَ لِوَاجِدِهَا.
ولا فَرْقَ بين الثُّيُوبَةِ بوَطْءٍ مُباحٍ أو مُحَرَّمٍ.
أمَّا الوَطْءُ المُباحُ، فلا خِلافَ في أنَّها ثَيِّبَةٌ به.
وأمَّا الوَطْءُ بالزِّنَى وذَهابُ البَكارَةِ به، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ أنَّه كالوَطْءِ المُباحِ في اعْتِبارِ الكَلامِ في إذْنِها. وعليه الأصحابُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: فَأمَّا زَوَالُ الْبَكَارَةِ بِإِصْبَعٍ أَوْ وَثْبَةٍ، فَلَا يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ.
وصرَّح به الأصحابُ. قلتُ: بل أَوْلَى، إنْ كانتْ مُطاوعَةً.
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ: ولو بزِنًى.
وقيلٍ: حُكْمُها حُكْمُ الأبْكارِ. قلتُ: لعَلَّ صاحِبَ هذا القَوْلِ أرادَ إذا كانتْ مُكْرَهَةً، وإلَّا فلا وَجْهَ له.
فأمَّا زَوالُ البَكارَةِ بإصبَعٍ أو وَثْبَةٍ، فلا يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ.
وكذا الوَطْءُ في الدُّبُرِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ في ذلك كلِّه، وعليه الأَصحابُ.
وعنه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ، فيُعْتبَرُ النُّطْقُ في الكُلِّ.
قلتُ: لو قيل بالفَرْقِ بينَ مَن ذهبَتْ بَكارَتُها بإصْبَعٍ أو وَثْبَةٍ، وبينَ مَن وُطِئَتْ في دُبُرِها مُطاوعَةً، فيَكْفِي الصَّمْتُ في الأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، لكان له وَجْهٌ قَويٌّ.
فائدتان؛ إحْداهما، حيث حكَمْنا بالثُّيوبَةِ، لو عادَتِ البَكارَةُ، لم يزُلْ حُكْمُ الثُّيُوبَةِ. ذكَرَه القاضي في «الحاكِمِ»، وذكَرَه غيرُه أيضًا. لأنَّ المَقْصُودَ مِن الثُّيُوبَةِ حاصِل لها. وذكَرَه أبو الخَطَّابِ محَلَّ وفاقٍ. الثَّانيةُ، لو ضَحِكَتِ البِكْرُ أو بكَتْ، كان كسُكُوتِها. قاله الأصحابُ.
وقال في «الرِّعايَةِ»: قلتُ: فإنْ بكَتْ كارِهَةً، فلا، إلَّا أنْ تكونَ مُجْبَرَةً. انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ؛ فإنَّ البُكاءَ تارَةً يكونُ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ، وتارَةً يكون لشِدَّةِ الغَضَبِ وعدَمِ الرِّضَا بالواقِعِ.
فإنِ اشْتَبَهَ ذلك، نظَرْنا إلى دَمْعِها؛
فإنْ كان مِن السُّرورِ، كان بارِدًا،
وإنْ كان مِن الحُزْنِ، كان حارًّا. ذكَره البَغَويُّ عن بعضِ أهْلِ العِلْمِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في تفْسيرِ قوْلِه تَعالى في مَرْيَمَ:{وَقَرِّي عَينًا}.
فإنْ قيل: كان يُمْكِنُها النُّطْقُ إذا كَرِهَتْ. قُلْنا: وكان يُمْكِنُها النُّطْقُ بالإِذْنِ [إذا رَضِيَتْ]، ولكِنَّها لمَّا كانتْ مَطْبُوعَةً على الحَياءِ في النُّطْقِ، عمَّ الرِّضَا والكَراهَةَ.
قال: (ولا فرق بين الثيوبة بوطء مباح أو محرم. فأما زوال البكارة بأصبع أو وثبة فلا يغير صفة الإذن) .
أما كونه لا فرق بين ما ذكر؛ فلعموم ما تقدم.
ولأن البكر إنما اقتصر على صماتها لأجل حيائها وذلك مفقود في الموطوءة. لا سيما بوطء محرم.
وأما كون زوال البكارة بأصبع أو وثبة لا يغير صفة الإذن؛ فلأن المعنى الذي وجب الاكتفاء بالصمات في البكر لأجله موجود هاهنا لأن الحياء لا يزول بزوال البكارة بإصبع أو وثبة. والله أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.