وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ الْأَبِ فَالْكُلُّ لَهَا دُونَهُ وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا،
الشروح عليها
مسألة: (وإن فَعَل ذلِك غَيرُ الأبِ، فالكُلُّ لَها دُونَه) إذا شَرَط ذلك غيرُ الأبِ من الأوْلِياءِ، كالجَدِّ والأخِ، فالشَّرْطُ باطِلٌ. نصَّ عليه أحمدُ. وجَمِيعُ المُسَمَّى لها. ذكَره أبو حَفْصٍ، وهو قولُ بَن سَمَّينا في أوَّلِ المسألةِ.
وقال الشَّافعيُّ: يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهكذا ذَكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»؛ لأنَّ الشَّرطَ إذا بَطَلَ احْتَجْنا أن نَرُدَّ إلى الصَّداقِ ما نَقَصَتِ الزَّوْجةُ لأجْلِه، ولا نعْرِفُ قَدْرَه، فيَصِيرُ الكُلّ مَجْهُولًا فيَفْسُدُ،
وإن أصْدَقَها ألْفَينِ، على أن تُعْطِيَ أخاها ألْفًا، فالصَّداقُ صحيحٌ؛ لأنَّه شَرْطٌ لا يُزَادُ في المَهْرِ من أجلِه، ولا يُنْقَصُ منه، فلا يُؤثِّرُ في المَهْرِ،
بخِلافِ التي قبْلَها. ولَنا، أنَّ ما اشْتَرَطَه عِوَضٌ في تَزْويجِها، فيكونُ صَداقًا لها، كما لو جَعَلَه لها،
وإذا كان صَداقًا انْتَفَتِ الجَهالةُ. وهكذا لو كان الأبُ هو المُشْتَرِطَ، لكان الجميعُ صَداقًا، وإنَّما هو أخَذَ مِن مالِ ابْنَتِه لأنَّ له ذلك.
ويُشْتَرَطُ أن لا يكون مُجْحِفًا بمالِ ابْنَتِه،
فإن كان مُجْحِفًا بمالِها, لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، وكان الجميعُ لها، كما لو اشتَرَطَه سائرُ الأوْلِياءِ. ذكره القاضي في «المُجَرَّدِ».
٣٢٦٨ - مسألة: (وللأبِ تَزْويجُ ابْنَتِه البِكْرِ والثَّيِّبَ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِها، وإنْ كَرِهَتْ) وجملةُ ذلك، أنَّ للأَبِ تَزْويجَ ابْنَتِه بِدونِ صَداقِ مِثْلِها، بكرًا كانت أو ثَيِّبًا، صغيرةً أو كَبِيرةً. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وقال الشافعيُّ: ليس له ذلك،
فإن فَعَل، فلَها مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلم يَجُزْ أن يَنْقُصَ فيه عن قِيمَةِ المعَوَّضِ، كالبَيعِ، ولأنَّه تَفْرِيطٌ في مالِها, وليس له ذلك. ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، خَطَبَ النَّاسَ فقال: ألَا لا تُغالُوا في صُدُقِ النِّساءِ، فما أصْدَقَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحدًا من نِسائِه، ولا أحدًا من بَناتِه، أكثرَ من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أوقِيَّةً . وكان ذلك بمحْضَرٍ من الصَّحابةِ، ولم يُنْكِرُوه، فكان اتِّفاقًا منهم على أنَّ له أن يُزَوِّجَ بذلك وإن كان دونَ صَداقِ المِثْلِ.
وزوَّجَ سعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ ابْنَتَه بدِرْهَمَين، وهو مِن أشْرافِ قُرَيشٍ، شَرَفًا وعِلْمًا ودِينًا،
ومِن المعْلومِ أنَّه لم يَكُنْ مَهْرَ مِثْلِها, ولأنّه ليس المقصودُ مِن النِّكاحِ العِوَضَ، وإنَّما المقصودُ السَّكَنُ والازْدواجُ ، ووَضْعُ المرأةِ في مَنْصبٍ عندَ مَن يَكْفُلُها، ويصونُها، ويُحْسِنُ عِشْرَتَها، والظاهِرُ من الأبِ مع تَمامِ شَفَقَتِه وبُلوغِ نظرِه، أنَّه لا يَنْقُصُها من صَداقِها إلَّا لتَحْصيلِ المعانِي المقصودَةِ بالنِّكاحِ، فلا يَنْبَغِي أن يُمْنَعَ من تَحْصِيلِ المقصودِ بتفْويتِ غيرِه، ويفارِقُ سائرَ عقودِ المُعاوضاتِ،
فإنَّ المقْصودَ فيها العِوَضُ، فلم يَجُزْ تَفْويتُه. ٣٢٦٩ -
(وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ الْأَبِ) كَالْجَدِّ وَالْأَخِ (فَالْكُلُّ لَهَا دُونَهُ) وَكَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا اشْتَرَطَهُ عِوَضٌ فِي تَزْوِيجِهَا فَيَكُونُ صَدَاقًا لَهَا، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لَهَا، وَلَيْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَيَقَعُ الِاشْتِرَاطُ لَغْوًا،
وَفِي " التَّرْغِيبِ " فِي الْأَبِ رِوَايَةٌ كَذَلِكَ.
[وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا] (وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ) صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً (بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَإِنْ كَرِهَتْ) ؛ «لِأَنَّ عُمَرَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لَا تُغَالُوا فِي صُدُقِ النِّسَاءِ، فَمَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَ دُونَ صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ النِّكَاحِ الْعِوَضَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ السَّكَنُ وَالِازْدِوَاجُ، وَوَضْعُ الْمَرْأَةِ فِي مَنْصِبٍ عِنْدَ مَنْ يَكْفُلُهَا وَيَصُونُهَا، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْأَبِ مَعَ تَمَامِ شَفَقَتِهِ وَحُسْنِ نَظَرِهِ - أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهَا مِنَ الصَّدَاقِ إِلَّا لِتَحْصِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَعُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْعِوَضُ، لَا يُقَالُ: كَيْفَ يُمَلَّكُ الْأَبُ تَزْوِيجَ الْبِنْتِ الْكَبِيرَةِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَأْذَنَ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ دُونَ قَدْرِ الْمَهْرِ،
وَقِيلَ: عَلَيْهِ تَتْمِيمُهُ كَبَيْعِهِ بَعْضَ مَالِهَا بِدُونِ ثَمَنِهِ لِسُلْطَانٍ يُظَنُّ بِهِ حِفْظُ الْبَاقِي، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "
وَقِيلَ: لِبِنْتٍ كَبِيرَةٍ؛ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهَا،
وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِلَّا أَنْ تَرْضَى بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ قَبْلَ لُزُومِهِ
وللأَب تَزْويجُ ابْنَتِه البِكْرِ والثَّيِّبَ بدونِ صَداقِ مِثلِها، وإنْ كَرِهَتْ. هذا الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا،
وَإنْ كَرِهَتْ، المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم الخِرَقِيُّ، والقاضي، وأصحابُه. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَنْصُوصُ
والمُخْتارُ لعامَّةِ الأصحابِ. وقطَع به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه، وهو مُقْتَضَى كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وظاهِرُ كلامِ ابنِ عَقِيلٍ في «الفُصولِ» اخْتِصاصُ هذا الحُكْمِ بالأَبِ المُجْبَرِ. وهو قَوْلُ القاضي في «المُجَرَّدِ». وهو مِنَ المُفْرَداتِ أَيضًا.
وقيل: يخْتَصُّ ذلك بالمَحْجُورِ عليها في المال. ذكرَه ابنُ أبِي مُوسى في الصَّغِيرَةِ،
وفي معْناها السَّفِيهَةُ. وفي «التَّعْليقِ» احْتِمالٌ؛ أنَّ حُكْمَ الأبِ مع الثَّيِّبِ حُكْمُ غيرِه مِنَ الأوْلِياءِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: حيثُ قُلْنا: للأَبِ ذلك. فليسَ لها إلَّا ما وقَع عليه العَقْدُ، فلا يُتَمِّمُه الأبُ ولا الزَّوْجُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يُتَمِّمُه الأبُ، كبَيعِه بعْضَ مالِها بدُونِ ثَمَنِه لسُلْطَانٍ يَظُنُّ به حِفْظَ الباقِي. ذكَره في «الانْتِصارِ».
وقيل: يُتَمِّمُه لثَيِّبٍ كبيرَةٍ. وفي «الرَّوْضَةِ» بما وقَع عليه العَقْدُ قبلَ لُزومِ العَقْدِ.
وقيل: على الزَّوْجِ بقِيَّةُ مَهْرِ المِثْلِ. ذكَره ابنُ حَمْدانَ في «رِعايتَيه».
تنبيه: قوْلُه: وإنْ كَرِهَتْ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه. وعليه الأصحابُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وقد يسْتَشْكِلُ مَنْ لا يَمْلِكُ إجْبارَها، إذا قالتْ: أَذِنْتُ لكَ أنْ تُزَوِّجَنِي على مِائَةِ درْهَمٍ لا أقلَّ. فكيفَ يصحُّ أنْ يُزَوِّجَها على أقلَّ مِن ذلك؟ وقد يقالُ: إذْنُها في المَهْرِ غيرُ مُعْتَبَرٍ، فيُلْغَى ويبْقَى أصْلُ إذْنِها في النِّكاحِ.
وَإنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيرُهُ بِإِذْنِهَا، صَحَّ، وَلَمْ يَكُنْ لغَيرِهِ الاعْتِرَاضُ،
فَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيرِ إِذْنِهَا، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
قال: (وللأب تزويج ابنته البكر والثيب بدون صداق مثلها وإن كرهت. وإن فعل ذلك غيره بإذنها صح، ولم يكن لغيره الاعتراض. وإن فعله بغير إذنها وجب مهر المثل. ويحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى، والباقي على الولي؛ كالوكيل في البيع) .
أما كون الأب له تزويج ابنته بدون صداق مثلها؛ فلما روي:«أن عمر رضي الله عنه خطبَ الناس. فقال: ألا! لا تُغالُوا في صُدُق النساء. فما أصدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من نسائه ولا أحداً من بناته أكثر من ثنتي عشرةَ أوقية». وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد منهم فكان ذلك اتفاقاً منهم على أن له أن يزوج بذلك وإن كان ذلك دون مهر المثل.
وعن سعيد بن المسيب:«أنه زوجَ بنته بدرهمين». وهو من سادات قريش شرفاً وديناً وعلماً.
ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها. ولأنه ليس المقصود من النكاح العوض، وإنما المقصود السكن، والازدواج، ووضع المرأة في منصب عند من يكفلها ويصونها. والظاهر من حال الأب مع تمام شفقته وتمام نظره أنه لا ينقصها من صداقها إلا بتحصيل المعاني المقصودة من النكاح. فلا ينبغي أن يمنع من تحصيل المقصود بتفويت غيره.
وأما كونه له ذلك بكراً كانت أو ثيباً طائعة كانت أو مكرهة؛ فلأن المصحح تحصيل المعاني المذكورة. وهو مشترك بين البكر والثيب والمطاوعة والمكرهة.
فإن قيل: الأب لا يملك تزويج ابنته الثيب الكبيرة قولاً واحداً. فكيف يملك تزويجها بدون مهر مثلها وهي كارهة؟
قيل: يتصور ذلك بأن تأذن له في أصل النكاح دون قدر المهر.
وظاهر كلام ابن عقيل في الفصول: أن الأب إنما يملك التزويج بدون مهر المثل لمن يملك إجبارها.
لأنه قال فيه: وإذا زوج الأب ابنته التي يملك إجبارها وهي الصغيرة رواية واحدة، والبكر البالغ في إحدى الروايتين بدون مهر مثلها: يثبت المسمى ولم يبلغ تسميته، ولا يثبت مهر المثل.
ولو لم يختص الحكم بالمجبرة لم يكن حاجة إلى ما ذكره. وهذا أرجح من جهة النظر؛ لأن من لا يملك إجبارها على النكاح كيف يملك نقصها من مهر مثلها؟ .
ولأن الأب إذا لم يملك الإجبار ساوى بقية الأولياء. فيجب أن يساويهم في عدم التنقيص من مهر المثل.
وأما كون ذلك يصح إذا فعله غير الأب بإذنها؛ فلأن الحق لها.
فإذا رضيت بإسقاطه سقط.
ولأنه إذا صح في بعض الصور بغير إذنها تحصيلاً للمصلحة. فلأن يصح بإذنها بطريق الأولى.
وأما كون غير من ذكر لا يكون له الاعتراض؛ فلأن الحق في ذلك متمحض لها دون غيرها.
بخلاف تزويجها من غير كفء.
وأما كون مهر المثل يجب على المذهب إذا فعله غير الأب بغير إذنها؛ فلأنه ليس له ذلك؛ لأن مقتضى الدليل أنه ليس لأحدٍ تنقيصها من مهر المثل لما عليها في ذلك من الضرر. تُرك العمل به في الأب لما تقدم. فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وإذا لم يكن له ذلك لغت تسميته ووجب مهر المثل؛ كالخالي عن التسمية.
وأما كونه يحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى؛ فلأنه ما التزم غيره.
فعلى هذا تكون الزيادة على الولي؛ لأنه مفرط. أشبه الوكيل في البيع.
وقال المصنف في المغني: قال أحمد: أخاف أن يكون ضامناً.
فعلى هذا يكون الاحتمال منقولاً عن الإمام أحمد رضي الله عنه، وتجعل رواية له؛ لأنه كثيراً ما يقول: أخاف، وتجعل مذهباً له.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.