فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا تَجِبُ
الشروح عليها
(فَإن طَلَّقَها بعدَ ذلكَ، فَهل تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ على روايَتَيْن؛ أَصَحُّهُما، لَا تَجِبُ) كلُّ مَن وَجَب لها نِصْفُ المَهْرِ، لم تَجِبْ لها مُتْعَة، سواء كانت ممَّن سُمِّىَ لها صَداقٌ، أو لم يُسَمَّ لها لكنْ فُرِضَ لها بعدَ العَقْدِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، في مَن سُمِّىَ لها. وهو قديمُ قوْلى الشافعىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ: لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ. ورُوِى ذلك عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والحسنِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأبى قِلابَةَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والضَّحَّاكِ، وأبى ثَوْرٍ؛
لظاهرِ قولِه تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}. ولقولِه سبحانه لنَبيِّه عليه السَّلامُ:{قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} إلى قولِه: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ}. فعلى هذه الرِّوايةِ، لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ، سواءٌ كانت مُفوّضةً أو مُسَمًّى لها، مدْخُولًا بها أو غيرَها؛ لما ذكَرْنا. وظاهرُ المذهبِ أنَّ المُتْعةَ لا تجبُ إلَّا [للمُفَوّضةِ التى] لم يُدْخَلْ بها إذا طُلِّقَتْ. قال أبو بكرٍ: كلُّ مَن رَوى عن أبى عبدِ اللَّهِ، فيما أعلمُ، رَوى عنه أنَّه لا يَحْكُمُ بالمُتْعَةِ إلَّا لمَنْ [لم يُسَمَّ] لها مَهْرٌ، إلَّا حَنْبَلًا، رَوَى عن أحمدَ أنَّ لكلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتاعًا.
قال أبو بكرٍ: والعملُ عليه عندِى، لولا تَواتُرُ الرِّواياتِ عنه بخِلافِها. ولَنا، قولُه تعالى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ}. [ثم قال:{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}] . فخَصَّ الأُولَى بالمُتْعَةِ، والثَّانِيَةَ بنِصْفِ المَفْرُوضِ، مع تقسيمه للنِّساءِ قِسْمَيْنِ، وإثْباتِه لكلِّ قِسْم حُكْمًا، فيَدُلُّ ذلك على اخْتِصاصِ كلِّ قِسْم بحُكْمِه، وهذا يَخُصُّ ما ذَكَرُوه. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ الأمْرُ بالمَتاعِ في غيرٍ المُفَوّضةِ على الاسْتِحْبابِ؛
لدَلالةِ الآيتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكَرْناهما على نفْىِ وُجُوبِها، جَمْعًا بينَ دَلالاتِ الآياتِ والمعنى، فإنَّه عِوَضٌ واجِبٌ في عَقْدٍ،
فإذا سُمِّىَ فيه عِوَضٌ صحيحٌ لم يَجِبْ غيرُه، كسائرِ عُقُودِ المُعاوَضَةِ، ولأنَّها لا تَجِبُ لها المُتْعَةُ قبلَ الفُرْقَةِ، ولا ما يقومُ مَقامَها، فلم تَجِبْ لها عندَ الفُرْقَةِ، كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها.
(فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا تَجِبُ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لَمْ يَجِبْ لَهَا مُتْعَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا أَوْ لَا؛ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَدَلِ مَعَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالثَّانِيَةُ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ، رَوَي عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ - لِلْآيَةِ،
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا لِحُرَّةٍ، أَوْ سَيِّدِ أَمَةٍ عَلَى زَوْجٍ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَمَنْ لَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - قَسَّمَ الْمُطَلَّقَاتِ قِسْمَيْنِ، وَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَنِصْفَ الْمُسَمَّى لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ قَسَمٍ بِحُكْمِهِ، مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: الْعَمَلُ عِنْدِي عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِتَوَاتُرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ بِخِلَافِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ هَذَا إِلَّا حَنْبَلٌ،
وَعَنْهُ: تَجِبُ الْمُتْعَةُ إِلَّا لِمَنْ دَخَلَ بِهَا وَسَمَّى لَهَا.
فَرْعٌ: لَا مُتْعَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُطَلَّقَاتِ؛ وَلِأَنَّهَا أَخَذَتِ الْعِوَضَ الْمُسَمَّى لَهَا فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا بِهِ سِوَاهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ.
[مَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ نِسَاءِ عَصَبَتِهَا] فَصْلٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.