وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إِنْ كَلَّمْتُمَا هَذَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَكَلَّمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَاحِدًا مِنْهُمَا - طُلِّقَتَا وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ حَتَّى يُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
الشروح عليها
مسألة: (فإن قال لامْرَأتَيه: إنْ كَلَّمْتُما هَذَينِ) الرجُلَينِ (فَأنْتُما طَالِقَتَانِ. فَكَلَّمَتْ كُلُّ واحدةٍ مِنْهُما وَاحِدًا، طَلُقَتا. وَيَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْنَثَ حَتَّى تُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ واحدٍ منهما) هذه المسألةُ فيها وَجْهانِ؛ أحْدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ تَكْليمَهما وُجِدَ منهما، فحَنِثَ، كما لو قال: إن حِضْتُما فأنتُما طالقَتانِ. فحاضَتْ كلُّ واحدةٍ حَيضَةً.
وكذلك لو قال: إن رَكِبْتُما دابتَّيكُما فأنْتُما طالقتان. فرَكِبَتْ كلُّ واحدةٍ دابتَّهَا.
والثاني، لا يَحْنَثُ حتى تُكَلِّمَ كُلُّ واحدةٍ منهما الرَّجلَين معًا؛ لأنَّه عَلَّقَ طَلاقَهما بكلامِهما لهما، فلا تَطْلُقُ واحدة بكلامِ الأُخْرَى وحدَها. وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ. وهو أوْلَى إن شَاء اللهُ تعالى، إذا لم تكُنْ له نِيَّةٌ. وهكذا إن قال: إن دَخْلتُما هاتَين الدَّارَينِ. فالحُكْمُ فيها كذلك؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ. قال شيخُنا : [وهذا] فيما لم تَجْرِ العادَةُ بانْفِرادِ الواحِدَةِ به.
فأمَّا ما جَرَتِ العادةُ بانْفرادِ الواحدَةِ فيه بالواحدِ، كنحو: رَكِبَا دابَّتَيهما، ولَبِسا ثوبَيهما، وتَقَلَّدا سَيفَيهما، واعْتَقَلا رُمْحَيهما، ودَخَلا بزَوْجَتَيهما. وأشْباه هذا، فإنَّه يَحْنَثُ إذا وُجِدَ منهما مُنْفَردَينِ، وما لم تَجْرِ العادةُ فيه بذلك، فهو على الوَجْهَينِ.
فأمَّا إن قال: إن أكلْتُما هذَينِ الرَّغِيفَينِ. فأكلتْ كُلُّ واحدةٍ منهما رَغِيفًا، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ أن تَأْكُلَ كلُّ واحدةٍ منهما الرَّغيفينِ،
بخِلافِ الرَّجُلَينِ والدَّارَينِ.
٣٥٩٦ -
(وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إِنْ كَلَّمْتُمَا هَذَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ) وَقُلْنَا: لَا يَحْنَثُ بِبَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فَكَلَّمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَاحِدًا مِنْهُمَا - طُلِّقَتَا) ؛ لِأَنَّ تَكْلِيمَهُمَا وُجِدَ مِنْهُمَا، وَكَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ رَكِبْتُمَا هَاتَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، فَرَكِبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ دَابَّةً (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ حَتَّى يُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهُمَا بِكَلَامِهِ لَهُمَا، فَلَا تُطَلَّقُ وَاحِدَةٌ بِكَلَامِ الْأُخْرَى وَحْدَهَا، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُمَا زَيْدًا، وَكَلَّمْتُمَا عَمْرًا، وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ أَوْلَى - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": هَذَا مَعْنَى الْخِلَافِ فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِانْفِرَادِ الْوَاحِدَةِ بِهِ،
فَأَمَّا مَا جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ بِانْفِرَادِ الْوَاحِدَةِ بِهِ، كَلُبْسِ ثَوْبَيْهِمَا، وَتَقْلِيدِ سَيْفَيْهِمَا وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ،
فَأَمَّا إِنْ قَالَ: إِنْ أَكَلْتُمَا هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ، فَأَكَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَغِيفًا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَأْكُلَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا الرَّغِيفَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: لَا أَكَلْتُ هَذَا الْخُبْزَ وَهَذَا اللَّحْمَ، فَكَقَوْلِهِ: لَا أَكْلَتُهُمَا، هَلْ يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا؛ فِيهِ وَجْهَانِ،
وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَلَا هَذَا اللَّحْمَ،
وَقِيلَ: يَحْنَثُ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ شَيْئًا مِنْهُمَا.
وإنْ قال لامْرَأتَيه: إنْ كَلَّمْتُما هَذَين فأنْتُما طالِقَتان. فكَلَّمَتْ كُلُّ واحِدَةٍ واحِدًا منهما، طَلُقَتا. هذا المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يخنَث حتى تُكَلِّما جميعًا كُلَّ وَاحِدٍ منهما. وهو تخْريجٌ لأبي الخَطَّابِ. قال الشارِحُ: وهو أوْلَى. قال ابنُ . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»: والأَقْوَى لا يقَعُ. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الفُروع».
تنبيه: مَحَلُّ الخِلافِ، إذا لم نُحَنِّثْه ببعضِ المَحْلوفِ،
فأمَّا إنْ حنَّثْناه ببعضِ المَحْلوفِ، حنَّثْناه هنا قوْلًا واحدًا.
فائدة: هذه المسْألَةُ مِن جُملةِ قاعِدَةٍ، وهي إذا وجَدْنا جُمْلَةً ذاتَ أعدادٍ، مُوَزَّعَةً على جُمْلَةٍ أُخْرَى، فهل تَتَوَزَّعُ أفْرادُ الجُمْلَةِ المُوَزَّعَةِ على أفْرادِ الأُخْرَى، أو كُلُّ فَرْدٍ منها على مَجْموعِ الجُمْلَةِ الأُخْرَى؛ وهي على قِسْمَين؛ الأولُ، أنْ تُوجدَ قرينةٌ تدُلُّ على تَعْيينِ أحدِ الأمْرَين، فلا خِلافَ في ذلك، فمِثالُ ما دلَّتِ القَرينَةُ فيه على تَوْزيعِ الجُمْلَةِ على الجُمْلَةِ الأُخْرَى، فيُقابَلُ كل فَرْدٍ كاملٍ بفَرْدٍ يُقابِلُه؛
إمَّا لجرَيانِ العُرْفِ أو دَلالةِ الشَّرْعِ على ذلك،
وإما لاسْتِحالةِ ما سِوَاه، أنْ يقولَ لزَوْجَتَيه: إنْ أكَلْتُما هذَين الرَّغِيفَين فأنْتُما طالِقَتان.
فإذا أكَلَتْ كل واحِدةٍ وَإنْ قَال: إِنْ أمَرْتُكِ فَخَالفْتِنِي فَأنْتِ طَالِقٌ. فَنَهَاهَا وَخَالفَتْهُ، لَمْ منهما رغيفًا، طَلُقَتْ؛ لاسْتِحالةِ أكْلِ كُلِّ واحِدةٍ الرَّغِيفَين، أو يقولَ لعَبْدَيه: إنْ رَكِبْتُما دابَّتَيكُما، أو لَبِسْتُما ثَوْبَيكُما، أو تقَلَّدْتُما سَيفَيكُما، أو دخَلْتُما بزَوْجَتَيكُما، فأَنْتُما حُرَّان. فمتى وُجِدَ مِن كلِّ واحِدٍ رُكوبُ دابَّتِه، أو لُبْسُ ثَوْبِه، أو تقَلُّدُ سيفِه، أو الدُّخولُ بزَوْجَتِه، ترَتَّبَ عليه العِتْقُ؛ لأنَّ الانْفِرادَ بهذا عُرْفِيٌّ،
وفي بعضِه شَرْعِيٌّ، فيَتَعَيَّنُ صرْفُه إلى توْزيعِ الجُمْلَةِ على الجُمْلَةِ. ذكَرَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي». ومِثالُ ما دلَّتِ القرِينَةُ فيه على تَوْزيعِ كلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الجُمْلَةِ على جميعِ أفْرادِ الجُمْلَةِ الأُخْرَى، أنْ يقولَ رجُلٌ لزَوْجَتَيه: إنْ كَلَّمْتُما زيدًا، وكَلَّمْتُما عَمرًا، فأنْتُما طالِقَتان. فلا تَطْلُقان حتى تُكَلِّمَ كلُّ واحِدةٍ منهما زَيدًا وعَمْرًا. القِسْمُ الثَّاني، أنْ لا يدُلَّ دليلٌ على إرادَةِ أحدِ التَّوْزِيعَين، فهل يُحْمَلُ التَّوْزيعُ عندَ هذا الإطْلاقِ على الأوَّلِ والثَّاني؟
في المَسْألَةِ خِلافٌ. والأشْهَرُ أنْ يُوَزَّعَ كل فَرْدٍ مِن أفْرادِ الجُمْلَةِ على جميعِ أفْرادِ الجُمْلَةِ الأُخْرَى إذا أمْكَنَ. وصرَّح به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ في مسْأَلَةِ الظِّهارِ مِن نِسائِه بكَلِمَةٍ واحِدةٍ. ذكَر ذلك ابنُ رَجَب في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ بعدَ المِائةِ». وتقدَّم مِن مَسائلِ القاعِدَةِ في بابِ المَسْحِ على الخُفَّين والوَقْفِ والرِّبا والرَّهْنِ وغيرِه، ومَسْألَةُ المُصَنِّفِ هنا مِنَ القاعِدَةِ، لكِنَّ المذهبَ هنا خِلافُ ما قاله في «القَواعِدِ».
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.