وَإِذَا غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، فَأَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَهُ نِكَاحُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا وَإِلَّا فَلَا
الشروح عليها
مسألة: (وإذا غاب عن مُطَلَّقَتِه، فأتَتْه فذَكَرَتْ أنَّها نَكَحَتْ مَن أصابَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها) منه (وكان ذلك مُمْكِنًا، فله نكاحُها، إذَا غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُها، وَإلَّا فلا) وجملةُ ذلك، أنَّ المُطَلَّقَةَ المَبْتُوتَةَ إذا مَضَى بعدَ طَلاقِها زَمَنٌ يُمْكِنُ فيه انْقِضاءُ عِدَّتَين بينَهما نِكاحٌ ووَطْءٌ، فأخْبَرَتْه بذلك، وغَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُها؛
إمَّا بأمانَتِها، أو بخَبَرِ غيرِها ممَّن يَعْرِفُ حالها، فله أن يَتَزَوَّجَها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسَنُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصْحابُ الرأْي؛ وذلك لأنَّ المرأةَ مُؤْتَمَنَةٌ على نَفْسِها وعلى ما أخْبَرَتْ به عنها, ولا سَبيلَ إلى مَعْرِفةِ هذه الحالِ على الحَقيقةِ إلَّا مِن جهَتِها، فيَجبُ الرُّجوعُ إلى قولِها، كما لو أخْبَرَتْ بانْقِضاءِ عِدَّتِها،
فأمَّا إن لم يَعْرِفْ ما يغلبُ على ظَنِّه صِدْقها, لم يَحِلَّ له نِكاحُها.
وقال الشَّافعيُّ: له نِكاحُها؛ لِما ذَكَرْنا أوَّلًا، والوَرَعُ أن لا يَنْكِحَها. ولَنا، أنَّ الأصْلَ التَّحْريمُ، ولم يُوجَدْ غَلبةُ ظَنٍّ تنقُلُ عنه، فَوجبَ البَقاءُ عليه، كما لو أخْبرَه فاسِقٌ عنها.
فصل: إذا أخْبَرَتْ أنَّ الزَّوجَ أصابَها، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُها في حِلِّها للأوَّلِ، والقولُ قولُ الزَّوجِ في المَهْرِ، ولا يَلْزَمُه إلَّا نِصْفُه إذا لم يُقِرَّ بالخَلْوَةِ بها.
فإن قال الزَّوجُ الأوَّلُ: أنا أعْلَمُ أنَّه ما أصابَها. لم يَحِلَّ له نِكاحُها؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بتَحْرِيمِها عليه .
فإن عاد فأكْذَبَ نفْسَه، وقال: قد عَلِمْتُ صِدْقَها. دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى،
فإذا عَلِمَ حِلَّها لم تَحْرُمْ بكَذِبهِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ولأنَّه قد يَعْلَمُ ما لم يكُنْ عَلِمَه.
ولو قال: ما أعْلَمُ أنَّه أصابَها. لم تَحْرُمْ عليه بهذا؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ في حِلِّها له خَبَرٌ يَغْلِبُ على ظَنِّه صِدْقُها ، لا حقيقةُ العِلْمِ.
فصل: إذا طَلَّقَها طلاقًا رَجْعِيًّا، وغابَ، فقَضَتْ عِدَّتَها وأرادَتِ التَّزوُّجَ، فقال وكِيلُه: تَوَقَّفِي كيلا يكونَ راجَعَكِ. لم يَجِبْ عليها التَّوَقفُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، وحِلُّ النِّكاحِ، فلا يَجِبُ الزَّوالُ عنه بأمْرٍ مشْكوكٍ فيه، ولأنَّه لو وَجَبَ عليها التَّوَقُّفُ في هذه الحالِ، لَوجبَ عليها التَّوَقُّفُ قبلَ قولِه؛ لأنَّ احْتِمال الرّجْعةِ موْجودٌ، سَواءٌ قال أو لم يَقُلْ، فيُفْضِي إلى تَحْرِيمِ النِّكاحِ على كلِّ رَجْعِيّةٍ غابَ زوْجُها أبدًا.
فصل: فإذا قالت: قد تَزَوَّجْتُ مَن أصابَنِي. ثم رجَعتْ عن ذلك قبلَ أن يعْقِدَ عليها, لم يَجُزِ العَقْدُ؛ لأنَّ الخَبَرَ المُبِيحَ للعَقدِ قد زال، فزَالتِ الإِباحةُ.
وإن كان ذلك بعدَ العَقْدِ عليها, لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ ذلك إبطالٌ للعَقْدِ الذي لَزِمَها بقولِها، فلم يُقْبَلْ، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امرأةٍ، فأقَرَّتْ له بذلك، ثم رَجعتْ عَنِ الإقْرارِ.
(وَإِذَا غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، فَأَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَهُ نِكَاحُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا) الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ إِذَا مَضَى بَعْدَ طَلَاقِهَا زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ انْقِضَاءُ عِدَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ وَوَطْءٌ، وَلَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، مِثْلُ أَنْ يَعْرِفَ أَمَانَتَهَا، أَوْ بِخَبَرِ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهَا،
وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ: إِنْ كَانَتْ ثِقَةً، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، وَعَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْحَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهَا، كَمَا لَوْ أَخْبَرَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا ذُكِرَ، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ، وَكَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ حَالِهَا فَاسْقٌ،
فَلَوْ كَذَّبَهَا الثَّانِي فِي وَطْءٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي تَنْصِيفِ مَهْرٍ، وَقَوْلُهَا فِي إِبَاحَتِهَا لِلْأَوَّلِ،
وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ حَاضِرًا، وَفَارَقَهَا، وَادَّعَتْ إِصَابَتَهُ وَهُوَ مُنْكِرُهَا. وَمِثْلُ الْأَوَّلَةِ، لَوْ جَاءَتْ حَاكِمًا، وَادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا إِنْ ظَنَّ صِدْقَهَا بِمُعَامَلَةٍ، وَعَبْدٌ لَمْ يَثْبُتْ عِتْقُهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الزَّوْجُ لَا يُعْرَفُ، وَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ لو اتفقا أَنَّهُ طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَإِنَّهَا تُزَوَّجُ.
فَرْعٌ: لَوْ شَهِدَا بِأَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَوُجِدَ مَعَهَا بَعْدُ، وَادَّعَى الْعَقْدَ ثَانِيًا بِشُرُوطِهِ - يُقْبَلُ مِنْهُ، وَسُئِلَ عَنْهَا الْمُؤَلِّفُ، فَلَمْ يُجِبْ،
وَلَوْ وَطِئَ مَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، حُدَّ، نَصَّ عَلَيْهِ،
فَإِنْ جَحَدَ طَلَاقَهَا وَوَطِئَهَا، فَشَهِدَ بِطَلَاقِهِ، فَلَا؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَعْرِفَتَهُ بِهِ وَقْتَ وَطْئِهِ إِلَّا بِإِقْرَارِهِ بِهِ. [
وإذا غابَ عن مُطَلَّقَتِه، فأتَتْه فذَكَرَتْ أنَّها نَكَحَتْ من أصابَها وانْقَضَتْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عدَّتُها، وكان ذلك مُمْكِنًا، فله نِكاحُبها، إذا غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُها، وإلا فلا. هذا المذهبُ. وعليه الأصحابُ. وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال في «التَّرْغيبِ»: وقيل: لا يُقْبَلُ قوْلُها، إلَّا أنْ تكونَ مَعْروفَةً بالثِّقَةِ والدِّيانَةِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو كذبَها الزوْجُ الثَّاني في الوَطْءِ، فالقَوْلُ قوله في تَنْصِيفِ المَهْرِ، والقولُ قوْلُها في إباحَتِها للأوَّلِ؛ لأنَّ قوْلَها في الوَطْءِ مَقْبولٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو ادَّعَتْ نِكاحَ حاضِرٍ وإصابَتَه، وأنْكَرَها الإصابَةَ، حلَّتْ للأوَّلِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: لا تحِلُّ . [قاله في «الفُروعِ». و [قال في]«المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، وغيرِهم: بعدَ ما تقدَّم.
وكذا إنْ تزَوَّجَتْ حاضِرًا وفارَقَها، وادَّعَتْ إصابَتَه وهو مُنْكِرُها. انْتَهَوْا] .
قال في «القَواعِدِ الأُصُولِيّةِ»، في القاعدَةِ الأُولَى: وهَذان الفَرْعان مُشْكِلان جِدًّا. الثَّانيةُ، مِثْلُ ذلك في الحُكْمِ، لو جاءَتِ امْرأةٌ حاكِمًا وادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها طلَّقها وانْقَضَتْ عِدَّتُها، كان له تَزْويجُها إنْ ظنَّ صِدْقَها، كمُعامَلَةِ عَبْدٍ لم يثْبُتْ عِتْقُه. قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، لا سِيّما إن كان الزَّوْجُ لا يُعْرَفُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.