ثُمَّ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، أَوْ يُطَلِّقُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ
الشروح عليها
مسألةْ: ومتى قَدَرَ على الفَيئَةِ، وهي الجِماعُ، طُولِبَ به؛ لأنَّه تأخَّرَ للعُذْرِ،
فإذا زال العُذْرُ طُولِبَ به، كالدَّينِ الحال،
فإن لم يَفْعَلْ أُمِرَ بالطَّلاقِ. وهذا قولُ كُلِّ مَن يقولُ: يُوقَفُ المُولِي. لأنَّ اللهَ تعالى قال:{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.
فإذا امْتَنَعَ مِن أداءِ الواجِبِ عليه، فقد امْتَنَعَ مِن الإِمْساكِ بالمَعْرُوفِ، فيُؤْمَرُ بالتَّسْريحِ بالإِحْسانِ.
فإن كان قد فاءَ بلِسانِه في حالِ العُذْرِ ثم قَدَرَ على الوَطْءِ، أُمِرَ به،
فإن فَعَلَ، وإلَّا أُمِرَ بالطَّلاقِ. وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو بَكْر: إذا فاءَ بلسانِه، لم يُطالبْ بالفَيئَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وخَرَجَ مِن الإِيلاءِ. وهو قَوْلُ الحسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والأوْزاعِيِّ؛ لأنَّه فاءَ مَرَّةً، فخَرَجَ مِنِ الإِيلاءِ، ولم تَلْزَمْه فَيئَةٌ ثانِيَةٌ، كما لو فاء بالوَطْءِ.
وقال أبو حنيفةَ: تُسْتَأنَفُ له مُدَّةُ الإِيلاءِ؛ لأنَّه وَفَّاها حَقَّها بما أمْكَنَه مِن الفَيئَةِ، فلا يُطالبُ إلَّا بعدَ اسْتِئْنافِ مُدَّةِ الإِيلاءِ، كما لو طَلَّقَها. ولَنا، أنَّه أخَّرَ حَقَّها لعَجْزِه عنه،
فإذا قَدَرَ عليه، لَزِمَه أنَّ يوفِّيَها إيَّاه، كالدَّينِ على المُعْسِرِ إذا قَدَرَ عليه. وما ذَكَرَه فليس بحَقِّها، ولا يَزُولُ الضَّرَرُ عنها، وإنَّما وَعَدَها بالوَفاءِ، فلَزِمَها الصَّبْرُ عليه وإنْظارُه كالغَرِيمِ المُعْسِرِ.
فصل: وليس على مَن فاء بلِسانِه كَفَّارَة، ولا حِنْثٌ؛ لأنَّه لم يَفْعَل المَحْلُوف عليه، وإنَّما وَعَدَ بفِعْلِه، فهو كمَن عليه دَينٌ حَلَفَ أنَّ لا يُوَفِّيَه، ثم أعْسَرَ به، فقال: متى قَدَرْتُ وَفيتُه. ٣٧٠٤ -
(ثُمَّ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، أَوْ يُطَلِّقُ) . صَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ حَقَّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ،
فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ أَنْ يُوَفِّيَهَا إِيَّاهُ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مَرَّةً، فَلَا يَلْزَمُهُ أُخْرَى كَالْوَطْءِ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فَيْئَتَهُ بِالْقَوْلِ لَيْسَ عَيْنَ حَقِّهَا، وَإِنَّمَا هُوَ وَعْدٌ بِإِيفَاءِ حَقِّهَا، فَحَقُّهَا الْأَصْلِيُّ بَاقٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَزِمَهُ كَمَا لو لَمْ يَفِءْ بِلِسَانِهِ،
فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ الْعَاجِزِ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَفَاءَ بِلِسَانِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا حِنْثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ كَالْمَدِينِ إِذَا أَعْسَرَ
ثم متى قدَر على الوَطْءِ، لَزِمَه ذلك، أو يُطَلِّقُ. هذا المذهبُ. قاله في «الفُروعِ». وأوْمَأَ إليه في رِوايةِ حَنْبَل. وقطَع به الخِرَقِي. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». قال الزَّرْكَشِيُّ: وإليه مَيلُ القاضي في «الرِّوايتَين». وهو لازِمُ قوْله في «المُجَرّدِ».
وقال أبو بَكْر: إذا فاءَ بلِسانِه، لم يَلْزَمْه، ولم يُطالبْ بالفَيئَةِ مرَّةً أُخْرَى، وخرَج مِنَ الإيلاءِ. واخْتارَه القاضي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «التَّعْليقِ»، وجُمْهورُ أصحابِه؛ كالشَّريفِ، وأبي الخَطَّابِ في «خِلافَيهِما»، والشِّيرَازيِّ. قال أبو بَكْر، والقاضي: هو ظاهِرُ كلامِه في رِوايةِ مُهَنَّا.
تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، بل هو كالصَّريحِ في ذلك، أنَّ الخِلافَ السَّابِقَ مَبْنيٌّ على قوْله: متى قَدَرْتُ جامَعْتُ.
وقال الزرْكَشيُّ، بعدَ أنْ ذكَر الرِّوايتَين، أعْنِي في صِفَةِ الفَيئَةِ: وانْبَنَى عليه على ذلك إذا قدَر على الوَطْءِ، هل يَلْزَمُه؟ والخِرَقيُّ، وأبو محمدٍ يقُولان: يَلْزَمُه. واخْتارَه القاضي وأصْحابُه. وأبو بَكْر: لا يَلْزَمُه. انتهى. وعندَ صاحبِ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما، أنَّ عدَمَ اللُّزومِ مَبْنِيٌّ على رِوايةِ قوْله: قد فِئْتُ إليكِ.
وَإنْ كَانَ مُظَاهِرًا، فَقَألَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أطْلُبَ رَقَبَةً أُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِي. أُمْهِلَ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ.
الثَّانِي، ظاهِرُ قوْلِه: وإنْ كانَ مُظَاهِرًا، فقال: أَمْهِلُونِي حتى أطْلُبَ رَقَبَةً أُعْتِقُها عن ظِهارِي. أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّام. أنَّه لا يُمْهَلُ لصَوْمِ شَهْرَي الظِّهارِ. وهو صحيحٌ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيُطَلِّقُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي».
وقيل: يصُومُ فيَفِئُ، كمَعْذُورٍ. وهو احْتِمالٌ في «المُحَرَّرِ».
وَإنْ قَال: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتي. أَوْ: أَتَغَدَّى. أوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ. أَوْ: أَنَامَ فَإِنِّي نَاعِسٌ. أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْر وطَلَبَتِ الْفَيئَةَ -وَهِيَ الْجِمَاعُ- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَجَامَعَ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَعَلَيهِ كَفَّارَتُهَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَأدْنَى مَا يَكْفِيهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ في الْفَرْجِ.
وَإنْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ في الدُّبُرِ، لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْفَيئَةِ.
فائدة: قولُه: وإنْ وَطِئَها دُونَ الفَرْجِ، أو في الدُّبرِ، لم يَخْرُجْ مِنَ الفَيئَةِ. بلا نِزاع.
والصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يَحْنَث في يمينه بفِعْلِ ذلك.
وقيل: يَحْنَثُ. وَإنْ وَطِئَهَا في الْفَرْجِ وَطْاءً مُحَرَّمًا، مِثْلَ أَنْ يَطَأهَا حَال الْحَيضِ، أو النِّفَاسِ، أو الْإحْرَامِ، أوْ صِيَام فَرْض مِنْ أحَدِهِمَا، فَقَدْ فَاءَ إِلَيهَا؛ لأنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ بِهِ.
وَقَال أَبو بَكْرٍ: الأصَحُّ أنهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَيئَةِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.