فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فَلَهُ رَجْعَتُهَا
الشروح عليها
مسألة: (فإن طَلَّقَ واحِدَةً، فله رَجْعَتُها. وعنه، أنَّها تَكُونُ بَائِنَةً) وحملةُ ذلك، أنَّ الطَّلاقَ الواجِبَ على المُولِي رَجْعِيٌّ، سواءٌ أوْقَعَه بنَفْسِه أو طَلَّقَ الحاكمُ عليه. وبهذا قال الشافعيّ.
قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ في المُولِي: فإن طَلَّقَها. قال: تكونُ واحِدَةً وهو أحَقُّ بها. وعن أحمدَ رواية أخْرَى، أنَّ فُرْقَةَ الحاكِمَ تكونُ بائنًا. ذَكَرَ أبو بكرٍ الرِّوايَتَين جميعًا.
وقال القاضي: المنْصُوصُ عن أحمدَ، في فرْقَةِ الحاكِمِ، أنَّها تكونُ بائِنًا؛
فإنَّ في رِوايَةِ الأثْرَمِ وقد سُئِلَ: إذا طَلَّقَ عليه السُّلْطانُ، أتكونُ واحِدَةً؟ فقال: إذا طَلَّقَ فهي واحدةٌ، وهو أحَقُّ بها،
فأمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطانِ، فليس فيه رَجْعَةٌ.
وقال أبو ثَورٍ: طَلاقُ المُولِي بائِنٌ، سواء طَلَّقَ هو أو طَلَّقَ عليه الحاكمُ؛ لأنَّها فُرْقَةٌ لدَفْعِ الضَّرَرِ، فكانت بائِنًا، كفُرْقَةِ العُنَّةِ، ولأنَّها لو كانت رَجْعِيَّة لم يَنْدَفِعِ الضَّرَرُ.
وقال أبو حنيفة: يقَعُ الطلاقُ بانْقِضاءِ المُدَّةِ بائِنًا. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنه طَلاقٌ صادَفَ مَدْخُولًا بها مِن غيرِ عِوَض، ولا اسْتِيفاءِ عَدَدٍ، فكانَ رَجْعِيًّا، كالطلاقِ في غيرِ الإيلاءِ، ويُفارِقُ فُرْقَةَ العُنَّةِ؛ لأنَّها فَسْخٌ لعَيبٍ، وهذه طَلْقَةٌ، ولأنَّه لو أُبِيحَ له ارْتجاعُها, لم يَنْدَفع عنها الضَّرَرُ، [وهذه يَنْدَفِعُ عنها الضَّرَرُ]، فإنَّه إذا ارْتَجَعَها، ضُرِبَتْ له مُدَّة أخْرَى، ولأنَّ العِنِّينَ قد يئس مِن وَطْئِه، فلا
فائِدَةَ في رَجْعَتِه، وهذا غيرُ عاجز، ورَجْعَتُه دليلٌ على رَغْبَتِه فيها وإقْلاعِه عن الإضْرارِ بها، فافْتَرَقا.
٣٧١٣ - مسألة: (فإن لم يُطَلِّقْ، حُبِسَ وضُيِّقَ عليه حتى يُطَلِّقَ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. والأخْرَى، يُطَلِّقُ الحَاكِمُ عليهِ) إذا امْتَنَعَ المُولِي مِن الفَيئَةِ بعدَ التَّرَبُّصِ، أو امْتَنَعَ المَعْذُورُ مِن الفَيئَةِ بلِسانِه، أو امْتَنَعَ مِن الوَطْءِ بعدَ زَوالِ عُذْرِه، أُمِرَ بالطَّلاقِ،
فإن طَلَّقَ، وَقَعَ طَلاقُه الذي أوْقَعَه، واحِدَةً كانت أو أكثرَ. وليس للحاكِمِ إجْبارُه على أكثرَ مِن طَلْقَةٍ؛ لأنَّه يَحْصُلُ الوَفاءُ بِحقِّها بها؛ فإنَّها تُفْضِي إلى البَينُونَةِ، والتَّخَلُّصِ مِن ضَرَرِه.
وإنِ امْتَنَعَ مِن الطَّلاقِ، طَلَّقَ الحاكمُ عليه. وبه قال مالكٌ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، ليس للحاكمِ الطَّلاقُ عليه؛ لأنَّ ما خُيِّرَ الزَّوْجُ فيه بينَ أمْرَين، لم يَقُمِ الحاكِمُ مَقامَه فيه، كالاخْتِيارِ لبَعْضِ الزَّوْجاتِ في حَقِّ مَن أسْلَمَ وتَحْتَه أكْثَرُ مِن أرْبَعِ نِسْوَةٍ أو اخْتان. فعلى هذا يَحْبِسُه، و يُضَيِّقُ عليه، حتى يَفِئَ أو يُطَلقَ. وللشافعيِّ قَوْلان، كالرِّوايتَين. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأخْرَى، أنَّ ما دَخَلَتْه النِّيابَة، وتَعَيَّنَ مُسْتَحِقه، وامْتَنَعَ مَن هو عليه، قامَ الحاكِمُ مَقامَه فيه، كقَضاءِ الدَّينِ، وفارَقَ الاخْتِيارَ، فإنَّه ما تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّه.
وهذا أصَحُّ في المذهبِ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. وليس للحاكِم أن يأمُرَه بالطَّلاقِ، ولا يُطَلِّقَ عليه إلَّا أن تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لأنَّه حَقٌّ لها، وإنَّما الحاكمُ يَسْتَوْفِي لها الحَقَّ، فلا يكونُ إلا عندَ طَلَبِها. ٣٧١٤ -
(فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فَلَهُ رَجْعَتُهَا) سَوَاءٌ كَانَ الْمُؤْلِي أَوِ الْحَاكِمُ فِي الْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا اسْتِيفَاءِ عِدَدٍ، فَكَانَ رَجْعِيًّا كَالطَّلَاقِ فِي غَيْرِ الْإِيلَاءِ وَيُفَارِقُ فُرْقَةَ الْعُنَّةِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِعَيْبٍ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ طَلَّقَ في أَثْناءِ المُدَّةِ، انْقَطَعَتْ. إنْ كان طَلاقًا بائِنًا، انْقطعَتِ المُدَّةُ،
وإنْ كان طَلاقًا رَجْعِيًّا، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، أنَّ المُدَّةَ تنْقَطِعُ أيضًا. وهو أحدُ الوَجْهَين. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى». والوَجْهُ الثَّاني، لا تنْقَطِعُ ما لم تَنْقَضِ عِدَّتُها. وهو المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به في «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي».
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.