وَأَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ، أَوْ طَلَاقٍ،
الشروح عليها
مسألة: (وأمَّا البائِنُ بِفَسْخٍ أو طَلاقٍ، فإن كانَتْ حامِلًا، فلها النَّفَقَةُ والسُّكْنَى، وإلَّا فلا شَىْءَ لها. وعنه، لها السُّكْنَى) وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ امرأتَه طَلاقًا بائِنًا،
إمَّا أن يكونَ ثَلاثًا، أو بخُلْعٍ، أو بانَتْ بفَسْخٍ وكانت حامِلًا، فلها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، بإجْماعِ أَهْلِ العلمِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. وفى بعضِ أخْبارِ حَدِيثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ:«لَا نَفَقَةَ لَكِ، إلَّا أن تَكُونِى حامِلًا». ولأَنَّ الحَمْلَ ولَدُه، فيَلْزَمُه الإِنْفاقُ عليه، ولا يُمْكِنُه النَّفَقةُ عليه إلَّا بالإِنْفاقِ عليها، فوَجَبَ، كما وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضاعِ.
وإن كانت حائِلًا، فلا نَفَقةَ لها. وفى السُّكْنَى رِوَايتان؛ إحداهما، لا يجبُ لها ذلك. وهو قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ. وبه قال عطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعمرُو ابنُ مَيْمُونٍ، وعِكْرِمَةُ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ. والثانيةُ، يجبُ لها. وهو قولُ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والقاسمِ، وسالمٍ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
فأوْجَبَ لهُنَّ السُّكْنَى مُطْلَقًا، ثمَّ خَصَّ الحامِلَ بالإِنْفاقِ عليها.
وقال أكثرُ فُقَهاءِ العِراقِ: لها السُّكْنَى والنَّفَقةُ. وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والحسَنُ بنُ صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، والبَتِّىُّ، والعَنْبَرِىُّ. ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ؛ لأنَّها مُطَلَّقَةٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، كالرَّجْعِيَّةِ. ورَدُّوا خَبَرَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ بما رُوِى عن عمرَ، أنَّه قال: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ . وأنْكَرَتْه عائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وتأوَّلُوه. قال عُرْوَةُ: لقد عابَتْ عائشةُ ذلك أشَدَّ العَيْبِ، وقالت: إنَّها كانت في مكانٍ وحشٍ، فخِيفَ على ناحِيَتِها .
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: تلك امرأةٌ فتَنَتِ الناسَ بلِسانِها، كانت لَسِنَةً، فوُضِعَتْ على يَدَىِ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمَى . ولَنا، ما رَوَتْ فاطمةُ بنتُ قيسٍ، أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها البَتَّةَ وهو غائبٌ، فأرْسَلَ إليها وَكِيلَه بشَعِيرٍ، فسَخِطَتْه ، فقال: واللَّهِ مالكِ علينا مِن شئٍ. فجاءت رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكرتْ ذلك له، فقال:«لَيْسَ لَكِ عليه نَفَقَةٌ ولا سُكْنَى». فأَمَرَها أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شريكٍ. مُتَّفَقٌ عليه . وفى لفظٍ: فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «انْظُرِى يَا ابْنَةَ قَيْسٍ، إنَّما النَّفَقةُ للمَرْأةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كانَتْ له عليها الرَّجْعَةُ، فإذا لم يَكُنْ له عليها الرَّجْعَةُ، فلا نَفَقَةَ ولا سُكْنَى».
روَاه الإِمامُ أحمدُ، والأَثْرَمُ، والحُمَيْدِىُّ . قال ابنُ عبدِ البَرِّ : مِن طَرِيقِ الحُجَّةِ وما يَلْزَمُ منها، قولُ أحمدَ ابنِ حَنْبلٍ ومَن تابَعَه أصَحُّ [وأحَجُّ]. لأنَّه ثَبَتَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَصًّا صَرِيحًا، فأىُّ شئٍ يُعارِضُ هذا إلَّا بمثلِه عن النبىِّ - صلى اللَّه عليه وسلم-، الذى هو المُبَيِّنُ عن اللَّه تعالى مُرادَه، ولا شئَ يَدْفَعُ ذلك، ومَعْلومٌ أنَّه أعْلَمُ بتأْويلِ قولِ اللَّهِ تعالى:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}.
وأمَّا قولُ عمرَ ومَن وافَقَه، فقد خالَفَه علىٌّ وابنُ عباسٍ وجابرٌ ومَن وافَقَهُم، والحُجَّةُ معهم،
ولو لم يُخالِفْه أحَدٌ منهم، لَمَا قُبِلَ قولُه المُخالِفُ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
فإنَّ قولَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُجَّةٌ على عمرَ وغيرِه، ولم يَصِحَّ عن عمرَ أنَّه قال: لا نَدَعُ كتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنَا لقولِ امرأةٍ.
فإنَّ أحمدَ أنْكَرَه، وقال: أمَّا هذا فلا، فإنَّه قال: لا نَقْبَلُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ. وهذا يَرُدُّه الإِجْماعُ على قبولِ قَولِ المرأةِ في الرِّوايةِ، فقد أُخِذَ بقَولِ فُرَيْعَةَ، وهى امرأةٌ، وبِخَبَرِ عائشةَ، وأزْواجِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وصارَ خَبَرُ فاطمةَ إذا لم تكنْ حامِلًا، مثلَ نظرِ المرأةِ إلى الرِّجالِ، وخِطْبةِ الرجُلِ على خِطْبَةِ أخِيه، إذا لم تكنْ سَكَنَتْ إلى الأَوَّلِ،
وأمَّا تأْوِيلُ مَن تأوَّلَ حَدِيثَها، فليس بشئٍ؛ فإنَّها تخالِفُهم في ذلك، وهى أعْلَمُ بحالِها، ولم يَتَّفِقِ المُتأوِّلُون على شئٍ، وقد رُدَّ على مَن رَدَّ عليها، فقال مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، لمَّا قال: تلك امرأةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ بلِسانِها: لَئِنْ كانت إنَّما أخَذَتْ بما أفْتاها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما فَتَنَتِ الناسَ،
وإنَّ لنا في رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُسْوَةً حَسَنةً، مع أنَّها أحْرَمُ الناسِ عليه، ليس [له عليها] رَجْعَةٌ، ولا بينَهما ميراثٌ . وقولُ عائشةَ: إنَّها كانت في مكانٍ وَحْشٍ. لا يَصِحُّ؛
فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- علَّلَ بغيرِ ذلك، فقال:«يا ابْنَةَ آلِ قيسٍ، إنَّما النَّفَقةُ والسُّكْنَى ما كان لِزَوْجِكِ عَلَيْكِ الرَّجْعَةُ». هكذا رواه الحُمَيْدِىُّ، والأَثْرَمُ.
ولو صَحَّ ما قالَتْه عائشةُ لما احْتاجَ عمرُ في رَدِّه إلى أن يَعْتَذِرَ بأنَّه قولُ امرأةٍ، وهى أعْرَفُ بنَفْسِها وبِحالِها.
وأمَّا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. فقد قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: نحنُ نَعْلَمُ أنَّ عمرَ لا يَقُولُ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. إلَّا لِما هو مَوْجودٌ في كِتابِ اللَّهِ تعالى، والذي في الكِتابِ أنَّ لها النَّفَقَةَ إذا كانت حامِلًا، بقَوْلِه سبحانه:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
وأمَّا غيرُ ذواتِ الحَمْلِ، فلا يَدُلُّ الكِتابُ إلَّا على أنَّهُنَّ لا نَفَقةَ لَهُنَّ؛ لاشْتِراطِه الحَمْلَ في الأمْرِ بالإِنْفاقِ. وقد روَى أبو داودَ وغيرُه، بإسْنادِهم، عن ابنِ عباسٍ، في حَدِيثِ المُتَلاعِنَيْن، قال: ففَرَّقَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَهما، وقَضَى أن لا بَيْتَ لها ولا قُوتَ . ولأَنَّ هذه مُحَرَّمَةٌ عليه تَحْريمًا لا تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، فلم يَكُنْ لها سُكْنَى ولا نفقةٌ، كالمُلاعِنَةِ، وتُفارِقُ الرَّجْعِيَّةَ، فإنَّها زَوْجَتُه يلْحَقُها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه،
بخِلافِ البائِنِ.
فصل: ولا سُكْنَى للملاعِنَةِ، ولا نَفَقةَ، إن كانتْ حائِلًا، للخَبَرِ.
وكذلك إن كانتْ حامِلًا فنَفَى حَمْلَها، وقُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى عنه. أو قُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى بزَوالِ الفِراشِ.
وإن قُلْنا: لا يَنْتَفِى بنَفْيِه. أو لم يَنْفِه. وقُلْنا: إنَّه يَلْحَقُه نَسَبُه. فلها السُّكْنَى والنَّفَقةُ؛ لأَنَّ ذلك للحَمْلِ، أو لها بسَبَبِه، وهو مَوْجُودٌ، فأشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ البائِنَ.
فإن نَفَى الحَمْلَ، فأنْفَقَتْ أُمُّه، وسَكَنَتْ مِن غيرِ الزَّوْجِ، وأرْضَعَتْ، ثمَّ اسْتَلْحَقَه المُلاعِنُ، لَحِقَه، ولَزِمَتْه النَّفَقةُ وأجْرُ المَسْكَنِ والرَّضاعِ؛ لأنَّها فعَلَتْ ذلك على أنَّه لا أبَ له،
فإذا ثَبَتَ له أبٌ، لَزِمَه ذلك، ورُجِعَ به عليه.
فإن قيلَ: النَّفقةُ لأجْلِ الحَمْلِ نَفَقةُ الأقارِبِ، وهى تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، فكيفَ يُرْجَعُ عليه بما يَسْقُطُ عنه؟ قُلْنا: بل النَّفقةُ للحامِلِ [مِن أجْلِ] الحَمْلِ، فلا تَسْقُطُ، كنَفَقَتِها في الحياةِ،
وإن سَلَّمْنا أنَّها للحَمْلِ، [إلَّا أنَّها] مصْرُوفَةٌ إليها، ويتَعَلَّقُ بها حَقُّها، فلا تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كنَفَقَتِها . ٣٩٥٧ -
(وَأَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ، أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَالسُّكْنَى)
إِجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ} الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ، وَالِإنفَاقُ عَلَيْهِ دُونَهَا مُتَعَذِّرٌ فَوَجَبَ كَمَا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ،
وَفِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ، ذَكَرَهَا الْخَلَّالُ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنَى،
وَفِي " الْمُوجَزِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " رِوَايَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ، وَهِيَ سَهْوٌ،
وَفِي " الرَّوْضَةِ ": تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.