فَلَا قَوَدَ الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهِ كَاللُّتِّ وَالْكَوْذَيْنِ
الشروح عليها
(الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ) وَهُوَ بَيْتٌ مِنْ شَعَرٍ وَعَمُودُهُ الْخَشَبَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَا فِيهِ دِقَّةٌ وَرَشَاقَةٌ،
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَهُ بِمُثْقَلٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الزُّهُوقِ بِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ، فَهُوَ عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ،
وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوَضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ حَجَرَيْنِ» ،
وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ:«وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ الْمُثْقَلَ يَقْتُلُ غَالِبًا فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِهِ كَالْمُحَدَّدِ،
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا ضَرَبَهُ بِمِثْلِ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ. نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَارَتَهَا بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا فَقَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحَمِلُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَنَقَلَ ابْنُ مُشَيْشٍ عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ، وَلَعَلَّهُ ضَرَبَهُ بِالْعَمُودِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ التُّرْكُ لِخَيْمَهِمْ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا (أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهِ كَاللُّتِّ) وَهُوَ بِضَمِّ اللَّامِ نَوْعٌ مِنْ آلَةِ السِّلَاحِ مَعْرُوفٌ فِي زَمَانِنَا، وَهُوَ لَفْظٌ مُوَلَّدٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ (وَالْكَوْذَيْنِ) وَهُوَ لَفْظٌ مُوَلَّدٌ أَيْضًا، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْخَشَبَةِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي يَدُقُّ بِهَا الدَّقَّاقُ الثِّيَابَ
الثَّانِى، أَنْ يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ كَبِيرٍ فوقَ عَمُودِ الفُسْطَاطِ. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُشْتَرَطُ أَنْ يكونَ الذى ضُرِبَ به بما هو فوقَ عَبُودِ الفُسْطاطِ. نصَّ أنَّهُ يَمُوت بِهِ، كَاللُّتِّ، وَالْكُوذَيْنِ، وَالسَّنْدَانِ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ، أَوْ يُلْقِىَ عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ سَقْفًا، أَوْ يُلْقِيَه مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ يُعِيدَ الضَّرْبَ بِصَغِيرِ، أَوْ يَضْرِبَهُ بِهِ فِى مَقْتَلٍ، أَوْ فِى حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
عليه. وعليه الأصحابُ. ونقَل ابنُ مُشَيْش، يجبُ القَوَدُ إذا ضَرَبَه [بما هو فوقَ] عَمُودِ الفُسْطاطِ. أو -يَضْرِبَه- بما يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه يَمُوتُ به؛ كاللُّتِّ، والكُوذَينِ، والسَّنْدَانِ، أو حَجَرٍ كَبِيرٍ، أَو يُلْقِىَ عليه حَائطًا أو سَقْفًا، أَو يُلْقِيَه مِن شَاهِقٍ. فهذا كلُّه عَمْدٌ. بلا نِزاعٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
لا زيادة له على هذه المسألة.
قال: (الثاني: أن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط، أو بما (٤) يغلب على الظن أن يموت به كاللت والكوذين والسندان، أو حجر كبير، أو يلقي عليه حائطاً أو سقفاً، أو يلقيه من شاهق أو يُعيدالضرب بصغير، أو يضربه به في مقتل، أو في حال ضعف قوة من مرض أو صغر أو كبر أو في حر أو برد ونحوه).
أما كون الثاني من الأقسام التسعة ما ذكر؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كونه عمداً؛ فلأن القتل بالمحدد إنما كان عمداً لكونه يغلب على الظن موته به. وهذا موجود في ذلك كله.
وفي كون القتل بذلك عمداً إشعار بوجوب القصاص. وهو صحيح؛ لأن من قتل بذلك مقتول ظلماً فيجب القصاص به على قاتله؛ لقوله تعالى:{ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً}.
وعن أنس رضي الله عنه «أن يهوديًا قتل جاريةً على أوضاحٍ لها بحجرٍ. فقتله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين حَجرين» متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:«قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: من قُتلَ له قتيلٌ فهو بخيرِ النظرين: إما يُودَى، أو يُقاد». رواه البخاري ومسلم.
ولأن المثقل يقتل غالبًا. فوجب القصاص به؛ كالمحدد.
وأما كون المصنف رحمه الله قيد الضرب بمثقل بكونه فوق عمود الفسطاط؛ فلأن الضرب لو كان بشيء كبير مثل عمود الفسطاط فما دون لم يجب القصاص به؛ لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن المرأةِ التي ضَربت جارتها بعمودِ فسطاطٍ فقتلتهاوجنينها: قضى في الجنين بغُرّةٍ، وقضى بديةِ المرأة على عاقِلَتِها». والعاقلة لا تحمل ما يوجب القصاص.
فإن قيل: ما عمود الفسطاط؟
قيل: عمود الخيمة.
قال القاضي: المراد بالعمود المذكور ما فيه رقة ورشاقة.
فأما العمود الذي يتخذه الترك وغيرهم لخيمهم فالقتل به عمد؛ لأنه يقتل غالباً.
وأما كونه مَثّل القتل بمثقل تارة باللت وتارة بالحجر فتنبيه على أنه لا فرق بين كون المثقل من حديد كاللت والكوذين والسندان وبين كونه من غير حديد كالحجر؛ لاشتراك الكل في كونه يقتل غالباً.
ولأن القصاص هنا لكونه مثقلاً فلا أثر لكونه من حديد.
وأما كون من يُلقي على شخص حائطاً أو سقفاً أو يلقيه من شاهق كمن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط؛ فلأن القتل بذلك في معنى القتل بالخشبة الكبيرة التي فوق العمود المذكور.
وأما كون من يعيد الضرب بصغير كالعصا والحجر الصغير فيموت كمن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط؛ فلأن الإعادة تقوم مقام المثقل.
[فلو مات من غير إعادة لم يجب القصاص لانتفاء الإعادة القائمة مقام المثقل].
وأما كون من يضربه بما ذكر في مقتل، أو ضعف من مرض أو صغر أو كبر أو حر أو برد ونحو ذلك: كذلك؛ فلأن ذلك إذا تعقبه الموت غلب على الظن أن القتل حصل به. فوجب القصاص؛ كالمثقل الكبير.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.