كُلُّ مَنْ أُقِيدَ بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ أُقِيدَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا
الشروح عليها
(كلُّ مَن أُقِيدَ بغيرِه في النَّفْسِ، أُقِيدَ به فيما دُوِنَها، ومَن لا فلا) لأَنَّ النَّفْسَ أعْلَى،
فإذا أُقِيدَ في الأعْلَى، ففى الأدْنَى بطريقِ الأَوْلَى.
وعنه، لا قِصاصَ بينَ العبيدِ في الأطْرافِ؛ لأنَّها أمْوالٌ. وقد ذَكَرْناه.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ. ومَن لا يَجْرِى القِصاصُ بينَهما في النَّفْسِ، لا يَجْرِى بينَهما في الأطْرافِ ، كالأبِ مع ابنِه، والحُرِّ مع العبدِ، والمسلمِ مع الكافرِ، فلا يُقْطَعُ طَرَفُه بطرَفِه؛ لعَدَم المُكافأةِ، فيُقْطَعُ الحُرُّ المسلمُ بالحُرِّ المسلمِ، والعبدُ بالعبدِ، والذِّمىُّ بالذِّمِّىِّ، والذَّكَرُ بالأُنْثَى، والأُنْثَى بالذَّكَرِ، ويُقْطَعُ النّاقِصُ بالكاملِ، كالعبدِ بالحُرِّ، والكافرِ بالمسلمِ. وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ في الطَّرَفِ بينَ مُخْتَلِفِى البَدَلِ، فلا يُقْطَعُ الكامِلُ بالنَّاقِصِ، ولا النّاقِصُ بالكامِلِ، ولا الرجلُ بالمرأةِ، ولا المرأةُ بالرجلِ، ولا الحُرُّ بالعبدِ، ولا العَبْدُ بالحُرِّ، ولا العَبْدُ بالعَبْدِ، ويُقْطَعُ المُسْلِمُ بالكافِرِ، والكافرُ بالمُسْلِمِ؛ لأَنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبَرٌ في الأطْرافِ، بدليلِ أنَّ الصَّحيحةَ لا تُؤْخَذُ بالشَّلَّاءِ، ولا الكاملةَ بالناقِصَةِ، فكذا لا يُؤْخَذُ طَرَفُ الرجلِ بطرَفِ المرأةِ، ولا طَرَفُها بطَرَفِه، كما لا تُؤْخَذُ اليُسْرَى باليُمْنَى. ولَنا، أنَّ مَن جَرَى القِصاصُ بينَهما في النَّفْسِ، جَرَى في الطَّرَفِ، كالحُرَّيْنِ، وما ذكَروه يَبْطُلُ بالقِصاصِ في النَّفْسِ،
فإنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبَرٌ، بدليلِ أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بمُسْتَأْمِنٍ، ثم يَلْزَمُه أن يأخُذَ الناقِصَةَ بالكاملَةِ؛ لأَنَّ المُماثَلَةَ قد وُجِدَتْ وزِيادَةً، فوَجَبَ أخْذُها بها إذا رَضِىَ المُسْتَحِقُّ، كما تُؤْخَذُ ناقِصَةُ الأصابعِ بكاملةِ الأصابعِ،
وأمَّا اليَسارُ واليُمْنَى فيَجْرِيان مجْرَى النَّفْسَيْنِ؛ لاخْتِلافِ محَلَّيْهما، ولهذا يَسْتَوِى بدَلُهما، فعُلِمَ أنَّها ليست بناقصةٍ عنها شَرْعًا، ولا العلَّةُ فيهما ذلك. ٤١٢٤ -
بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَهُوَ نَوْعَانِ] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي الْأَطْرَافِ] [لَا يَجِبُ إِلَّا بِمِثْلِ الْمُوجَبِ فِي النَّفْسِ] بَابٌ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (كُلُّ مَنْ أُقِيدَ بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ أُقِيدَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا) لِأَنَّ مَنْ أُقِيدَ بِهِ فِي النَّفْسِ إِنَّمَا أُقِيدَ بِهِ لِحُصُولِ الْمُسَاوَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلْقَوَدِ فَوَجَبَ أَنْ يُقَادَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ مُسْلِمٍ قُطِعَتْ يَدُهُ ; لِأَنَّهُ يُقَادُ بِهِ فِي النَّفْسِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
كلُّ مَن أُقِيدَ بغيرِه فى النَّفْسِ، أُقِيدَ به فيما دُونَها، ومَن لا فلا. يعْنِى، ومَن لا يُقادُ بغيرِه فى النَّفْسِ، لا يُقادُ به فيما دُونَها. وهذا المذهبُ. وعليه الأصحابُ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، لا قَوَدَ بينَ العَبِيدِ مُطْلَقًا. نَقَلَها الأَثْرَمُ، ومُهَنَّا.
وعنه، لا قَوَدَ بينَهم فيما دُونَ النَّفْسِ.
وعنه، لا قَوَدَ بينَهم فى النَّفْسِ والطَّرَفِ، حتى تسْتَوِىَ القِيمَةُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكَرَه فى «الانْتِصارِ». قال حَرْبٌ فى الطَّرَفِ: كأنَّه مالٌ، إذا اسْتَوَتِ القِيمَةُ. وتقدَّم بعضُ ذلك فى بابِ شروطِ القِصاصِ.
وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِمِثْلِ الْمُوجِبِ فِى النَّفْسِ، وَهُوَ الْعَمْدُ الْمَحْضُ،
[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس] قال المصنف رحمه الله: (كل من أقيد بغيره في النفس أقيد به فيما دونها ومن لا فلا. ولا يجب إلا بمثل الموجب في النفس وهو العمد المحض) .
أما كون كل من أقيد بغيره في النفس يقاد به فيما دونها؛ فلأن من أقيد به في النفس إنما أقيد به فيها لحصول المساواة المعتبرة للقود. فيجب أن يقاد به فيما دونها لذلك.
وفي قول المصنف رحمه الله: كل من أقيد بغيره في النفس أقيد به فيما دونها إشعار بمشروعية القود فيما دون النفس من الأطراف والجراح .
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس -إلى قوله-: والجروحَ قصاص}.
وأما السنة؛ فما روى أنس بن مالك «أن الرُّبَيِّع بنت النضر بن أنس كَسرتْ ثنيَّةَ جاريةٍ. فعرضوا عليهم الأرش. فأبوْ إلا القصاص، فجاءَ أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله! تُكسرُ ثنيةُ الربيِّع. والذي بعثكَ بالحق! ما تُكسَر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كتابَ اللهِ القصاصُ ... مختصر». رواه البخاري وأبو داود والنسائي.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على مشروعية القصاص فيما دون النفس إذا أمكن بشرطه.
وأما المعنى وهو أن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص. فكان كالنفس في وجوبه.
وأما كون من لا يقاد بغيره في النفس لا يقاد به فيما دونها؛ فلأن من لا يقاد بغيره في النفس إنما لم يُقَدْ به لعدم المساواة المعتبرة في القود، وذلك موجود فيما دون النفس. فوجب أن لا يقاد به فيه عملاً بالعلة.
فعلى هذا لو قطع مسلم يد مسلم قطعت يده لأنه يقاد به في النفس،
ولو قطع يد كافر لم تقطع يده لأنه لا يقاد به في النفس،
ولو قطع حرٌّ يد حرّ قطعت يده لما تقدم،
ولو قطع يد عبد لم تقطع يده لذلك. وعلى هذا فقس.
وأما كون القود فيما دون النفس لا يجب إلا بمثل الموجب في النفس؛ فلأن ما دون النفس أحد ما يجب فيه القود. فلم يجب فيه إلا بمثل الموجب في النفس؛ كالنفس.
وأما كون الموجب في ذلك هو العمد المحض؛ فلأن ذلك هو الموجب في النفس لما تقدم ذكره في موضعه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.