وَإِنْ جَنَى عَلَى اثْنَيْنِ خَطَأً اشْتَرَكَا فِيهِ بِالْحِصَصِ
الشروح عليها
مسألة: (وَإن جَنَى على اثْنَيْنِ خَطَأً، اشْتَرَكا فيه بالحِصَصِ) وإن كان بعضها بعدَ بعضٍ. وبهذا قال الحسنُ، وحَمَّادٌ، ورَبِيعَةُ، وأصْحَابُ الرَّأْى، والشافعىُّ. وعن شُرَيْحٍ أنَّه قال: يُقضَى لآخِرِهم. وبه قال الشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ؛ لأنَّها جِنايةٌ ورَدَتْ على مَحَلٍّ مُسْتَحَقٍّ، فقُدِّمَ صاحِبُها على المُسْتَحِقِّ قبلَه، كجِنايةِ المَمْلُوكِ الذى لم يَجْنِ.
وقال شُرَيْحٌ في عَبْدٍ شَجَّ رَجُلًا، ثم آخَرَ، ثم آخَرَ، فقال شُرَيْحٌ: يُدْفَعُ إلى الأَوَّلِ، إلَّا أن يَفْدِيَه مَوْلاه، ثم يُدْفَعُ إلى الثَّانى، ثم يُدْفَعُ إلى الثالثِ. ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا في سَبَبِ تعَلُّقِ الحَقِّ به ، فتَساوَوْا في الاسْتِحْقاقِ، كماَ لو جَنَى عليهم دَفْعةً واحدةً، بل لو قُدِّمَ بعضُهم، كان الأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأَنَّ حَقَّه أسْبَقُ.
٤٢٢٩ -
(وَإِنْ جَنَى عَلَى اثْنَيْنِ خَطَأً اشْتَرَكَا فِيهِ بِالْحِصَصِ) نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ جَنَى عَلَيْهِمْ فِي وَقْتٍ، أَوْ أَوْقَاتٍ ; لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْحَقُّ فَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ لَوْ قَدَّمَ بَعْضَهُمْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ حَقَّهُ أَسَبَقُ،
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يُقَادُ بِالْكُلِّ اكْتِفَاءً كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ مَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَادَ بِالْأَوَّلِ، أَوْ يُؤْخَذَ حَقُّهُ بِالْقُرْعَةِ مُطْلَقًا، وَيَدْخُلُ بِالْقَتْلِ حَقُّ مَنْ بَقِيَ لِفَوْتِ مَحَلِّهِ إِنْ عُلِّقَ بِالْعَيْنِ
وَإِنْ جنَى إنْسانٌ على نَفْسِه أو طَرَفِه خَطَأً، فلا دِيَةَ له. هذا المذهبُ. [قال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: هذا المذهبُ] . وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِير»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال أبو الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ»: وهو القِياسُ.
[وعنه، على عاقِلَتِه دِيَتُه لوَرَثَتِه، ودِيَةُ طَرَفِه لنَفْسِه. وقدَّمه فى «الهادِى»] ، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الخُلاصَةِ»، و «نَظْمِ المُفْرَداتِ». وهو منها. ونصَّ عليه فى رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، وأبى طالِبٍ.
قال فى «الفُروعِ»: وعنه، دِيَةُ ذلك على عاقِلَتِه، له أو لوَرَثَتِه. اخْتارَه الخِرَقِىُّ، وأبو بَكْرٍ، والقاضى، وأصحابُه. انتهى. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والزَّرْكَشِىُّ: هو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. ذكَرَه فيما إذا رَمَى ثلَاثةٌ بمَنْجَنِيقٍ، فرَجَعَ الحَجَرُ فقَتَلَ أحَدَهم.
قال فى «الفُروعِ»: وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ، فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِن سَقْطَتِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ.
ولا نُحَمِّلُه دُونَ الثُّلُثِ فى الأصحِّ. قالَه فى «التَّرْغيبِ». نقَل حَربٌ، فى مَن قتَل نفْسَه، لا يُودَى مِن بَيْتِ المالِ.
وإنْ جَنَى على اثْنَيْن خَطَأَ، اشْتَرَكا فيه بالحِصَصِ. نصَّ عليه.
فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، أَو مَاتَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ، فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِهِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْبَاقِينَ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ أَو بِحِصَّتِهِمْ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإنْ عَفا أَحَدُهما، أَو ماتَ المَجْنِىُّ عليه، فعَفا بعضُ الوَرَثَةِ، فهل يتَعَلَّقُ حقُّ الباقِين بجميعِ العَبْدِ أَو بحِصَّتِهم منه؟ على وَجْهَيْن. وأَطْلَقَهما فى «المُغْنِى»،
وَإِنْ جَرَحَ حُرًّا، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجِرَاحَةِ وَلَا مَالَ لَهُ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ عُشْرُ دِيَتهِ، وَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ، وَقُلْنَا: يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ.
و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، يتَعَلَّقُ حقُّ الباقِينَ بجميعِ العَبْدِ. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». والوَجْهُ الثَّانى، يَتَعَلَّقُ حقُّ الباقِين بقَدْرِ حِصَّتِهم, كما لو لم يُعْفَ عنه. صَحَّ الْعَفْوُ فى ثُلُثِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَفْدِيهِ بالدِّيَةِ. صَحَّ الْعَفْوُ فى خَمْسَةِ أسْدَاسِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ سُدْسُهُ؛ لأَنَّ الْعَفْوَ صَحَّ فى شَئٍ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَهُ بِزِيَادَةِ الْفِدَاءِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ، بَقِىَ لِلْوَرَثَةِ أَلْفٌ إِلَّا عَشَرَةَ أَشْيَاءَ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اجْبُرْ وَقَابِلْ، يَخْرُجِ الشَّىْءُ نِصْفَ سُدْس الدِّيَةِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَتَعْدِلُ السُّدْسَ.
قال: (وإن جنى على اثنين خطأ اشتركا فيه بالحصص، وإن عفى أحدهما أو مات المجني عليه فعفى بعض ورثته فهل يتعلق حق الباقين بجميع العبد أو بحصتهم منه؟ (٢) على وجهين).
أما كون المجني عليهما خطأ يشتركان في الجاني بالحصص؛ فلأنهما اشتركا في سبب تعلق الحق به. فوجب أن يشتركا بالحصص؛ كغرماء المفلس والميت.
ولأنه لو جنى عليهما دفعة واحدة لاشتركا بالحصص. فكذا إذا جنى عليهما دفعة بعد أخرى.
وأما كون حق الباقين يتعلق بجميع العبد بعد عفو بعض المستحقين إنما كان للمزاحمة.
فإذا وجد العفو وجب عوده إلى ذلك؛ لزوال السبب المانع من التعلق به.
وأما كونه يتعلق بحصصهم فقط على وجه؛ فلأن ذلك هو الواجب لهم عند الجناية. فوجب بقاء الأمر على ما كان.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.