وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحَلَّتْهَا لَهُ فَيُجْلَدُ مِائَةً وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
(أحَلَّتْها له، فيُجْلَدُ مائَةً. وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها؟ على رِوايَتَيْن)
أمَّا إذا وَطِئَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها، فإنَّه يُجْلَدُ مائةً، ولا يُرْجَمُ إن كان ثَيِّبًا،
وإن كان بِكرًا لم يُغَرَّبْ.
وإن لم تَكُنْ أحَلَّتْها له، فهو زانٍ، حُكْمُه حُكْمُ الزَّانِى بجارِيَةِ الأجْنَبِىِّ. وحُكِىَ عن النُّخَعِىِّ، أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّه يَمْلِكُ امرأتَه، فكانت له شُبْهَةٌ في مَمْلُوكَتِها. وعن عمرَ، وعَلىٍّ، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، أنَّه كوَطْءِ الأجْنَبِيَّةِ، سَواءٌ أحَلَّتْها له أو لم تُحِلَّها؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها، فأشْبَهَ جاريةَ أُخْتِه، ولأنَّه إباحَةٌ لوَطْءِ مُحَرَّمَةٍ عليه، فلم يَكُنْ شُبْهَةً، كإباحةِ سائرِ المُلَّاكِ. وعن ابنِ مسعودٍ، والحسنِ، إن كان اسْتَكْرَهَها، فعليه غُرْمُ مِثْلِها، وتَعْتِقُ،
وإن كانت طاوَعَتْه، فعليه غُرْمُ مِثْلِها، ويَمْلِكُها؛ لأَنَّ هذا يُرْوَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ ،
وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ ، بإسْنادِه، عن حبيبِ بنِ سالمٍ، أنَّ رجلًا يُقالُ له: عبدُ الرحمنِ ابنُ حُنَيْنٍ، وَقَعِ على جارِيةِ امرأتِه، فرُفِعَ إلى النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ، وهو أميرٌ على الكُوفةِ، فقال: لأقْضِيَنَّ فيك بقَضِيَّةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إنْ كانت أحَلَّتْها لك جَلَدْتُكَ مائةً،
وإن لم تَكُنْ أحَلَّتْها لك رَجَمْتُك بالحِجارَةِ. فوَجَدُوها أحَلَّتْها له، فجلَدَه مائةً.
٤٤٧٢ - مسألة: (وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها) إذا حَمَلَتْ من هذا الوَطْءِ؟ (على رِوايَتَيْن) إحْدَاهما، يَلْحَقُ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يَجِبُ به الحَدُّ، فلَحِقَ به النَّسَبُ، كوطءِ الجاريةِ المُشْتَرَكَةِ. والأُخْرَى، لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، ولا شُبْهَةِ مِلاكٍ، أشْبَهَ الزِّنَى المَحْضَ.
٤٤٧٣ -
(وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ) لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» (وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ) لِأَنَّهُ تَعَدٍّ عَلَى الْغَيْرِ، أَشْبَهَ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ، لَا يُقَالُ: الْقِيَاسُ يقتضي مشروعية الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَالتَّقْدِيرُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَقْتَضِي الْإِيجَابَ مُطْلَقًا، تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ (وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا) بِأَنْ يَرْمِيَهُ بِالْكَذِبِ، أَوْ بِالْفِسْقِ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ تَشَاتَمَ اثْنَانِ عُزِّرَا، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ، فَدَلَّ أَنَّ مَا رَآهُ تَعَيَّنَ، فَلَا يُبْطِلُهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ قَدْرُ تَعْزِيرِ عَيْنِهِ (وَنَحْوِهِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ: يَا خَبِيثُ، قَالَ: هُوَ فَاسِقٌ، فِيهِ تَعْزِيرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ
إِمَّا جِنَايَةٌ عَلَى الشَّرْعِ، أَوْ عَلَى آدَمِيٍّ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْآدَمِيِّ عَمْدًا مُحَرَّمَةٌ وَفَاعِلُهَا مُقْدِمٌ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَذَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ وَاجِبًا كَالْحَدِّ (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ فِي غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا مِلْكٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَوَطْءِ أمة غير زَوْجَتِهِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحَلَّتْهَا لَهُ فَيُجْلَدُ مِائَةً) وَلَا رَجْمَ وَلَا تَغْرِيبَ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ:«أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَرُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ، فَقَالَ: لِأَقْضِيَنَّ فِيكَ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ، فَقَالَ: أَنَا أَتَّقِي هَذَا الْحَدِيثَ،
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا حَبِيبَ بْنَ سَالِمٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ،
وَعَنْهُ: يُعَزَّرُ مِائَةً إِلَّا سَوْطًا،
وَعَنْهُ يُعَزَّرُ بِعَشْرٍ (وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا: يَلْحَقُهُ، جَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا فِي مِلْكٍ، وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الزِّنَا الْمَحْضَ،
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ ظَنَّ جَوَازَهُ لَحِقَهُ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ فِيهِ،
وَفِي حَدِّهِ، وَعَنْهُ: يُحَدُّ فَلَا يَلْحَقُهُ لِعَدَمِ حِلِّهَا،
وَلَوْ ظَنَّ حِلَّهَا، نَقَلَهُ مُهَنَّا
وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها؟ على رِوايتَيْن. وأَطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالإِبَاحَةِ فى غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الهادِى»، و «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ»؛ إحْداهما، يَلْحَقُه نسَبُه . صحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يلْحَقُه نسَبُه. وهو المذهبُ. نقَلَه الجماعةُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وصحَّحه فى «النَّظْمِ». قال أبو بَكْرٍ: عليه العَمَلُ. قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لِمَا لَزِمَه مِنَ الجَلْدِ أوِ الرَّجْمِ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ ظنَّ جوازَه، لَحِقَه، وإلَّا فرِوايَتان فيه، فى حدِّه.
وعنه، يُحَدُّ، فلا يلْحَقُه نسَبُه، كما لو لم نُحِلَّها له،
ولو مع ظَنِّ حِلِّها. نقَلَه مُهَنَّا.
وعنه، فى مَن وَطِئَ أمَةَ امْرَأتِه، إنْ أكْرَهَها، عتَقَتْ وغَرِمَ مثْلَها، وإلَّا مَلَكَها. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وليس ببعيدٍ مِنَ الأُصولِ. وهذه الرِّوايةُ ذكَرَها الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَلَا يُزَادُ فى التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، فى عيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ولَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلَّا فى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
وَعَنْهُ، مَا كَانَ سبَبُهُ الْوَطْءَ، كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ والْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِ، ضَرْبُ مِائَةٍ، ويَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْىُ،
قال: (ومن وطئ أمة امرأته فعليه الحد، إلا أن تكون أحلتها له (٣) فيجلد مائة. وهل يلحقه نسب ولدها؟ على روايتين. ولا يسقط بالإباحة في غير هذا الموضع).
أما كون من وطئ أمة امرأته ولم تكن أحلتها له عليه الحد؛ فلما يأتي من حديث النعمان بن بشير بعد.
ولأن وطء في فرج من غير عقد ولا ملك ولا شبهة ملك فوجب الحد؛ كوطء أمة غير زوجته.
وأما كونه يجلد مائة إذا أحلتها له؛ فلما روي «أن رجلاً يقال له عبدالرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته. فرُفعَ إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة. فقال: لأقضينّ فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كانت أحلَّتْها لك جَلدتُك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتُكَ بالحجارة. فوُجدت أحلتها له. فجُلدَ مائة» . رواه أبو داود.
[وأما كونه يلحقه نسب ولدها على روايةٍ؛ فلأنه لا يجب به الحد. أشبه وطء الأمة المشتركة].
وأما كونه لا يلحقه على روايةٍ؛ فلأنه وطء في غير ملك. أشبه وطء أمة غير زوجته.
وأما كون الحد لا يسقط بالإباحة في غير إباحة الزوجة أمتها لزوجها؛ فلأن الوطء حرام لا يباح بالإباحة، ومقتضى ذلك وجوب الحد مطلقاً. تُرك العمل به في إباحة الزوجة أمتها لزوجها؛ لما تقدم من الحديث. فيبقى فيما عدا ذلك على مقتضاه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.