السَّابِعُ: مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ
الشروح عليها
فصل: قال أحمدُ: لا بأْسَ بتَلْقِينِ السَّارِقِ ليَرْجِعَ عن إقْرارِه. وهذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ. رُوِى عن عمرَ، أنَّه أتِىَ برجل ، فسألَه: أسَرَقْتَ؟ [قُلْ: لا]. فقال: لا. فَتَرَكَه . ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ مسعودٍ، وأبى الدَّرْدَاءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال إسْحاقُ، وأيو ثَوْرٍ. وقد رَوَيْنا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للسَّارِقِ:«ما إِخَالُكَ سَرَقْتَ».
وقال لماعِزِ:«لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو لَمَسْتَ». وعن علىٍّ، أنَّ رَجلًا أقَرَّ عندَه بالسَّرِقَةِ، فانْتَهَرَه . ولا بأْسَ بالشَّفَاعَةِ في السَّارِقِ إذا لم يَبْلُغِ الإِمامَ، فإنَّه رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «تَعافَوُا الحُدُودَ [فِيمَا بَيْنَكُمْ]، فَمَا بَلَغَنِى مِنْ حَدِّ وَجَبَ» .
وقال الزُّبيرُ بنُ العوَّامِ في الشَّفاعَةِ في الحَدِّ: يَفْعَلُ ذلكَ دونَ السُّلْطَانِ،
فإذا بَلَغ الإِمامَ، فلا أعْفَاه اللَّهُ إنْ أعفاه . وممَّن رَأى ذلك عَمَّارٌ، وابنُ عباس، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ.
وقال مالكٌ: إن لم يُعْرَفْ بشَرٍّ، فلا بأْسَ أن يشْفَعَ له، ما لم يَبْلُغِ الإِمامَ،
وأمَّا مَن عُرِفَ بشَرٍّ وفَسادٍ، فلا أحِبُّ أن يَشْفعَ له أحَدٌ ، ولكن يُتْرَكُ حتى يُقامَ عليه الحَدُّ. وأجمعُوا على أنَّه إذا بَلَغ الإِمامَ لم تَجُزِ الشَّفَاعَةُ فيه؛ لأَنَّ ذلك إسْقاطُ حَقٍّ وَجَب للَّه تِعالى، وقد غَضِب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ شَفَع أُسامَةُ في المَخْزُومِيَّةِ التى سَرَقَتْ، وقال:«أتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تعالى!».
وقال ابنُ عمرَ: مَن حالَتْ شَفاعتُه دونَ حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّهِ، فقد ضادَّ اللَّهَ في حُكْمِه . فصل: قال رَحِمَه اللَّهُ: (السابعُ، مُطالَبَةُ المَسْرُوقِ منه بمالِه. وقال أبو بكرٍ: ليس ذلك بشَرْطٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ السَّارِقَ لا يُقْطَعُ وإنِ اعْتَرَفَ أو قامَتْ بَيِّنَةٌ، حتى يَأتِىَ مالِكُ المسروقِ يَدَّعِيه. ويهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَفْتَقِرُ إلى دَعْوَى ولا مُطالَبَةٍ. وهذا قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأَنَّ مُوجِبَ القَطْعِ ثَبَت، فوَجَبَ مِن غيرِ مُطالَبَةٍ، كحَدِّ الزِّنى. ولَنا، أنَّ المالَ يُبَاحُ بالبَذْلِ والإِباحَةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ مالِكَه أباحَه إيَّاه، أو وَقَفَه على المسلمين، أو على طائِفَةٍ السَّارِقُ منهم، أو أذِنَ له في دُخوِلِ حِرْزِه، فاعْتُبِرَتِ المُطالَبَةُ؛ لتَزُولَ هذه الشُّبْهَةُ، وعلى هذا يَخْرُجُ الزِّنَى، فإنَّه لا يُباحُ بالإِباحَةِ، ولأَنَّ القَطْعَ أوْسَعُ في الإِسْقاطِ، ألا تَرَى أنَّه إذا سَرَق مالَ أبِيه لم يُقْطَعْ،
ولو زَنَى بجَارِيَتِه حُدَّ، ولأَنَّ القَطْعَ شُرِعَ لصِيانَةِ مالِ الآدَمِىِّ، فله به تَعَلُّقٌ، فلم يُسْتَوْفَ مِن غيرِ حُضورِ مُطالِبٍ به، والزنَى حَقٌّ للَّهِ تعالى مَحْضٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى طَلَبٍ به. إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ وَكِيلَ الغائبِ يقومُ مَقامَه في الطَّلَبِ.
وقال القاضى: إذا أقَرَّ بسَرِقَةِ مالِ غائب، حُبسَ حتى يَحْضُرَ الغائِبُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قد أباحَه،
ولو أقَرَّ بحَقٍّ مُطْلَقٍ لغائبٍ لم يُحْبَسْ؛ لأنَّه لا حَقَّ عليه لغيرِ الغائبِ ولم يأمُرْ بحَبْسِه، فلم يُحْبَسْ. وفى مسألتِنا تَعَلَّقَ به حَقُّ اللَّهِ تعالى، وحَقُّ الآدَمِىِّ، فحُبِسَ؛ لِما عليه مِن حَقِّ اللَّهِ تعالى،
فإن كانتِ العَيْنُ في يدِه، أخَذَها الحاكمُ، وحَفِظَها للغائبِ،
وإن لم يَكُنْ في يدِه شئٌ،
فإذا جاء الغائِبُ كان الخَصْمَ فيها.
(السَّابِعُ: مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ "، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْمُغْنِي "، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، لِأَنَّ الْمَالَ يُبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكُهُ أَبَاحَهُ إِيَّاهُ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَى طَائِفَةِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى جَمَاعَةِ السَّارِقِ مِنْهُمْ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ حِرْزِهِ، فَاعْتُبِرَتِ الْمُطَالَبَةُ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَصَحَّحَهَا فِي الرِّعَايَةِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْقَطْعِ السَّرِقَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ فَوَجَبَ الْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ كَالزِّنَا، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ،
بِخِلَافِ السَّرِقَةِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ أَوْسَعُ فِي الْإِسْقَاطِ، لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ لَمْ يُقْطَعْ،
وَلَوْ زَنَى بِجَارِيَتِهِ حُدَّ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ شُرِعَ لِصِيَانَةِ مَالِ الْآدَمِيِّ، فَلَهُمْ بِهِ تَعَلُّقٌ، فَلَمْ يُسْتَوْفَ مِنْ غَيْرِ مُطَالِبٍ بِهِ، وَالزِّنَا حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْمُطَالِبِ بِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: غَصَبْتَنِي وَنَحْوَهُ، لَمْ يُقْطَعْ،
وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِاثْنَيْنِ فَتَخَالَفَا فِي إِقْرَارِهِ لَمْ يُقْطَعْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَنْ وَافَقَهُ نِصَابٌ فَيُقْطَعُ. [قَطْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى] فصل
السَّابعُ، مُطالَبَةُ المسْرُوقِ منه بمالِه. هذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ، منهم الخِرَقِىُّ وغيرُه. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المذهبُ المُخْتارُ للخِرَقِىِّ، والقاضى، وأصحابِه. قال فى «الرِّعايتَيْن»: وطَلَبُ رَبِّه أو وَكِيله شَرْطٌ، فى الأصحِّ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقال أبو بَكْرٍ فى «الخَلافِ»: ليسَ ذلك بشَرْطٍ. وهو رِوايةٌ عنِ الإِمامِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ تعالَى. واخْتارَها الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو قَوِىٌّ؛ عمَلًا بإطْلاقِ الآيَةِ الكَريمَةِ والأحاديثِ.
وقال فى «الرِّعايتَيْن»، بعدَ حِكايةِ الخِلافِ: وإنْ قُطِعَ دُونَ المُطالبَةِ، أجْزَأَ. وتقدَّم فى كتابِ الحُدودِ،
ولو قطَع يدَ نفْسِه بإذْنِ المَسْروقِ منه.
فائدة: وَكيل المَسْروقِ منه كهو،
وكذا وَليُّه. وتقدَّم قريبًا حكمُ سَرِقَةِ الكَفَنَ.
قال: (السابع: مطالبة المسروق منه بماله. وقال أبو بكر: ليس ذلك بشرط) .
أما كون السابع من شروط القطع مطالبة المسروق منه بماله على المذهب؛ فلأن المال مباح بالبذل والإباحة. فيحتمل أن يكون مالكه أباحه إياه، أو وقفه على طائفة المسلمين، أو على طائفةٍ السارق منهم، وأذن له في دخول حرزه. فاعتبرت المطالبة؛ لتزول الشبهة.
وأما كون ذلك لا يشترط على قول أبي بكر؛ فلأن موجب القطع السرقة وقد وجدت. فوجب أن يجب القطع من غير مطالبة؛ كالزنى.
والأول أولى؛ لما تقدم.
والفرق بين القطع والزنى أن الزنى لا يستباح بالإباحة.
بخلاف السرقة.
ولأن القطع أوسع في الإسقاط. ألا ترى أنه لو سرق من مال أبيه لم يقطع،
ولو زنى بجاريته حد.
ولأن القطع شرع لصيانة مال الآدمي فلهم به تعلق. فلم يستوف من غير مطالبة به. والزنى حق لله تعالى محض. فلم يفتقر إلى المطالب به. ودعوى وجود الموجب للقطع ممنوعة ، وعلى تقدير التسليم فله شرط ولم يوجد تعد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.