وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً وَهِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ
الشروح عليها
(وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ) وَهِيَ عَلَى الْحَالِفِ، فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ، وَحُكِيَ عَنْهُ عَلَى الْمُحْنِثِ، (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً)
لأن غير الْمُنْعَقِدَة: إِمَّا غَمُوسٌ، أَوْ نَحْوُهَا،
وَإِمَّا لَغْوٌ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، (وَهِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ) لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْحِنْثِ وَالْمَنْعِ، (وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} الْآيَةَ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهَا أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَظَاهِرُهُ إِرَادَةُ الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْيَمِينُ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِالْإِجْمَاعِ هِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْأَفْعَالِ.
فَصْلٌ: وَيُشَتَرَطُ لِوجُوب الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدةً، وَهِيَ الًّتى يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ.
وفي تحْريمِه وَجْهان. واطلقَهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يَحْرُمُ. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهَ،
وقال: ويُعَزَّ وفاقًا لمالِكٍ. والوَجْهُ الثَّاني، لا يَحْرُمُ. واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيضًا، في مَوْضعٍ آخَرَ، بل ولا يُكْرَهُ. قال: وهو قولُ غيرِ واحدٍ مِن أصحابِنا. ويُشْتَرَطُ لوجُوبِ الكَفَّارَةِ ثَلَاثةُ شُرُوطٍ؛ أَحدُها، أن تَكُونَ اليَمِينُ مُنْعَقِدَةً، وهي اليَمِينُ التي يُمْكِنُ فيها البِرُّ والحِنْثُ، وذلك الحَلِفُ على مُسْتَقْبَلٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مُمْكِنٍ.
بلا نِزاعٍ في ذلك في الجُمْلَةِ.
فائدة: لا تنْعَقِدُ يمينُ النَّائمِ، والطِّفْلِ، والمَجْنونِ ونحوهم.
وفي معْناهم السَّكْرانُ. وحكَى المُصَنِّفُ فيه قوْلَين. ولا تنْعَقِدُ يمينُ الصَّبِيِّ قبلَ
فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي، فَلَيسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ، يَمِينُ الغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا عَالِمًا البُلوغِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به الزَّرْكَشِيُّ، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، وغيرِهم
قلتُ: ويتَخَرَّجُ انْعِقادُها مِن مُمَيِّز. ويأْتِي حُكْمُ المُكْرَهِ.
وأمَّا الكافِرُ، فتنْعَقِدُ يمِينُه وتَلْزَمُه الكفَّارَةُ وإنْ حَنِثَ في كُفْرِه.
وقوله: فأمَّا اليَمِينُ على الماضِي، فليسَتْ مُنْعَقِدَةً، وهي نَوْعان؛ يَمِينُ بِكَذِبِهِ.
وَعَنْهُ، فِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاء فِيهِ.
الغَمُوسِ؛ وهي التي يَحْلِفُ بها كاذِبًا عالمًا بكَذبه. يَمِينُ الغَمُوسِ لا تنْعَقِدُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نقَلَه الجماعَةُ عنِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ظاهِرُ المذهبِ، لا كفَّارَةَ فيها. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، فيها الكفَّارَةُ. ويأْثَمُ، كما يَلْزَمُه عِتْقٌ، وطَلاقُ، وظِهارٌ، وحَرامٌ، ونَذرٌ. قاله الأصحابُ، فيُكَفِّرُ كاذِبٌ في لِعانِه. ذكَرَه في «الانْتِصارِ». وأَطْلقَهما في «الهِدايَةِ».
ومِثْلُه الحَلِفُ علي مُسْتَحِيلٍ، كقَتْلِ المَيِّتِ وإحْيائِه، وشُرْبِ ماءِ الْكُوزِ ولا مَاءَ فيه. اعلَمْ أنَّه إذا علَّق اليمينَ على مُسْتَحِيلٍ، فلا يخْلُو،
إمَّا أنْ يُعَلِّقَها بفِعْلِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو يُعَلِّقَها بعدَمِ فِعْلِه؛ فإنْ علَّقَها بِفِعْل مُسْتَحيلٍ؛ سواءٌ كانَ مُسْتَحِيلًا لذاتِه أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في العادَةِ، مِثْلَ أنْ يقولَ: واللهِ إِنْ طِرْتُ. أو: لا طِرْتُ. أو: صَعِدْتُ السَّماءَ. أو: شاءَ المَيِّتُ. أو: قلَبْتُ الحَجَرَ ذهبًا. أو: جَمَعْتُ بينَ الضِّدَّين. أو: رَدَدْتُ أمْسِ. أو: ثَرِبْتُ ماءَ الكُوزِ ولا ماءَ فيه، ونحوُه. فقال في «الفُروعِ»: هذا لَغْوٌ. وقطَع به. ذكَرَه في الطَّلاقِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ» في تعْليقِ الطَّلاقِ بالشُّروطِ.
وإنْ علَّق يمِينَه على عدَمِ فِعْلٍ مُسْتَحِيلٍ، سواءٌ كان مُسْتَحِيلًا لذاتِه، أو في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العادَةِ، نحوَ: واللهِ لأصْعَدَنَّ السَّماءَ، و إنْ لم أصْعَدْ، أو: لأشْرَبَنَّ ماءَ الكُوزِ ولا ماءَ فيه، و إنْ لم أشْرَبْه، أو: لأقْتُلَنَّه فإذا هو مَيِّتٌ، عَلِمَه أو لم يعْلَمْ، ونحوَ ذلك، ففيه طَريقان؛ أحدُهما، فيه ثلَاثَةُ أوْجُهٍ، كالحَلِفِ بالطَّلاقِ على ذلك؛ أحدُها، وهو الصَّحيحُ منها، تنْعَقِدُ وعليه الكفَّارَةُ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي». ذكَرُوه في تَعْلِيقِ الطَّلاقِ بالشُّروطِ.
والثَّانِي، لا تنْعَقِدُ ولا كفَّارَةَ عليه.
والثَّالِثُ، لا تنْعَقِدُ في المُسْتَحيلِ لذاتِه ولا كفَّارَةَ عليه فيه، وتَنْعَقِدُ في المُسْتَحيلِ عادَةً في آخِرِ حَياتِه.
وقيل: إنْ وَقَّتَه، ففي آخِرِ وَقْتِه. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ اتِّفاقًا في الطَّلاقِ. والطَّريقُ الثَّاني، لا كفَّارَةَ عليه [بذلك مُطْلَقًا]. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. وأَطْلقَ الطَّريقَين في «الفُروعِ» في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بابِ الطَلاقِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ. والذي قدَّمه في «المُحَررِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، أنَّ حُكْمَ اليَمِينِ بذلك حُكْمُ اليمينِ بالطَّلاقِ، على ما تقدَّم في بابِ الطَلاقِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ في المُسْتَحيلِ عقْلًا؛ كقَتْلِ المَيِّتِ وإحْيائِه،
وشُرْبِ ماءِ الكُوزِ ولا ماءَ فيه: وقال أبو الخَطَّابِ: لا تنْعَقِدُ يمينُه، ولا تجبُ بها كفَارَةٌ.
وقال القاضي: تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً للكفَّارَةِ في الحالِ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ في المُسْتَحيلِ عادةً؛ كصُعودِ السَّماءِ، الثَّانِي، لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ فَيَبِينَ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
والطَّيرانِ، وقَطْعِ المسافةِ البعيدةِ في المُدَّةِ القليلةِ: إذا حَلَفَ على فِعْلِه، انْعَقَدَتْ يمينُه، ووجَبَتِ الكفَّارَةُ. ذكَرَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، واقْتَصرا عليه. انتهيا.
فصل [في شروط وجوب الكفارة] قال المصنف رحمه الله: (ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط: أحدها: أن تكون اليمين منعقدة. وهي: التي يمكن فيها البر والحنث. وذلك الحلف على مستقبل ممكن).
أما كون الكفارة يشترط لوجوبها ثلاثة شروط؛ فلما يذكر بعد فيها.
وأما كون أحدها: أن تكون اليمين منعقدة؛ فلأن غير المنعقدة
إما غموس أو مثلها، وإما لغو. ولا كفارة في واحدة منهما؛ لما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون اليمين المنعقدة هي التي يمكن البر فيها والحنث؛ فلأن اليمين للحنث لا تقع، والتي لا يمكن فيها البر والحنث لا حنث فيها.
وأما كون التي يمكن فيها البر والحنث الحلف على مستقبل ممكن؛ فلأن الماضي لا يمكن الوفاء بالمحلوف عليه فيه، وغير الممكن لا يمكن ذلك فيه.
وفي المستقبل احتراز عن الحلف على الماضي.
وفي الممكن احتراز عن الحلف على المستحيل. قال: (فأما اليمين على الماضي فليست منعقدة. وهي نوعان: يمين الغموس. وهي: التي يحلف بها كاذباً عالماً بكذبه.
وعنه: فيها الكفارة. ومثلها الحلف على مستحيل؛ كقتل الميت وإحيائه، وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه.
والثاني: لغو اليمين. وهو: أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه. فلا كفارة فيها).
أما كون اليمين على الماضي ليست منعقدة؛ فلأن شرط الانعقاد إمكان البر والحنث، وذلك في الماضي متعذر.
وأما كون اليمين على الماضي نوعين؛ فلأن الحالف تارة يعلم كذب نفسه ويسمى يمينه الغموس؛ لغمسها صاحبها في الإثم، وتارة يظن صدقها ويسمى يمينه لغو اليمين فتنوعت بحسب العلم والظن.
وأما كون اليمين الغموس لا كفارة فيها على المذهب؛ فلما روي عن ابن مسعود أنه قال: «كنا نعد اليمين التي لا كفارة فيها اليمين الغموس».
ولأن اليمين الغموس من الكبائر بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النفس، واليمينُ الغموس». رواه البخاري.
والكبيرة لا تمحوها الكفارة.
وأما كونها فيها الكفارة على روايةٍ؛ فلأنها تجمع الحلف بالله تعالى والمخالفة مع القصد. فوجبت الكفارة فيها؛ كالمستقبلة.
وأما كون الحلف على المستحيل؛ كقتل الميت وإحيائه، وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه مثل يمين الغموس في كونها ليست منعقدة ولا كفارة فيها على ما فيها من الخلاف؛ فلاشتراكهما في عدم إمكان البر فيهما.
وقال القاضي: تنعقد موجبة للكفارة في الحال؛ لأنه حلف على فعل هو في المستقبل ولم يفعل فحنث؛ كما لو حلف ليطلقن زوجته فمات قبل طلاقها.
وأما كون لغو اليمين كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الحالف معذور بظنه.
وذكر في المغني أنها على نوعين:
أحدهما: ما ذكره هنا وهو: أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه.
والثاني: أن يجري الحلف على لسانه من غير قصد،
وفي الحديث عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -يعني اللغو في اليمين- هو: كلامُ الرجل في بيتهِ: لا والله وبلى والله» أخرجه أبو داود.
وأما كون لغو اليمين لا كفارة فيها؛ فلأن الله تعالى قال:{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان}.
ولأن ذلك يكثر. فلو وجبت فيه الكفارة لشق وضر، وذلك منتفٍ شرعاً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.