فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (فإن دُعِيَ إلى الحَلِفِ عندَ الحاكِمِ وهو مُحِقٌّ، اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ يَمِينِه، فإن حَلَف، فلا بَأْسَ) قال أصحابُنا: تَرْكُه أوْلَى، فيكونُ مَكْرُوهًا. وبه قال أصحابُ الشافعي؛ لِما رُوِيَ أنَّ المِقْدادَ وعثمانَ تَحاكَما إلى عمرَ، في مالٍ اسْتَقْرَص سه المِقْدادُ، فجعلَ عمرُ اليَمِينَ على المِقْدادِ، فرَدَّها على عثمانَ، فقال عمرُ: لقد أنْصَفَكَ. فأخَذَ عثمانُ ما أعْطاهُ المِقْدادُ، ولم يَحْلِفْ،

٣٦٬٧٥١

وقال: خِفْتُ أن يُوافِقَ قَدَر بَلاءً، فيُقال: بيَمِينِ عثمانَ .

٣٦٬٧٥٢

والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرَهُ بل هو مُباح، فِعْلُه كتَركِه؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أمَر نَبِيَّه - عليه السلام - بالحَلِفِ على الحَقِّ في ثلَاثةِ مَواضعَ، فقال:{وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىَ إِنَّهُ لَحَقٌّ}.

٣٦٬٧٥٣

والثاني قولُه:{قُلْ بَلَى وَربي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}. والثالثُ:{قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}. ورَوَى محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أنَّ عمرَ قال على المِنبَرِ، وفى يَدِه عَصًا: يا أيُّها الناسُ، لا تَمْنعَنَّكم اليمينُ من حُقُوقِكُم، فوَالذِي نفْسِي بِيَدِه، إنَّ في يَدِي لَعَصًا. ورَوَى الشَّعْبِيُّ، أنَّ عمرَ وأُبَيًّا احْتَكَمَا إلى زيدٍ في نَخْلٍ ادَّعاه أُبَيٌّ، فتَوَجَّهَتِ اليمينُ على عمرَ، فقال زيدٌ: أَعفِ أميرَ المؤمِنين. فقال عمرُ: ولِمَ يُعْفِي أميرَ المؤمنين؟ إن عَرَفْتُ شيئًا اسْتَحْقَقْتُه بيَمِينِي، وإلَّا تَرَكْتُه، والله الذِى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلِي، وما لأُبَيٍّ فيه حَقٌّ فلمَّا خرَجا وَهَب النَّخْلَ لأُبَيٍّ، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، هلَّا كان هذا قبلَ اليَمِينِ؟

فقال: خِفْتُ أن لا أحْلِفَ، فلا يَحْلِفَ الناسُ على حُقُوقِهم بَعْدِي، فتكونَ سُنَّةً . ولأنَّه حَلِف صِدْقٍ على حَق، فأَشْبَهَ الحَلِفَ عندَ غيرِ الحاكمِ. فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (وإِنْ حَرَّمَ أمَتَهُ أَوْ شَيئًا مِنَ الْحَلَالِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ) وقال أبو حنيفةَ: يُحَرَّمُ، لقولِ الله تعالى:{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}. وقولِه:{قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ}. ولأنَّه تَحْرِيمٌ للحَلالِ، فحَرَّمَ، كتَحْريمِ الزَّوْجَةِ.

ولَنا، أنَّه إذا أرادَ التَّكْفِيرَ، فله فِعْلُ المَحْلُوفِ عليه، وحِلُّ فِعْلِه مع كَوْنِه مُحَرَّمًا تَناقُضٌ، والعَجَبُ أنَّ أبا حنيفةَ لا يُجِيزُ التَّكْفِيرَ إلَّا بعدَ الحِنْثِ، وقد فَرَض اللهُ تعالى تَحِلَّةَ اليمينِ، فعلى قولِه، يَلْزَمُ كونُ المُحَرَّم مَفروضًا، أو من ضَرُورَةِ المَفْروضِ، لأنَّه لا تَحْصُلُ التَّحِلَّةُ إلَّا بفِعْلِ المَحْلُوفِ عليه ، وهو عندَه مُحَرَّمٌ، وهذا غيرُ جائِزٍ، ولأنَّه لو كان مُحَرَّمًا، لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ عليه، كالظِّهارِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ».

فأمَرَ بفِعْلِ المحْلُوفِ عليه، ولو كان مُحَرَّمًا، لم يَأْمُرْ بفِعْلِه، وسَمَّاه خَيرًا، والمُحَرَّمُ ليس بخيرٍ.

٣٦٬٧٥٤

وأمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها قوْلُه: هو علَيَّ حَرامٌ. أو مَنْعُ نَفْسِه منه، وذلك يُسَمَّى تحْرِيمًا، قال اللهُ تعالى:{يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا}. وقال:{وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ}. ولم يَثْبُتْ في التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً ولا شَرْعًا.

٣٦٬٧٥٥

فإذا قال: هذا حَرامٌ عليَّ إن فَعَلْتُ. وفَعَل. أو: ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ إن فَعَلْتُ. ثم فَعَلَ، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ تَرَك ما حَرَّمَه على نَفْسِه،

٣٦٬٧٥٦

وإن شاءَ كَفَّرَ. وإن قال: هذا الطعامُ حَرامٌ عليَّ. فهو كالحالِفِ على تَرْكِه. ويُرْوَى نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، والحَسنِ، وجابرِ بنِ زَيدٍ، وقَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأهلِ العراقِ.

٣٦٬٧٥٧

وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، في مَن قال: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ: يَمِينٌ مِن الأيمانِ، يُكَفِّرُها.

٣٦٬٧٥٨

وقال الحسنُ: هي يَمِينٌ، إلا أن يَنْويَ امرأتَه. وعن إبراهيمَ مثلُه.

٣٦٬٧٥٩

وعنه، إن نَوَى طَلاقًا، وإلَّا فليس بشيءٍ. وعن الضَّحَّاكِ، أنَّ أبا بكرٍ، وعمرَ، وابنَ مسعودٍ، قالوا: الحرامُ يَمِينٌ .

٣٦٬٧٦٠

وقال طاوُسٌ: هو ما نَوَى.

٣٦٬٧٦١

وقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس بيَمِينٍ، ولا شيءَ عليه، لأنَّه قَصَد تَغْيِيرَ المَشْرُوعِ، فَلَغا ما قَصَدَه، كما لو قال: هذه ابْنَتِي. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ} إلى قولِه: {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ}. سَمَّى تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللهُ يَمِينًا، وفَرَض له تَحِلَّةً، وهو الكَفَّارَةُ. وقالت عائِشَةُ: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمْكُثُ عندَ زَينَبَ بنتِ جَحْشٍ، ويَشْرَبُ عندَها عَسَلًا، فتَواطَيتُ أنا وحَفْصَةُ، أنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ فدَخَلَ على إحْدانا، فقالتْ له ذلك، فقال:«لَا، بَل شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينَبَ بنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أَعُودَ».

فنزَلَتْ:{يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}. مُتَّفَقٌ عليه .

٣٦٬٧٦٢

فإن قيل: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في تَحْرِيمِ مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ، كذلك قال الحسنُ، وقَتادَةُ . قُلنا: ما ذَكَرْناه أصَحُّ، فإنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وقولُ عائشةَ صاحِبَةِ القِصَّةِ الحاضِرَةِ للتَّنْزِيلِ، المُشاهِدَةِ للحالِ، أوْلَى، والحسنُ وقَتادَةُ لو سَمِعَا قولَ عائشةَ، لم يَعْدِلا به شيئًا، ولم يَصِيرَا إلى غيرِه، فكيفَ يُصارُ إلى قولِهما، ويُتْرَكُ قَوْلُها! وقد رُوِيَ عن ابنِ عَباسٍ، وابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه جَعَل تَحْرِيمَ الحلالِ يَمِينًا .

٣٦٬٧٦٣

ولو ثَبَت أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تحريمِ ماريَةَ، كان حُجَّةً لنا؛ لأنَّها من الحلالِ الَّذي حَرَّمَ، وليست زَوْجَةً، فوُجُوابُ الكَفَّارَةِ بتَحْرِيمِها يَقْتَضِي وُجُوبَها بتَحْرِيمِ كلِّ حَلالٍ، بالقياسِ عليها؛ لأنَّه حَرَّمَ الحَلال فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ، كتَحْرِيمِ الأمَةِ [والزَّوْجَةِ]، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بتَحْرِيمِها. إذا ثَبَت هذا، فعليه إن فَعَلَه كَفَّارَةُ يَمِينٍ لقولِه عليه السَّلامُ:«إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَكَفرْ عَنْ يَمِينِكَ». مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا حَرَّمَ العَسَلَ، أو مارِيَةَ، أَنْزلَ اللهُ سبحانَه:{قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ}.

قال الحسنُ: سَمَّى تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللهُ يَمِينًا، وفَرَضَ لَهُ تَحِلَّةً، وهي الكَفَّارَةُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُه الكَفَّارَةُ؛ لأنَّه تَحْرِيمٌ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ بالفِعْلِ، فحَرُمَ ما حَرَّمَه، كالظِّهارِ. ٤٧٠٢ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَهُوَ مُحِقٌّ اسْتُحِبَّ) وَفِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: فَالْأَوْلَى (افْتِدَاءُ يَمِينِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادَ تَحَاكَمَا إِلَى عُمَرَ فِي مَالٍ اسْتَقْرَضَهُ الْمِقْدَادُ، فَجَعَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِقْدَادِ، فَرَدَّهَا عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَنْصَفَكَ، فَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا أَعْطَاهُ الْمِقْدَادُ، وَلَمْ يَحْلِفْ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ يُوَافِقَ قَدْرٌ بَلَاءً، فَيُقَالُ: يَمِينُ عُثْمَانَ

لا زيادة له على هذه المسألة.

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإن دُعي إلى الحلف عند الحاكم وهو محق استحب افتداء يمينه، فإن حلف فلا بأس) .

١٥٬٥٢٢

أما كون من دُعي إلى الحلف عند الحاكم وهو محق يستحب افتداء يمينه؛ فلما روي «أن عثمان والمقداد تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد. فجعل عمر اليمين على المقداد فردها على عثمان. فقال عمر: لقد أنصفك. فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف. فقيل له في ذلك. فقال: خفت أن يوافق قدرَ بلاء فيقال: يمين عثمان».

١٥٬٥٢٣

وأما كونه إذا حلف لا بأس؛ فـ «لأن عمر وأُبيّاً تحاكما إلى زيد في نخل ادعاه أبيّ. فتوجهت اليمين على عمر. فقال زيد: اعف أمير المؤمنين. فقال عمر: ولم تُعف أمير المؤمنين؟ إن عرفتُ شيئاً استحققته بيميني وإلا تركته. والله الذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي وما لأبيّ فيه حق. فلما خرجا وهبَ النخل لأبيّ. فقيل له: هلا كان هذا قبل اليمين؟ قال: خفتُ أن لا أحلفَ فلا يحلفُ الناس على حقوقهم بعدي فتكون سنة» .

رواه عمر بن شبة في كتاب قضاة البصرة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.