وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (وَلَا تُقْبَلُ شَهادَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لصاحِبه، فِي إحْدَى الرِّوايَتَيْن) هذا الذى ذكَره الخِرَقِيُّ. وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ. والرِّوايةُ الأُخْرَى، يجوزُ. وهو قولُ شُرَيْحٍ، والحسنِ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ، فلا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادَةِ، كالإِجارَةِ.
وقال الثَّوْريُّ، وابنُ أبي ليلَى: تُقْبَلُ شَهادَةُ الرَّجُلِ لامْرأتِه؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ في حقِّه، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُها له؛ لأنَّ يسَارَه وزِيادَةَ حَقِّها مِن النَّفَقَةِ، يحْصُلُ بشَهادَتِها له بالمالِ، فهى مُتَّهَمَةٌ لذلك. ولَنا، أنَّ كُلَّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْن يَرِثُ الآخَرَ مِن غيرِ حَجْبٍ، ويتَبَسَّطُ في مالِه عادةً، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه له، كالابنِ مع أبِيه، ولأنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ نَفَقةَ امْرأتِه، ويَسارَ المرأةِ يَزِيدُ في قِيمَةِ بُضْعِها الممْلوكِ لزَوْجِها، فكان كُلُّ واحدٍ منهما [يَنْتَفِعُ بشَهادَتِه لصاحِبِه، فلم تُقْبَلْ، كشَهادتِه لنَفْسِه.
ويتحققُ هذا أنَّ مالَ كلِّ واحِدٍ منهما] يُضافُ إلى الآخَرِ، قال اللهُ تعالى:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}. وقال:{لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ}. فأضافَ البُيُوتَ إليهنَّ تارَةً، وإلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْرَى،
وقال تعالى:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ}.
وقال عمرُ للذى قال له: إنَّ غُلامى سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأتِي: لا قَطْعَ عليه، عَبْدُكم سرَقَ مَالَكُم . ويُفارِقُ عَقْدَ الإِجارَةِ مِن هذه الوُجوهِ كلِّها.
٥٠٥٩ -
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ لِيَنْبَسِطَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ، وَاتِّسَاعِهِ بِسَعَتِهِ، وَإِضَافَةِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى الْآخَرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} ، وَ {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} ، وَلِأَنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ فِي نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، وَيَسَارَهَا يَزِيدُ فِي قِيمَةِ بُضْعِهَا الْمَمْلُوكِ لِزَوْجِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ، فَأَوْجَبَ التُّهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ.
وَظَاهِرٌ: وَلَوْ بَعْدَ الْفِرَاقِ، وَالْأُخْرَى: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عُقِدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَلَا يَتَضَمَّنُ رَدَّ الشَّهَادَةِ كَالْإِجَارَةِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَقْبُولَةٌ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ،
وَقِيلَ: فِي قَبُولِهَا رِوَايَتَانِ
ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْن لصاحِبِه، في إحْدَى الرِّوايتَيْن. وهي المذهبُ. نقَلها الجماعَةُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهم، الخِرَقِيُّ، والقاضي في «التَّعْليقِ»، وأبو الخَطَّابِ، والشَّرِيفُ في «رُءوسِ المَسائلِ»، وابنُ هُبَيْرَةَ، وغيرُهم، وقطَعُوا به.
قال في «الفُروعِ»: نقَله الجماعةُ، واخْتارَه الأكثرُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا هو المذهبُ المَشْهورُ المَجْزومُ به عندَ الأكْثَرِين. انتهى. وصحَّحه النَّاظِمُ، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، و «إدْراكِ الغايةِ»، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ: تُقْبَلُ. قال بعضُ الأصحابِ: والقَبُولُ ليس بمَنْصوصٍ، ولا اخْتارَه أحدٌ مِنَ الأصحابِ. وأَطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
فوائد؛ الأُولَى، قال الزَّرْكَشِيُّ: وقد خُرِّجَ مِن كلامِ الخِرَقِيِّ شَهادَةُ أحدِهما على صاحبِه، فتُقْبَلُ بلا خِلافٍ، وهو أَمْثَل الطَّرِيقَتَيْن، والطَّرِيقةُ الثَّانيةُ، فيه ذلك وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ.
الخِلافُ. قلتُ: هذه الطَّرِيقَةُ أصْوَبُ، وقد رُوِى عنِ الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ، رِوايةٌ بعَدَمِ القَبُولِ، وعلى كلِّ حالٍ، المذهبُ القَبُولُ.
الثَّانيةُ، قولُه: ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ السَّيِّدِ لعبدِه، ولا العَبْدِ لسَيِّدِه. بلا نِزاعٍ.
قال في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ العَبْدِ لسيِّدِه. وهو المذهبُ عندَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ. وقال: وفى المَنْعِ نظَرٌ، وبالغَ ابنُ عَقِيلٍ فقال: لا تُقبَلُ شَهادتُه لمُكاتَبِ سيِّدِه. قال: ويَحْتَمِلُ على قِياسِ ما ذكَرْناه، أنَّ شَهادَتَه لا تصِحُّ لزَوْجِ مَوْلاتِه. انتهى. فعلى المذهبِ.، لو أَعْتَقَ عبدَيْن، فادَّعَى رَجُلٌ أنَّ المُعْتِقَ غَصَبَهما منه، فشَهِدَ العَتِيقان بصِدْقِ المُدَّعِى،
وأنَّ المُعْتِقَ غصَبَهما، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لعَوْدِهما إلى الرِّقِّ. ذكَرَه القاضى وغيرُه.
وكذا لو شَهِدَا بعدَ عِتْقِهما، أنَّ مُعْتِقَهما كان غيرَ بالغٍ حالَ العِتْقِ، أو جَرَحا الشَّاهِدَيْن بحُرِّيَّتِهما.
ولو عتَقا بتَدْبيرٍ أو وَصِيَّةٍ، فشَهِدَا بدَيْنٍ مُسْتَوْعِبٍ للتَّرِكَةِ، أو وَصِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ في الرِّقِّ، لم تُقْبَلْ؛ لإِقْرارِهما بعدَ الحُرِّيَّةِ برِقِّهما لغيرِ السَّيِّدِ،
ولا يجوزُ. قلتُ: فيُعايَي بذلك كلِّه. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأخِ لِأَخِيهِ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، وَالصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، وَالْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ.
قال: (ولا تُقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه في إحدى الروايتين) .
أما كون شهادة كل واحدٍ من الزوجين للآخر لا تُقبل في روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما يرث صاحبه من غير حجب، ويتبسط في ماله عادة، وذلك يوجب التهمة في شهادته، والتهمة تمنع من القبول.
وأما كونها تُقبل في روايةٍ؛ فلأن النكاح عقد على منفعة. فلا يتضمن رد الشهادة؛ كالإجارة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن يسار الرجل يزيد نفقة امرأته، ويسار المرأة يزيد به قيمة بضعها المملوك لزوجها. فكأن كل واحدٍ منهما يجر لنفسه نفعاً، ولذلك قال الله تعالى: {وقرن في بيوتكن} ، وقال:{لا تدخلوا بيوت النبي} فأضاف البيوت إليهن تارة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرى.
و«قال ابن مسعود للذي قال له: غُلامي سرقَ مرآة لزوجتي. قال له: مالُكم سرقَ مالكم».
وأما القياس على الإجارة فلا يصح؛ لما بينهما من الفرق وهو وجود التهمة بين المتناكحين، وانتفاؤها بين المؤجر والمؤجرة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.