وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ. وَفَسَّرَهُ بِوَدِيعَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ
الشروح عليها
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ. وفَسَّره بوَدِيعةٍ، لم يُقْبَلْ) قولُه،
فإنِ ادَّعَى بعدَ هذا تَلَفَه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافعىُّ.
وقِيلَ عن الشّافعىِّ: يُقْبَلُ قولُه: إنَّها وَدِيعةٌ.
وإذا ادَّعَى بعدَ هذا تَلَفَها قُبِلَ منه.
وقال القاضى ما يَدُلُّ على هذا أيضًا؛ لأنَّ الوَدِيعةَ عليه حِفْظُها ورَدُّها،
فإذا قال: له عَلَىَّ . وفَسَّرَها بذلك، احْتَمَلَ صِدْقُه، فَقُبِلَ منه، كما لو وَصَلَه بكَلامِه، فقال: له عَلَىَّ أَلْفٌ وَدِيعةً. لأَنَّ حُرُوفَ الصِّفاتِ يَخْلُفُ بعضُها بعضًا، فيجُوزُ أن تُسْتَعْمَلَ «عَلَىَّ» بمعنى عِنْدِى، كما قال تعالى إخْبارًا عن مُوسَى عليه السلامُ أنَّه قال:{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ}. أى عِنْدِى. ولنا، أنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ، وذلك يَقْتَضِى كَوْنَها في ذِمَّتِه، ولذلك لو قال: ما عَلَى فُلانٍ عَلَىَّ. كان ضامِنًا له، والوَدِيعةُ ليست في ذِمَّتِه، ولا هى عليه، إنَّما هى عنده.
وما ذَكَرُوه مَجازٌ، طَرِيقُه حَذْفُ المُضافِ وإقامةُ المُضافِ إليه مُقامَه، أو إقامةُ حَرْفٍ مُقَامَ حَرْفٍ، والإِقْرارُ يُؤْخَذُ فيه بظاهِرِ اللَّفْظِ، بدَلِيلِ أنَّه لو قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ. لَزِمَتْه ثلاثةٌ،
وإن جازَ التَّعْبِيرُ عن اثْنَيْنِ وعن واحدٍ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كقَوْلِ اللَّهِ تعالى:{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ}. ومواضِعَ كثيرةٍ في القرآنِ.
ولو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ.
وقال: أرَدْتُ نِصْفَ دِرْهَمٍ، فأقَمتُ المُضافَ إليه مُقامَه. لم يُقْبَلْ منه.
ولو قال: لَكَ مِن مالِى ألْفٌ. قال: صَدَقْتَ. ثم قال: أرَدْتُ أنَّ عَلَيْكَ مِن مالِى ألْفًا. وأقَمْتُ اللَّامَ مُقَامَ عَلَىَّ، كَقَوْلِ اللَّهِ تعالى:{وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. لم يُقْبَلْ منه،
ولو قُبِلَ في الإِقْرارِ مُطْلَقُ الاحْتِمالِ، لَسَقَط، ولَقُبِلَ تَفْسِيرُ الدَّراهِمِ بالناقِصَةِ والزّائِفةِ والمُؤَجَّلةِ.
وأمّا إذا قال: لَكَ عَلَىَّ ألْفٌ. ثم قال: كان وَدِيعةً فتَلِفَ. لم يُقْبَلْ قَوْلُه، فإنَّه مُتَناقِضٌ، وقد سَبَقَ [الكلامُ نحوٌ مِن] هذا.
فصل: فإن قال: لك عَلَىَّ مائةُ دِرْهَمٍ. ثم أَحْضَرَها،
وقال: هذه التى أقْرَرْتُ بها، وهى وَدِيعةٌ كانت لك عندى. فقال المُقَرُّ له: هذه وَدِيعةٌ، والتى أقْرَرْتَ بها غيرُها، وهى دَيْنٌ عليك. فالقولُ قولُ المُقَرِّ له على مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِىِّ. وهو قولُ أبى حنيفةَ.
وقال القاضى: القولُ قَولُ المُقِرِّ مع يَمِينِه. وللشّافعىِّ قَوْلان كالوَجْهَيْنِ. وتَعْلِيلُهما ما تَقَدَّم.
فإن كان قال في إقْرارِه: لك عَلَىَّ مائةٌ في ذِمَّتِى فقد وافَقَ القاضِى ههُنا في أنَّه لا يُقْبَلُ قولُ المُقِرِّ؛ لأَنَّ الوَدِيعةَ عَيْنٌ لا تكونُ في الذِّمَّةِ، قال: وقد قِيلَ: يُقْبَلُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: في ذِمَّتِى أداؤُها. ولأنَّه يجوزُ أن تكونَ عندَه وَدِيعة تَعَدَّى فيها، فكان ضَمانُها عليه في ذِمَّتِه. ولأصحابِ الشّافعىِّ في هذه وَجْهانِ.
فأمّا إن وَصَلَ ذلك بكَلامِه، فقال: لك عَلَىَّ مائَةٌ وَدِيعةً. قُبِلَ؛ لأنَّه فَسّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه، فصَحَّ، كما لو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ ناقِصةٌ.
وإن قال: له عَلَىَّ مائةٌ وَدِيعةً دَيْنًا. أو: مُضارَبَةً دَيْنًا. صَحَّ، ولَزِمَه ضَمانُها؛ لأنَّه قد يتَعَدَّى فيها فتكونُ دَيْنًا.
وإن قال: أرَدْتُ أنَّه شَرَطَ عَلَىَّ ضَمانَها. [لم يُقْبَلْ؛ لأنَّها لا تَصيرُ بذلك دَيْنًا.
وإن قال: عندِى مائةٌ ودِيعةً، شَرَطَ عَلَىَّ ضَمانَها]. لم يَلْزَمْه ضَمانُها؛ لأَنَّ الوَدِيعةَ لا تَصِيرُ بالشَّرْطِ مَضْمُونةً.
وإن قال: عَلَىَّ، أو: عِنْدِى مائةُ دِرْهَمٍ عارِيَّةً. لَزِمَتْه، وكانت مَضْمُونةً عليه، سواءٌ حَكَمْنا بصِحَّةِ العارِيَّةِ في الدَّراهِمِ أو بِفَسادِها؛ لأَنَّ ما ضُمِنَ في العَقْدِ الصَّحِيحِ ضُمِنَ في الفاسِدِ.
وإن قال: أَوْدَعَنِى مائةً فلم أقْبِضْها. أو: أقْرَضَنِى مائةً فلم آخُذْها. قُبِلَ قولُه مُتَّصِلًا، ولم يُقْبَلْ مُنْفَصِلًا. وهكذا إذا قال: نَقَدَنِى مائةً فلم أقْبِضْها. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ.
فصل: وإن قال: له في هذا العَبْدِ ألْفٌ. أو: له مِن هذا العَبْدِ ألْفٌ. طُولِبَ بالبَيانِ،
فإن قال: نَقَدَ عَنِّى ألفًا في ثَمَنِه. كان قَرْضًا،
وإن قال: نَقَدَ في ثَمَنِه ألْفًا. قُلنا: بَيِّنْ كَمْ ثَمَنُ العَبْدِ، وكيف كان الشِّراءُ.
فإن قال: بإيجابٍ واحدٍ، وَزَن ألْفًا وَوَزَنْتُ ألْفًا. كان مُقِرًّا بنِصْفِ العَبْدِ،
وإن قال: وَزَنْتُ أنا ألْفَيْنِ. كان مُقِرًّا بثُلُثِه، والقولُ قولُه مع يَمينِه، سواءٌ كانتِ القِيمةُ قَدْرَ ما ذَكَره أو أقَلَّ؛ لأنَّه قد يَغْبِنُ وقد يُغْبَنُ.
وإن قال: اشْتَرَيْناه بإيجابَيْنِ. قِيلَ له : فكم. اشْتَرَى منه؟
فإن قال: نِصْفًا، أو ثُلُثًا، أو أقَلَّ أو أكْثَرَ. قُبِلَ منه مع يَمينِه، وافَقَ القِيمةَ أو خالَفَها.
وإن قال: وَصَّى لى بأَلْفٍ مِن ثَمَنِه. بِيعَ، وصُرِفَ إليه مِن ثَمَنِه ألْفٌ.
فإن أرادَ أن يُعْطِيَه ألْفًا مِن مالِه، مِن غيرِ ثَمَنِ العَبْدِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأَنَّ المُوصَى له يتَعَيَّنُ حَقُّه في ثَمَنِه.
وإن فَسَّرَ ذلك بجنايةٍ جَنَاهَا العَبْدُ، فتَعلَّقتْ بِرَقَبَتِه، قُبِلَ ذلك، وله بَيْعُ العَبْدِ، ودَفْعُ الأَلْفِ مِن ثَمَنِه.
وإن قال: أردْتُ أنَّه رَهْنٌ عندَه بأَلْفٍ. فعلى وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ في الذِّمَّةِ. والثانى، يُقْبَلُ؛ لأَنَّ الدَّيْنَ يتَعلَّقُ بالرَّهْنِ، فصَحَّ تَفْسِيرُه به، كالجِنَايةِ. ومَذْهَبُ الشّافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما ذَكَرْنا.
٥١٦٠ -
(وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ. وَفَسَّرَهُ بِوَدِيعَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ عَلَيَّ لِلْإِيجَابِ فِي الذِّمَّةِ، وَالْإِقْرَارُ فِيهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ: مَا عَلَى فُلَانٍ عَلَيَّ. كَانَ ضَامِنًا،
فَإِذَا فَسَّرَهُ بِالْوَدِيعَةِ لَمْ يُقْبَلْ ; لِأَنَّ تَفْسِيرَهُ يُنَاقِضُ ظَاهِرَ إِقْرَارِهِ. وَهَذَا إِذَا كَانَ التَّفْسِيرُ مُتَّصِلًا ; لِأَنَّ الْكَلَامَ بِآخِرِهِ.
وَقِيلَ: يُقْبَلُ الْمُنْفَصِلُ كَالْمُتَّصِلِ، كَمَا لَوْ صَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ، وَقَالَهُ مُضَارَبَةً أَوْ وَدِيعَةً.
فَإِنْ زَادَ: بِالْمُتَّصِلِ وَقَدْ تَلِفَتْ. لَمْ يُقْبَلْ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَهُ عَلَيَّ يَقْتَضِي أَنَّهَا عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: وَقَدْ تَلِفَتْ. يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ وَدِيعَةٍ، وَتَلِفَتُ. فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ لُزُومِ الْأَمَانَةِ ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ مَاضٍ فَلَا تَنَاقُضَ.
وَإِنْ أَحْضَرَهُ وَقَالَ: هُوَ هَذَا وَهُوَ وَدِيعَةٌ. فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: هَذَا وَدِيعَةٌ، وَالْمُقَرُّ بِهِ غَيْرُهُ، وَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْكَ. صُدِّقَ الْمُقَرُّ لَهُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ،
وَقَالَ الْقَاضِي، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ: يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.