وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ. وَفَسَّرَهُ بِدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، قُبِلَ مِنْهُ
الشروح عليها
فصل: ولا يُقْبَلُ رُجُوعُ المُقِرِّ عن إقْرارِه، إلَّا فيما كان حَدًّا للَّهِ تعالى، يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ويُحْتاطُ لإِسْقاطِه.
فأمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، وحُقُوقُ اللَّهِ تعالى التى لا تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، كالزَّكاةِ والكَفَّاراتِ ، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنها. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا.
٥١٤٠ - مسألة: (وإن قال: كان له عِنْدِى ألْفٌ وقَضَيْتُه. أو: قَضَيْتُ منه خَمْسَمائةٍ. فقال الخِرَقِىُّ: ليس بإقْرارٍ، والقولُ قولُه مع يَمِينِه) وحَكَى ابنُ أبى مُوسَى في هذه المسألةِ رِوَايَتَيْن؛ إحداهما، أنَّ هذا ليس بإقْرارٍ. اختارَه القاضِى،
وقال: لم أجِدْ عن أحمدَ رِوايةً بغيرِ هذا. وِالثانيةُ، أنَّه مُقِرٌّ بالحَقِّ مُدَّعٍ لقَضائِه، فعليه البَيِّنةُ بالقَضاءِ، وإلَّا حَلَفَ غرِيمُه وأخَذَه اخْتاره أبو الخَطّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أقَرَّ بالدَّينِ وادَّعَى القَضاءَ بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ولأنَّه رفَع جَمِيعَ ما أَثْبَتَه، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ. وللشّافعىِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه قَوْلٌ مُتَّصِلٌ تُمْكِنُ صِحَّتُه، ولا تَناقُضَ فيه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ ، كاسْتِثناءِ البعضِ، وفارَقَ المُنْفَصِلَ؛ لأنَّ حُكْمَ الأوَّلِ قد اسْتَقرَّ بسُكوتِه عليه ، فلا يُمْكِنُ رَفْعُه بعدَ اسْتِقْرارِه، ولذلك لا يُرْفَعُ بعضُه باسْتِثْناءٍ ولا غيرِه، فما يَأْتِى بعدَه مِن دَعْوَى القَضاءِ يكونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، لا تُقْبَلُ إلا بِبَيِّنةٍ،
وأمّا اسْتِثْناءُ الكُلِّ فمُتَناقِضٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ عليه أَلْفٌ وليس عليه شئٌ.
مسألة: (ولو قال: له عندى أَلْفٌ. وفَسَّرَه بدَيْنٍ أو وَدِيعةٍ، قُبِلَ منه) لا نَعْلَمُ فيه بينَ أَهْلِ العلمِ خِلافًا ، سواءٌ فَسَّرَه بكلامٍ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ؛ لأنَّه فَسَّرَ لَفْظَه بما يَقْتَضِيه، فَقُبِلَ، كما لو قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ. وفَسَّرها بِدَيْنٍ عليه، فعندَ ذلك تَثْبُتُ فيه أحكامُ الوَدِيعةِ، بحيث لو ادَّعَى تَلَفَها بعدَ ذلك أو رَدَّها، قُبِلَ قولُه،
وإن فَسَّرَه بدَيْنٍ عليه، قُبِلَ أيضًا؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أَغْلَظُ.
وإن قال: له عِنْدِى وَدِيعةٌ رَدَدْتُها إليه. أو: تَلِفَتْ. لَزِمَه ضَمانُها، ولم يُقْبَلْ قولُه. وبهذا قال الشّافعىُّ؛ لِما فيه مِن مُناقَضةِ الإِقْرارِ، والرُّجُوعِ عمَّا أقَرَّ به،
فإنَّ الألْفَ المَرْدُودَ والتالِفَ ليس عندَه أصْلًا، ولا هى وَدِيعةً، وكلُّ كلامٍ يُناقِضُ الإِقْرارَ ويُحِيلُه، يَجِبُ أن يكونَ مَرْدُودًا.
وقال القاضى: يُقْبَلُ قولُه؛ لأَنَّ أحمدَ
قال في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا قال: لَكَ عِنْدِى وَدِيعةٌ دَفَعْتُها إليك. صُدِّقَ؛ لأنَّه ادَّعَى تَلَفَ الوَدِيعةِ أو رَدَّها، فَقُبِلَ، كما لو ادَّعَى ذلك بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ.
فإن قال: كانت عنْدِى وظَنَنْتُ أنَّها باقِيةٌ، ثم عَرَفْتُ أنَّها كانت قد هَلَكَتْ. فالحُكْمُ فيها كالتى قَبلَها. ٥١٥٩ -
(وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ. وَفَسَّرَهُ بِدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، قُبِلَ مِنْهُ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ سَوَاءٌ فَسَّرَهُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا ; لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِأَحَدِ مَدْلُولَيْهِ فَقُبِلَ. كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ. وَفَسَّرَهُ بِدَيْنٍ، فَعَلَى هَذَا: تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ، بِحَيْثُ لَوِ ادَّعَى تَلَفَهَا أَوْ رَدَّهَا قُبِلَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ. أَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ. صُدِّقَ نَصَّ عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ لِظُهُورِ مُنَاقَضَتِهِ.
قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: إِنْ قَالَهُ مُنْفَصِلًا: وَكَذَا ظَنَنْتُهُ تَالِفًا، ثُمَّ عَلِمْتُ تَلَفَهُ.
وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: لَا يُقْبَلُ هُنَا. وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْإِقْرَارِ وَالرُّجُوعِ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ.
وَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ رَدَدْتُهَا إِلَيْهِ أَوْ تَلِفَتْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإن قال: له عندي ألفٌ وفسره بدَين أو وديعة قُبل منه. وإن قال: له عليّ ألفٌ وفسره بوديعة لم يُقبل) .
أما كون من قال ما ذكر في المسألة الأولى يُقبل منه؛
فلأنه فسر لفظها بأحد مدلولَيْه: أما في تفسيره بدَين؛ فظاهر.
وأما في تفسيره بوديعة؛ فلأن الوديعة تكون عنده كما أن الدين يكون عنده.
ولا فرق في التفسير المذكور بين أن يقع متصلاً؛ لأن تفسيره لا يناقض ظاهر إقراره.
وأما كون من قال ما ذكر في المسألة الثانية لا يُقبل؛ فلأن عليّ للإيجاب، وذلك يقتضي أن الألف في ذمته، ولذلك لو قال: ما على فلان عليّ كان ضامناً.
فإذا فسره بالوديعة لم يصح؛ لأن تفسيره يناقض ظاهر إقراره.
ولا بد أن يلحظ في التفسير المذكور الفرق بين المتصل والمنفصل فيكون التفسير المنفصل هو الذي لا يُقبل. وعليه يحمل كلام المصنف رحمه الله؛ لأن التفسير حصل بعد تمام الإقرار.
بخلاف المتصل فإنه مقبول؛ لأن الكلام بآخره.
فإن قيل: ينبغي أن يقبل مطلقاً؛ لأن الوديعة على المودع حفظها وردها فإذا فسر قوله: عليّ بالوديعة قُبِل كما لو قال: عليّ ألفٌ وديعة.
ولأن الحروف يصح أن يقوم بعضها مقام بعض فيجوز أن يستعمل المقِرّ عليّ بمعنى عندي؛ كما قال الله تعالى إخباراً عن موسى:{ولهم عليّ ذنب}. أي عندي.
قيل: أما القياس على التفسير المتصل فلا يصح؛ لما تقدم من الفرق.
وأما صحة قيام بعض الحروف مقام بعض فذلك مجاز، والظاهر خلافه. والأقارير يؤخذ فيها بظاهر اللفظ. ألا ترى أنه لو قال: له عليّ دراهم لزمته ثلاثة وإن جاز التعبير بلفظ الجمع عن الاثنين وعن الواحد،
ولو قال: له عليّ ثم قال: أردت لي عليه واستعملت عليّ مكان اللام واللام مكان عليّ؛ كقوله تعالى:{وإن أسأتم فلها} أي فعليها لم يُقبل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.