وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ أَوْ رَهَنَ وَأَقْبَضَ، أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ثَمَنٍ أَوْ غَيْرِهِ،
الشروح عليها
مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّه وَهَب، أو رَهَن [وأقْبَضَ] (١) ، أو أقَرَّ بقَبْضٍ ثَمَنٍ أو غيرِه، ثم أنْكَرَ،
وقال: ما قَبَضْت ولا أقْبضْتُ. وسَأَلَ إحْلافَ خصْمِه، فهل تَلْزَمُه اليَمِينُ؟ على وَجْهَيْنِ) وذكَر شيخُنا في كِتابِ «المُغْنِى» رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ دَعْواه تَكْذِيبٌ لإِقْرارِه، فلا تُسْمَعُ، كما لو أقَرَّ المُضارِبُ أنَّه رَبِحَ ألفًا، ثم قال: غَلِطْتُ. ولأَنَّ الإِقْرارَ أقْوَى مِن البَيِّنَةِ،
ولو شَهِدَتِ البَيِّنةُ ثم قال: أحْلِفُوه لى مع بيِّنَتِه . لم يُسْتَحْلَفْ، كذا ههنا. والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ. وهو قولُ الشّافعىِّ، وأبى يوسفَ؛ لأَنَّ العادَةَ جارِيةٌ بالإِقْرارِ بالقَبْضِ قبله، فيَحْتَمِلُ صِحَّةَ ما قاله، فيَنْبَغِى أن يُسْتَحْلَفَ خَصْمُه لِنَفْىِ الاحْتِمالِ، ويُفارِقُ الإِقْرارُ البَيِّنةَ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّ العادَةَ جارِيةٌ بالإِقْرارِ بالقَبْضِ قبلَه، ولم تَجْرِ العادَةُ بالشَّهادَةِ على القَبْضِ قَبْلَه ؛ لأنَّها تكونُ شَهادَةَ زُورٍ. والثانى، أنَّ إنْكارَه مع الشَّهادةِ طَعْنٌ في البَيِّنةِ وتَكْذِيبٌ لها، وفى الإِقْرارِ بخِلافِه.
ولم يَذْكُرِ القاضِى في «المُجَرَّدِ» غيرَ هذا الوَجْهِ.
وكذلك لو أقَرَّ أنَّه اقْتَرضَ منه ألْفًا وقَبَضَها، أو قال: له عَلَىَّ ألْفٌ. ثم قال: ما كنتُ قَبَضْتُها، وإنَّما أَقْرَرْتُ لأَقْبِضَها. فالحُكْمُ كذلك، ولأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ قد أَقَرَّ بذلك بِنَاءً على قولِ وَكِيلِه وظَنِّه، والشَّهادَةُ لا تجوزُ إلَّا على اليَقِينِ.
٥١٦٦ -
(وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ أَوْ رَهَنَ وَأَقْبَضَ، أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ثَمَنٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَنْكَرَ وَقَالَ: مَا قَبَضْتُ وَلَا أَقْبَضْتُ. وَسَأَلَ إِحْلَافَ خَصْمِهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ فِي الْمُغْنِي: إِحْدَاهُمَا: لَا يُسْتَحْلَفُ. نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ; لِأَنَّ دَعْوَاهُ مُكَذِّبٌ لِإِقْرَارِهِ فَلَا تُسْمَعُ؛ وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنَ الْبَيِّنَةِ.
وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَحْلِفُوهُ لِي. لَمْ يُسْتَحْلَفْ، فَكَذَا هُنَا.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى. قَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّهَا تَكُونُ شَهَادَةَ زُورٍ.
فَعَلَى الْأُولَى: قَالَ الشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ: وَلَا يُشَبَّهُ مَنْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ وَادَّعَى تَلْجِئَةً إِنْ قُلْنَا: يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ ادَّعَى مَعْنًى آخَرَ لَمْ يَنْفِ مَا أَقَرَّ بِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ أَقَرَّ بِمِلْكٍ ثُمَّ ادَّعَى شِرَاءَهُ قُبِلَ إِقْرَارُهُ: إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مَا يُنَاقِضُ إِقْرَارَهُ إِلَّا مَعَ شُبْهَةٍ مُعْتَادَةٍ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِقْبَاضٍ، ثُمَّ ادَّعَى فَسَادَهُ، وَأَنَّهُ أَقَرَّ يَظُنُّ الصِّحَّةَ، لَمْ يُقْبَلْ. وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ.
فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ هُوَ بِبُطْلَانِهِ.
وَكَذَا إِنْ قُلْنَا بِرَدِّ الْيَمِينِ فَحَلَفَ الْمُقِرُّ، قَالَهُ ابْنُ حِمْدَانَ.
[بَاعَ شَيْئًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ الْمَبِيعَ لِغَيْرِهِ]
وإنْ أقَرَّ أنَّه وهَب، أو رهَن وأَقْبَضَ، أو أقَرَّ بقَبْضِ ثَمنٍ أو غيرِه، ثم أنْكَرَ، وقالَ: ما قَبضْتُ ولا أقْبَضْتُ. وسَألَ إحْلافَ خَصْمِه، فهل تَلْزَمُه اليَمِينُ؟ على وَجْهَيْن. وهما رِوايَتان. وحَكاهما المُصَنِّفُ فى بعضِ كُتُبِه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايتَيْن، وفى بعضِها وَجْهَيْن. وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصةِ»؛ أحدُهما، تَلْزَمُه اليمينُ. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وقال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»: وله تَحْلِيفُه على الأصحِّ. وجزَم به فى «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ»، و «الوَجِيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، [و «المُنَوِّرِ»] ، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه. واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ. ومالَ إليه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، بلِ اخْتارَه المُصَنِّفُ، ذكَرَه فى أوائلِ بابِ الرَّهْنِ مِن «المُغْنِى». والوَجْهُ الثَّانى، لا يَلْزَمُه. نَصرَه القاضى وأصحابُه. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». قال الشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ: ولا يُشْبِهُ مَنْ أقَرَّ ببَيْعٍ وادَّعَى تَلْجِئَةً، إنْ قُلْنا: يُقْبَلُ.
لأنَّه ادَّعَى مَعْنًى آخَرَ لم يَنْفِ ما أقَرَّ به.
فائدة: لو أقَرَّ ببَيْعٍ أو هِبَةٍ أو إقْباضٍ، ثم ادَّعَى فَسادَه، وأنَّه أقَرَّ يظُنُّ الصِّحَّةَ،
وِإنْ بَاعَ شَيْئًا ثُمَّ أقَرَّ أنَّ المَبِيعَ لِغَيْرِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْمُشْتَرِى، وَلَمْ يَنْفَسِخِ الْبَيْعُ، وَلَزِمَهُ غَرامَتُهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ،
وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ أقَرَّ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مِلْكِى ثُمَّ مَلَكْتُهُ بَعْدُ. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنةٍ.
كُذِّبَ، وله تحْلِيفُ المُقَرِّ له،
فإنْ نَكَلَ، حَلَفَ هو ببُطْلانِه.
وكذا إنْ قُلْنا: تُرَدُّ اليمينُ. فَحَلَفَ المُقِرُّ. ذكَرَه فى «الرِّعايتَيْن».
قال: (وإن أقرّ أنه وهب أو رهن وأقبض أو أقرّ بقبض ثمنٍ أو غيره ثم أنكر وقال: ما قبضتُ ولا أَقبضت وسأل إحلاف خصمه فهل تلزمه اليمين؟ على وجهين) .
أما كون من أقر بما ذكر ثم أنكر وسأل إحلاف خصمه يلزمه اليمين على وجهٍ؛ فلأن العادة جارية بالإشهاد بمثل ذلك من غير قبض ولا إقباض استيثاقاً بالمعقود معه. فشرعت اليمين معه وسيلة إلى إظهار الحق بتقدير النكول.
وأما كونه لا يلزمه على وجهٍ؛ فلأن الإقرار أبلغ من البينة، والبينة لو كانت بمعاينة ما ذُكر وطلب الخصم إحلاف خصمه لم يكن له ذلك. فكذلك فيما هو أبلغ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.