فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الأيمان

الأطعمة والأيمان والنذور

مذهبي

هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب

في متون المذاهب الأربعة

الحنفية
كتاب آخر
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالكاساني، ٣٨٩ مسألة
  1. الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ.

  2. أَنْوَاعِ الْيَمِينِ وَفِي بَيَانِ رُكْنِ كُلِّ نَوْعٍ وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ وَفِي بَيَانِ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ أَوْ الْمُسْتَحْلِفِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْيَمِينُ فِي الْقِسْمَةِ الْأُولَى يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: يَمِينٌ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَسَمِ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَيَمِينٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.

  3. وَقَالَ أَصْحَابُ الظَّاهِرِ هِيَ قِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ عز وجل فَلَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا مَجَازًا، حَتَّى إنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ يَحْنَثُ، وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لَا يَحْنَثُ.

  4. وَجْهُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَلِهَذَا كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ الْقَسَمَ بِمَا جَلَّ قَدْرُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ وَكَثُرَ نَفْعُهُ عِنْدَ الْخَلْقِ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ بِهَذَا النَّوْعِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ التَّعْظِيمَ بِهَذَا النَّوْعِ عِبَادَةٌ وَلَا تَجُوزُ الْعِبَادَةُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى.

  5. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَاسْتَثْنَى فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» سَمَّاهُ حَلِفًا، وَالْحَلِفُ وَالْيَمِينُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، وَالْأَصْلُ فِي إطْلَاقِ الِاسْمِ هُوَ الْحَقِيقَةُ فَدَلَّ أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَمِينٌ حَقِيقَةً.

  6. وَكَذَا مَأْخَذُ الِاسْمِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ الْقُوَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أَيْ بِالْقُوَّةِ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْيَدُ الْيَمِينُ يَمِينًا لِفَضْلِ قُوَّتِهَا عَلَى الشِّمَالِ عَادَةً.

  7. قَالَ الشَّاعِرُ:

  8. رَأَيْت عَرَابَةَ الْأَوْسِيَّ يَسْمُو … إلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ

  9. إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ … تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ

  10. أَيْ بِالْقُوَّةِ، وَمَعْنَى الْقُوَّةِ يُوجَدُ فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ أَنَّ الْحَالِفَ يَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْمَرْهُوبِ وَعَلَى التَّحْصِيلِ فِي

  11. الْمَرْغُوبِ.

  12. وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَعَاهُ طَبْعُهُ إلَى فِعْلٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ اللَّذَّةِ الْحَاضِرَةِ فَعَقْلُهُ يَزْجُرُهُ عَنْهُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعَاقِبَةِ الْوَخِيمَةِ، وَرُبَّمَا لَا يُقَاوِمُ طَبْعَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَقَوَّى عَلَى الْجَرْيِ عَلَى مُوجَبِ الْعَقْلِ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِمَا عُرِفَ مِنْ قُبْحِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.

  13. وَكَذَا إذَا دَعَاهُ عَقْلُهُ إلَى فِعْلٍ تَحْسُنُ عَاقِبَتُهُ وَطَبْعُهُ يَسْتَثْقِلُ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهُ عَنْهُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِيَتَقَوَّى بِهَا عَلَى التَّحْصِيلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِأَنَّ الْحَالِفَ يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ خَوْفًا مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الَّذِي هُوَ مُسْتَثْقَلٌ عَلَى طَبْعِهِ فَثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ يُوجَدُ فِي النَّوْعَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلْفَصْلِ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا سَمَّى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي أَبْوَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ يَمِينًا، وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ.

  14. ثُمَّ.

  15. الْيَمِينُ - بِاَللَّهِ - تَعَالَى مُنْقَسِمٌ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ يَمِينُ الْغَمُوسِ وَيَمِينُ اللَّغْوِ وَيَمِينٌ مَعْقُودَةٌ.

  16. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْأَصْلِ وَقَالَ: الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ وَيَمِينٌ لَا تُكَفَّرُ وَيَمِينٌ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ بِهَا صَاحِبَهَا، وَفَسَّرَ الثَّالِثَةَ بِيَمِينِ اللَّغْوِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِقَوْلِهِ: الْأَيْمَانُ ثَلَاثٌ الْأَيْمَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا جِنْسَ الْأَيْمَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ أَخْبَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ انْتِفَاءِ الْمُؤَاخَذَةِ بِلَغْوِ الْيَمِينِ بِلَفْظَةِ التَّرَجِّي وَانْتِفَاءُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْيَمِينِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ عز وجل ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ .

  17. فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ يَمِينَ اللَّغْوِ هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ لَكِنْ لَا عَنْ قَصْدٍ بَلْ خَطَأً أَوْ غَلَطًا عَلَى مَا نَذْكُرُ تَفْسِيرَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالتَّحَرُّزُ عَنْ فِعْلِهِ مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ وَحِفْظُ النَّفْسِ عَنْهُ مَقْدُورٌ فَكَانَ جَائِزَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَفَضْلًا وَلِهَذَا يَجِبُ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ عَنْ فِعْلِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ كَذَلِكَ فَذَكَرَ مُحَمَّدٌ لَفْظَ الرَّجَاءِ لِيُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِرَفْعِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ بَعْدَمَا كَانَ جَائِزَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ.

  18. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً عَنْ هَذَا النَّوْعِ قَطْعًا لَكِنَّ الْعِلْمَ بِمُرَادِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ بَلْ هُوَ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

  19. وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ اجْتِهَادٍ عِلْمُ غَالِبِ الرَّأْيِ وَأَكْثَرِ الظَّنِّ لَا عِلْمُ الْقَطْعِ فَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدٌ لَفْظَةَ الرَّجَاءِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادُ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ مَا أَفْضَى إلَيْهِ اجْتِهَادُ مُحَمَّدٍ فَكَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الرَّجَاءِ فِي مَوْضِعِهِ.

  20. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَقَالَ: الْيَمِينُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ تَكُونَ مُحِيطَةً بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ بِخُرُوجِ الْحَالِ عَنْهَا وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ وَيَمِينِ اللَّغْوِ عَلَى مَا نَذْكُرُ تَفْسِيرَهُمَا فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ نَاقِصَةً وَالنُّقْصَانُ فِي الْقِسْمَةِ مِنْ عُيُوبِ الْقِسْمَةِ كَالزِّيَادَةِ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ الصَّحِيحَةُ مَا ذَكَرْنَا لِوُقُوعِهَا حَاصِرَةً جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ عَنْهَا جُزْءٌ

  21. وَكَذَا مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ نَوْعٍ بِنَفْسِهِ وَحُكْمِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَنَحْنُ أَخَّرْنَا بَيَانَ الْحُكْمِ عَنْ بَيَانِ النَّوْعِ سَوْقًا لِلْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ضَمَّنَّاهُ.

  22. أَمَّا يَمِينُ الْغَمُوسِ فَهِيَ الْكَاذِبَةُ قَصْدًا فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ عَلَى النَّفْيِ أَوْ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَهِيَ الْخَبَرُ عَنْ الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فِي ذَلِكَ مَقْرُونًا بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَهُ، أَوْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، أَوْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ دَيْنٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا فَهَذَا تَفْسِيرُ يَمِينِ الْغَمُوسِ.

  23. وَأَمَّا يَمِينُ اللَّغْوِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ خَطَأً أَوْ غَلَطًا فِي الْمَاضِي أَوْ فِي الْحَالِ وَهِيَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ الْمَاضِي أَوْ عَنْ الْحَالِ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَخْبَرَ بِهِ كَمَا أَخْبَرَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ فِي النَّفْيِ أَوْ فِي الْإِثْبَاتِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ، أَوْ وَاَللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُ زَيْدًا وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَهُوَ بِخِلَافِهِ أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا الْجَائِيَ لَزَيْدٌ، إنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَغُرَابٌ وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: اللَّغْوُ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ حَقٌّ وَلَيْسَ بِحَقٍّ.

  24. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَمِينُ اللَّغْوِ هِيَ الْيَمِينُ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا وَاَللَّهِ، وَبَلَى وَاَللَّهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ.

  25. وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا لَغْوَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ، قَصَدَ الْيَمِينَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ وَإِنَّمَا اللَّغْوُ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَقَطْ، وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى إثْرِ حِكَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللَّغْوَ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ وَعِنْدَنَا ذَلِكَ لَغْوٌ فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي يَمِينٍ

  26. لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عِنْدَنَا لَيْسَ بِلَغْوٍ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَهُ هِيَ لَغْوٌ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا.

  27. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَمِينُ اللَّغْوِ هِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْمَعَاصِي نَحْوُ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَا أُصَلِّي صَلَاةَ الظَّهْرِ وَلَا أَصُومُ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ لَا أُكَلِّمُ أَبَوَيَّ أَوْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَأَزْنِيَنَّ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا.

  28. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ إذَا حَنِثَ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُوجِبُ.

  29. وَجْهُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ اللَّغْوَ هُوَ الْإِثْمُ فِي اللُّغَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أَيْ كَلَامًا فِيهِ إثْمٌ، فَقَالُوا: إنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى - ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ أَيْ لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِالْإِثْمِ فِي أَيْمَانِكُمْ عَلَى الْمَعَاصِي بِنَقْضِهَا وَالْحِنْثِ فِيهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ قَوْلَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ صِلَةَ قَوْلِهِ عز وجل ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ .

  30. وَقِيلَ فِي الْقِصَّةِ إنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ وَلَا يَبَرَّ وَلَا يَصِلَ أَقْرِبَاءَهُ وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ فَإِذَا أُمِرَ بِذَلِكَ يَتَعَلَّلُ وَيَقُولُ إنِّي حَلَفْتُ عَلَى ذَلِكَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ - ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الْآيَةَ لِأَنَّهُ لَا مَأْثَمَ عَلَيْهِمْ بِنَقْضِ ذَلِكَ الْيَمِينِ وَتَحْنِيثِ النَّفْسِ فِيهَا وَإِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْإِثْمِ فِيهَا بِحِفْظِهَا وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكَفَّارَتُهُ إلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أَيْ حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْ فِيهَا الْكَفَّارَةَ أَصْلًا لِمَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَيَانِ حُكْمِ الْيَمِينِ.

  31. وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ يَمِينِ اللَّغْوِ فَقَالَتْ: هِيَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي كَلَامِهِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ وَعَنْ عَطَاءٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ يَمِينِ اللَّغْوِ فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: رضي الله عنها إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ» فَثَبَتَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا أَنَّ تَفْسِيرَ يَمِينِ اللَّغْوِ مَا قُلْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فَكَانَ لَغْوًا عَلَى كُلِّ حَالٍ إذَا لَمْ يَقْصِدْهُ الْحَالِفُ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَابَلَ يَمِينَ اللَّغْوِ بِالْيَمِينِ الْمَكْسُوبَةِ بِالْقَلْبِ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وَالْمَكْسُوبَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ فَكَانَ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ دَاخِلًا فِي قَسَمِ اللَّغْوِ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ.

  32. (وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى - ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ قَابَلَ يَمِينَ اللَّغْوِ بِالْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمُؤَاخَذَةِ وَنَفْيِهَا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ يَمِينُ اللَّغْوِ غَيْرَ الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ، وَالْيَمِينُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَصْدُ أَوْ لَا وَلِأَنَّ اللَّغْوَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ.

  33. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ بَاطِلًا.

  34. وَقَالَ عز وجل خَبَرًا عَنْ الْكَفَرَةِ ﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا وَهُوَ الْحَلِفُ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ عَلَى ظَنٍّ مِنْ الْحَالِفِ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَالْحَقِيقَةُ بِخِلَافِهِ

  35. وَكَذَا مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَكِنْ فِي الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ فَهُوَ مِمَّا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فَكَانَ لَغْوًا وَلِأَنَّ اللَّغْوَ لَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ كَانَ هُوَ الْبَاطِلَ الَّذِي لَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا مَعْقُودَةً لِأَنَّ لَهَا حُكْمًا.

  36. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ بِالنَّصِّ؟ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اللَّغْوِ مَا قُلْنَا وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي تَفْسِيرِ يَمِينِ اللَّغْوِ هِيَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ يَمِينَ اللَّغْوِ مَا يَجْرِي فِي كَلَامِ النَّاسِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فِي الْمَاضِي لَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا فَسَّرَتْهَا بِالْمَاضِي فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.

  37. وَرُوِيَ عَنْ مَطَرٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ دَخَلْت أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَسَأَلْتهَا عَنْ يَمِينِ اللَّغْوِ فَقَالَتْ قَوْلُ الرَّجُلِ فَعَلْنَا وَاَللَّهِ كَذَا وَصَنَعْنَا وَاَللَّهِ كَذَا فَتُحْمَلُ تِلْكَ الرِّوَايَةُ عَلَى هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ إذْ الْمُجْمَلُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُفَسَّرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى قَابَلَ اللَّغْوَ بِالْيَمِينِ الْمَكْسُوبَةِ فَنَقُولُ: فِي تِلْكَ الْآيَةِ قَابَلَهَا بِالْمَكْسُوبَةِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَابَلَهَا بِالْمَعْقُودَةِ،

  38. وَمَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ الْآيَتَيْنِ عَلَى التَّوَافُقِ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى التَّعَارُضِ فَنَجْمَعُ بَيْنَ حُكْمِ الْآيَتَيْنِ فَنَقُولُ: يَمِينُ اللَّغْوِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَكْسُوبَةٍ وَغَيْرُ مَعْقُودَةٍ، وَالْمُخَالِفُ عَطَّلَ إحْدَى الْآيَتَيْنِ فَكُنَّا أَسْعَدَ حَالًا مِنْهُ.

  39. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ الْآيَةُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى الْمَاضِي مَعْنَاهُ ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ أَيْ لَا تَحْلِفُوا أَنْ

  40. لَا تَبَرُّوا وَيَجُوزُ إضْمَارُ حَرْفٍ لَا فِي مَوْضِعِ الْقَسَمِ وَغَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ أَيْ لَا يُؤْتَوْا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ عَامَّةً أَيْ لَا تَحْلِفُوا لِكَيْ تَبَرُّوا فَتَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً بِالْحِنْثِ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَرْكِ التَّعْظِيمِ بِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِالْيَمِينِ، يُقَالُ فُلَانٌ عُرْضَةٌ لِلنَّاسِ أَيْ لَا يُعَظِّمُونَهُ وَيَقَعُونَ فِيهِ فَيَكُونُ هَذَا نَهْيًا عَنْ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَكُنِ الْحَالِفُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى مُوجِبِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْبِرُّ أَوْ غَالِبِ الرَّأْيِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ -.

  41. وَأَمَّا الْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ فَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا نَحْوَ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا

  42. وَكَذَا وَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا رُكْنُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَالْمُقْسَمِ بِهِ ثُمَّ الْمُقْسَمُ بِهِ قَدْ يَكُونُ اسْمًا وَقَدْ يَكُونُ صِفَةً وَالِاسْمُ قَدْ يَكُونُ مَذْكُورًا وَقَدْ يَكُونُ مَحْذُوفًا وَالْمَذْكُورُ قَدْ يَكُونُ صَرِيحًا وَقَدْ يَكُونُ كِنَايَةً، أَمَّا الِاسْمُ صَرِيحًا فَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَيَّ اسْمٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ اسْمًا خَاصًّا لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - نَحْوُ اللَّهِ وَالرَّحْمَنِ أَوْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَلَى غَيْرِهِ كَالْعَلِيمِ وَالْحَكِيمِ وَالْكَرِيمِ وَالْحَلِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَإِنْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْخَلْقِ وَلَكِنْ تُعَيِّنُ الْخَالِقَ مُرَادًا بِدَلَالَةِ الْقَسَمِ إذْ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى حَمْلًا لِكَلَامِهِ عَلَى الصِّحَّةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيُصَدَّقُ فِي أَمْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ.

  3. وَحُكِيَ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ فِيمَنْ قَالَ وَالرَّحْمَنِ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ حَالِفٌ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ سُورَةَ الرَّحْمَنِ فَلَيْسَ بِحَالِفٍ فَكَأَنَّهُ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَسَمُ بِحَرْفِ الْبَاءِ أَوْ الْوَاوِ أَوْ التَّاءِ بِأَنْ قَالَ بِاَللَّهِ أَوْ تَاللَّهِ لِأَنَّ الْقَسَمَ بِكُلِّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ وَقَالَ عز وجل ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وَقَالَ عز وجل ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ وَقَالَ عز وجل ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَدَعْ» إلَّا أَنَّ الْبَاءَ هِيَ الْأَصْلُ وَمَا سِوَاهَا دَخِيلٌ قَائِمٌ مَقَامَهَا، فَقَوْلُ الْحَالِفِ بِاَللَّهِ أَيْ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لِأَنَّ الْبَاءَ حَرْفُ إلْصَاقٍ وَهُوَ إلْصَاقُ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ وَرَبْطُ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ، وَالنَّحْوِيُّونَ يُسَمُّونَ الْبَاءَ حَرْفَ إلْصَاقٍ وَحَرْفَ الرَّبْطِ وَحَرْفَ الْآلَةِ وَالتَّسْبِيبِ فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ فَقَدْ أَلْصَقْتَ الْفِعْلَ بِالِاسْمِ وَرَبَطْتَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَكَانَ الْقَلَمُ آلَةَ الْكِتَابَةِ وَسَبَبًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهَا فَإِذَا قَالَ بِاَللَّهِ فَقَدْ أَلْصَقَ الْفِعْلَ الْمَحْذُوفَ وَهُوَ قَوْلُهُ: احْلِفْ بِالِاسْمِ وَهُوَ قَوْلُهُ: بِاَللَّهِ وَجَعَلَ اسْمَ اللَّهِ آلَةً لِلْحَلِفِ وَسَبَبًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أُسْقِطَ قَوْلُهُ أَحْلِفُ وَاكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ بِاَللَّهِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْعَرَبِ مِنْ حَذْفِ الْبَعْضِ وَإِبْقَاءِ الْبَعْضِ عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ إذَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ بِاسْمِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا خُفِضَ الِاسْمُ لِأَنَّ الْبَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْخَفْضِ وَالْوَاوُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فَصَارَ كَأَنَّ الْبَاءَ هُوَ الْمَذْكُورُ

  4. وَكَذَا التَّاءُ قَائِمٌ مَقَامَ الْوَاوِ فَكَانَ الْوَاوَ هُوَ الْمَذْكُورُ إلَّا أَنَّ الْبَاءَ تُسْتَعْمَلُ فِي جَمِيعِ مَا يُقْسَمُ بِهِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَذَا الْوَاوُ.

  5. فَأَمَّا التَّاءُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَقُولُ تَاللَّهِ وَلَا تَقُولُ تَالرَّحْمَنِ وَتَعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَعْنًى يُذْكَرُ فِي النَّحْوِ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ بِأَنْ قَالَ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا يَكُونُ يَمِينًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حَلَّفَ رُكَانَةَ بْنَ زَيْدٍ أَوْ زَيْدَ بْنَ رُكَانَةَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَقَالَ: اللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِالْبَتِّ إلَّا وَاحِدَةً» وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِالْكَسْرِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ اللَّهَ بِالْكَسْرِ وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ ﷺ

  6. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ سَأَلَهُ وَاحِدٌ وَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ قَالَ: خَيْرٍ عَافَاكَ اللَّهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ هَلْ يَكُونُ يَمِينًا لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْأَصْلِ وَقَالُوا إنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الرَّاءَ تُوضَعُ مَوْضِعَ اللَّامِ يُقَالُ آمَنَ بِاَللَّهِ وَآمَنَ لَهُ بِمَعْنًى.

  7. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ وَرَبِّي وَرَبِّ الْعَرْشِ أَوْ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَانَ حَالِفًا لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ.

  8. (وَأَمَّا) الصِّفَةُ فَصِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّهَا كُلَّهَا لِذَاتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا لَا يُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ إلَّا فِي الصِّفَةِ نَفْسِهَا فَالْحَلِفُ بِهَا يَكُونُ يَمِينًا، وَمِنْهَا مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الصِّفَةِ وَفِي

  9. غَيْرِهَا اسْتِعْمَالًا عَلَى السَّوَاءِ فَالْحَلِفُ بِهَا يَكُونُ يَمِينًا أَيْضًا، وَمِنْهَا مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الصِّفَةِ وَفِي غَيْرِهَا لَكِنْ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الصِّفَةِ هُوَ الْغَالِبُ فَالْحَلِفُ بِهَا لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَعَنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ يَمِينًا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وَمَا لَمْ يَتَعَارَفُوهُ يَمِينًا لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إذَا قَالَ وَعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَكُونُ حَالِفًا لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ إذَا ذُكِرَتْ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لَا يُرَادُ بِهَا إلَّا نَفْسَهَا فَكَانَ مُرَادُ الْحَالِفِ بِهَا الْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى

  10. وَكَذَا النَّاس يَتَعَارَفُونَ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِهَا.

  11. وَكَذَا لَوْ قَالَ وَقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ وَكَلَامِهِ يَكُونُ حَالِفًا لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الصِّفَةِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الصِّفَةِ لَكِنَّ الصِّفَةَ تَعَيَّنَتْ مُرَادَةً بِدَلَالَةِ الْقَسَمِ إذْ لَا يَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَالظَّاهِرُ إرَادَةُ الصِّفَةِ بِقَرِينَةِ الْقَسَمِ

  12. وَكَذَا النَّاسُ يُقْسِمُونَ بِهَا فِي الْمُتَعَارَفِ فَكَانَ الْحَلِفُ بِهَا يَمِينًا،

  13. وَلَوْ قَالَ وَرَحْمَةِ اللَّهِ أَوْ غَضَبِهِ أَوْ سَخَطِهِ لَا يَكُونُ هَذَا يَمِينًا لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ آثَارُهَا عَادَةً لَا نَفْسُهَا فَالرَّحْمَةُ يُرَادُ بِهَا الْجَنَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وَالْغَضَبُ وَالسَّخَطُ يُرَادُ بِهِ أَثَرُ الْغَضَبِ وَالسَّخَطِ عَادَةً وَهُوَ الْعَذَابُ وَالْعُقُوبَةُ لَا نَفْسُ الصِّفَةِ فَلَا يَصِيرُ بِهِ حَالِفًا إلَّا إذَا نَوَى بِهِ الصِّفَةَ.

  14. وَكَذَا الْعَرَبُ مَا تَعَارَفَتْ الْقَسَمَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَلَا يَكُونُ الْحَلِفُ بِهَا يَمِينًا

  15. وَكَذَا وَعِلْمِ اللَّهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ كَالْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ.

  16. (وَلَنَا) أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَعْلُومُ عَادَةً يُقَالُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَك فِينَا أَيْ مَعْلُومَك مِنَّا وَمِنْ زَلَّاتِنَا وَيُقَالُ هَذَا عِلْمُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْ مَعْلُومُهُ لِأَنَّ عِلْمَ أَبِي حَنِيفَةَ قَائِمٌ بِأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُزَايِلُهُ، وَمَعْلُومُ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ يَكُونُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْعَالِمِ بِأَعْيَانِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَالْمَعْدُومَاتُ كُلُّهَا لِأَنَّ الْمَعْدُومَ مَعْلُومٌ فَلَا يَكُونُ الْحَلِفُ بِهِ يَمِينًا إلَّا إذَا أَرَادَ بِهِ الصِّفَةَ.

  17. وَكَذَا الْعَرَبُ لَمْ تَتَعَارَفْ الْقَسَمَ بِعِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا يَكُونُ يَمِينًا بِدُونِ النِّيَّةِ.

  18. وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ عَمَّنْ قَالَ وَسُلْطَانِ اللَّهِ فَقَالَ لَا أَرَى مَنْ يَحْلِفُ بِهَذَا أَيْ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالسُّلْطَانِ الْقُدْرَةَ يَكُونُ حَالِفًا كَمَا لَوْ قَالَ وَقُدْرَةِ اللَّهِ وَإِنْ أَرَادَ الْمَقْدُورَ لَا يَكُونُ حَالِفًا لِأَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ وَلَوْ قَالَ وَأَمَانَةِ اللَّهِ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ.

  19. وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ أَمَانَةَ اللَّهِ فَرَائِضُهُ الَّتِي تَعَبَّدَ عِبَادَهُ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ فَكَانَ حَلِفًا بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ عز وجل فَلَا يَكُونُ يَمِينًا.

  20. (وَجْهُ) مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْأَمَانَةَ الْمُضَافَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْقَسَمِ يُرَادُ بِهَا صِفَتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمِينَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْأَمَانَةِ؟ فَكَانَ الْمُرَادُ بِهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ خُصُوصًا فِي مَوْضِعِ الْقَسَمِ صِفَةَ اللَّهِ وَلَوْ قَالَ وَعَهْدِ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ لِأَنَّ الْعَهْدَ يَمِينٌ لِمَا يُذْكَرُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَيَمِينِ اللَّهِ وَذَلِكَ يَمِينٌ فَكَذَا هَذَا.

  21. وَلَوْ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا يَكُونُ يَمِينًا كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَكَانَ الْحَلِفُ بِالِاسْمِ حَلِفًا بِالذَّاتِ كَأَنَّهُ قَالَ بِاَللَّهِ،

  22. وَلَوْ قَالَ وَوَجْهِ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ كَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْوَجْهَ الْمُضَافَ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - يُرَادُ بِهِ الذَّاتُ قَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ أَيْ ذَاتَهُ.

  23. وَقَالَ عز وجل ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ أَيْ ذَاتُهُ وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ وَوَجْهِ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا ثُمَّ فَعَلَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِيَمِينٍ.

  24. وَقَالَ ابْنُ شُجَاعٍ إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَيْمَانِ النَّاسِ إنَّمَا هِيَ حَلِفُ السَّفَلَةِ، وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا أَفْعَلُ كَذَا

  25. وَكَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ يَمِينًا.

  26. وَكَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَا أَفْعَلُ كَذَا لِأَنَّ الْعَادَةَ مَا جَرَتْ بِالْقَسَمِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَإِنَّمَا يُذْكَرُ هَذَا قَبْلَ الْخَبَرِ عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا إذَا نَوَى الْيَمِينَ فَكَأَنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ الْقَسَمِ فَيَكُونُ حَالِفًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ وَمَلَكُوتِ اللَّهِ وَجَبَرُوتِ اللَّهِ إنَّهُ يَمِينٌ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الصِّفَةِ فَكَانَ الْحَلِفُ بِهِ يَمِينًا كَقَوْلِهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ.

  27. وَلَوْ قَالَ وَعَمْرِ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا كَانَ يَمِينًا لِأَنَّ هَذَا حَلِفٌ بِبَقَاءِ اللَّهِ وَهُوَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الصِّفَةِ

  28. وَكَذَا الْحَلِفُ بِهِ مُتَعَارَفٌ قَالَ اللَّهُ عز وجل : - ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .

  29. وَقَالَ طَرَفَةُ

  30. لَعَمْرُك إنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأَ الْفَتَى … لَكَالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ

  31. وَلَوْ قَالَ وَاَيْمُ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا كَانَ يَمِينًا لِأَنَّ هَذَا مِنْ صِلَاتِ الْيَمِينِ عِنْدَ الْبَصْرِيَّيْنِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رضي الله عنه حِينَ أَمَّرَهُ فِي حَرْبِ مُؤْتَةَ وَقَدْ بَلَغَهُ الطَّعْنُ وَاَيْمُ اللَّهِ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ» وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ هُوَ جَمْعُ الْيَمِينِ تَقْدِيرُهُ وَأَيْمُنِ اللَّهِ إلَّا أَنَّ النُّونَ أُسْقِطَتْ عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ لِلتَّخْفِيفِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وَالْأَيْمُنُ جَمْعُ يَمِينٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَيَمِينِ اللَّهِ وَإِنَّهُ حَلِفٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعَرَبَ تَعَارَفَتْهُ يَمِينًا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ

  32. فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَإِنْ قُطِعَتْ رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي

  33. حَلَفْتُ لَهَا بِاَللَّهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ … لَنَامُوا فَمَا إنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلَا صَالِي

  34. وَقَالَتْ عُنَيْزَةُ

  35. فَقَالَتْ يَمِينُ اللَّهِ مَا لَكَ حِيلَةٌ … وَمَا أَنْ أَرَى عَنْكَ الْغِوَايَةَ تَنْجَلِي

  36. فَقَدْ اسْتَعْمَلَ امْرُؤُ الْقَيْسِ يَمِينَ اللَّهِ وَسَمَّاهُ حَلِفًا بِاَللَّهِ.

  37. وَلَوْ قَالَ وَحَقِّ اللَّهِ لَا يَكُونُ حَالِفًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَرُوِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا وَوَجْهُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَحَقِّ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ إضَافَةَ الْحَقِّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُضَافُ إلَى نَفْسِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَالْحَقُّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ الْحَقِّ، وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُضَافَ الشَّيْءُ إلَى غَيْرِهِ لَا إلَى نَفْسِهِ فَكَانَ حَلِفًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ يَمِينًا وَلِأَنَّ الْحَقَّ الْمُضَافَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يُرَادُ بِهِ الطَّاعَاتُ وَالْعِبَادَاتُ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي عُرْفِ الشَّرْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فَقَالَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» وَالْحَلِفُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ قَالَ وَالْحَقِّ يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ .

  38. وَقِيلَ إنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ يَكُونُ يَمِينًا وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ اسْمَ الْحَقِّ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ فَيَقِفُ عَلَى النِّيَّةِ وَلَوْ قَالَ حَقًّا، لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ قَوْلَهُ حَقًّا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ صِدْقًا وَقَالَ أَبُو مُطِيعٍ هُوَ يَمِينٌ لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَوْلُهُ حَقًّا كَقَوْلِهِ وَالْحَقِّ.

  39. وَلَوْ قَالَ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَحْلِفُ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ كَانَ يَمِينًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا إذَا نَوَى الْيَمِينَ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْحَالَ وَيَحْتَمِلُ الِاسْتِقْبَالَ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ وَلَنَا أَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً وَلِلِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةِ السِّينِ وَسَوْفَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَكَانَ هَذَا إخْبَارًا عَنْ حَلِفِهِ بِاَللَّهِ لِلْحَالِ وَهَذَا إذَا ظَهَرَ الْمُقْسَمُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بِأَنْ قَالَ أُقْسِمُ أَوْ أَحْلِفُ أَوْ أَشْهَدُ أَوْ أَعْزِمُ كَانَ يَمِينًا فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَكُونُ يَمِينًا.

  40. (وَجْهُ) قَوْلِهِ إنَّهُ إذَا لَمْ يَذْكُرْ الْمَحْلُوفَ بِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُجْعَلُ حَلِفًا مَعَ الشَّكِّ.

  41. (وَلَنَا) أَنَّ الْقَسَمَ لَمَّا لَمْ يَجُزْ إلَّا بِاَللَّهِ عز وجل كَانَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ إخْبَارًا عَمَّا لَا يَجُوزُ بِدُونِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْعَرَبَ تَعَارَفَتْ الْحَلِفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ وَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ فَاَللَّهُ سبحانه وتعالى سَمَّاهُ يَمِينًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ .

  42. وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ بِاَللَّهِ ثُمَّ سَمَّاهُ قَسَمًا وَالْقَسَمُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ فَقَالَ أَفَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْيَمِينِ؟ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الْيَمِينِ لَا مَحَالَةَ وَإِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْإِخْبَارَ عَنْ أَمْرٍ يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَوْلُهُ أَعْزِمُ مَعْنَاهُ أُوجِبُ فَكَانَ إخْبَارًا عَنْ الْإِيجَابِ فِي الْحَالِ وَهَذَا مَعْنَى الْيَمِينِ

  43. وَكَذَا لَوْ قَالَ عَزَمْتُ لَا أَفْعَلُ كَذَا كَانَ حَالِفًا

  44. وَكَذَا لَوْ قَالَ آلَيْتُ لَا أَفْعَلُ كَذَا لِأَنَّ الْأَلِيَّةَ هِيَ الْيَمِينُ

  45. وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ نَذْرُ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ وَسَمَّى فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا سَمَّى وَمَنْ نَذَرَ وَلَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» .

  46. وَقَالَ ﷺ «النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ عَنْ بَيْعِ رِبَاعِهَا أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ: فَقَالَتْ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ كَلَّمْتُهُ أَبَدًا فَأَعْتَقَ عَنْ يَمِينِهَا عَبْدًا

  47. وَكَذَا قَوْلُهُ عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ يَمِينُ اللَّهِ فِي قَوْلِ

  48. أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.

  49. وَقَالَ زُفَرُ لَهُ عَلَيَّ يَمِينٌ لَا يَكُونُ يَمِينًا.

  50. (وَجْهُ) قَوْلِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْيَمِينَ قَدْ يَكُونُ بِاَللَّهِ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْعَقِدُ يَمِينًا بِالشَّكِّ.

  51. (وَلَنَا) أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ يَمِينٌ أَيْ يَمِينُ اللَّهِ إذْ لَا يَجُوزُ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ يَمِينُ اللَّهِ دُونَ قَوْلِهِ عَلَيَّ يَمِينٌ فَكَيْفَ مَعَهُ؟ أَوْ يُقَالُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ يَمِينُ اللَّهِ أَيْ عَلَيَّ مُوجِبُ يَمِينِ اللَّهِ إلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ أَوْ ذِمَّةُ اللَّهِ أَوْ مِيثَاقُهُ فَهُوَ يَمِينٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - هِيَ عَهْدُ اللَّهِ عَلَى تَحْقِيقٍ أَوْ نَفْيِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ سبحانه وتعالى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ وَجُعِلَ الْعَهْدُ يَمِينًا، وَالذِّمَّةُ هِيَ الْعَهْدُ وَمِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَيْ أَهْلُ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَالْعَهْدُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ إذَا بَعَثَ جَيْشًا قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ إيَّاهُمْ وَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ» أَيْ عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ وَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ كَافِرٌ أَوْ يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ يَعْبُدُ الصَّلِيبَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ اعْتِقَادُهُ كُفْرًا فَهُوَ يَمِينٌ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

  52. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ عَلَّقَ الْفِعْلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ فَلَا يَكُونُ حَالِفًا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ شَارِبٌ خَمْرًا أَوْ آكِلٌ مَيْتَةً.

  53. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِهَا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَلِفًا لَمَا تَعَارَفُوا لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْصِيَةٌ فَدَلَّ تَعَارُفُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ عز وجل وَإِنْ لَمْ يُعْقَلْ.

  54. وَجْهُ الْكِنَايَةِ فِيهِ كَقَوْلِ الْعَرَبِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَضْرِبَ ثَوْبِي حَطِيمَ الْكَعْبَةِ إنَّ ذَلِكَ جُعِلَ كِنَايَةً عَنْ التَّصَدُّقِ فِي عُرْفِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُعْقَلْ وَجْهُ الْكِنَايَةِ فِيهِ كَذَا هَذَا، هَذَا إذَا أَضَافَ الْيَمِينَ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَأَمَّا إذَا أَضَافَ إلَى الْمَاضِي بِأَنْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا لِشَيْءٍ قَدْ فَعَلَهُ فَهَذَا يَمِينُ الْغَمُوسِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ عِنْدَنَا لَكِنَّهُ هَلْ يُكَفَّرُ؟

  55. لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَصْلِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ أَنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْكُفْرَ بِشَيْءٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ هُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَكَتَبَ نَصْرُ بْنُ يَحْيَى إلَى ابْنِ شُجَاعٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا يَكْفُرُ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهِ الْكُفْرَ وَلَا اعْتَقَدَهُ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ تَرْوِيحَ كَلَامِهِ وَتَصْدِيقَهُ فِيهِ وَلَوْ قَالَ عَصَيْتُ اللَّهَ إنْ فَعَلْتُ كَذَا أَوْ عَصَيْتُهُ فِي كُلِّ مَا افْتَرَضَ عَلَيَّ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ لِأَنَّ النَّاسَ مَا اعْتَادُوا الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ.

  56. وَلَوْ قَالَ هُوَ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ أَوْ يَسْتَحِلُّ الدَّمَ أَوْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ أَوْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ إنْ فَعَلَ كَذَا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَمِينًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِيجَابٍ بَلْ هُوَ إخْبَارٌ عَنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ

  57. بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إيجَابٌ فِي الْحَالِ

  58. وَكَذَلِكَ لَوْ دَعَا عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَوْتِ أَوْ عَذَابِ النَّارِ بِأَنْ قَالَ عَلَيْهِ عَذَابُ اللَّهِ إنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ قَالَ أَمَاتَهُ اللَّهُ إنْ فَعَلَ كَذَا لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِيجَابٍ بَلْ دُعَاءٌ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يُحْلَفُ بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَبْنَاءِ وَلَوْ حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّاسُ وَإِنْ تَعَارَفُوا الْحَلِفَ بِهِمْ لَكِنَّ الشَّرْعَ نَهَى عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ﷺ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» وَلِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْحَلِفِ لِتَعْظِيمِ الْمَحْلُوفِ وَهَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّعْظِيمِ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى.

  59. وَلَوْ قَالَ وَدِينِ اللَّهِ أَوْ طَاعَتِهِ أَوْ شَرَائِعِهِ أَوْ أَنْبِيَائِهِ وَمَلَائِكَتِهِ أَوْ عَرْشِهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لِأَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ الْحَلِفُ بِالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَغَيْرِهِمْ يَمِينٌ وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ لِلْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا يَكُونُ قَسَمًا كَالْحَلِفِ بِالْكَعْبَةِ كَذَا لَوْ قَالَ وَبَيْتِ اللَّهِ أَوْ حَلَفَ بِالْكَعْبَةِ أَوْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ أَوْ بِالصَّفَا أَوْ بِالْمَرْوَةِ أَوْ بِالصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ الْحَجِّ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ عز وجل

  60. وَكَذَا الْحَلِفُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ لِمَا قُلْنَا وَلَا يَحْلِفُ بِالسَّمَاءِ وَلَا بِالْأَرْضِ وَلَا بِالشَّمْسِ وَلَا بِالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَلَا بِكُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ لِمَا قُلْنَا وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُحْلَفُ إلَّا بِاَللَّهِ مُتَجَرِّدًا بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ.

  61. وَلَوْ قَالَ وَعِبَادَةِ وَحَمْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ لِأَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالْحَمْدَ فِعْلُكَ.

  62. وَلَوْ قَالَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِسُورَةِ كَذَا مِنْ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ لِأَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الْمُصْحَفُ فَلَا شَكَّ فِيهِ وَأَمَّا

  63. الْقُرْآنُ وَسُورَةُ كَذَا فَلِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ مِنْ اسْمِ الْقُرْآنِ الْحُرُوفُ الْمَنْظُومَةُ وَالْأَصْوَاتُ الْمُقَطَّعَةُ بِتَقْطِيعٍ خَاصٍّ لَا كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تُنَافِي السُّكُوتَ وَالْآفَةَ.

  64. وَلَوْ قَالَ بِحُدُودِ اللَّهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا كَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِحُدُودِ اللَّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُرَادُ بِهِ الْحُدُودُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ.

  65. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُرَادُ بِهَا الْفَرَائِضُ مِثْلُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا وَكُلُّ ذَلِكَ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ يَمِينًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ وَلَا بِحَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَلَا تَحْلِفُوا إلَّا بِاَللَّهِ وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاَللَّهِ فَلْيَرْضَ وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَّا» .

  66. وَلَوْ قَالَ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ أَوْ سَخَطُهُ أَوْ لَعْنَتُهُ إنْ فَعَلَ كَذَا لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لِأَنَّهُ دُعَاءٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَذَابِ وَالْعُقُوبَةِ وَالطَّرْدِ عَنْ الرَّحْمَةِ فَلَا يَكُونُ حَالِفًا كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيْهِ عَذَابُ اللَّهِ وَعِقَابُهُ وَبُعْدُهُ عَنْ رَحْمَتِهِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا بِالْعِرَاقِ مَنْ قَالَ فِي تَخْرِيجِهِ الْقَسَمَ بِالصِّفَاتِ: أَنَّ الصِّفَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ صِفَةٌ لِلذَّاتِ وَصِفَةٌ لِلْفِعْلِ وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَهُوَ أَنَّ مَا يُثْبَتُ وَلَا يُنْفَى فَهُوَ صِفَةٌ لِلذَّاتِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَنَحْوِهِمَا وَمَا يُثْبَتُ وَيُنْفَى فَهُوَ صِفَةُ الْفِعْلِ كَالتَّكْوِينِ وَالْإِحْيَاءِ وَالرِّزْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الرَّحْمَةَ وَالْغَضَبَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ فَجَعَلَ صِفَةَ الذَّاتِ قَدِيمَةً وَصِفَةَ الْفِعْلِ حَادِثَةً فَقَالَ الْحَلِفُ بِصِفَةِ الذَّاتِ يَكُونُ حَلِفًا بِاَللَّهِ فَيَكُونُ يَمِينًا، وَالْحَلِفُ بِصِفَةِ الْفِعْلِ يَكُونُ حَلِفًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ يَمِينًا وَالْقَوْلُ بِحُدُوثِ صِفَاتِ الْفِعْلِ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فَفَصَّلَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْأَشْعَرِيَّةُ فَصَّلَتْ بِلُزُومِ النَّقِيصَةِ وَعَدَمِ اللُّزُومِ وَهُوَ أَنَّهُ مَا يَلْزَمُ بِنَفْيِهِ نَقِيصَةٌ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَمَا لَا يَلْزَمُ بِنَفْيِهِ نَقِيصَةٌ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ مَعَ اتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى حُدُوثِ صِفَاتِ الْفِعْلِ.

  67. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي التَّحْدِيدِ لِأَجْلِ الْكَلَامِ، فَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى مُحْدَثٌ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّهُ يُنْفَى وَيُثْبَتُ فَكَانَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ فَكَانَ حَادِثًا وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ أَزَلِيٌّ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِنَفْيِهِ نَقِيصَةٌ فَكَانَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ فَكَانَ قَدِيمًا، وَمَذْهَبُنَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ وَاَللَّهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِهَا فِي الْأَزَلِ سَوَاءٌ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الذَّاتِ أَوْ إلَى الْفِعْلِ فَهَذَا التَّخْرِيجُ وَقَعَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا الطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ وَالْحُجَّةُ الْمُسْتَقِيمَةُ فِي تَخْرِيجِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَسَائِلِ مَا سَلَكْنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِلسَّدَادِ وَالْهَادِي إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ - وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقَسَمِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَمَّا إذَا كُرِّرَ فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ بِهِ وَهُوَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ حَتَّى ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى ثَانِيًا ثُمَّ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ وَأَمَّا إنْ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ أَعَادَهُمَا جَمِيعًا وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ أَوْ يَكُونَ بِدُونِهِ.

  68. فَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ حَتَّى كَرَّرَ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - ثُمَّ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَرْفُ الْعَطْفِ كَانَ يَمِينًا وَاحِدَةً بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الِاسْمُ مُخْتَلِفًا أَوْ مُتَّفِقًا فَالْمُخْتَلِفُ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ مَا فَعَلْتُ كَذَا

  69. وَكَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ الْعَطْفِ، وَالثَّانِي يَصْلُحُ صِفَةً لِلْأَوَّلِ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الصِّفَةَ فَيَكُونُ حَالِفًا بِذَاتٍ مَوْصُوفٍ لَا بِاسْمِ الذَّاتِ عَلَى حِدَةٍ وَبِاسْمِ الصِّفَةِ عَلَى حِدَةٍ، وَالْمُتَّفِقُ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهِ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا لِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يَصْلُحُ نَعْتًا لِلْأَوَّلِ وَيَصْلُحُ تَكْرِيرًا وَتَأْكِيدًا لَهُ فَيَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ يَمِينَيْنِ وَيَصِيرُ قَوْلُهُ: اللَّهِ ابْتِدَاءَ يَمِينٍ بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ وَأَنَّهُ قَسَمٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ.

  70. وَإِنْ أَدْخَلَ بَيْنَ الْقَسَمَيْنِ حَرْفَ عَطْفٍ بِأَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ.

  71. وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَمَّا عُطِفَ أَحَدُ الِاسْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَكَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا عَلَى حِدَةٍ

  72. بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعْطَفْ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْطَفْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ يُجْعَلُ الثَّانِي صِفَةً لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ صِفَةً لِأَنَّ الِاسْمَ يَخْتَلِفُ وَلِهَذَا يَسْتَحْلِفُ الْقَاضِي بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ فَيَقُولُ وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الطَّالِبِ الْمُدْرِكِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.

  73. وَجْهُ رِوَايَةِ

  74. الْحَسَنِ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِئْنَافِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلصِّفَةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ فُلَانٌ الْعَالِمُ وَالزَّاهِدُ وَالْجَوَادُ وَالشُّجَاعُ فَاحْتَمَلَ الْمُغَايِرَةَ وَاحْتَمَلَ الصِّفَةَ فَلَا تَثْبُتُ يَمِينٌ أُخْرَى مَعَ الشَّكِّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَنَّ هَذَا يَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً أَوْ يَكُونُ يَمِينَيْنِ، وَلَقَبُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ إدْخَالَ الْقَسَمِ عَلَى الْقَسَمِ قَبْلَ تَمَامِ الْكَلَامِ هَلْ يَجُوزُ؟

  75. قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَسَوِيِّ وَالْخَلِيلِ حَتَّى حَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ الْخَلِيلِ أَنَّ قَوْلَهُ عز وجل ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.

  76. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الزَّجَّاجِ وَالْفَرَّاءِ حَتَّى قَالَ الزَّجَّاجُ إنَّ قَوْلَهُ عز وجل ﴿ص﴾ قَسَمٌ، وَقَوْلَهُ عز وجل ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قَسَمٌ آخَرُ، وَالْحُجَجُ وَتَعْرِيفُ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ تُعْرَفُ فِي كُتُبِ النَّحْوِ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي إنَّا إذَا جَعَلْنَاهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً لَا نَحْتَاجُ إلَى إدْرَاجِ جَوَابٍ آخَرَ بَلْ يَصِيرُ قَوْلُهُ لَا أَفْعَلُ مُقْسَمًا عَلَيْهِ بِالِاسْمَيْنِ جَمِيعًا وَلَوْ جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَسَمًا عَلَى حِدَةٍ لَاحْتَجْنَا إلَى إدْرَاجِ ذِكْرِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأَحَدِ الِاسْمَيْنِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ يَكُونُ يَمِينَيْنِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ كَأَنَّهُ اسْتَحْسَنَ، وَحَمَلَهُ عَلَى التَّكْرَارِ لِتَعَارُفِ النَّاسِ، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَفِيهِ قُبْحٌ وَيَنْبَغِي فِي الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا وَاحِدَةً هَكَذَا ذُكِرَ،

  77. وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ وَلَكَنَّى أَسْتَحْسِنُ فَأَجْعَلُ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَهَذَا كُلُّهُ فِي الِاسْمِ الْمُتَّفِقِ، تَرَكَ مُحَمَّدٌ الْقِيَاسَ وَأَخَذَ بِالِاسْتِحْسَانِ لِمَكَانِ الْعُرْفِ لِمَا زَعَمَ أَنَّ مَعَانِيَ كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ، هَذَا إذَا ذَكَرَ الْمُقْسَمَ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ، الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ حَتَّى ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ ثَانِيًا،.

  78. فَأَمَّا إذَا ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ أَعَادَهُمَا فَإِنْ كَانَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَالرَّحْمَنِ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ فَعَلَ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ

  79. وَكَذَا لَوْ أَعَادَهُمَا بِدُونِ حَرْفِ الْعَطْفِ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَعَادَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْمِ الثَّانِي عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ يَمِينًا أُخْرَى إذْ لَوْ أَرَادَ الصِّفَةَ أَوْ التَّأْكِيدَ لَمَا أَعَادَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ،

  80. وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا.

  81. وَقَالَ أَرَدْتُ بِالثَّانِي الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يُصَدَّقُ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى هُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَأَنَّهُ أَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَفْظُهُ مُحْتَمِلٌ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَكَانَ مُصَدَّقًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فَإِنَّ الْمُعَلَّى رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: فِي رَجُلٍ حَلَفَ فِي مَقْعَدٍ وَاحِدٍ بِأَرْبَعَةِ أَيْمَانٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ بِأَقَلَّ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ، وَمَقْعَدٌ وَاحِدٌ وَمَقَاعِدُ مُخْتَلِفَةٌ وَاحِدٌ فَإِنْ قَالَ: عَنَى بِالثَّانِيَةِ الْأُولَى لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيُصَدَّقُ فِي الْيَمِينِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْفِدْيَةِ وَكُلُّ يَمِينٍ قَالَ فِيهَا عَلَيَّ كَذَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْيَمِينِ الْقُرْبُ فِي لَفْظِ الْحَالِفِ؛

  82. لِأَنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيَّ كَذَا وَصِيغَةُ هَذَا صِيغَةُ الْخَبَرِ فَإِذَا أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ صَحَّ

  83. بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ فِي لَفْظِ الْحَالِفِ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِحُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ وَكُلُّ يَمِينٍ مُنْفَرِدَةٍ بِالِاسْمِ فَيَنْفَرِدُ بِحُكْمِهَا فَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ الْأُولَى.

  84. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ: قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ مَجُوسِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ مُشْرِكٌ إنْ فَعَلَ كَذَا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ قَالَ: عَلَيْهِ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَمِينٌ.

  85. وَلَوْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ هُوَ نَصْرَانِيٌّ هُوَ مَجُوسِيٌّ هُوَ مُشْرِكٌ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ الْمُقْسَمَ بِهِ مَعَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ ثُمَّ أَعَادَهُ فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَإِذَا ذَكَرَ الْمُقْسَمَ بِهِ وَكَرَّرَهُ مِنْ غَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا شَرَائِطُ رُكْنِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْحَالِفِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْحَالِفِ فَأَنْوَاعٌ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا فَلَا يَصِحُّ يَمِينُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا؛

  3. لِأَنَّهَا تَصَرُّفُ إيجَابٍ وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْإِيجَابِ وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُمَا، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا

  4. فَلَا يَصِحُّ يَمِينُ الْكَافِرِ وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ حَلَفَ الْكَافِرُ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ أَسْلَمَ فَحَنِثَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إلَّا أَنَّهُ إذَا حَنِثَ فِي حَالِ الْكُفْرِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِالصَّوْمِ بَلْ بِالْمَالِ.

  5. وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ

  6. وَكَذَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَمَا انْعَقَدَ كَإِيلَاءِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.

  7. وَكَذَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَالْمُسْلِمِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.

  8. (وَلَنَا) أَنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.

  9. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ أَنَّهَا لَا تَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ

  10. وَكَذَا لَا تَسْقُطُ بِأَدَاءِ الْغَيْرِ عَنْهُ وَهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَصَّانِ بِالْعِبَادَاتِ إذْ غَيْرُ الْعِبَادَةِ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ وَلَا يَخْتَصُّ سُقُوطُهُ بِأَدَاءِ مَنْ عَلَيْهِ كَالدُّيُونِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لِلصَّوْمِ فِيهَا مَدْخَلًا عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ وَبَدَلُ الْعِبَادَةِ يَكُونُ عِبَادَةً وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ فَلَا تَجِبُ بِيَمِينِهِ الْكَفَّارَةُ فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ كَيَمِينِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ فِي الدَّعَاوَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِحْلَافِ التَّحَرُّجُ عَنْ الْكَذِبِ كَالْمُسْلِمِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ وَإِنَّمَا يُفَارِقُ الْمُسْلِمَ فِيمَا هُوَ عِبَادَةٌ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْإِيلَاء إنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ؛

  11. لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَتَضَمَّنُ حُكْمَيْنِ: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْقُرْبَانِ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا لَمْ يَقْرَبْهَا فِي الْمُدَّةِ، وَالْكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْكَافِرُ، وَالطَّلَاقُ حَقُّ الْعَبْدِ فَيُؤَاخَذُ بِهِ.

  12. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَتَصِحُّ يَمِينُ الْمَمْلُوكِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِلْحَالِ الْكَفَّارَةُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الصَّوْمِ

  13. وَكَذَا كُلُّ صَوْمٍ وَجَبَ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبِ الْوُجُوبِ مِنْ الْعَبْدِ كَالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَتَضَرَّر بِصَوْمِهِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الْإِضْرَارَ بِالْمَوْلَى وَلَوْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ أَهْلِيَّةَ الْمِلْكِ بِالْعِتْقِ

  14. وَكَذَا الطَّوَاعِيَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا فَيَصِحُّ مِنْ الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ وَكُلِّ تَصَرُّفٍ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ.

  15. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ شَرْطٌ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْإِكْرَاهِ

  16. وَكَذَا الْجَدُّ وَالْعَمْدُ فَتَصِحُّ مِنْ الْخَاطِئِ وَالْهَازِلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.

  17. (وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ حَقِيقَةً عِنْدَ الْحَلِفِ هُوَ شَرْطُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَبَقَاؤُهَا أَيْضًا مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ حَقِيقَةً بَعْدَ الْيَمِينِ شَرْطُ بَقَاءِ الْيَمِينِ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ الْيَمِينُ عَلَى مَا هُوَ مُسْتَحِيلُ الْوُجُودِ حَقِيقَةً وَلَا يَبْقَى إذَا صَارَ بِحَالٍ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ وَلَا لِبَقَائِهَا وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ عَادَةً فَهَلْ هُوَ شَرْطُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ؟ .

  18. قَالَ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَنْعَقِدُ عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ عَادَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ حَقِيقَةً.

  19. وَقَالَ زُفَرُ: هُوَ شَرْطٌ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِدُونِهِ وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ فَإِذَا لَا مَاءَ فِيهِ لَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لِعَدَمِ شَرْطِ الِانْعِقَادِ وَهُوَ تَصَوُّرُ شُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَنْعَقِدُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْإِضَافَةُ إلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مَاءَ فِيهِ تَنْعَقِدُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا تَنْعَقِدُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا وَقَّتَ وَقَالَ وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ وَلَا مَاءَ فِي الْكُوزِ أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَنْعَقِدُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا وَفُلَانٌ مَيِّتٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَوْتِهِ تَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ خِلَافًا لِزُفَرَ.

  20. وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَمَسَّنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَأُحَوِّلَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا تَنْعَقِدُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا تَنْعَقِدُ، أَمَّا الْكَلَامُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فَوَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ الْحَالِفَ جَعَلَ شَرْطَ عَدَمِ حِنْثِهِ الْقَتْلَ وَالشُّرْبَ فِي الْمُطْلَقِ وَفِي الْمُوَقِّتِ عَدَمَ الشُّرْبِ فِي الْمُدَّةِ وَقَدْ تَأَكَّدَ الْعَدَمُ فَتَأَكَّدَ شَرْطُ الْحِنْثِ فَيَحْنَثُ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمَسَّنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَأُحَوِّلَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا وَلَهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ لِلْبِرِّ؛

  21. لِأَنَّ الْبِرَّ هُوَ مُوجِبُ الْيَمِينِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْيَمِينِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ تَحْقِيقَ الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ بِمَا عَهِدَ وَإِنْجَازَ مَا وَعَدَ ثُمَّ

  22. الْكَفَّارَةُ تَجِبُ لِدَفْعِ الذَّنْبِ الْحَاصِلِ بِتَفْوِيتِ الْبِرِّ وَهُوَ الْحِنْثُ فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْبِرُّ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ حَقِيقَةً لَا يُتَصَوَّرُ الْحِنْثُ فَلَمْ يَكُنْ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَائِدَةٌ فَلَا تَنْعَقِدُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبِرَّ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُجُودِ مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ حَقِيقَةً أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ فِي الْكُوزِ مَاءً وَأَنَّ الشَّخْصَ حَيٌّ فَيَمِينُهُ تَقَعُ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَقْتَ الْيَمِينِ وَعَلَى إزَالَةِ حَيَاةٍ قَائِمَةٍ وَقْتَ الْيَمِينِ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى خَلْقِ الْمَاءِ فِي الْكُوزِ وَلَكِنَّ هَذَا الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي وَقَعَتْ يَمِينُهُ عَلَيْهِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ زَالَتْ تِلْكَ الْحَيَاةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهَا

  23. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ فَإِنَّمَا انْعَقَدَ يَمِينُهُ عَلَى مَاءٍ آخَرَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَعَلَى حَيَاةٍ أُخْرَى يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى نَقْضِ الْعَادَةِ فَكَانَ الْعَجْزُ عَنْ تَحْقِيقِ الْبِرِّ ثَابِتًا عَادَةً فَيَحْنَثُ

  24. بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمَسَّنَّ السَّمَاءَ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ - هُنَاكَ - الْبِرَّ مُتَصَوَّرُ الْوُجُودِ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةً بِأَنْ يُقْدِرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَقْدَرَ الْمَلَائِكَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ عَادَةً فَلِتَصَوُّرِ وُجُودِهِ حَقِيقَةً انْعَقَدَتْ وَلِلْعَجْزِ عَنْ تَحْقِيقِهِ عَادَةً حَنِثَ وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَأَمَّا الْكَلَامُ مَعَ زُفَرَ فِي الْيَمِينِ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ يَقُولُ الْمُسْتَحِيلُ عَادَةً يُلْحَقُ بِالْمُسْتَحِيلِ حَقِيقَةً وَفِي الْمُسْتَحِيلِ حَقِيقَةً لَا تَنْعَقِدُ كَذَا فِي الْمُسْتَحِيلِ عَادَةً، وَلَنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْحَقِيقَةِ وَالْعَادَةِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَفِيمَا قُلْنَاهُ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ وَالْعَادَةِ جَمِيعًا وَفِيمَا قَالَهُ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ وَإِهْدَارُ الْحَقِيقَةِ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَمَسَّنَّ السَّمَاءَ الْيَوْمَ يَحْنَثُ فِي آخَرِ الْيَوْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مَاءَ دِجْلَةَ كُلَّهُ الْيَوْمَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَمْضِيَ الْيَوْمُ.

  25. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَحْنَثُ السَّاعَةَ فَإِنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ غَدًا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَمْضِيَ الْيَوْمُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الِانْعِقَادَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْيَوْمِ عِنْدَهُ.

  26. فَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ يَحْنَثُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْغَدِ لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ غَيْرُ مُنْتَظَرٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ - وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ - هَذَا إذَا لَمْ يَكُنِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ حَقِيقَةً أَوْ عَادَةً وَقْتَ الْيَمِينِ حَتَّى انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ فَاتَ فَالْحَلِفُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْإِثْبَاتِ أَوْ فِي النَّفْيِ فَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فِي الْإِثْبَاتِ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَآكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ أَوْ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ أَوْ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ لَآتِيَنَّ الْبَصْرَةَ فَمَا دَامَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِ الْبِرِّ فِي جَمِيعِ الْبِرِّ فَمَا دَامَا قَائِمَيْنِ لَا يَقَعُ الْيَأْسُ عَنْ تَحْقِيقِ الْبِرِّ فَلَا يَحْنَثُ فَإِذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا يَحْنَثُ لِوُقُوعِ الْعَجْزِ عَنْ تَحْقِيقِهِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا هَلَكَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَحْنَثُ وَقْتَ هَلَاكِهِ وَإِذَا هَلَكَ الْحَالِفُ يَحْنَثُ فِي آخَرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الْحَالَيْنِ بِفَوَاتِ الْبِرِّ.

  27. وَوَقْتُ فَوَاتِ الْبِرِّ فِي هَلَاكِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَقْتُ هَلَاكِهِ، وَفِي هَلَاكِ الْحَالِفِ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْيِ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ أَوْ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ الْمَاءَ حَتَّى هَلَكَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِوُجُودِ شَرْطِ الْبِرِّ وَهُوَ عَدَمُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ،

  28. وَإِنْ كَانَ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ فَالْوَقْتُ نَوْعَانِ مُوَقَّتٌ نَصًّا وَمُوَقَّتٌ دَلَالَةً أَمَّا الْمُوَقَّتُ نَصًّا فَإِنْ كَانَ فِي الْإِثْبَاتِ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَآكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ أَوْ لَأَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ أَوْ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَمَا دَامَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ وَالْوَقْتُ قَائِمًا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْبِرَّ فِي الْوَقْتِ مَرْجُوٌّ فَتَبْقَى الْيَمِينُ وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ وَمَضَى الْوَقْتُ يَحْنَثْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتٍ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ فِعْلِهِ فِي الْوَقْتِ فَفَاتَ الْبِرُّ عَنْ الْوَقْتِ فَيَحْنَثُ.

  29. وَإِنْ هَلَكَ الْحَالِفُ فِي الْوَقْتِ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمٌ فَمَضَى الْوَقْتُ لَا يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتَةِ بِوَقْتٍ يَقَعُ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَهُوَ مَيِّتٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْمَيِّتُ لَا يُوصَفُ بِالْحِنْثِ وَإِنْ هَلَكَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَالْحَالِفُ قَائِمٌ وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَيَبْطُلُ الْيَمِينُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَبْطُلُ وَيَحْنَثُ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي وَقْتِ الْحِنْثِ أَنَّهُ يَحْنَثُ لِلْحَالِ أَوْ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ لِلْحَالِ، قِيلَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَإِنْ كَانَ

  30. فِي النَّفْيِ فَمَضَى الْوَقْتُ وَالْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَانِ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِوُجُودِ شَرْطِ الْبِرِّ

  31. وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ لِمَا قُلْنَا وَإِنْ فُعِلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ حَنِثَ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ وَهُوَ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.

  32. (وَأَمَّا) الْمُوَقَّتُ دَلَالَةً فَهُوَ الْمُسَمَّى يَمِينَ الْفَوْرِ وَأَوَّلُ مَنْ اهْتَدَى إلَى جَوَابِهَا أَبُو حَنِيفَةَ ثُمَّ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ اسْتَحْسَنَهُ وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ نَصًّا، وَدَلَالَةُ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى تَقْيِيدِ الشَّرْطِ بِالْفَوْرِ بِأَنْ خَرَجَ جَوَابًا لِكَلَامٍ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَمْرٍ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ لِآخَرَ: تَعَالَ تَغَدَّ مَعِي، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى فَلَمْ يَتَغَدَّ مَعَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَتَغَدَّى لَا يَحْنَثُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ عَنْ التَّغَدِّي عَامًّا فَصَرْفُهُ إلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ.

  33. (وَلَنَا) أَنَّ كَلَامَهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَالسُّؤَالُ وَقَعَ عَنْ الْغَدَاءِ الْمَدْعُوِّ إلَيْهِ فَيَنْصَرِفُ الْجَوَابُ إلَيْهِ كَأَنَّهُ أَعَادَ السُّؤَالَ.

  34. وَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى الْغَدَاءَ الَّذِي دَعَوْتنِي إلَيْهِ

  35. وَكَذَا إذَا قَامَتْ امْرَأَتُهُ لِتَخْرُجَ مِنْ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَعَدَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى التَّقْيِيدِ بِتِلْكَ الْخَرْجَةِ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ خَرَجْتِ هَذِهِ الْخَرْجَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَوْ قَالَ لَهَا إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَأَنْتِ طَالِقٌ بَطَلَ اعْتِبَارُ الْفَوْرِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهِ الْخَرْجَةَ الْمَقْصُودَ إلَيْهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخُرُوجَ الْمُطْلَقَ عَنْ الدَّارِ فِي الْيَوْمِ حَيْثُ زَادَ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قِيلَ لَهُ إنَّك تَغْتَسِلُ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ جَنَابَةٍ فَقَالَ إنْ اغْتَسَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ اغْتَسَلَ لَا عَنْ جَنَابَةٍ ثُمَّ قَالَ: عَنَيْتُ بِهِ الِاغْتِسَالَ عَنْ جَنَابَةٍ أَنَّهُ يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إعْرَاضِهِ عَنْ الْجَوَابِ فَيُقَيَّدُ بِالْكَلَامِ السَّابِقِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ إعَادَةٌ.

  36. وَلَوْ قَالَ إنْ اغْتَسَلْتُ فِيهَا اللَّيْلَةَ عَنْ جَنَابَةٍ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ قَالَ إنْ اغْتَسَلْتُ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ قَالَ عَنَيْتُ الِاغْتِسَالَ عَنْ جَنَابَةٍ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِنْ الْجَوَابِ حَيْثُ أَتَى بِكَلَامٍ مُفِيدٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْجَوَابِ وَصَارَ كَلَامًا مُبْتَدَأً فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لَكِنْ يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْجَوَابَ وَمَعَ هَذَا زَادَ عَلَى قَدْرِهِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ

  37. بِخِلَافِ الظَّاهِرِ لَكِنَّ كَلَامَهُ يَحْتَمِلُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا قَالَهُ ابْنُ سِمَاعَةَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ إنْ ضَرَبْتَنِي وَلَمْ أَضْرِبْكَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا عَلَى الْفَوْرِ قَالَ وَقَوْلُهُ: " لَمْ " يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ عَلَى قَبْلٍ وَعَلَى بَعْدٍ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى بَعْدٍ فَهِيَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْتَنِي فَلَمْ أُجِبْكَ فَهَذَا عَلَى بَعْدٍ وَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنْ قَالَ إنْ ضَرَبْتَنِي وَلَمْ أَضْرِبْك فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى أَنْ يُضْرَبَ الْحَالِفُ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَإِنْ أُرَاد بِهِ بَعْدُ وَنَوَى ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَجُمْلَةُ هَذَا أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَمَا كَانَ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ حُمِلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا بِالنِّيَّةِ فَإِذَا قَالَ إنْ ضَرَبْتَنِي وَلَمْ أَضْرِبْكَ فَقَدْ حَمَلَهُ مُحَمَّدٌ عَلَى الْمَاضِي كَأَنَّهُ رَأَى مَعَانِيَ كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ ضَرَبْتنِي مِنْ غَيْرِ مُجَازَاةٍ لِمَا كَانَ مِنِّي مِنْ الضَّرْبِ فَعَبْدِي حُرٌّ وَيَحْتَمِلُ الِاسْتِقْبَالَ أَيْضًا فَإِذَا نَوَاهُ حُمِلَ عَلَيْهِ.

  38. وَقَوْلُهُ إنْ كَلَّمْتَنِي وَلَمْ أُجِبْكَ فَهَذَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ الْجَوَابَ لَا يَتَقَدَّمُ الْكَلَامَ فَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ وَيَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْفَوْرِ عَادَةً.

  39. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ كُلُّ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا فَلَا يَطَؤُهَا فَهِيَ حُرَّةٌ قَالَ هَذَا يَطَؤُهَا سَاعَةَ يَشْتَرِيهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهِيَ حُرَّةٌ لِأَنَّ الْفَاءَ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ وَلَوْ قَالَ مَكَانَ هَذَا إنْ لَمْ يَطَأْهَا فَهَذَا عَلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْتِ فَمَتَى وَطِئَهَا بَرَّ لِأَنَّ كَلِمَةَ إنْ كَلِمَةُ شَرْطٍ فَلَا تَقْتَضِي التَّعْجِيلَ قَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَإِنْ قَالَ لِغُلَامِهِ إنْ لَمْ تَأْتِنِي حَتَّى أَضْرِبَكَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَجَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ فَلَمْ يَضْرِبْهُ قَالَ مَتَى مَا ضَرَبَهُ فَإِنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ وَلَا يُعْتَقُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ سَاعَةَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ إنْ لِلشَّرْطِ فَلَا تَقْتَضِي التَّعْجِيلَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَشْتَرِ الْيَوْمَ عَبْدًا فَأُعْتِقْهُ فَعَلَيَّ كَذَا فَاشْتَرَى عَبْدًا فَوَهَبَهُ ثُمَّ اشْتَرَى آخَرَ فَأَعْتَقَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ إنَّمَا وَقَعَتْ يَمِينُهُ عَلَى الْعَبْدِ الْأَوَّلِ فَإِذَا أَمْسَى وَلَمْ يُعْتِقْهُ حَنِثَ لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ إنْ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا فَعَلَيَّ عِتْقُهُ فَإِنْ لَمْ أُعْتِقْهُ فَعَلَيَّ حَجَّةٌ وَهَذَا قَدْ اسْتَحَقَّهُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَدْخُلْ الثَّانِي فِي الْيَمِينِ.

  40. قَالَ

  41. هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ إنْ مِتّ وَلَمْ أَضْرِبْكَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ فَمَاتَ الْحَالِفُ وَلَمْ يَضْرِبْهُ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُعْتَقُونَ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْحِنْثِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا مِلْكَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يُعْتَقُونَ وَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ أَضْرِبْكَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَخْرُجَ نَفَسُهُ فَيَحْنَثُ قَبْلَ خُرُوجِ نَفَسِهِ يَعْنِي فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَيُعْتَقُونَ حِينَئِذٍ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ تَرْكُ الضَّرْبِ وَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ حَتَّى أَمُوتَ فَغُلَامُهُ حُرٌّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا حَتَّى مَاتَ لَمْ يُعْتَقْ

  42. وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ قَالَ إنْ لَمْ أَضْرِبْكَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَمُوتَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَلَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى مَاتَ عَتَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ حَنِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ.

  43. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ لَمْ تُخْبِرْ فُلَانًا بِمَا صَنَعْتَ حَتَّى يَضْرِبَكَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَأَخْبَرَهُ فَلَمْ يَضْرِبْهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْبِرِّ الْإِخْبَارَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ صَالِحٌ لِلضَّرْبِ جَزَاءً لَهُ عَلَى صُنْعِهِ وَالْإِخْبَارُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ فَتَعَذَّرَ جَعْلُهُ لِلْغَايَةِ فَجُعِلَ لِلْجَزَاءِ وَقَوْلُهُ حَتَّى يَضْرِبَك بَيَانُ الْغَرَضِ بِمَعْنَى لِيَضْرِبَك فَيَصِيرُ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ أَتَسَبَّبْ لِضَرْبِكَ فَإِذَا أَخْبَرَ بِصَنِيعِهِ فَقَدْ سَبَّبَ لِضَرْبِهِ فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ

  44. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ إنْ لَمْ آتِكَ حَتَّى تُغَدِّيَنِي أَوْ إنْ لَمْ أَضْرِبْكَ حَتَّى تَضْرِبَنِي فَعَبْدِي حُرٌّ فَأَتَاهُ فَلَمْ يُغَدِّهِ أَوْ ضَرَبَهُ وَلَمْ يَضْرِبْهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ التَّغْدِيَةَ لَا تَصْلُحُ غَايَةً لِلْإِتْيَانِ لِكَوْنِهَا دَاعِيَةً إلَى زِيَادَةِ الْإِتْيَانِ

  45. وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ يَدْعُو إلَى زِيَادَةِ الضَّرْبِ لَا إلَى تَرْكِهِ وَإِنْهَائِهِ فَلَا يُجْعَلُ غَايَةً وَيُجْعَلُ جَزَاءً لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَلْزَمْك حَتَّى تَقْضِيَنِي حَقِّي أَوْ إنْ لَمْ أَضْرِبْك حَتَّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ أَوْ حَتَّى تَشْتَكِيَ يَدِي أَوْ حَتَّى تَصِيحَ أَوْ حَتَّى يَشْفَعَ لَك فُلَانٌ أَوْ حَتَّى يَنْهَانِي فُلَانٌ فَتَرَكَ الْمُلَازَمَةَ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى حَقُّهُ أَوْ تَرَكَ الضَّرْبَ قَبْلَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ حَنِثَ لِأَنَّ كَلِمَةَ حَتَّى هَهُنَا لِلْغَايَةِ إذْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِعْلٌ مُمْتَدٌّ وَهُوَ الْمُلَازَمَةُ وَالضَّرْبُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ مُؤَثِّرٌ فِي إنْهَاءِ الْمُلَازَمَةِ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُلَازَمَةِ، وَالشَّفَاعَةُ وَالصِّيَاحُ وَالنَّهْيُ وَغَيْرُهَا مُؤَثِّرٌ فِي تَرْكِ الضَّرْبِ وَإِنْهَائِهِ فَصَارَتْ لِلْغَايَةِ لِوُجُودِ شَرْطِهَا.

  46. وَلَوْ نَوَى بِهِ الْجَزَاءَ يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ،

  47. وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّخْفِيفَ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَ مُتَّهَمًا،

  48. وَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ آتِكَ الْيَوْمَ حَتَّى أَتَغَدَّى عِنْدَك أَوْ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى أَضْرِبَكَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَأَتَاهُ فَلَمْ يَتَغَدَّ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ حَنِثَ لِأَنَّ كَلِمَةَ حَتَّى هَهُنَا لِلْعَطْفِ لِأَنَّ الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحَالِفُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ لَمْ آتِك الْيَوْمَ فَأَضْرِبَكَ أَوْ فَأَتَغَدَّى عِنْدَكَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدَا جَمِيعًا لَا يَبَرُّ

  49. بِخِلَافِ قَوْلِهِ حَتَّى تُغَدِّيَنِي لِأَنَّ هُنَاكَ أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ فَكَانَ عِوَضَ فِعْلِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِعَدَمِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ بِالْيَوْمِ فَأَتَاهُ وَلَمْ يَتَغَدَّ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْبِرَّ مَوْجُودٌ بِأَنْ يَأْتِيَهُ وَيَتَغَدَّى أَوْ يَتَغَدَّى مِنْ غَيْرِ إتْيَانٍ وَوَقْتُ الْبِرِّ مُتَّسِعٌ فَلَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ.

  50. وَقَالَ إنْ لَمْ آتِكَ فَأَتَغَدَّى عِنْدَك وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ مَا دَامَ حَيًّا كَذَلِكَ هَذَا وَحَكَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ تَجِيئِينِي اللَّيْلَةَ حَتَّى أُجَامِعَكِ مَرَّتَيْنِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَجَاءَتْهُ فَجَامَعَهَا مَرَّةً وَأَصْبَحَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَهَذَا وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ تَجِيئِينِي اللَّيْلَةَ فَأُجَامِعْك مَرَّتَيْنِ سَوَاءٌ فَيَصِيرُ الْمَجِيءُ وَالْمُجَامَعَةُ مَرَّتَيْنِ شَرْطًا لِلْبِرِّ فَإِذَا انْعَدَمَ يَحْنَثُ فَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ بِاللَّيْلِ لَا يَحْنَثُ وَلَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ لِأَنَّ وَقْتَ الْبِرِّ يَتَّسِعُ عِنْدَ عَدَمِ التَّوْقِيتِ وَقَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَالَ إنْ رَكِبْتُ دَابَّتَكَ فَلَمْ أُعْطِكَ دَابَّتِي فَعَبْدِي حُرٌّ قَالَ هَذَا عَلَى الْفَوْرِ إذَا رَكِبَ دَابَّتَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ دَابَّةَ نَفْسِهِ سَاعَتَئِذٍ

  51. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت دَارَكَ فَلَمْ أَجْلِسْ فِيهَا لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ فَيَقْتَضِي وُجُودَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَقِيبَ الشَّرْطِ قَالَ وَلَوْ قَالَ إنْ رَأَيْتُ فُلَانًا فَلَمْ آتِكَ بِهِ فَعَبْدِي حُرٌّ فَرَآهُ أَوَّلَ مَا رَآهُ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لَهُ إنْ رَأَيْتُهُ فَلَمْ آتِكَ بِهِ فَإِنَّ الْحَالِفَ حَانِثٌ السَّاعَةَ لِأَنَّ يَمِينَهُ وَقَعَتْ عَلَى أَوَّلِ رُؤْيَةٍ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمَنْ هُوَ مَعَهُ قَالَ الْقُدُورِيُّ وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَحْنَثَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا قَالَا فِيمَنْ قَالَ لَهُ إنْ رَأَيْت فُلَانًا فَلَمْ أُعْلِمْكَ بِذَلِكَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَرَآهُ أَوَّلَ مَا رَآهُ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِمَنْ قَدْ عَلِمَهُ مُحَالٌ.

  52. وَكَذَلِكَ الْإِتْيَانُ بِمَنْ مَعَهُ فَيَصِيرُ كَمَنْ قَالَ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ إنْ لَقِيتُكَ فَلَمْ أُسَلِّمْ عَلَيْكَ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ سَاعَةَ يَلْقَاهُ وَإِلَّا حَنِثَ

  53. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ اسْتَعَرْتُ دَابَّتَكَ فَلَمْ تُعِرْنِي لِأَنَّ هَذَا عَلَى الْمُجَازَاةِ يَدًا بِيَدٍ وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَإِنْ لَمْ أُكَلِّمْ فُلَانًا فَهَذَا مَتَى مَا كَلَّمَهُ بَرَّ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَجِيءَ فِي هَذَا الْبَابِ

  54. أُمُورٌ تَشْتَبِهُ فَإِنْ لَمْ فِي مَعْنَى فَلَمْ يُحْمَلُ عَلَى مُعْظَمِ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَوْ قَالَ إنْ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ أَوْ إنْ زُرْتنِي فَلَمْ أَزُرْكَ أَوْ إنْ أَكْرَمْتَنِي فَلَمْ أُكْرِمْكَ فَهَذَا عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلُ فَإِنْ لَمْ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ لَا تَتَعَقَّبُ الزِّيَارَةَ عَادَةً فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْفِعْلَ فَإِنْ قِيلَ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا مُشْتَبِهٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ قَبْلَ إتْيَانِكَ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ بَعْدَ إتْيَانِك فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى أَيَّ ذَلِكَ نَوَى مِنْ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ حَمْلًا عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُلْحَقُ بِالْمُشْتَبِهِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مَعْنًى.

  55. فَأَمَّا الَّذِي يُعْرَفُ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ فَهُوَ عَلَى الَّذِي يُعْرَفُ فِي الْقَضَاءِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَى خِلَافَ مَا يُعْرَفُ لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْحُكْمِ وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَاَلَّذِي الظَّاهِرُ مِنْهُ قَبْلُ كَقَوْلِهِ إنْ خَرَجْت مِنْ بَابِ الدَّارِ وَلَمْ أَضْرِبْكَ وَاَلَّذِي ظَاهِرُهُ بَعْدُ مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ أَعْطَيْتَنِي كَذَا وَلَمْ أُكَافِئْكَ بِمِثْلِهِ وَالْمُحْتَمِلُ كَقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْتُكَ وَلَمْ تُكَلِّمْنِي فَهَذَا يَحْتَمِلُ قَبْلُ وَبَعْدُ فَأَيَّهُمَا فَعَلَ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ نَوَى أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَطَقَ يَكُونُ هَذَا جَوَابًا لَهُ فَهُوَ عَلَى الْجَوَابِ وَاَللَّهُ عز وجل الْمُوَفِّقُ.

  56. (وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ فَخُلُوُّهُ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي غَيْرُ هَذَا أَوْ إلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ هَذَا أَوْ إلَّا أَنْ أُحِبَّ غَيْرَ هَذَا أَوْ قَالَ إنْ أَعَانَنِي اللَّهُ أَوْ يَسَّرَ اللَّهُ أَوْ قَالَ بِمَعُونَةِ اللَّهِ أَوْ بِتَيْسِيرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَوْصُولًا لَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ وَإِنْ كَانَ مَفْصُولًا انْعَقَدَتْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَشَرَائِطِهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.

  57. وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ أَسْتَطِيعَ فَإِنْ عَنَى اسْتِطَاعَةَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْصِدُ فَلَا يَحْنَثُ أَبَدًا لِأَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ عِنْدَنَا فَلَا تُوجَدُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ،

  58. وَإِنْ عَنَى بِهِ اسْتِطَاعَةَ الْأَسْبَابِ وَهِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ وَالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا لِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِطَاعَةِ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا.

  59. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ﴾ .

  60. وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ اسْتِطَاعَةُ الْفِعْلِ.

  61. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾

  62. وَقَالَ عز وجل ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ اسْتِطَاعَةُ سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ فَأَيَّ ذَلِكَ نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُحْمَلُ عَلَى اسْتِطَاعَةِ الْأَسْبَابِ وَهُوَ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ مَانِعٌ مِنْ الْعَوَارِضِ وَالِاشْتِغَالِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهَا ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ،.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا حُكْمُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْيَمِينِ أَمَّا يَمِينُ الْغَمُوسِ فَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ لَكِنْ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّهَا جُرْأَةٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى قَالَ: الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ بِالْحَلِفِ عَلَى الْكَذِبِ يَكْفُرُ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى جُعِلَتْ لِلتَّعْظِيمِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَالْحَالِفُ بِالْغَمُوسِ مُجْتَرِئٌ عَلَى اللَّهِ عز وجل مُسْتَخِفٌّ بِهِ وَلِهَذَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ وَالطَّوَاغِيتِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ وَتَبْجِيلًا فَالْوِزْرُ لَهُ فِي الْجَرَاءَةِ عَلَى اللَّهِ أَعْظَمُ وَهَذَا لِأَنَّ التَّعَمُّدَ بِالْحَلِفِ كَاذِبًا عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ اللَّهَ عز وجل يَسْمَعُ اسْتِشْهَادَهُ بِاَللَّهِ كَاذِبًا - مُجْتَرِئٌ عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى وَمُسْتَخِفٌّ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ ذُكِرَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ وَسَبِيلُ هَذَا سَبِيلُ أَهْلِ النِّفَاقِ أَنَّ إظْهَارَهُمْ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ سبحانه وتعالى اسْتِخْفَافٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمَّا كَانَ اعْتِقَادُهُمْ

  3. بِخِلَافِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ تَعْظِيمًا فِي نَفْسِهِ وَصِدْقًا فِي الْحَقِيقَةِ تَلْزَمُهُمْ الْعُقُوبَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ

  4. وَكَذَا هَذَا وَلَكِنْ نَقُولُ لَا يَكْفُرُ بِهَذَا لِأَنَّ فِعْلَهُ وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَرَاءَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ لَكِنَّ غَرَضَهُ الْوُصُولُ إلَى مُنَاهُ وَشَهْوَتِهِ لَا الْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي سُؤَالِ السَّائِلِ إنَّ الْعَاصِيَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ وَمَنْ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَقَدْ كَفَرَ كَيْفَ لَا يَكْفُرُ الْعَاصِي؟

  5. فَقَالَ لِأَنَّ فِعْلَهُ وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الطَّاعَةِ لِلشَّيْطَانِ لَكِنْ مَا فَعَلَهُ قَصْدًا إلَى طَاعَتِهِ وَإِنَّمَا يَكْفُرُ بِالْقَصْدِ إذْ الْكُفْرُ عَمَلُ الْقَلْبِ لَا بِمَا يَخْرُجُ فِعْلُهُ فِعْلَ مَعْصِيَةٍ فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ.

  6. وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ الْمَعْهُودَةُ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ بِالْمَالِ فَلَا تَجِبُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ بِالْيَمِينِ اللَّغْوِ فِي

  7. الْأَيْمَانِ وَأَثْبَتَهَا بِمَا كَسَبَ الْقَلْبُ، وَيَمِينُ الْغَمُوسِ مَكْسُوبَةٌ بِالْقَلْبِ فَكَانَتْ الْمُؤَاخَذَةُ ثَابِتَةً بِهَا إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْهَمَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهَا بِالْإِثْمِ أَوْ بِالْكَفَّارَةِ الْمَعْهُودَةِ لَكِنْ فَسَّرَ فِي الْأُخْرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْكَفَّارَةِ الْمَعْهُودَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ عز وجل ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ الْآيَةُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تِلْكَ الْآيَةِ هَذِهِ الْمُؤَاخَذَةُ، وَبِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ الْآيَةُ أَثْبَتَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ بِالْكَفَّارَةِ الْمَعْهُودَةِ، وَيَمِينُ الْغَمُوسِ مَعْقُودَةٌ لِأَنَّ اسْمَ الْعَقْدِ يَقَعُ عَلَى عَقْدِ الْقَلْبِ وَهُوَ الْعَزْمُ وَالْقَصْدُ وَقَدْ وُجِدَ بِقَوْلِهِ عز وجل فِي آخِرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ جَعَلَ الْكَفَّارَةَ الْمَعْهُودَةَ كَفَّارَةَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُمُومِ خَصَّ مِنْهُ يَمِينَ اللَّغْوِ فَمَنْ ادَّعَى تَخْصِيصَ الْعُمُومِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ مَعَ مَا أَنَّ أَحَقَّ مَا يُرَادُ بِهِ الْغَمُوسُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْوُجُوبَ بِنَفْسِ الْحَلِفِ دُونَ الْحِنْثِ وَذَلِكَ هُوَ الْغَمُوسُ إذْ الْوُجُوبُ فِي غَيْرِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْحِنْثِ.

  8. (وَلَنَا) قَوْلُهُ سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ الْآيَةُ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَالِاسْتِدْلَالُ بِالنُّصُوصِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُوجِبَ الْغَمُوسِ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ فَمَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فَقَدْ زَادَ عَلَى النُّصُوصِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِمِثْلِهَا وَمَا رُوِيَ عَنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ اللِّعَانِ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» دَعَاهُمَا إلَى التَّوْبَةِ لَا إلَى الْكَفَّارَةِ الْمَعْهُودَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَاجَتَهُمَا إلَى بَيَانِ الْكَفَّارَةِ الْمَعْهُودَةِ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً كَانَتْ أَشَدَّ مِنْ حَاجَتِهِمَا إلَى بَيَانِ كَذِبِ أَحَدِهِمَا وَإِيجَابِ التَّوْبَةِ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّوْبَةِ بِالذَّنْبِ يَعْرِفُهُ كُلُّ عَاقِلٍ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ مَعُونَةِ السَّمْعِ، وَالْكَفَّارَةُ الْمَعْهُودَةُ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِالسَّمْعِ فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ مَعَ أَنَّ الْحَالَ حَالُ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ دَلَّ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ.

  9. وَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ فِي الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ قَضَى لِأَحَدِهِمَا وَذَكَرَ فِيهِ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَهُوَ غَيْرُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَمَرَهُمَا ﷺ بِالِاسْتِهَامِ وَأَنْ يُحَلِّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْكَفَّارَةَ وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً فَعُلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ الْمَعْهُودَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ أَوْ الْقِيَاسُ وَلَمْ يُوجَدْ وَأَقْوَى الدَّلَائِلِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ نَفْيُ دَلِيلِهِ أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَظَاهِرُ الِانْتِفَاءِ

  10. وَكَذَا النَّصُّ الْقَاطِعُ لِأَنَّ أَهْلَ الدِّيَانَةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ نَصٌّ قَاطِعٌ، وَالنَّصُّ الظَّاهِرُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ الِاعْتِقَادُ قَطْعًا فَلَا يَقَعُ الِاخْتِلَافُ ظَاهِرًا فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ وَمِنْ شَرْطِهِ التَّسَاوِي وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ الذَّنْبَ فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ أَعْظَمُ وَمَا صَلَحَ لِدَفْعِ أَدْنَى الذَّنْبَيْنِ لَا يَصْلُحُ لِرَفْعِ أَعْلَاهُمَا، وَلِهَذَا قَالَ: إِسْحَاقُ فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيهَا فَقَوْلُ مَنْ يُوجِبُهَا ابْتِدَاءً شَرْعٌ وَنَصْبُ حُكْمٍ عَلَى الْخَلْقِ وَهُوَ لَمْ يُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْجِنَايَاتِ يُرَادُ بِهَا الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهَا حَقِيقَةُ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْجَزَاءِ.

  11. فَأَمَّا الْمُؤَاخَذَةُ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ تَكُونُ خَيْرًا وَتَكْفِيرًا فَلَا تَكُونُ مُؤَاخَذَةً مَعْنًى وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: إنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِيَمِينِ الْغَمُوسِ ثَابِتَةٌ فِي الْآخِرَةِ وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى - يُؤَاخِذُكُمْ إخْبَارٌ أَنَّهُ يُؤَاخِذُ.

  12. فَأَمَّا قَضِيَّةُ الْمُؤَاخَذَةِ فَلَيْسَتْ بِمَذْكُورَةٍ فَيَسْتَدْعِي نَوْعَ مُؤَاخَذَةٍ، وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالِاسْمِ مُرَادَةٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ مُرَادًا إذًا.

  13. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ فَالْمُرَادُ مِنْهُ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ هُوَ الشَّدُّ وَالرَّبْطُ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ عَقْدُ الْحَبْلِ وَعَقْدُ الْحِمْلِ، وَانْعِقَادُ الرِّقِّ وَهُوَ ارْتِبَاطُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَقَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْعَهْدُ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِقِرَاءَتَيْنِ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالتَّشْدِيدُ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا عَقْدَ اللِّسَانِ وَهُوَ عَقْدُ الْقَوْلِ وَالتَّخْفِيفُ يَحْتَمِلُ الْعَقْدَ بِاللِّسَانِ وَالْعَقْدَ بِالْقَلْبِ وَهُوَ الْعَزْمُ وَالْقَصْدُ، فَكَانَتْ قِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ مُحْكَمَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى إرَادَةِ الْعَقْدِ بِاللِّسَانِ وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّخْفِيفِ مُحْتَمِلَةً فَيُرَدُّ الْمُحْتَمِلُ إلَى الْمُحْكَمِ لِيَكُونَ عَمَلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى الْمُوَافِقَةِ

  14. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَنَّهُ عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ فِيهَا بِالْحَلِفِ وَالْحِنْثِ عَرَفْنَا ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ وَالْحِنْثُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْيَمِينِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

  15. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وَحِفْظُ الْيَمِينِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْقِيقُ الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَإِنْجَازُ الْوَعْدِ وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَاَللَّهُ عز وجل الْمُوَفِّقُ.

  16. (وَأَمَّا) يَمِينُ اللَّغْوِ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا بِالتَّوْبَةِ وَلَا بِالْمَالِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ أَدْخَلَ كَلِمَةَ النَّفْيِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ فَيَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمُؤَاخَذَةِ فِيهَا بِالْإِثْمِ وَالْكَفَّارَةِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي تَفْسِيرِهَا وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْيَمِينِ عَلَى الْمَعَاصِي فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ثُمَّ الْحَالِفُ بِاللَّغْوِ إنَّمَا لَا يُؤَاخَذُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى،.

  17. فَأَمَّا الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي نَفْيِ الْمُؤَاخَذَةِ عَامًّا عَرَفْنَا ذَلِكَ بِالْخَبَرِ وَالنَّظَرِ، أَمَّا الْخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ» وَذَكَرَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ، وَاللَّاغِي لَا يَعْدُو هَذَيْنِ فَدَلَّ أَنَّ اللَّغْوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَأَمَّا النَّظَرُ فَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ مِمَّا يَقَعُ مُعَلَّقًا وَمُنَجَّزًا وَمَتَى عُلِّقَ بِشَرْطٍ كَانَ يَمِينًا فَأَعْظَمُ مَا فِي اللَّغْوِ أَنَّهُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ وَارْتِبَاطَ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ فَيَبْقَى مُجَرَّدَ ذِكْرِ صِيغَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَيَعْمَلُ فِي إفَادَةِ مُوجَبِهِمَا

  18. بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا لَغَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَبْقَى مُجَرَّدُ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ فَلَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - لَا فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَسَائِرِ الْأَجْزِيَةِ.

  19. (وَأَمَّا) حُكْمُ الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ أَوْ فِعْلِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُصَلِّيَنَّ صَلَاةَ الظَّهْرِ الْيَوْمَ أَوْ لَأَصُومَنَّ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وَلَوْ امْتَنَعَ يَأْثَمُ وَيَحْنَثُ وَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ كَانَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُصَلِّي صَلَاةَ الْفَرْضِ أَوْ لَا أَصُومُ رَمَضَانَ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَأَزْنِيَنَّ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا أَوْ لَا أُكَلِّمُ وَالِدِي وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ لِلْحَالِ الْكَفَّارَةُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْنِثَ نَفْسَهُ وَيَكُونُ بِالْمَالِ لِأَنَّ عَقْدَ هَذِهِ الْيَمِينِ مَعْصِيَةٌ فَيَجِبُ تَكْفِيرُهَا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي الْحَالِ كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ مَعْهُودَةٌ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ لِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يُحْنِثَ نَفْسَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَا يَعْصِهِ» .

  20. وَتَرْكُ الْمَعْصِيَةِ بِتَحْنِيثِ نَفْسِهِ فِيهَا فَيَحْنَثُ بِهِ وَيُكَفِّرُ بِالْمَالِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.

  21. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ الْمَعْهُودَةُ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمَعَاصِي وَإِنْ حَنَّثَ نَفْسَهُ فِيهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا فَلْيَأْتِهِ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِهَا» وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ شُرِعَتْ لِرَفْعِ الذَّنْبِ وَالْحِنْثُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ لَيْسَ بِذَنْبٍ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِرَفْعِ الذَّنْبِ وَلَا ذَنْبَ.

  22. (وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَغَيْرِهَا وَالْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ بِيَمِينٍ ثُمَّ رَأَى خَيْرًا مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» فَوَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ حَدِيثَيْهِ فَبَقِيَ الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ لَنَا بِلَا تَعَارُضٍ، وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُهَا لِعُذْرٍ فِي الْحَانِثِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمُطْلَقِ الْحِنْثِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَانِثُ سَاهِيًا أَوْ خَاطِئًا أَوْ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونًا فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُهَا لِأَجْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمُبَاحَاتِ: إمَّا لِأَنَّ الْحِنْثَ فِيهَا يَقَعُ خُلْفًا فِي الْوَعْدِ وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ لِأَنَّ الْحَالِفَ وَعَدَ أَنْ يَفْعَلَ وَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا حَنِثَ فَقَدْ صَارَ بِالْحِنْثِ مُخْلِفًا فِي الْوَعْدِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ

  23. فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ لِيَصِيرَ الْحَلِفُ مَسْتُورًا كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَوْ لِأَنَّ الْحِنْثَ مِنْهُ يَخْرُجُ مَخْرَجَ الِاسْتِخْفَافِ بِالِاسْتِشْهَادِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ مَتَى قُوبِلَ ذَلِكَ بِعَقْدِهِ السَّابِقِ لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ إذْ الْمُسْلِمُ لَا يُبَاشِرُ الْمَعْصِيَةَ قَصْدًا لِمُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَةِ الِاسْتِخْفَافِ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ جَبْرًا لِمَا هَتَكَ مِنْ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى صُورَةً لَا حَقِيقَةً وَسَتْرًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ مَوْجُودٌ هَهُنَا فَيَجِبُ.

  24. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْكَفَّارَةُ شُرِعَتْ لِرَفْعِ الذَّنْبِ فَنَعَمْ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ لَا ذَنْبَ؟ وَقَوْلُهُمْ الْحِنْثُ وَاجِبٌ؟ ، قُلْنَا بَلَى لَكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَقْضُ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ عَهْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ الْحِنْثُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ذَنْبٌ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ وَإِنْ كَانَ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُصَلِّي نَافِلَةً وَلَا أَصُومُ تَطَوُّعًا وَلَا أَعُودُ مَرِيضًا وَلَا أُشَيِّعُ جِنَازَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا،

  25. وَإِنْ كَانَ عَلَى مُبَاحٍ تَرْكًا أَوْ فِعْلًا كَدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ الْبِرُّ وَلَهُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ وَيُكَفِّرَ،

  26. ثُمَّ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ سَوَاءٌ قَصَدَ الْيَمِينَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَنَا بِأَنْ كَانَتْ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الْيَمِينِ لِتَجِبَ الْكَفَّارَةُ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ» فَتَخْصِيصُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالذِّكْرِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْهَزْلِ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْجَدِّ وَالْهَزْلِ يَخْتَلِفُ فِي غَيْرِهَا لِيَكُونَ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا.

  27. (وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ أَثْبَتَ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْكَفَّارَةِ الْمَعْهُودَةِ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الْقَصْدِ إذْ الْعَقْدُ هُوَ الشَّدُّ وَالرَّبْطُ وَالْعَهْدُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أَيْ حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ جَعَلَ أَحَدَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ كَفَّارَةَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُمُومِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَلِفِ وَالْحِنْثِ وَقَدْ وُجِدَ.

  28. (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» مَعَ مَا أَنَّ رِوَايَتَهُ الْأُخْرَى مَسْكُوتَةٌ عَنْ غَيْرِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ إذْ لَا يَتَعَرَّضُ لِغَيْرِهَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ - وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ -.

  29. ثُمَّ وَقْتُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ هُوَ وَقْتُ وُجُودِ الْحِنْثِ فَلَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.

  30. وَقَالَ قَوْمٌ وَقْتُهُ وَقْتُ وُجُودِ الْيَمِينِ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِعَقْدِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وَقَوْلِهِ عز وجل ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وَقَوْلِهِ عز وجل ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أَيْ كَفَّارَةُ مَا عَقَّدْتُمْ مِنْ الْأَيْمَانِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَسْتَدْعِي مُضَافًا إلَيْهِ سَابِقًا وَلَمْ يَسْبِقْ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَقْدِ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ

  31. وَكَذَا فِي قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ أَضَافَ الْكَفَّارَةَ إلَى الْيَمِينِ وَعَلَى ذَلِكَ تُنْسَبُ الْكَفَّارَةُ إلَى الْيَمِينِ فَيُقَالُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَالْإِضَافَةُ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ فِي الْأَصْلِ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ لِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمْرٌ بِالتَّكْفِيرِ بَعْدَ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ أَضَافَ التَّكْفِيرَ إلَى الْيَمِينِ فَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ» أَمَرَ بِتَكْفِيرِ الْيَمِينِ لَا بِتَكْفِيرِ الْحِنْثِ فَدَلَّ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لِلْيَمِينِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنْ الْوَعْدِ إلَّا بِالِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ .

  32. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ فِي الْيَمِينِ أَوْكَدُ وَأَشَدُّ مِمَّنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ بِلَا ثُنْيَا فَقَدْ صَارَ عَاصِيًا بِإِتْيَانِ مَا نُهِيَ عَنْهُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِدَفْعِ ذَلِكَ الْإِثْمِ عَنْهُ.

  33. (وَلَنَا) أَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةٌ وَالْكَفَّارَةُ تَكُونُ لِلسَّيِّئَاتِ إذْ مِنْ الْبَعِيدِ تَكْفِيرُ الْحَسَنَاتِ، فَالسَّيِّئَاتُ تُكَفَّرُ بِالْحَسَنَاتِ.

  34. قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وَعَقْدُ الْيَمِينِ مَشْرُوعٌ قَدْ أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ

  35. وَكَذَا الرُّسُلُ الْمُتَقَدِّمَةُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ .

  36. وَقَالَ خَبَرًا عَنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُمْ ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾

  37. وَكَذَا أَيُّوبُ عليه الصلاة والسلام كَانَ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ فَأَمَرَهُ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِالْوَفَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وَالْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعْصُومُونَ عَنْ

  38. الْكَبَائِرِ وَالْمَعَاصِي فَدَلَّ أَنَّ نَفْسَ الْيَمِينِ لَيْسَتْ بِذَنْبٍ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا حَلَفْتُمْ فَاحْلِفُوا بِاَللَّهِ» .

  39. وَقَالَ ﷺ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» أَمَرَ ﷺ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - فَدَلَّ أَنَّ نَفْسَ الْيَمِينِ لَيْسَ بِذَنْبٍ فَلَا يَجِبُ التَّكْفِيرُ لَهَا وَإِنَّمَا يَجِبُ لِلْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْثَمُ فِي الْحَقِيقَةِ وَمَعْنَى الذَّنْبِ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، فَالْحِنْثُ يَخْرُجُ مَخْرَجَ نَقْضِ الْعَهْدِ مِنْهُ فَيَأْثَمُ بِالنَّقْضِ لَا بِالْعَهْدِ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ﴾ الْآيَةَ وَلِأَنَّ عَقْدَ الْيَمِينِ يَخْرُجُ مَخْرَجَ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَعْلِهِ مَفْزَعًا إلَيْهِ وَمَأْمَنًا عَنْهُ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ مَحْوًا لَهُ وَسِتْرًا وَتَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْحَالِفَ يَصِيرُ عَاصِيًا بِتَرْكِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - تَرَكُوا الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْيَمِينِ وَلَمْ يَجُزْ وَصْفُهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ فَدَلَّ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ فِي مُطْلَقِ الْوَعْدِ مَنْهِيًّا عَنْهُ كَرَاهَةً وَذَلِكَ - وَاَللَّهُ - عَزَّ - وَجَلَّ - أَعْلَمُ - لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَعْدَ إضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ أَفْعَلُ غَدًا كَذَا وَكُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ فِعْلَهُ لَا يَتَحَقَّقُ لِأَحَدٍ إلَّا بَعْدَ تَحْقِيقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ،

  40. وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الِاكْتِسَابُ لِذَلِكَ إلَّا بِإِقْدَارِهِ فَيُنْدَبُ إلَى قِرَانِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْوَعْدِ لِيُوَفَّقَ عَلَى ذَلِكَ وَيُعْصَمَ عَنْ التَّرْكِ وَفِي الْيَمِينِ يُذْكَرُ الِاسْتِشْهَادُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ، قَدْ اسْتَغَاثَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِلَيْهِ فَزِعَ فَيَتَحَقَّقُ التَّعْظِيمُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ وَزِيَادَةٌ فَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي أَنَّ الْيَمِينَ شُرِعَتْ لِتَأْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ خُصُوصًا فِي الْبَيْعَةِ، وَقِرَانُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَهُ الْعَقْدُ، بِخِلَافِ الْوَعْدِ الْمُطْلَقِ.

  41. وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَتَأْوِيلُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِمُحَافَظَةِ مَا عَقَّدْتُمْ مِنْ الْأَيْمَانِ وَالْوَفَاءِ بِهَا كَقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ فَإِنْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ فَكَفَّارَتُهُ كَذَا

  42. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ فَتَرَكْتُمْ الْمُحَافَظَةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ عز وجل ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وَالْمُحَافَظَةُ تَكُونُ بِالْبِرِّ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَلَى إضْمَارِ الْحِنْثِ أَيْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِحِنْثِكُمْ فِيمَا عَقَّدْتُمْ

  43. وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أَيْ إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنَثْتُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ مَعْنَاهُ فَحَلَفَ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ مَعْنَاهُ فَتَحَلَّلَ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أَيْ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمَلْفُوظِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ التَّخْفِيفِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ فَصَارَ اسْتِعْمَالُ الرُّخْصَةِ مُضْمَرًا فِيهِ، كَذَلِكَ هَهُنَا لَا تَصْلُحُ الْيَمِينُ الَّتِي هِيَ تَعْظِيمُ الرَّبِّ ﷻ سَبَبًا لِوُجُوبِ التَّكْفِيرِ فَيَجِبُ إضْمَارُ مَا هُوَ صَالِحٌ وَهُوَ الْحِنْثُ وَأَمَّا إضَافَةُ الْكَفَّارَةِ إلَى الْيَمِينِ فَلَيْسَتْ لِلْوُجُوبِ بِهَا بَلْ عَلَى إرَادَةِ الْحِنْثِ كَإِضَافَةِ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ إلَى الصِّيَامِ وَإِضَافَةِ الدَّمِ إلَى الْحَجِّ - وَالسُّجُودِ إلَى السَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ سَبَبًا كَذَا هَذَا وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ رُوِيَ بِرِوَايَاتٍ: رُوِيَ «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ» وَرُوِيَ «فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وَرُوِيَ «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لِيُكَفِّرْ يَمِينَهُ» وَهُوَ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِنَفْسِ الْيَمِينِ لَقَالَ عليه الصلاة والسلام مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَلْيُكَفِّرْ مِنْ غَيْرِ التَّعَرُّضِ لِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَاذَا وَلَمَا لَزِمَ الْحِنْثُ إذَا كَانَ خَيْرًا ثَمَّ بِالتَّكْفِيرِ فَلَمَّا خَصَّ الْيَمِينَ عَلَى مَا كَانَ الْحِنْثُ خَيْرًا مِنْ الْبِرِّ بِالنَّقْضِ وَالْكَفَّارَةِ عُلِمَ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْحِنْثِ دُونَ الْيَمِينِ نَفْسِهَا وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ بِعَقْدِ الْيَمِينِ دُونَ الْحِنْثِ، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِهَا قَبْلَ الْحِنْثِ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ.

  44. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ قَبْلَ الْحِنْثِ،.

  45. فَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ بِالْإِجْمَاعِ وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّهُ كَفَّرَ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ كَمَا لَوْ كَفَّرَ بِالْمَالِ بَعْدَ الْجَرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ كَفَّرَ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ أَنَّ الْيَمِينَ سَبَبُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تُضَافُ إلَى الْيَمِينِ يُقَالُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ.

  46. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يُضَافُ إلَى سَبَبِهِ هُوَ الْأَصْلُ فَدَلَّ أَنَّ الْيَمِينَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَكَانَ هَذَا تَكْفِيرًا بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ كَمَا فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ قَبْلَ الْحِنْثِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ

  47. ﷺ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى حَمْزَةَ رضي الله عنه سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ - قَدْ مُثِّلَ وَجُرِحَ جِرَاحَاتٍ عَظِيمَةً اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْسَمَ أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ بِكَذَا كَذَا مِنْ قُرَيْشٍ فَنَزَلَ النَّهْيُ عَنْ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ وَذَلِكَ تَكْفِيرٌ قَبْلَ الْحِنْثِ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْيَمِينِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ الْبِرُّ فِيهِ حَقِيقَةً وَذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّكْفِيرِ لِلْأُمَّةِ قَبْلَ الْحِنْثِ إذْ هُوَ ﷺ قُدْوَةٌ وَلَنَا أَنَّ السَّبَبَ مَا يَكُونُ مُفْضِيًا إلَى الْمُسَبَّبِ إذْ هُوَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الشَّيْءِ، وَالْيَمِينُ مَانِعَةٌ مِنْ الْحِنْثِ لِكَوْنِ الْحِنْثِ خُلْفًا فِي الْوَعْدِ وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ وَلِكَوْنِهِ اسْتِخْفَافًا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الْحِنْثِ فَكَانَتْ الْيَمِينُ مَانِعَةً مِنْ الْحِنْثِ فَكَانَتْ مَانِعَةً مِنْ الْوُجُوبِ إذْ الْوُجُوبُ شَرْطُ الْحِنْثِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ؟

  48. ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ كَذَا بِالْمَالِ

  49. بِخِلَافِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ لِكَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى فَوَاتِ الْحَيَاةِ عَادَةً فَكَانَ تَكْفِيرًا بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ فَجَازَ وَأَمَّا إضَافَةُ الْكَفَّارَةِ إلَى الْيَمِينِ فَعَلَى إضْمَارِ الْحِنْثِ فَيَكُونُ الْحِنْثُ بَعْدَ الْيَمِينِ سَبَبًا لَا قَبْلَهُ وَالْحِنْثُ يَكُونُ سَبَبًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَمَّاهُ كَفَّارَتَهُ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُكَفِّرُ بِالذَّنْبِ وَلَا ذَنْبَ إلَّا ذَنْبُ الْحِنْثِ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنَثْتُمْ كَمَا يَقْرَأُ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَإِنْ قِيلَ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِنَفْسِ الْيَمِينِ أَصْلَ الْوُجُوبِ لَكِنْ يَجِبُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ الْحِنْثِ كَالزَّكَاةِ تَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ النِّصَابِ، لَكِنْ يَجِبُ الْأَدَاءُ عِنْدَ الْحَوْلِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» لِنَفْيِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا لِنَفْيِ أَصْلِ الْوُجُوبِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ إلَّا وُجُوبُ الْفِعْلِ،.

  50. فَأَمَّا وُجُوبُ غَيْرِ الْفِعْلِ فَأَمْرٌ لَا يُعْقَلُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ صَامَ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَعُلِمَ أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ ثَابِتٍ أَصْلًا وَرَأْسًا،

  51. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى كَفَّارَةً قَبْلَ وُجُوبِهَا كَمَا يُسَمَّى مَا يُعَجَّلُ مِنْ الْمَالِ زَكَاةً قَبْلَ الْحَوْلِ وَكَمَا يُسَمَّى الْمُعَجَّلُ كَفَّارَةً بَعْدَ الْجِرَاحَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحِنْثِ فِي جَوَازِهَا، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ الْوَاجِبَةُ بَعْدَ الْحِنْثِ مُرَادَةٌ بِالْآيَةِ فَامْتَنَعَ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَا يُسَمَّى كَفَّارَةً مَجَازًا لِعَرَضِيَّةِ الْوُجُوبِ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مُنْتَظِمًا الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ.

  52. وَأَمَّا تَكْفِيرُ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى كَانَ تَكْفِيرًا بَعْدَ الْحِنْثِ لِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِ الْبِرِّ فَيَكُونُ تَكْفِيرًا بَعْدَ الْحِنْثِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَمَنْ حَلَفَ لَآتِيَنَّ الْبَصْرَةَ فَمَاتَ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَعْصُومٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَالْوَفَاءُ بِتِلْكَ الْيَمِينِ مَعْصِيَةٌ إذْ هُوَ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَتْ يَمِينُهُ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ فَكَانَتْ مُنْعَقِدَةً عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ وَلَمَّا نُهِيَ ﷺ عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَصَارَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً صَارَ إنْشَاءً وَعَاجِزًا عَنْ الْبِرِّ فَصَارَ حَانِثًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ فِي نَفْسِهِ فَكَانَ وَقْتُ يَأْسِهِ وَقْتَ النَّهْيِ لَا وَقْتَ الْمَوْتِ أَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقْتُ الْيَأْسِ وَالْعَجْزِ حَقِيقَةً هُوَ وَقْتُ الْمَوْتِ إذْ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ مَعْصُومٍ عَنْ الْمَعَاصِي فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ لِتَصَوُّرِ وُجُودِ الْبِرِّ مَعَ وَصْفِ الْعِصْيَانِ فَهُوَ الْفَرْقُ - وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ -.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ عز وجل عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ أَوْ الْمُسْتَحْلِفِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إذَا كَانَ مَظْلُومًا،

  3. وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَعَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ عَلَى الْمَاضِي فَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمَاضِي بِالْإِثْمِ فَمَتَى كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا كَانَ آثِمًا فِي يَمِينِهِ وَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِالْيَمِينِ إلَى ظُلْمِ غَيْرِهِ وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ النَّارَ قَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا قَالَ ﷺ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ قَالَهَا

  4. ثَلَاثًا» وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ - تَعَالَى - وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» وَأَمَّا إذَا كَانَ مَظْلُومًا فَهُوَ لَا يَقْتَطِعُ بِيَمِينِهِ حَقًّا فَلَا يَأْثَمُ وَإِنْ نَوَى غَيْرَ الظَّاهِرِ قَالَ وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ إذَا قَصَدَ بِهَا الْحَالِفُ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ دُونَ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَهُوَ الْعَاقِدُ فَيَنْعَقِدُ عَلَى مَا عَقَدَهُ.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ عز وجل فَهِيَ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ.

  3. الْيَمِينُ بِالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ وَالْكَعْبَةِ وَالْحَرَمِ وَزَمْزَمَ وَالْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا حَلَفْتُمْ فَاحْلِفُوا بِاَللَّهِ» وَلَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا.

  4. وَالثَّانِي.

  5. بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَهَذَا النَّوْعُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ يَمِينٌ بِالْقُرَبِ وَيَمِينٌ بِغَيْرِ الْقُرَبِ أَمَّا.

  6. الْيَمِينُ بِالْقُرَبِ فَهِيَ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْ بَدَنَةٌ أَوْ هَدْيٌ أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صَدَقَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْيَمِينِ أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْمُسَمَّى بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِهِ أَوْ يَخْرُجُ عَنْهَا بِالْكَفَّارَةِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا يَمِينٌ حَقِيقَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ؟

  7. فَقَالَ ذَلِكَ يَحْنَثُ بِلَا خِلَافٍ لِوُجُودِ رُكْنِ الْيَمِينِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ وَوُجُودِ مَعْنَى الْيَمِينِ أَيْضًا وَهُوَ الْقُوَّةُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الْمَذْكُورِ وَنَذْكُرُ حُكْمَ هَذَا النَّوْعِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - فِي كِتَابِ النَّذْرِ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ يُسَمَّى أَيْضًا نَذْرًا مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ لِوُجُودِ مَعْنَى النَّذْرِ وَهُوَ الْتِزَامُهُ الْقُرْبَةَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ.

  8. (وَأَمَّا) .

  9. الْيَمِينُ بِغَيْرِ الْقُرَبِ فَهِيَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَلَا بُدَّ مِنْ.

  10. بَيَانِ رُكْنِهِ وَبَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ وَبَيَانِ حُكْمِهِ وَبَيَانِ مَا يَبْطُلُ بِهِ الرُّكْنُ، أَمَّا الرُّكْنُ فَهُوَ ذِكْرُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ مَرْبُوطٍ بِالشَّرْطِ مُعَلَّقٍ بِهِ فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُسَمَّى بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَمَعْرِفَةِ مَعْنَاهُمَا، أَمَّا الْمُسَمَّى بِالشَّرْطِ فَمَا دَخَلَ فِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ وَهِيَ إنْ وَإِذَا، وَإِذْ مَا،

  11. وَمَتَى، وَمَتَى مَا وَمَهْمَا وَأَشْيَاءُ أُخَرُ ذَكَرَهَا أَهْلُ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ.

  12. وَأَصْلُ حُرُوفِهِ أَنَّ الْخَفِيفَةَ وَغَيْرَهَا دَاخِلٌ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الشَّرْطِ وَمَا سِوَاهَا مِنْ الْحُرُوفِ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَقْتُ وَهَذَا أَمَارَةُ الْأَصَالَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ.

  13. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ مَعَ هَذِهِ الْحُرُوفِ كُلَّمَا وَعَدَّهَا مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ، وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَعُدُّوهَا مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ لَكِنْ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ عَلَى وُجُودِ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ سَمَّاهُ شَرْطًا، وَفِي قَوْلِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَقَوْلِهِ كُلُّ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ إنَّمَا تَوَقَّفَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عَلَى الزَّوَاجِ وَالشِّرَاءِ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ بَلْ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ عَلَى امْرَأَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَعَلَى عَبْدٍ مُتَّصِفٍ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَيَحْصُلُ الِاتِّصَافُ بِذَلِكَ عِنْدَ التَّزَوُّجِ وَالشِّرَاءِ.

  14. وَأَمَّا مَعْنَى الشَّرْطِ فَهُوَ الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَيْ عَلَامَاتُهَا، وَمِنْهُ الشُّرْطِيُّ وَالشِّرَاطُ وَالْمِشْرَطُ فَسُمِّيَ مَا جَعَلَهُ الْحَالِفُ عَلَمًا لِنُزُولِ الْجَزَاءِ شَرْطًا حَتَّى لَوْ ذَكَرَهُ لِمَقْصُودٍ آخَرَ لَا يَكُونُ شَرْطًا عَلَى مَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

  15. وَأَمَّا الْمُسَمَّى بِالْجَزَاءِ فَمَا دَخَلَ فِيهِ حَرْفُ التَّعْلِيقِ وَهِيَ حَرْفُ الْفَاءِ إذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الذِّكْرِ عَنْ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.

  16. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَزَاءُ مُتَقَدِّمًا فَلَا حَاجَةَ إلَى حَرْفِ الْفَاءِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ بِدُونِ حَرْفِ التَّعْلِيقِ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْقُبُ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ يَمِينٌ فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَطْلِيقًا إلَى كَوْنِهِ يَمِينًا وَتَعْلِيقًا فَلَا حَاجَةَ فِي مِثْلِ هَذَا إلَى حَرْفِ التَّعْلِيقِ

  17. بِخِلَافِ حُرُوفِ الشَّرْطِ فَإِنَّهَا لَازِمَةٌ لِلشَّرْطِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا عَلَى الْجَزَاءِ أَوْ تَأَخَّرَ وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْفَاءُ بِالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهَا حَرْفٌ يَقْتَضِي التَّعْقِيبَ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ كَقَوْلِ الْقَائِلِ جَاءَنِي زَيْدٌ فَعَمْرٌو وَالْجَزَاءُ يَتَعَقَّبُ الشَّرْطَ بِلَا تَرَاخٍ وَأَمَّا مَعْنَى الْجَزَاءِ فَجَزَاءُ الشَّرْطِ مَا عُلِّقَ بِالشَّرْطِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مَانِعًا مِنْ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ إذَا كَانَ الشَّرْطُ مَرْغُوبًا عَنْهُ لِوَقَاحَةِ عَاقِبَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ حَامِلًا عَلَى تَحْصِيلِهِ لِحُسْنِ عَاقِبَتِهِ لَكِنَّ الْحَمْلَ وَالْمَنْعَ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ الْيَمِينِ وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا بِمَنْزِلَةِ الرِّبْحِ بِالْبَيْعِ وَالْوَلَدِ بِالنِّكَاحِ فَانْعِدَامُهُمَا لَا يُخْرِجُ التَّصَرُّفَ عَنْ كَوْنِهِ يَمِينًا كَانْعِدَامِ الرِّبْحِ فِي الْبِيَعِ وَالْوَلَدِ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّ وُجُودَ التَّصَرُّفِ بِوُجُودِ رُكْنِهِ، لَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَوُجُودِ الْبِيَعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا،

  18. وَرُكْنُ الْيَمِينِ هُمَا الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ فَإِذَا وُجِدَ كَانَ التَّصَرُّفُ يَمِينًا وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي مَعْرِفَةِ الْأَسَامِي إلَى أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ يَمِينًا مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ مَعْنَى الْحَمْلِ وَالْمَنْعِ دَلَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُقُوعِ التَّصَرُّفِ يَمِينًا، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ.

  19. وَقَالَ إذَا أَوْ إذَا مَا أَوْ مَتَى أَوْ مَتَى مَا أَوْ حَيْثُمَا أَوْ مَهْمَا كَانَ يَمِينًا لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ فَقَالَ ذَلِكَ يَحْنَثُ،

  20. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا لِانْعِدَامِ حُرُوفِ الشَّرْطِ بَلْ هُوَ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى الْغَدِ وَالشَّهْرِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْغَدَ وَالشَّهْرَ ظَرْفًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي غَدٍ وَفِي شَهْرٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظَرْفًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إلَّا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلَوْ قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ إذَا مَضَى غَدٌ أَوْ إذَا جَاءَ رَمَضَانُ أَوْ إذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ أَوْ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ كَانَ يَمِينًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِانْعِدَامِ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْمَنْعُ أَوْ الْحَمْلُ إذْ لَا يَقْدِرُ الْحَالِفُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ مَجِيءِ الْغَدِ وَلَا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا

  21. بِخِلَافِ دُخُولِ الدَّارِ وَكَلَامِ زَيْدٍ، وَلِأَنَّ الشَّرْطَ مَا فِي وُجُودِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ خَطَرٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُوجَدَ، وَالْغَدُ يَأْتِي لَا مَحَالَةَ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا.

  22. (وَلَنَا) أَنَّهُ وُجِدَ ذِكْرُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ مُعَلَّقٍ بِالشَّرْطِ فَكَانَ يَمِينًا، وَمَعْنَى الْمَنْعِ أَوْ الْحَمْلِ مِنْ أَغْرَاضِ الْيَمِينِ وَثَمَرَاتِهَا، وَحَقَائِقُ الْأَسَامِي تَتْبَعُ حُصُولَ الْمُسَمَّيَاتِ بِذَوَاتِهَا وَذَلِكَ بِأَرْكَانِهَا لَا بِمَقَاصِدِهَا الْمَطْلُوبَةِ مِنْهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا - وَاَللَّهُ عز وجل الْمُوَفِّقُ - وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الشَّرْطَ مَا فِي وُجُودِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ خَطَرٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُوجَدَ، وَالْغَدُ يَأْتِي لَا مَحَالَةَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ أَنَّ هَذَا مِنْ شَرْطِ كَوْنِهِ شَرْطًا بَلْ مِنْ شَرْطِ أَنْ يَكُونَ جَائِزَ الْوُجُودِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَنَعْنِي بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَحِيلَ الْوُجُودِ وَقَدْ وُجِدَ هَهُنَا فَكَانَ التَّصَرُّفُ يَمِينًا عَلَى أَنَّ جَوَازَ الْعَدَمِ إنْ كَانَ شَرْطًا فَهُوَ مَوْجُودٌ هَهُنَا لِأَنَّ مَجِيءَ الْغَدِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ مُسْتَحِيلَ الْعَدَمِ حَقِيقَةً لِجَوَازِ قِيَامِ السَّاعَةِ فِي كُلِّ لَمْحَةٍ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ وَهَذَا لِأَنَّ السَّاعَةَ وَإِنْ كَانَ لَهَا شَرَائِطُ لَا تَقُومُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي يَوْمِنَا هَذَا فَيَقَعُ الْأَمْنُ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَكِنَّ هَذَا يُوجِبُ الْأَمْنَ عَنْ الْقِيَامِ، إمَّا لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرَ الْقِيَامِ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ عَنْ امْرَأَتِهِ لَا يُوجَدُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُوجَدُ، إمَّا لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُتَصَوَّرَ وُجُودُهُ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةً وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ خِلَافَ الْمَعْلُومِ مَقْدُورُ الْعَبْدِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ التَّكْلِيفُ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فَكَانَ مَجِيءُ الْغَدِ جَائِزَ الْعَدَمِ فِي نَفْسِهِ لَا مُسْتَحِيلَ الْعَدَمِ فَكَانَ شَرْطُ كَوْنِهِ شَرْطًا وَهُوَ جَوَازُ الْعَدَمِ حَقِيقَةً مَوْجُودًا فَكَانَ يَمِينًا،

  23. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ أَوْ أَرَدْتِ أَوْ أَحْبَبْتِ أَوْ رَضِيَتْ أَوْ هَوِيَتْ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا حَتَّى لَوْ كَانَ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ - لَا يَحْنَثُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّرْطَ مَعْنَاهُ الْعَلَامَةُ وَهُوَ مَا جَعَلَهُ الْحَالِفُ عَلَمًا لِنُزُولِ الْجَزَاءِ، وَالْحَالِفُ هَهُنَا مَا جَعَلَ قَوْلَهُ إنْ شِئْت عَلَمًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بَلْ جَعَلَهُ لِتَمْلِيكِ الطَّلَاقِ مِنْهَا كَأَنَّهُ قَالَ مَلَّكْتُكِ طَلَاقَك، أَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ.

  24. أَلَا تَرَى أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ؟ وَمَا جُعِلَ عَلَمًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا وَهَذَا لِأَنَّ الْعِلْمَ الْمَحْضَ مَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الطَّلَاقِ فَحَسْبُ فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَمًا بَلْ يَكُونُ عِلَّةً لِحُصُولِهِ، وَالْمَشِيئَةُ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الطَّلَاقُ بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ شِئْت طَلَاقَكِ فَطَلِّقِي وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعْنَى الشَّرْطِ لَمْ تَكُنِ الْمَشِيئَةُ الْمَذْكُورَةُ شَرْطًا فَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُ رُكْنَيْ الْيَمِينِ وَهُوَ الشَّرْطُ فَلَمْ تُوجَدْ الْيَمِينُ فَلَا يَحْنَثُ،

  25. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت أَنَا لَمْ يَكُنْ يَمِينًا حَتَّى لَا يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ إذَا حَلَفَ لَا يَحْلِفُ.

  26. وَلَوْ قَالَ لَهَا إذَا حِضْت وَطَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لِأَنَّ الْحَالِفَ مَا جَعَلَ هَذَا الشَّرْطَ عَلَمًا لِنُزُولِ الْجَزَاءِ بَلْ جَعَلَهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُذْكَرُ عَادَةً كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.

  27. وَكَذَا إذَا قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ اسْمٌ لِلْكَامِلِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إذَا حِضْتِ وَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَمَا زَادَ عَلَى هَذَا يُعْرَفُ فِي الْجَامِعِ،

  28. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي تَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلَّمَا دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَحْنَثُ لَا لِوُجُودِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالدُّخُولِ لِتَعَذُّرِ التَّعْلِيقِ لِانْعِدَامِ حَرْفِهِ بَلْ لِضَرُورَةِ

  29. وُجُودِ الِاتِّصَافِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَالتَّعْلِيقُ بِالدُّخُولِ ظَرْفٌ فِي وُجُودِ الِاتِّصَافِ فَصَارَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ بِوَاسِطَةِ الِاتِّصَافِ شَبِيهَ الشَّرْطِ لَا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا ثُمَّ فِي كَلِمَةِ " كُلُّ " إذَا دَخَلْت مَرَّةً فَطَلُقَتْ ثُمَّ دَخَلَتْ ثَانِيًا لَمْ تَطْلُقْ، وَفِي كَلِمَةِ " كُلَّمَا " تَطْلُقُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَدْخُلُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ كَلِمَةَ " كُلُّ " كَلِمَةُ عُمُومٍ وَإِحَاطَةٍ لِمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى دَخَلَتْ فِي الْعَيْنِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ لَا فِي الْفِعْلِ وَهُوَ الدُّخُولُ،

  30. فَإِذَا دَخَلَتْ مَرَّةً فَقَدْ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ فَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا ثَانِيًا وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْكَلِمَةُ عَلَى فِعْلِ الدُّخُولِ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا تَرْجِعُ مَعَ مَا بَعْدَهَا مِنْ الْفِعْلِ مَصْدَرًا لُغَةً، يُقَالُ: بَلَغَنِي مَا قُلْت وَأَعْجَبَنِي مَا صَنَعْت أَيْ قَوْلُك وَصُنْعُك فَصَارَتْ الْكَلِمَةُ دَاخِلَةً عَلَى الْمَصْدَرِ لَا عَلَى مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْمَصْدَرُ فَيَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْمَصْدَرِ.

  31. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ يَتَجَدَّدُ التَّبَدُّلُ عِنْدَ تَجَدُّدِ النُّضْجِ وَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ مُتَّحِدًا فَصَارَ الطَّلَاقُ مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ دُخُولٍ وَقَدْ وُجِدَ الدُّخُولُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا فَلَوْ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ فَدَخَلَتْ الدَّارَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَلَوْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى التَّزَوُّجِ بِكَلِمَةِ كُلَّمَا فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا بِكُلِّ تَزَوُّجٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ طَلُقَتْ؛

  32. لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى الْمِلْكِ، وَالطَّلَاقُ الْمُضَافُ إلَى الْمِلْكِ يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِ الْمِلْكِ

  33. بِخِلَافِ الدُّخُولِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ كَانَ يَمِينًا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَإِذَا دَخَلْت لِأَنَّ كَلِمَةَ لَوْ تُذْكَرُ لِتَوَقُّفِ الْمَذْكُورِ عَلَى وُجُودِ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ .

  34. وَقَالَ عز وجل ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ لِتَوَقُّفِ الْجَزَاءِ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا حَقِيقَةً،

  35. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، لَوْ حَسُنَ خُلُقُكِ سَوْفَ أُرَاجِعُكِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ السَّاعَةَ لِأَنَّ " لَوْ " مَا دَخَلَتْ عَلَى الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَى تَرَقُّبِ الرَّجْعَةِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ حَسُنَ خُلُقُكِ رَاجَعْتُكِ،

  36. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، لَوْ قَدِمَ أَبُوكِ رَاجَعْتُكِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ رَاجَعْتُكِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ بَلْ هُوَ عِدَةٌ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ دَخَلْتِ الدَّارَ لَطَلَّقْتُك لَمْ تَطْلُقْ السَّاعَةَ وَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُطَلِّقَهَا فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا طَلُقَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا بِلَا فَصْلٍ لِأَنَّ هَذَا رَجُلٌ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ لَطَلَّقَهَا إذَا دَخَلَتْ الدَّارَ فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا فَهِيَ طَالِقٌ كَأَنَّهُ قَالَ لِأُطَلِّقَنَّكِ إذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَإِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَلَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَا تَطْلُقُ لِلْحَالِ وَإِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا حَتَّى مَاتَتْ أَوْ مَاتَ طَلُقَتْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْبِرِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ ذَلِكَ الْوَقْتَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا كَذَا هَذَا، وَنَظِيرُهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ عَبْدِي حُرٌّ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ لَأَضْرِبَنَّكِ إذْ مَعْنَاهُ لَأَضْرِبَنَّكِ إذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَإِنْ دَخَلْتِ وَلَمْ أَضْرِبْكِ فَعَبْدِي حُرٌّ - وَاَللَّهُ عز وجل الْمُوَفِّقُ - وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا دُخُولُكِ الدَّارَ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا مَهْرُكِ عَلَيَّ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا شَرَفُكِ فَهَذَا كُلُّهُ اسْتِثْنَاءٌ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ كَالِاسْتِثْنَاءِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى وَالْأَصْلُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي امْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ عز وجل ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ الْآيَةَ.

  37. وَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ وَيُقَالُ فِي الْعُرْفِ لَوْلَا الْمَطَرُ لَجِئْتُكَ فَصَارَ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ لَوْلَا دُخُولُكِ الدَّارَ لَطَلَّقْتُكِ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ،

  38. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ طَلَّقْتُكِ لَوْلَا دُخُولُكِ الدَّارَ،

  39. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَوْلَا دُخُولُك الدَّارَ قَدْ طَلَّقْتُكِ أَمْسُ

  40. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ " قَدْ " لَقَدْ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا

  41. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْس لَوْلَا دُخُولُك الدَّارَ أَيْ لَوْلَا دُخُولُك الدَّارَ أَمْس لَطَلَّقْتُكِ.

  42. وَقَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَهَذَا يُخْبِرُ أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْيَمِينِ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَكُنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ طَلُقَتْ وَإِنْ كَانَ دَخَلَ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ هُوَ خَبَرٌ عَنْ الْمَاضِي أَكَّدَهُ بِالْيَمِينِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا طَلُقَتْ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ تَطْلُقْ،

  43. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ

  44. دَخَلْتِ الدَّارَ فَلَا تَطْلُقُ حَتَّى تَدْخُلَ لِأَنَّ لَا حَرْفُ نَفْيٍ أَكَّدَهُ بِالْحَلِفِ فَكَأَنَّهُ نَفَى دُخُولَهَا وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِدُخُولِهَا وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ السَّاعَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ دَخَلْت لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ بَلْ هُوَ إخْبَارٌ عَنْ دُخُولِهَا الدَّارَ كَأَنَّهُ جَعَلَ الدُّخُولَ عِلَّةً لَكِنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ الْعِلَّةِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ دَخَلَتْ الدَّارَ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بَعْلَةٍ لَمْ تُوجَدْ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تَصِحَّ وَبَقَّى الْإِيقَاعُ صَحِيحًا، وَرَوَى ابْنَ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ السَّاعَةَ لِمَا يُذْكَرُ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ السَّاعَةَ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ كَانَتْ طَالِقًا السَّاعَةَ وَاحِدَةً وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ أُخْرَى لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً السَّاعَةَ وَعَطَفَ الشَّرْطَ عَلَيْهَا بِلَا جَزَاءٍ فَيُضَمَّنُ فِيهِ الْجَزَاءُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ السَّاعَةَ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَقَعُ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً وَبَعْدَ الدُّخُولِ أُخْرَى.

  45. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِدُخُولِكِ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ السَّاعَةَ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ ثُمَّ جَعَلَ الدُّخُولَ الْمُتَقَدِّمَ عَلَيْهِ عِلَّةً لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ،

  46. وَمَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ لِعِلَّةٍ وَقَعَ، وُجِدَتْ الْعِلَّةُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ لِمَا بَيَّنَّا،

  47. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِحَيْضَتِكِ لِمَا قُلْنَا،

  48. وَلَوْ قَالَ بِحَيْضَتِكِ أَوْ فِي حَيْضَتِكِ أَوْ بِدُخُولِكِ الدَّارَ أَوْ لِدُخُولِكِ الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ أَوْ تَدْخُلَ لِأَنَّ الْبَاءَ حَرْفُ إلْصَاقٍ فَيَقْتَضِي إلْصَاقَ الطَّلَاقِ بِالْحَيْضَةِ وَالدُّخُولِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَفِي كَلِمَةِ ظَرْفٍ دَخَلَتْ عَلَى مَا لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا فَتُجْعَلُ شَرْطًا لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا نَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلُقُ فِي الْقَضَاءِ حِينَ تَكَلُّمِهِ بِهِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ قُدِّمَ الشَّرْطَ أَوْ إمَّا إنْ أُخِّرَ،

  49. فَإِنْ قُدِّمَ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَمَّا إنْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ،

  50. وَإِنْ أُخِّرَ الشَّرْطُ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَمَّا إنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ،

  51. فَإِنْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ، فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْقَضَاءِ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ لِأَنَّهُ مَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ لِانْعِدَامِ حَرْفِ التَّعْلِيقِ وَهُوَ حَرْفُ الْفَاءِ وَكَانَ تَنْجِيزًا لَا تَعْلِيقًا وَإِنْ عَنَى بِهِ التَّعْلِيقَ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل لِأَنَّهُ عَنَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ نَحْوُ إضْمَارِ حَرْفِ الْفَاءِ فِي الْجَزَاءِ.

  52. قَالَ الشَّاعِرُ

  53. مَنْ يَفْعَلْ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا … وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَانِ

  54. أَيْ فَاَللَّهُ يَشْكُرُهَا وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَهَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ وَوَجْهُهُ أَنْ يُحْذَفَ حَرْفُ الْجَزَاءِ تَصْحِيحًا لِلشَّرْطِ إذْ لَوْ لَمْ يُحْذَفْ لَلَغَا،

  55. وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلُقُ لِلْحَالِ لِانْعِدَامِ حَرْفِ التَّعْلِيقِ وَالْوَاوُ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلتَّعْلِيقِ وَلَوْ عَنَى بِهِ التَّعْلِيقَ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ وَلَوْ أَدْرَجَ فِيهِ الْفَاءَ يَصِيرُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ أَنْتِ دَخَلْت الدَّارَ فَوَأَنْتَ طَالِقٌ وَهَذَا لَغْوٌ وَلَوْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ وَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَالْوَاوُ لَا يُبْتَدَأُ بِهَا، وَمَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْوَاوَ قَدْ تَكُونُ لِلِاسْتِئْنَافِ فَمُرَادُهُمْ أَنْ يُبْتَدَأَ كَلَامٌ بَعْدَ تَقَدُّمِ جُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ تُشَارِكُ الْأُولَى،.

  56. فَأَمَّا ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَيْءٌ بِالْوَاوِ فَغَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا جَائِزٍ،

  57. وَإِنْ قَالَ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ لِلْحَالِ لِانْعِدَامِ دَلَالَةِ التَّعْلِيقِ وَحَرْفِهِ، عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي مِثْلِ هَذَا تُذْكَرُ لِلتَّحْقِيقِ كَمَا يُقَالُ لَا تُسَافِرَنَّ وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا وَلَوْ نَوَى التَّعْلِيقَ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ لِأَنَّهُ نَوَى إضْمَارَ حَرْفِ الْفَاءِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَتَلْغُو الْوَاوُ هَذَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ.

  58. فَأَمَّا إذَا أَخَّرَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ لِأَنَّهُ عَقَّبَ الْإِيجَابَ بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ إيجَابًا إلَى كَوْنِهِ يَمِينًا فَلَا حَاجَةَ فِي مِثْلِ هَذَا إلَى حَرْفِ التَّعْلِيقِ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ لِأَنَّ هَذَا يُوجِبُ التَّأْكِيدَ عَلَى مَا بَيَّنَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زِنَا وَإِنْ سَرَقَ» وَلَوْ قَالَ: عَنَيْتُ بِهِ

  59. التَّعْلِيقَ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَاوَ لَا تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ.

  60. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْوَاوَ تُجْعَلُ زَائِدَةً كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ﴾ قِيلَ مَعْنَاهُ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ وَالْوَاوُ زِيَادَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ اقْتَرَبَ جَوَابُ حَتَّى إذَا وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْوَاوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَمْ تَجِئْ زَائِدَةً فِي مَوْضِعٍ تَصْلُحُ لِلْعَطْفِ أَوْ لِلتَّحْقِيقِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ هَهُنَا زَائِدَةً عَلَى أَنَّا نَقُولُ إنَّ كَثِيرًا مِنْ مُحَقِّقِي أَهْلِ اللُّغَةِ جَعَلَ الْوَاوَ زَائِدَةً فِي مَوْضِعٍ مَا وَكَانُوا يَقُولُونَ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ حَتَّى إذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فُتِحَتْ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ فَكَانَتْ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى الْجَوَابِ الْمُضْمَرِ،

  61. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ، لَا رِوَايَةَ لِهَذَا، قَالُوا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ تَطْلُقُ لِلْحَالِ لِأَنَّ الْفَاءَ صَارَتْ فَاصِلَةً لِأَنَّهَا كَانَتْ لَغْوًا وَاللَّغْوُ مِنْ الْكَلَامِ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ السُّكُوتِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِالدُّخُولِ لِأَنَّ الْفَاءَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهَا فِي الْحَالِ إلَّا أَنَّهَا فِي الْجُمْلَةِ حَرْفُ تَعْلِيقً فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ مَانِعَةً مِنْ التَّعْلِيقِ مُوجِبَةً لِلِانْفِصَالِ،

  62. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلًا هَلْ يَتَعَلَّقُ أَمْ لَا؟ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَقَعُ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ حَرْفَ الشَّرْطِ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّطْلِيقَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ وَالتَّعْلِيقَ - وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ -.

  63. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ أَوْ فِي مَكَّةَ فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كَلِمَةَ فِي مَكَّةَ ظَرْفٌ فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى مَا يَصْلُحُ ظَرْفًا تَجْرِي عَلَى حَقِيقَتِهَا وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى مَا لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا تُجْعَلُ مَجَازًا عَنْ الشَّرْطِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الظَّرْفِ وَبَيْنَ الشَّرْطِ،

  64. ثُمَّ الظَّرْفُ نَوْعَانِ ظَرْفُ زَمَانٍ وَظَرْفُ مَكَان فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَكَانِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَفِي غَيْرِهِ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ أَوْ فِي مَكَّةَ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ فِي الدَّارِ وَلَا فِي مَكَّةَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان فَإِذَا وَقَعَ فِي مَكَان وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا،

  65. وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى الزَّمَانِ فَإِنْ كَانَ مَاضِيًا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْأَمْسِ أَوْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي لِأَنَّ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لَا يُتَصَوَّرُ فَيُجْعَلُ إخْبَارًا أَوْ تَلْغُو الْإِضَافَةُ إلَى الْمَاضِي وَيَبْقَى قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَيَقَعُ فِي الْحَالِ

  66. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ حَاضِرًا بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ يَقَعُ فِي الْحَالِ،

  67. وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا لَا يَقَعُ حَتَّى يَأْتِيَ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ أَوْ فِي الشَّهْرِ الْآتِي لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَحْتَمِلُ الِاخْتِصَاصَ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَإِذَا جُعِلَ الْغَدُ ظَرْفًا لَهُ لَا يَقَعُ قَبْلَهُ.

  68. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِكِ الدَّارَ أَوْ فِي قِيَامِكِ أَوْ فِي قُعُودِكِ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا وَيَصْلُحُ شَرْطًا فَتُحْمَلُ الْكَلِمَةُ عَلَى الشَّرْطِ مَجَازًا.

  69. وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي ذَهَابِكِ إلَى مَكَّةَ لِأَنَّ الذَّهَابَ فِعْلٌ

  70. وَكَذَا إذَا قَالَ بِذَهَابِكِ لِأَنَّ الْبَاءَ حَرْفُ إلْصَاقٍ فَيَقْتَضِي إلْصَاقَ الطَّلَاقِ بِالذَّهَابِ وَذَلِكَ بِتَعْلِيقِهِ بِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ،

  71. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الشَّمْسِ وَهِيَ فِي الظِّلِّ كَانَتْ طَالِقًا لِأَنَّ الشَّمْسَ لَا تَصْلُحُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ وَلَا شَرْطًا لَهُ.

  72. فَإِمَّا أَنْ تَلْغُوَ وَيُرَادَ بِهَا مَكَانُ الشَّمْسِ وَالطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان.

  73. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي صَوْمِكِ كَانَتْ طَالِقًا حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ إذَا نَوَتْ الصَّوْمَ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِعْلٌ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا فَتُجْعَلُ الْكَلِمَةُ مَجَازًا عَنْ الشَّرْطِ، وَالْفِعْلُ يَصْلُحُ شَرْطًا فَإِذَا وُجِدَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ مَعَ النِّيَّةِ فِي وَقْتِهِ مِنْ أَهْلِهِ فَقَدْ وُجِدَ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ فَوُجِدَ الشَّرْطُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ.

  74. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي صَلَاتِك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَرْكَعَ وَتَسْجُدَ سَجْدَةً لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِعْلٌ أَيْضًا فَلَا تَصْلُحُ ظَرْفًا كَالصَّوْمِ إلَّا أَنَّهَا اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْمُتَرَكِّبُ مِنْ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ بِوُجُودِ بَعْضِهَا كَالْأَبْلَقِ الْمُتَرَكِّبِ مِنْ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالسَّكَنْجَبِينِ الْمُتَرَكِّبِ عَنْ السُّكَّرِ وَالْخَلِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَا لَمْ تُوجَدْ الْأَفْعَالُ الَّتِي وَصَفْنَا لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ فِعْلِ الصَّلَاةِ فَلَا يَحْنَثُ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ

  75. بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مُتَّفِقَةِ الْأَجْزَاءِ وَهِيَ الْإِمْسَاكَاتُ، وَمَا تَرَكَّبَ مِنْ أَجْزَاءٍ مُتَّفِقَةٍ مُتَجَانِسَةٍ يَنْطَلِقُ اسْمُ كُلِّهِ عَلَى بَعْضِهِ لُغَةً كَاسْمِ الْمَاءِ أَنَّهُ كَمَا يَنْطَلِقُ عَلَى مَاءِ الْبَحْرِ يَنْطَلِقُ عَلَى قَطْرَةٍ مِنْهُ فَكَانَ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إمْسَاكًا حَقِيقَةً فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.

  76. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَيْضِكِ أَوْ فِي طُهْرِكِ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا يَقَعُ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ وَقْتُ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكُونِينَ حَائِضًا أَوْ طَاهِرَةً فِيهِ،

  77. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ طَلُقَتْ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ.

  78. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَكْلِكِ هَذَا الرَّغِيفَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مَا لَمْ تَفْرُغْ مِنْ أَكْلِ جَمِيعِ الرَّغِيفِ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى دَخَلَتْ كَلِمَةُ الظَّرْفِ عَلَى الزَّمَانِ وَهُوَ يَصْلُحُ ظَرْفًا فَجُعِلَ جَمِيعُ الْوَقْتِ ظَرْفًا لِكَوْنِهَا طَالِقًا وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عُلِّقَ الطَّلَاقُ بِفِعْلِ الْأَكْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا وَيَصْلُحُ شَرْطًا فَصَارَ مُعَلِّقًا الطَّلَاقَ بِفِعْلِ الْأَكْلِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَا يَنْزِلُ مَا لَمْ يَنْزِلْ كَمَالُ شَرْطِهِ، وَمَا يَقُولُهُ مَشَايِخُنَا: إنَّ الطَّلَاقَ مَتَى أُضِيفَ إلَى وَقْتٍ مُمْتَدٍّ يَقَعُ عِنْدَ أَوَّلِهِ وَمَتَى عُلِّقَ بِفِعْلِ مُمْتَدٍّ يَقَعُ عِنْدَ آخِرِهِ، هَذَا صُورَتُهُ وَعِلَّتُهُ.

  79. وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَجِيءِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَيْلًا فَكُلَّمَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَجِيءِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إلَّا بِمَجِيءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَجِيءُ الْيَوْمِ يَكُونُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي ضَحْوَةٍ مِنْ يَوْمِ حَلَفَ فَإِنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَ وُجُودِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ لِأَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا لِتَقَدُّمِ مَجِيئِهِ عَلَى الشَّرْطِ، وَالشَّيْءُ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَجِيءُ لَا بِمَا مَضَى.

  80. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ قَالَ ذَلِكَ لَيْلًا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِأَنَّ مُضِيَّ الشَّيْءِ يَكُونُ بِانْقِضَاءِ جُزْئِهِ الْأَخِيرِ فَمُضِيِّ الْأَيَّامِ يَكُونُ بِانْقِضَاءِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْهَا وَذَلِكَ يُوجَدُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ ضَحْوَةٍ مِنْ النَّهَارِ لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَجِيءَ تِلْكَ السَّاعَةُ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ لِأَنَّهُ بِهِ يَتِمُّ مُضِيُّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِالسَّاعَاتِ فَالْعِبْرَةُ فِي الْمُضِيِّ بِهِ لَا لِلْأَيَّامِ الْكَامِلَةِ، وَفِي الْمَجِيءِ لِأَوَائِلِهَا هَذَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ.

  81. وَلَوْ قَالَ إنْ شَتَمْتُك فِي الْمَسْجِدِ فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي هَذَا كَوْنُ الشَّاتِمِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَحْنَثَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْتُومُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ إنْ ضَرَبْتُك أَوْ قَتَلْتُك فِي الْمَسْجِدِ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَكَانُ الْمَضْرُوبِ وَالْمَقْتُولِ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَهُ أَثَرٌ فِي الْمَفْعُولِ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَكَانُ الْمَفْعُولِ، وَمَا لَا أَثَرَ لَهُ يَظْهَرُ فِي الْمَفْعُولِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مَكَانُهُ بَلْ مَكَانُ الْفَاعِلِ وَعِلَّةُ هَذَا الْأَصْلِ تُذْكَرُ فِي الْجَامِعِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْحَالِفِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ الشَّرْطُ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ الْمَحْلُوفِ بِطَلَاقِهِ وَعَتَاقِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْحَالِفِ فَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَكُلَّمَا هُوَ شَرْطُ جَوَازِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَهُوَ شَرْطُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهِمَا وَمَا لَا فَلَا، وَسَنُبَيِّنُ جُمْلَةَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.

  3. (وَأَمَّا) .

  4. الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ الشَّرْطُ فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَكُونُ التَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ يَمِينًا بَلْ يَكُونُ تَنْجِيزًا حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَانَتْ السَّمَاءُ فَوْقَنَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ مَرِيضَةٌ إذَا حِضْت أَوْ مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى حَيْضٍ مُسْتَقْبَلٍ وَمَرَضٍ مُسْتَقْبَلٍ وَهُوَ حَيْضٌ آخَرُ يُوجَدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ مَرَضٌ آخَرُ لَا عَلَى الْحَالِ،

  5. فَإِنْ عَيَّنَتْ مَا يَحْدُثُ مِنْ هَذَا الْحَيْضِ وَمَا يَزِيدُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ فَهُوَ كَمَا نَوَى لِأَنَّ الْحَيْضَ ذُو أَجْزَاءٍ تَحْدُثُ حَالًا فَحَالًا،

  6. وَكَذَلِكَ الْمَرَضُ يَزْدَادُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ حَيْضًا وَمَرَضًا فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَيُصَدَّقُ،

  7. فَإِنْ قَالَ فَإِنْ حِضْت غَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا حَائِضٌ فَهَذَا عَلَى هَذِهِ الْحَيْضَةِ إذَا دَامَ الْحَيْضُ مِنْهَا إلَى أَنْ يَنْشَقَّ الْفَجْرُ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ السَّاعَةُ تَمَامَ الثَّلَاثَةِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِحَيْضِهَا اسْتَحَالَ أَنْ يَعْنِيَ بِيَمِينِهِ حُدُوثَ حَيْضَةٍ أُخْرَى فِي غَدٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِمْرَارَ هَذِهِ الْحَيْضَةِ وَدَوَامَهَا وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ بِتِلْكَ السَّاعَةِ لِتَمَامِ الثَّلَاثَةِ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّ الْحَيْضَ إذَا انْقَطَعَ فِيمَا دُونَهَا فَلَيْسَ بِحَيْضٍ فَلَا يُوجَدُ شَرْطُ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ بِحَيْضِهَا فَهُوَ عَلَى حَيْضٍ مُسْتَقْبَلٍ وَيَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛

  8. لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَيْضِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ حُدُوثَ الْحَيْضِ

  9. وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْوُجُوهُ فِي الْمَرَضِ.

  10. وَكَذَلِكَ الْمَحْمُومُ إذَا قَالَ إنْ حَمِيت أَوْ الْمَصْدُوعُ إذَا قَالَ إنْ صُدِعَتْ

  11. وَكَذَلِكَ الرَّعَّافُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَقَالَ إنْ صَحَّيْتَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَكَانَ صَحِيحًا حِينَ سَكَتَ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ وَهُوَ كَبَصِيرٍ قَالَ إنْ أَبْصَرْتُ وَكَسَمِيعٍ قَالَ إنْ سَمِعْتُ لِأَنَّ الصِّحَّةَ عَرَضٌ يَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً فَالْمَوْجُودُ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي غَيْرُ الْمَوْجُودِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ وَقَدْ حَدَثَتْ لَهُ الصِّحَّةُ حِينَ مَا فَرَغَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فَوُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ وَلَا

  12. يُمْكِنُ شَرْطُ صِحَّةٍ أُخْرَى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْحَيْضِ وَالْمَرَضِ فَتَقَعُ يَمِينُهُ عَلَى مَا يَحْدُثُ عَقِيبَ الْكَلَامِ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا قُمْتِ أَوْ قَعَدْتِ أَوْ رَكِبْتِ أَوْ لَبِسْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهِيَ قَائِمَةٌ أَوْ قَاعِدَةٌ أَوْ رَاكِبَةٌ أَوْ لَابِسَةٌ أَنَّهُ إذَا مَكَثَ سَاعَةً بَعْدَ الْيَمِينِ مِقْدَارَ مَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهَا حَنِثَ

  13. وَكَذَلِكَ السُّكْنَى إذَا لَمْ يَأْخُذْ فِي النَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ لِأَنَّ الدَّوَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ يُعْنَى بِهِ تَجَدُّدُ أَمْثَالِهَا يُسَمَّى بِاسْمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَقَدْ وُجِدَ مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ عَقِيبَ الْيَمِينِ فَيَحْنَثُ.

  14. وَأَمَّا الدُّخُولُ بِأَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى دُخُولٍ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنْ نَوَى الَّذِي هُوَ فِيهِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الدُّخُولَ هُوَ الِانْفِصَالُ مِنْ خَارِجٍ إلَى دَاخِلٍ وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّجَدُّدَ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْمُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ أَعْنِي الثَّانِيَ فِي زَمَانِ وُجُودِهِ.

  15. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا إنْ خَرَجْتِ وَهِيَ خَارِجَةٌ لِأَنَّ الْخُرُوجَ ضِدُّ الدُّخُولِ وَهُوَ الِانْفِصَالُ مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ وَأَنَّهُ لَا يَتَجَدَّدُ فِي الثَّانِي مِنْ زَمَانِ وُجُودِهِ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْمُ

  16. بِخِلَافِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوبِ وَاللِّبْسِ وَنَحْوِهِمَا يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُ يُقَالُ قُمْتُ يَوْمًا وَرَكِبْتُ يَوْمًا وَلَبِسْتُ يَوْمًا وَلَا يُقَالُ دَخَلْتُ الدَّارَ يَوْمًا وَلَا خَرَجْتُ مِنْ الدَّارِ يَوْمًا عَلَى إرَادَةِ الْمُكْثِ،

  17. وَكَذَلِكَ الْحَبَلُ - إذَا قَالَ لِلْحُبْلَى إذَا حَبِلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهَذَا يَقَعُ عَلَى حَبَلٍ مُسْتَقْبَلٍ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ ابْتِدَاءُ الْعُلُوقِ عُرْفًا وَعَادَةً،

  18. وَلَوْ قَالَ إنْ أَكَلْت أَوْ ضَرَبْتُ فَهُوَ عَلَى الْحَادِثِ، كُلُّ شَيْءٍ أَكَلَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَوْ ضَرَبَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ يَحْنَثُ لِأَنَّ الضَّرْبَ يَتَجَدَّدُ.

  19. وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ تَحِيضِي أَوْ مَا لَمْ تَحْبَلِي وَهِيَ حُبْلَى أَوْ حَائِضٌ فِي حَالِ الْحَلِفِ فَهِيَ طَالِقٌ حِينَ سَكَتَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهَا حِينَ سَكَتَ لِأَنَّهُ جَعَلَ حُدُوثَ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ شَرْطَ الْبِرِّ فَمَا لَمْ يُوجَدْ عَقِيبَ الْيَمِينِ يَحْنَثُ وَإِنْ عَنَى بِهِ مَا فِيهِ مِنْ الْحَيْضِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَدِينُ فِي الْحَبَلِ لِأَنَّ الْحَيْضَ ذُو أَجْزَاءٍ فَجَازَ أَنْ يُسَمَّى مَا يَحْدُثُ مِنْ أَجْزَائِهِ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ،.

  20. فَأَمَّا الْحَبَلُ فَلَيْسَ بِذِي أَجْزَاءٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَيْضَ يَزْدَادُ وَالْحَبَلُ لَيْسَ بِمَعْنًى يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ فَلَا يُصَدَّقُ أَصْلًا - وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ -.

  21. (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ حَقِيقَةً لَا عَادَةَ هُوَ شَرْطُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ حَقِيقَةً لَا يَنْعَقِدُ كَمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ وَلَجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ اجْتَمَعَ الضِّدَّانِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُذْكَرُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أَيْ طَلَاقُك أَمْرٌ لَا يَكُونُ أَصْلًا وَرَأْسًا كَمَا لَا يَلِجُ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَلَا يَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أَيْ لَا يَدْخُلُونَهَا رَأْسًا وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَوْ عَبْدُهُ حُرٌّ أَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَقْتُلْ فُلَانًا وَلَا مَاءَ فِي الْكُوزِ وَفُلَانٌ مَيِّتٌ وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ أَوْ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ هَذَا وَتَفْصِيلَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ الْمَحْلُوفِ بِطَلَاقِهِ وَعَتَاقِهِ فَقِيَامُ الْمِلْكِ فِيهِ وَالْإِضَافَةُ إلَى الْمِلْكِ أَوْ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ.

  22. (وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ فَمَا ذَكَرْنَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ عَدَمُ إدْخَالِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ فَإِذَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءَ أَبْطَلَهُ بِأَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَوْ قَالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ قَالَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ قَالَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ أَوْ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِقُدْرَتِهِ وَلَوْ قَالَ إنْ أَعَانَنِي اللَّهُ أَوْ بِمَعُونَةِ اللَّهِ وَأَرَادَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ يَكُونُ مُسْتَثْنِيًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّ الشَّيْءَ بَعْدَ وُجُودِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْإِعَانَةَ عَلَيْهِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فَيُجْعَلُ مَجَازًا عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ،

  23. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ إنْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ قَالَ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ،.

  24. وَسَنَذْكُرُ شَرَائِطَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَنَذْكُرُ أَنَّ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مَوْصُولًا بِالْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَصْلُ لِضَرُورَةٍ وَعَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْت مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَاعْلَمِي ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِي أَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فَلَا تَطْلُقُ وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الدَّارِ لِأَنَّ حَرْفَ الْفَاءِ حَرْفُ عَطْفٍ فَيَقْتَضِي تَعَلُّقَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَيَصِيرُ الْكُلُّ كَلَامًا وَاحِدًا فَلَا يَكُونُ فَاصِلًا،

  25. وَإِنْ قَالَ اعْلَمِي ذَلِكَ أَوْ اذْهَبِي لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْمَذْكُورِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَصَارَ كَلَامًا مُبْتَدَأً فَكَانَ

  26. فَاصِلًا قَاطِعًا لِلِاسْتِثْنَاءِ فَيَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِالْخُرُوجِ.

  27. وَقَالَ الْقُدُورِيُّ وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،.

  28. (وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ حَائِلٌ،

  29. فَإِذَا دَخَلَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَتَعْلِيقًا بَلْ يَكُونُ تَنْجِيزًا وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ إدْخَالُ النِّدَاءِ فِي وَسَطِ الْكَلَامَيْنِ أَنَّهُ يَكُونُ فَاصِلًا مَانِعًا مِنْ التَّعْلِيقِ أَوَّلًا وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ النِّدَاءَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ نِدَاءٌ بِالْقَذْفِ بِأَنْ يَقُولَ يَا زَانِيَةُ، وَنِدَاءٌ بِالطَّلَاقِ بِأَنْ يَقُولَ يَا طَالِقُ، وَنِدَاءٌ بِالْعَلَمِ بِأَنْ يَقُولَ يَا زَيْنَبُ أَوْ يَا عَمْرَةُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ ذَكَرَ النِّدَاءَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَإِمَّا أَنْ ذَكَرَهُ فِي أَوْسَطِهِ وَإِمَّا أَنْ ذَكَرَهُ فِي آخِرِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ عُلِّقَ بِشَرْطٍ وَهُوَ دُخُولُ الدَّارِ وَنَحْوُهُ وَإِمَّا أَنْ نَجَّزَ وَأَدْخَلَ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا النِّدَاءُ بِالْقَذْفِ إذَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّعْلِيقِ وَيَكُونُ قَذْفًا صَحِيحًا بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ.

  30. لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِلنِّدَاءِ لَكِنَّهُ وَصْفٌ لَهَا بِالزِّنَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ الزِّنَا وَالِاسْمُ الْمُشْتَقُّ مِنْ مَعْنًى يَقْتَضِي وُجُودَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا مَحَالَةَ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ مِنْ الْمَعَانِي مِنْ الْمُتَحَرِّكِ وَالسَّاكِنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الِاسْمُ مَوْضُوعًا لِلنِّدَاءِ أَوْ غَيْرِهِ فَصَارَ بِوَصْفِهِ إيَّاهَا بِالزِّنَا وَنِسْبَةِ الزِّنَا إلَيْهَا قَاذِفًا لَهَا بِالزِّنَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ وَمُوجَبُ قَذْفِ الزَّوْجَاتِ اللِّعَانُ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ اللِّعَانِ ثُمَّ صَارَ مُعَلِّقًا طَلَاقَهَا بِدُخُولِ الدَّارِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ نَادَاهَا لِتَتَنَبَّهَ لِسَمَاعِ كَلَامِهِ فَلَمَّا تَنَبَّهَتْ خَاطَبَهَا بِالْيَمِينِ وَهِيَ تَعْلِيقُ طَلَاقِهَا بِدُخُولِ الدَّارِ

  31. وَكَذَا لَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى صَارَ قَاذِفًا لِمَا قُلْنَا وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِدُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ.

  32. وَلَوْ بَدَأَ بِالنِّدَاءِ فِي الطَّلَاقِ فَقَالَ يَا طَالِقُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ يَا طَالِقُ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فَيَقْتَضِي تَقَدُّمَ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ عَلَى وَصْفِهِ إيَّاهَا لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الْوَصْفِ وَتَعَلُّقِ طَلَاقٍ آخَرَ بِدُخُولِ الدَّارِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ،

  33. وَكَذَا لَوْ قَالَ يَا طَالِقُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ يَا طَالِقُ وَلَمْ يَقَعْ الثَّانِي لِدُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ،

  34. وَلَوْ بَدَأَ بِالنِّدَاءِ بِالْعَلَمِ فَقَالَ يَا عَمْرَةُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالدُّخُولِ لِأَنَّهُ بِنِدَائِهِ إيَّاهَا بِالْعَلَمِ نَبَّهَهَا عَلَى سَمَاعِ كَلَامِهِ ثُمَّ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالدُّخُولِ.

  35. وَكَذَا لَوْ قَالَ يَا عَمْرَةُ أَنْتِ طَالِقٌ يَا عَمْرَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِمَا ذَكَرْنَا، هَذَا إذَا بَدَأَ بِالنِّدَاءِ إمَّا بِالْقَذْفِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَلَمِ،.

  36. فَأَمَّا إذَا أَتَى بِالنِّدَاءِ فِي وَسَطِ الْكَلَامِ فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ بِأَنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ فَاصِلًا وَيَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِدُخُولِ الدَّارِ وَيَصِيرُ قَاذِفًا وَيَجِبُ اللِّعَانُ، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ رَجَعَ.

  37. وَقَالَ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِلْحَالِ وَلَا يَصِيرُ قَاذِفًا حَتَّى لَا يَجِبَ اللِّعَانُ.

  38. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَتَعَلَّقُ بِدُخُولِ الدَّارِ وَلَا يَصِيرُ النِّدَاءُ فَاصِلًا بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ مَانِعًا مِنْ التَّعْلِيقِ،

  39. وَلَا يَصِيرُ قَاذِفًا وَلَا يَجِبُ اللِّعَانُ.

  40. قَالَ الْمَشَايِخُ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ قَوْلُهُ الْأَخِيرُ، وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَعَلَّقَ الْقَذْفُ وَبَطَلَ فِي نَفْسِهِ وَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْقَذْفُ بَلْ تَحَقَّقَ لِلْحَالِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَعَلَّقَ الْقَذْفُ فَبَطَلَ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ الطَّلَاقُ بَلْ تَنَجَّزَ.

  41. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ عَقِيبَ قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ فَقَدْ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِالشَّرْطِ، وَالْقَذْفُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لِأَنَّهُ وَصْفُ الشَّخْصِ بِالزِّنَا كَقَوْلِهِ قَائِمَةٌ وَقَاعِدَةٌ أَنَّهُ وَصَفَهَا بِالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَوَصْفُ الشَّيْءِ بِصِفَةٍ يَكُونُ إخْبَارًا عَنْ وُجُودِ الصِّفَةِ فِيهِ وَالْإِخْبَارُ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ حَتَّى يَكُونَ صَادِقًا عِنْدَ وُجُودِهِ كَاذِبًا عِنْدَ عَدَمِهِ أَوْ مُخْبِرًا عِنْدَ وُجُودِهِ غَيْرَ مُخْبِرٍ عِنْدَ عَدَمِهِ،

  42. وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ صَارَ لَغْوًا فَصَارَ حَائِلًا بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَيَنْزِلُ الْجَزَاءُ، لَكِنْ مَعَ هَذَا لَا يَصِيرُ قَاذِفًا لِأَنَّهُ قَصَدَ تَعْلِيقَ الْقَذْفِ بِالشَّرْطِ وَمَنْ قَصَدَ تَعْلِيقَ شَيْءٍ بِشَرْطٍ لَا يَكُونُ مُثْبِتًا لَهُ فِي الْحَالِ فَلَمْ يَصِرْ قَاذِفًا، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا يَصِيرُ قَاذِفًا أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَتَّى يَنْزِلَ عِنْدَ وُجُودِهِ.

  43. (وَجْهُ) مَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ وَلَكِنَّهُ مَعَ هَذَا لَا يَصِيرُ لَغْوًا لِأَنَّهُ لِتَأْكِيدِ الْخِطَابِ الْمَوْجُودِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَصَارَ مُؤَكِّدًا لِبَابِ الْخِطَابِ فَالْتَحَقَ بِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ يَا زَانِيَةُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَالِقٌ

  44. فَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالدُّخُولِ وَبَقِيَ الْقَذْفُ مُتَحَقِّقًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَا عَمْرَةُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ صَحَّ التَّعْلِيقُ؟ وَلَمْ يَصِرْ قَوْلُهُ يَا عَمْرَةُ فَاصِلًا كَذَا هَهُنَا.

  45. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ قَدْ صَحَّ لِمَا مَرَّ فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ وَالْقَذْفُ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الشَّرْطَ، وَالْقَذْفُ مَتَى عُلِّقَ بِالشَّرْطِ لَا يَقْصِدُ الْإِنْسَانُ تَحْقِيقَهُ لِلْحَالِ وَالِيًا بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ عَلَى مَا مَرَّ، وَكَانَ الْقَاضِي الْجَلِيلُ يَقُولُ تَعْلِيقُ الْقَذْفِ بِالشَّرْطِ يَكُونُ تَبْعِيدًا لِلْقَذْفِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتُهُ زَانِيَةٌ أَوْ أُمُّهُ زَانِيَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ تَبْعِيدَ الْفِعْلِ وَلَنْ يَتَحَقَّقَ تَبْعِيدُ الْفِعْلِ إلَّا بِتَبْعِيدِ الِاتِّصَافِ بِالزِّنَا عَنْ أُمِّهِ وَامْرَأَتِهِ وَبِمِثْلِ هَذَا يَحْصُلُ الْوَصْفُ بِالْإِحْصَانِ دُونَ الْوَصْفِ بِالزِّنَا وَإِلْحَاقِ الْعَارِ بِهِ - وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ -

  46. وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ،

  47. وَلَوْ كَانَ النِّدَاءُ بِالطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَا طَالِقُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ هَذَا أَيْضًا عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النِّدَاءِ بِالزِّنَا بِقَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ وَيَقُولُ يَقَعُ الطَّلَاقُ مُنَجَّزًا بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِدُخُولِ الدَّارِ وَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ يَا طَالِقُ فَاصِلًا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ قَوْلَهُ يَا طَالِقُ وَإِنْ كَانَ نِدَاءً فَهُوَ إيقَاعُ الطَّلَاقِ فَكَانَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ يَا طَالِقُ إيقَاعًا عَقِيبَ إيقَاعٍ مِنْ غَيْرِ عَطْفِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ وَالشَّرْطُ اتَّصَلَ بِآخِرِ الْإِيقَاعَيْنِ دُونَ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا فَبَقِيَ الْأَوَّلُ تَنْجِيزًا

  48. بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ فَإِنَّهُ نِدَاءٌ وَتَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَاءِ الْخِطَابِ لَا إيقَاعٌ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ فَلَمْ يَصِرْ حَائِلًا فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَعَلُّقِ الشَّرْطِ بِالْجَزَاءِ،

  49. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ هَذَا أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كَانَ النِّدَاءُ بِالْعَلَمِ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَا عَمْرَةُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَهَهُنَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِالشَّرْطِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَبُو يُوسُفَ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ يَا عَمْرَةُ لَا يُفِيدُ إلَّا مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ أَنْتِ فَكَانَ تَأْكِيدًا لَهُ فَالْتَحَقَ بِهِ فَلَمْ يَصِرْ فَاصِلًا.

  50. (وَأَمَّا) قَوْلُهُ يَا زَانِيَةُ فَفِيهِ زِيَادَةُ أَمْرٍ لَا تُفِيدُهُ تَاءُ الْخِطَابِ وَهُوَ إثْبَاتُ وَصْفِ الزِّنَا وَيَتَعَلَّقُ بِهِ شَرْعًا حُكْمٌ وَهُوَ الْحَدُّ أَوْ اللِّعَانُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ تَكْرَارًا لِلتَّاءِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْخِطَابِ فَكَانَ مُعْتَبَرًا فِي نَفْسِهِ فَلَمْ يَصِرْ مُلْتَحِقًا بِتَاءِ الْخِطَابِ فَبَقِيَ فَاصِلًا،.

  51. فَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِخِلَافِهِ عَلَى مَا مَرَّ،

  52. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَا عَمْرَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِمَا مَرَّ، هَذَا إذَا أَتَى بِالنِّدَاءِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ أَوْ وَسَطِهِ،.

  53. فَأَمَّا إذَا أَتَى بِهِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ أَمَّا فِي النِّدَاءِ بِالزِّنَا بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ يَا زَانِيَةُ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَتَعَلَّقُ بِالدُّخُولِ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالدُّخُولِ ثُمَّ نَادَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَ قَاذِفًا وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الْقَذْفِ شَرْطٌ لِيُقَالَ أَنَّهُ قَصَدَ تَعْلِيقَ الْقَذْفِ بَعْدَ تَحْقِيقِهِ.

  54. وَكَذَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَا زَانِيَةُ بَطَلَ الطَّلَاقُ وَتَحَقَّقَ الْقَذْفُ، وَفِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ يَا طَالِقُ تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ بِالدُّخُولِ وَوَقَعَ بِقَوْلِهِ يَا طَالِقُ طَلَاقٌ لِدُخُولِ الشَّرْطِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ قَوْلِهِ يَا طَالِقُ.

  55. وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَا طَالِقُ.

  56. وَكَذَا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ يَا عَمْرَةُ، فَهَذَا رَجُلٌ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِدُخُولِ الدَّارِ ثُمَّ نَادَاهَا وَنَبَّهَهَا بِالنِّدَاءِ عَلَى الْيَمِينِ وَالْخِطَابِ فَصَحَّ التَّعْلِيقُ

  57. وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَا عَمْرَةُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِمَا مَرَّ.

  58. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.

  59. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ وَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ.

  60. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَعَلَيْهِ الْحَدُّ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ نِدَاءٌ فَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْعَدَدِ وَهُوَ قَوْلُهُ ثَلَاثًا وَبَيْنَ أَصْلِ الْإِيقَاعِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا لَمْ يَفْصِلْ فَيُوقَفْ الْوُقُوعُ عَلَى آخِرِ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ ثَلَاثًا فَتَبِينُ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ اللِّعَانِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْإِيقَاعِ وَالْعَدَدِ فَبَانَتْ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَصَادَفَهَا قَوْلُهُ يَا زَانِيَةُ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَيَلْغُو قَوْلُهُ ثَلَاثًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمَدْخُولَ بِهَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ ثَلَاثًا أَنَّهَا تَبِينُ بِثَلَاثٍ وَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ لِأَنَّا وَإِنْ اعْتَبَرْنَا قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ فَاصِلًا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ إلْحَاقَ الثَّلَاثِ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَسَكَتَ فَقِيلَ لَهُ كَمْ؟

  61. فَقَالَ: ثَلَاثًا فَكَذَا إذَا فُصِلَ بِقَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ.

  62. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إذَا قَالَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَمَاتَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَهَذَا بَاطِلٌ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ لِأَنَّ الْعَدَدَ إذَا قُرِنَ بِالتَّطْلِيقِ كَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْعَدَدَ وَهِيَ عِنْدَ ذَلِكَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، وَالشَّرْطُ إذَا لَحِقَ بِآخِرِ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ أَوَّلُ الْكَلَامِ

  63. عَلَى آخِرِهِ وَلَا يُفْصَلُ آخِرُ الْكَلَامِ عَنْ أَوَّلِهِ وَقَدْ حَصَلَ آخِرُ الْكَلَامِ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ.

  64. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا عَمْرَةُ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ يَا عَمْرَةُ فَالطَّلَاقُ لَازِمٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا عَمْرَةُ نِدَاءٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا عَدَدٍ يَتَوَقَّفُ الْوُقُوعُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ -.

المالكية
كتاب آخر
المدونةمالك بن أنس، برواية سحنون، ٥٣٣ مسألة
  1. ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا صَنَعْت قَالَ: هِيَ طَالِقٌ، هَلْ يَنْوِي إنْ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْت أَنْ أُخْبِرَهُ أَنَّهَا طَالِقٌ بِالتَّطْلِيقَةِ الَّتِي كُنْت طَلَّقْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَنْوِي وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ

  2. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إنْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت أَوْ لَبِسْت أَوْ رَكِبْت أَوْ قُمْت أَوْ قَعَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَتَكُونُ هَذِهِ أَيْمَانًا كُلَّهَا؟

  3. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت أَوْ إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ؟ قَالَ لَيْسَ هَذِهِ يَمِينًا؛ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ الزَّوْجَ مَكَانَهُ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ

  4. مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ أَوْ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ

  5. فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ أَوْ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْمَشِيئَةَ لَهَا وَإِنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا ذَلِكَ تُوقَفُ، فَتَقْضِي أَوْ تَتْرُكُ فَإِنْ هِيَ تَرَكَتْهُ فَجَامَعَهَا قَبْلَ أَنْ تُوقَفَ أَوْ تَقْضِيَ فَلَا شَيْءَ لَهَا وَقَدْ بَطَلَ مَا كَانَ فِي يَدَيْهَا مِنْ ذَلِكَ

  6. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا قُلْتُ لَكَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِهَا حَتَّى تُوقَفَ وَإِنْ تَفَرَّقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ تَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ فِي التَّمْلِيكِ وَرَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ ذَلِكَ بِيَدِهَا حَتَّى تُوقَفَ، فَهُوَ أَشْكَلُ مِنْ التَّمْلِيكِ؛

  7. لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ مَرَّةً إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغُلَامِهِ أَنْتَ حُرٌّ إذَا قَدِمَ أَبِي أَوْ أَنْتَ حُرٌّ إنْ قَدِمَ أَبِي كَانَ يَقُولُ: هُمَا مُفْتَرِقَانِ، قَوْلُهُ إذَا قَدِمَ أَبِي أَشَدُّ وَأَقْوَى عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِ إنْ قَدِمَ أَبِي ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ:

  8. هُمَا سَوَاءٌ إذَا وَإِنْ، فَعَلَى هَذَا رَأَيْتُ قَوْلَهُ إذَا شِئْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ إنْ شِئْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ عَلَى قَوْلِهِ إذَا قَدِمَ أَبِي فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ قَدِمَ أَبِي فَأَنْتَ حُرٌّ

  9. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَبِلَتْهُ أَيَكُونُ هَذَا تَرْكًا لِمَا كَانَ جَعَلَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ؟

  10. قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ رَأْيِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ قُلْتُ:

  11. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك فَهُوَ مِثْلُ هَذَا؟

  12. قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّمَا الَّذِي سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ

  13. مَنْ قَالَ لَهَا إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ لَهَا ثَانِيَةً

  14. فِيمَنْ قَالَ لَهَا إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ لَهَا ثَانِيَةً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ،

  15. ثُمَّ قَالَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَالدَّارُ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا هِيَ دَارٌ وَاحِدَةٌ فَدَخَلَتْ الدَّارَ كَمْ يَقَعُ عَلَيْهَا؟ قَالَ: يَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَتَانِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى بِقَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ تَطْلِيقَةً ثَانِيَةً؛

  16. لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ،

  17. ثُمَّ قَالَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْكَلَامِ الثَّانِي الْيَمِينَ الْأُولَى فَكَلَّمَهُ فَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ تَطْلِيقَةٌ،

  18. وَإِنْ كَانَ لَمْ يُرِدْ بِالْكَلَامِ الثَّانِي الْيَمِينَ الْأُولَى فَكَلَّمَهُ فَهُمَا تَطْلِيقَتَانِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ الْأَيْمَانَ بِاَللَّهِ، مِثْلَ الَّذِي يَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا

  19. وَكَذَا ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا

  20. وَكَذَا لِذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،

  21. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الطَّلَاقَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.

  22. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَفَرْقُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ إنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا أَنَّهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ كَلَّمَتْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْبَقِيَّةِ أَنْ يُسْمِعَهَا فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا

  23. مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كُنْتِ تُحِبِّينِي أَوْ إنْ كُنْتِ قُلْتِ كَذَا

  24. فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كُنْتِ تُحِبِّينِي أَوْ إنْ كُنْتِ قُلْتِ: كَذَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي، أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كُنْت تَبْغُضِينِي، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ امْرَأَةٍ وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا كَلَامٌ فَقَالَتْ: فَارِقْنِي، فَقَالَ الزَّوْجُ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ فِرَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ فَإِنِّي أُحِبُّ فِرَاقَكَ، فَقَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا كُنْت إلَّا لَاعِبَةٌ وَمَا أُحِبُّ فِرَاقَكَ؟

  25. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُفَارِقَهَا وَيَعْتَزِلَهَا وَلَا يُقِيمَ عَلَيْهَا يُصَدِّقُهَا مَرَّةً وَيُكَذِّبُهَا مَرَّةً هَذَا لَا يَكُونُ وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهَا

  26. قُلْتُ: لَيْسَ هَذِهِ مَسْأَلَتِي إنَّمَا مَسْأَلَتِي أَنَّهُ قَالَ: إنْ كُنْت تُبْغِضِينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ لَا أَبْغَضُكَ وَأَنَا أُحِبُّك قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى فِرَاقِهَا وَيُؤْمَرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَنْ يُفَارِقَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَصَدَقَتْهُ أَمْ كَذَبَتْهُ فَأَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقِيمَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَدْرِي كَيْفَ هِيَ تَحْتَهُ أَحَلَالٌ أَمْ حَرَامٌ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَيْنِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَكُنْ قُلْتَ: لِي كَذَا

  27. وَكَذَا، وَيَقُولُ الْآخَرُ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كُنْتُ قُلْتُ: لَك كَذَا وَكَذَا؟

  28. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَدِينَانِ جَمِيعًا

  29. مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْت أَوْ إذَا حَاضَتْ فُلَانَةُ

  30. فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْت أَوْ إذَا حَاضَتْ فُلَانَةُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حَاضَتْ فُلَانَةُ لِامْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ؟

  31. قَالَ: أَرَى أَنَّهَا طَالِقٌ سَاعَةَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا أَجَلٌ مِنْ الْآجَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قُلْتُ:

  32. فَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْت، فَأَوْقَعَتْ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مَكَانَهُ فَاعْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ فَلَمْ تَرَ حَيْضًا فِي عِدَّتِهَا، فَاعْتَدَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا زَوْجُهَا الْحَالِفُ فَحَاضَتْ عِنْدَهُ أَيَقَعُ عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ طَلَاقٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  33. قَالَ: لَا يَقَعُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي أَوْقَعَهُ مَالِكٌ عَلَيْهَا حِينَ حَلَفَ إنَّمَا هُوَ بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ وَقَدْ أَحْنَثَتْهُ فِي يَمِينِهِ بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ وَلَا تُحْنِثُهُ بِهَا مَرَّةً أُخْرَى

  34. مَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ أَوْ إنْ أَكَلْتِ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ

  35. فِيمَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ أَوْ إنْ أَكَلْتِ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ قُلْتُ:

  36. فَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك؟ قَالَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا مَكَانَهُ حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا تَطْلُقُ إلَّا أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَتُوقِفَهُ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَأَكَلَتْ نِصْفَ الرَّغِيفِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ الثَّانِي ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي فَتَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ الْحَالِفُ فَأَكَلَتْ نِصْفَ الرَّغِيفِ الْبَاقِيَ عِنْدَهُ أَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  37. قَالَ: يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الرَّغِيفِ مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ إنْ أَكَلَتْ الرَّغِيفَ فِي مِلْكِ الْحَالِفِ أَوْ بَعْضَ الرَّغِيفِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ حَالِفًا بِطَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ،

  38. فَإِذَا ذَهَبَ طَلَاقُهُ فَقَدْ ذَهَبَ مَا قَدْ كَانَ بِهِ حَالِفًا وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ شَرٌّ، وَكَانَ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَخٌ فَلَقِيَ أَخُوهُ الرَّجُلَ الَّذِي نَازَعَ أَخَاهُ فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَخِي أَمْسِ وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ إنْ لَمْ يَكُنْ، لَوْ كُنْت حَاضِرًا لَفَقَأْتُ عَيْنِك قَالَ مَالِكٌ أَرَاهُ حَانِثًا؛

  39. لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَبَرُّ فِيهِ وَلَا فِي مِثْلِهِ

  40. قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إنْ كَانَ كَلَّمَ فُلَانٌ فُلَانًا ثُمَّ شَكَّ فِي كَلَامِهِ إيَّاهُ

  41. فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إنْ كَانَ كَلَّمَ فُلَانٌ فُلَانًا ثُمَّ شَكَّ فِي كَلَامِهِ إيَّاهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ؟ قَالَ: لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ فِيمَا أَخْبَرْتُك مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ قُلْتُ: وَلِمَ لَا تُطَلِّقُونَ عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ فُلَانًا يَقْدَمُ فَيَكُونُ هَذَا قَدْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ وَطِئَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ وَأَنْتُمْ تُطَلِّقُونَ بِالشَّكِّ؟

  42. قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ الشَّكِّ وَلَيْسَ هَذَا وَقْتَ هُوَ آتٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَشُكُّ فِي يَمِينِهِ فَلَا يَدْرِي أَبَرَّ فِيهَا أَمْ حَنِثَ وَهَذَا لَمْ يَحْنَثْ بَعْدُ، إنَّمَا يَحْنَثُ بِقُدُومِ فُلَانٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَانَ كَلَّمَ فُلَانًا ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ ذَلِكَ،

  43. فَلَا يَدْرِي أَكَلَّمَهُ أَمْ لَا، فَهَذَا الَّذِي تَطْلُقُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ عِنْدَ مَالِكٍ لِمَا شَكَّ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ بِهَا،

  44. فَلَا يَدْرِي لَعَلَّهُ فِي يَمِينِهِ حَانِثٌ فَلَمَّا وَقَعَ الشَّكُّ طَلُقَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ فِيهَا بَارٌّ، فَكُلُّ يَمِينٍ لَا يَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ فِيهَا بَارٌّ وَيَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ فَهُوَ حَانِثٌ، وَهَذَا الْآخَرُ لَا يُشْبِهُ الَّذِي قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ؛

  45. لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ وَهُوَ يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حِنْثُهُ بِقُدُومِ فُلَانٍ وَلَمْ يُطَلِّقْ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ.

  46. قَالَ لَهَا إذَا حَبِلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ بَعْدَ قُدُومِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ

  47. فِيمَنْ قَالَ لَهَا إذَا حَبِلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ بَعْدَ قُدُومِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا حَبِلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ؟ قَالَ: لَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا،

  48. فَإِذَا وَطِئَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ وَطْئِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَدْ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةٍ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا: إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ،

  49. وَلَا يَدْرِي أَبِهَا حَمْلٌ أَمْ لَا وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ: هِيَ طَالِقٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَبِهَا حَمْلٌ أَمْ لَا،

  50. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي امْرَأَةٍ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا إنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا: إنَّهَا تَطْلُقُ مَكَانَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَامِلٌ هِيَ أَمْ لَا فَأَرَى مَسْأَلَتَكَ عَلَى مِثْلِ هَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ

  51. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ قُدُومِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا مَكَانَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا الْأَجَلَ الَّذِي قَالَ

  52. قَالَ لَهَا إذَا حَمَلْت وَوَضَعْت فَأَنْتِ طَالِقٌ

  53. فِيمَنْ قَالَ لَهَا إذَا حَمَلْت وَوَضَعْت فَأَنْتِ طَالِقٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ غَيْرُ حَامِلٍ إذَا حَمَلْت فَوَضَعْت فَأَنْتِ طَالِقٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَنَا أَرَى إنْ كَانَ وَطِئَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ أَنَّهَا طَالِقٌ مَكَانَهَا وَلَا

  54. يَنْتَظِرُ بِهَا أَنْ تَضَعَ وَلَا أَنْ تَحْمِلَ، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُحْبَسُ أَلْفُ امْرَأَةٍ لِامْرَأَةِ وَاحِدَةٍ، وَيَكُونُ أَمْرُهَا فِي الْحَمْلِ غَيْرَ أَمْرِهِنَّ، وَلِأَنِّي سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكِ حَمْلٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هِيَ طَالِقٌ حِينَ تَكَلَّمَ وَلَا يُسْتَأْنَى بِهَا لِلنَّظَرِ، وَاَلَّذِي يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَضَعْت فَأَنْتِ طَالِقٌ بِمَنْزِلَتِهَا وَلَا يُسْتَأْنَى بِهَا لِلنَّظَرِ إنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ أَمْ لَا؛

  55. لِأَنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَنَّ بِهَا حَمَلَا أَوْ لَيْسَ بِهَا حَمْلٌ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَرِثَهَا،

  56. وَكَذَلِكَ كَانَتْ حُجَّةُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكِ حَمْلٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ

  57. فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَزْمٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لِمَ لَا يُسْتَأْنَى حَتَّى يَعْلَمَ أَحَامِلٌ هِيَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ اُسْتُؤْنِيَ بِهَا فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَيَرِثُهَا أَمْ لَا؟

  58. قَالَ: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ أُوقِفُ امْرَأَةً عَلَى زَوْجٍ لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا فَاَلَّذِي سَأَلْت عَنْهُ عِنْدِي مِثْلُ هَذَا.

  59. قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا مِتُّ أَوْ مَاتَ فُلَانٌ أَوْ كُلَّمَا حِضْت

  60. فِيمَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا مِتُّ أَوْ مَاتَ فُلَانٌ أَوْ كُلَّمَا حِضْت أَوْ كُلَّمَا جَاءَ يَوْمٌ أَوْ جَاءَتْ سَنَةٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا مِتُّ؟ قَالَ مَالِكٌ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ قُلْتُ:

  61. فَإِنْ قَالَ: إذَا مَاتَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ؟ قَالَ مَالِكٌ: تَطْلُقُ عَلَيْهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ

  62. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا حِضْت حَيْضَةً؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ كُلَّمَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ: إنَّهَا طَالِقٌ السَّاعَةَ، فَأَرَى مَسْأَلَتَك أَنَّهَا طَالِقٌ السَّاعَةَ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا؟ أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا جَاءَ يَوْمٌ أَوْ كُلَّمَا جَاءَ شَهْرٌ أَوْ كُلَّمَا جَاءَتْ سَنَةٌ؟

  63. قَالَ: أَرَى أَنَّهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلَى أَجَلٍ هُوَ آتٍ إنَّمَا هُوَ طَلَاقٌ حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ

  64. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقْتهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا بِهَذَا الْقَوْلِ،

  65. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، أَيَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ يَمِينِهِ تِلْكَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ يَمِينِهِ تِلْكَ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ الَّتِي كَانَتْ بِالطَّلَاقِ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْمِلْكُ فَذَهَبَ طَلَاقُهُ كُلُّهُ، وَإِنَّمَا كَانَ حَالِفًا بِطَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ وَذَهَبَ طَلَاقُهُ

  66. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِك بِشَهْرٍ مَتَى يَقَعُ الطَّلَاقُ؟ قَالَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ مَكَانَهُ حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ، قُلْتُ:

  67. فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ إذَا: وَضَعْت فَأَنْتِ طَالِقٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهَا طَالِقًا حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ

  68. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ غَدٍ أَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ غَدًا فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَهِيَ طَالِقٌ مَكَانَهَا

  69. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ فَرَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ مُنَازَعَةٌ، فَسَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ بِكِ حَمْلٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَفَتَرَى أَنْ يُسْتَأْنَى بِهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ بَلْ أَرَاهَا طَالِقًا حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ وَلَا يُسْتَأْنَى بِهَا

  70. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ جُلَسَاءِ مَالِكٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ طَلَّقْت عَلَيْهِ حِينَ تَكَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا حَامِلٌ؟

  71. قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ اسْتَأْنَيْت بِهَا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهَا حَامِلٌ فَمَاتَتْ أَكَانَ الزَّوْجُ يَرِثُهَا؟ فَقِيلَ لَهُ: لَا، قَالَ فَكَيْفَ أَتْرُكُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا

  72. وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَكَانَتْ تَلِدُ مِنْهُ جَوَارِيَ فَحَمَلَتْ، فَقَالَ لَهَا: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَطْنِك غُلَامٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّك قَدْ أَكْثَرْت مِنْ وِلَادَةِ الْجَوَارِي، قَالَ: أَرَاهَا طَالِقًا السَّاعَةَ وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا أَنْ تَضَعَ، قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ:

  73. فَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا هَلْ تُرَدُّ إلَيْهِ؟

  74. قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ تُمْطِرْ السَّمَاءُ فِي شَهْرِ كَذَا

  75. وَكَذَا فِي يَوْمِ كَذَا

  76. وَكَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ، قَالَ مَالِكٌ: تَطْلُقُ عَلَيْهِ السَّاعَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْغَيْبِ،

  77. فَإِنْ مُطِرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي سَمَّى لَمْ تُرَدُّ إلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجَلٌ إلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيَنْظُرَ أَيَكُونُ فِيهِ الْمَطَرُ أَمْ لَا

  78. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ؟ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ جُلَسَائِهِ أَنَّهُ قِيلَ لِمَالِكٍ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَقُولُ: إنْ لَمْ يَقْدَمْ أَبِي إلَى يَوْمِ كَذَا

  79. وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ؟ قَالَ مَالِكٌ لَا يُشْبِهُ هَذَا الْمَطَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَدَّعِي أَنَّ الْخَبَرَ قَدْ جَاءَهُ، أَوْ الْكِتَابَ بِأَنَّ وَالِدَهُ سَيَقْدَمُ وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ حَلَفَ عَلَى الْغَيْبِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ قَدْ أَخْبَرَنِي بِهِ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاَلَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ

  80. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ،

  81. وَإِنْ لَمْ أُعْتِقْ عَبْدِي فُلَانًا أَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ سَاعَةَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: لَا يَقَعُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ الطَّلَاقُ حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْئِهَا، وَيُقَالُ لَهُ: افْعَلْ مَا حَلَفْت عَلَيْهِ،

  82. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ ضَرَبَ لَهَا السُّلْطَانُ أَجَلَ الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ،

  83. وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا مَضَى مِنْ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ مِنْ يَوْمِ حَلَفَ مَا لَمْ تَرْفَعْهُ إلَى

  84. السُّلْطَانِ، وَلَيْسَ يَضْرِبُ السُّلْطَانُ لَهَا أَجَلَ الْإِيلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا فِي هَذَا الْوَجْهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ إيلَاءٍ وَقَعَ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا

  85. وَكَذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا أَوْ بِمَشْيٍ أَوْ بِنَذْرِ صِيَامٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ طَلَاقِ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى أَوْ بِعِتْقِ رَقَبَةِ عَبْدِهِ أَوْ حَلَفَ لِغَرِيمٍ لَهُ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ

  86. قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ هُوَ مُولٍ مِنْهَا مِنْ يَوْمِ حَلَفَ وَلَيْسَ مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ وَلَيْسَ يَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا إذَا وَطِئَ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَلَا إيلَاءَ عَلَيْهِ فَقَدْ بَرَّ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ هُوَ وَإِنْ وَطِئَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ،

  87. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ إلَّا الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ لَمْ يَفْعَلْهَا فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهَا

  88. قُلْتُ: وَمَا حُجَّتُك حِينَ قُلْت: فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهَا طَالِقٌ سَاعَتَئِذٍ، وَقَدْ قُلْت عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَيُضْرَبَ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَلِمَ لَا تَجْعَلُ الَّذِي قَالَ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ مِثْلَ هَذَا الَّذِي قَالَ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ؟ وَمَا فَرْقُ بَيْنَهُمَا؟

  89. قَالَ: وَلِأَنَّ الَّذِي حَلَفَ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ إنْ دَخَلَ سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَاقُ وَلِأَنَّ الَّذِي حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيُطَلِّقَنَّ لَيْسَ بِرُّهُ إلَّا فِي أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ وَجْهٍ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ لَا بُدَّ بِأَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ مَكَانَهُ حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ

  90. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا الْآخَرَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَلَّمَهُمَا جَمِيعًا كَمْ يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ أَوَاحِدَةٌ أَوْ اثْنَتَانِ؟

  91. قَالَ: يَقَعُ عَلَيْهِ اثْنَتَانِ وَلَا يَنْوِي وَإِنَّمَا يَنْوِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ لَوْ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ،

  92. ثُمَّ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ لِفُلَانٍ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ وَمَسْأَلَتُك لَا تُشْبِهُ هَذِهِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جَوَابَك هَذَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟

  93. قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ مَالِكٌ:

  94. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَجُلًا فَبَاعَهُ فَكَلَّمَ الرَّجُلَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَقَبِلَهُ أَنَّهُ إنْ كَلَّمَ الرَّجُلَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَازِمَةٌ لَهُ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ حِينَ كَلَّمَ الرَّجُلَ وَالْعَبْدُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.

  95. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ وَرِثَهُ هَذَا الْحَالِفُ ثُمَّ كَلَّمَ الرَّجُلَ الَّذِي حَلَفَ بِعِتْقِ هَذَا الْعَبْدِ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ حِنْثًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا جَرَّهُ إلَيْهِ الْمِيرَاثُ

  96. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَلَوْ فَلِسَ هَذَا الْحَالِفُ فَبَاعَهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ ثُمَّ كَلَّمَ فُلَانًا ثُمَّ أَيْسَرَ يَوْمًا مَا فَاشْتَرَاهُ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَلَّمَهُ حَنِثَ، وَأَرَى بَيْعَ السُّلْطَانِ الْعَبْدَ فِي التَّفْلِيسِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ السَّيِّدِ إيَّاهُ طَائِعًا

  97. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ آلِ الزُّبَيْرِ حَلَفَتْ بِعِتْقِ جَارِيَةٍ لَهَا أَنْ لَا تُكَلِّمَ فُلَانًا،

  98. ثُمَّ إنَّ الْجَارِيَةَ وَقَعَتْ إلَى أَبِيهَا ثُمَّ مَاتَ أَبُوهَا فَوَرِثَتْهَا ابْنَتُهُ الْحَالِفَةُ وَإِخْوَةٌ لَهَا، فَبَاعُوا الْجَارِيَةَ فَاشْتَرَتْهَا فِي حِصَّتِهَا أَتَرَى أَنْ تُكَلِّمَ فُلَانًا وَلَا تَحْنَثُ؟ قَالَ: أَرَى إنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ هِيَ قَدْرُ مِيرَاثِهَا مِنْ أَبِيهَا أَوْ الْجَارِيَةُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا أَرَى عَلَيْهَا حِنْثًا وَاشْتِرَاؤُهَا إيَّاهَا عِنْدِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ مُقَاسَمَتِهَا إخْوَتَهَا،

  99. وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ أَكْثَرُ مِنْ مِيرَاثِهَا فَإِنَّهَا إنْ كَلَّمَتْهُ حَنِثَتْ

  100. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ،

  101. ثُمَّ تَزَوَّجَتْ زَوْجًا ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا، فَرَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا الْحَالِفِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ كَمْ تَطْلُقُ أَوَاحِدَةٌ أَمْ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  102. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ لِأَنَّهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ عَلَى بَقِيَّةِ طَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا كَانَ حَالِفًا بِالتَّطْلِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ طَلَّقَ وَبِهَذِهِ الَّتِي بَقِيَتْ لَهُ فِيهَا يَحْنَثُ وَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَحْنَثُ بِهِ فِي يَمِينِهِ إلَّا هَذِهِ التَّطْلِيقَةُ الْبَاقِيَةُ

  103. قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْت أَوْ طَهُرْت

  104. فِيمَنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْت أَوْ طَهُرْت قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْت؟ قَالَ: هِيَ طَالِقٌ السَّاعَةَ وَتَعْتَدُّ بِطُهْرِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ مِنْ عِدَّتِهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قُلْتُ:

  105. فَإِنْ قَالَ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ إذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هِيَ طَالِقٌ السَّاعَةَ وَيُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا قَالَ لَهَا وَهِيَ حَامِلٌ إذَا وَضَعْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهِيَ طَالِقٌ السَّاعَةَ

  106. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا لَيْلًا، أَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  107. قَالَ: أَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ عَلَيْهِ إنْ دَخَلَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ يَوْمَ أَدْخُلُ النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ،

  108. فَإِنْ كَانَ أَرَادَ النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيَنْوِي فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ مِنْ اللَّيْلِ وَاللَّيْلَ مِنْ النَّهَارِ فِي هَذَا النَّحْوِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.

  109. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: لَيْلَةَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَهَا نَهَارًا قَالَ: هُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْت لَك إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ، قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ {وَالْفَجْرِ} {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} . فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْأَيَّامَ مَعَ اللَّيَالِي.

  110. قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتُ دَارَ فُلَانٍ وَدَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ إحْدَاهُمَا

  111. فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتُ دَارَ فُلَانٍ وَدَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ إحْدَاهُمَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ وَدَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ

  112. إحْدَاهُمَا أَتَطْلُقُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: تَطْلُقُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إذَا دَخَلَ فِي إحْدَى الدَّارَيْنِ، قُلْتُ:

  113. فَإِنْ دَخَلَ الدَّارَ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ أَتَطْلُقُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟

  114. قَالَ: لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ بِاَلَّذِي حَلَفَ بِهِ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ

  115. الشَّكُّ فِي الطَّلَاقِ

  116. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ طَلَّقَهَا أَطَلْقَةً وَاحِدَةً أَمْ اثْنَتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا، كَمْ يَكُونُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  117. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ

  118. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى إنْ ذَكَرَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ يَكُونُ أَمْلَكُ بِهَا فَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَتْ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ

  119. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَذْكُرْ كَمْ طَلَّقَهَا فَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا زَوْجٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا هَذَا الزَّوْجُ الثَّانِي أَوْ مَاتَ عَنْهَا أَتَحِلُّ لِلزَّوْجِ الَّذِي لَمْ يَدْرِ كَمْ طَلَّقَهَا؟ قَالَ: تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ هَذَا الزَّوْجِ؛

  120. لِأَنَّهُ إنْ كَانَ إنَّمَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً رَجَعَتْ عِنْدَهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ،

  121. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا طَلَّقَهَا هَذَا الزَّوْجُ اثْنَتَيْنِ رَجَعَتْ إلَيْهِ عَلَى وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ أَحَلَّهَا هَذَا الزَّوْجُ،

  122. فَإِنْ طَلَّقَهَا هَذَا الزَّوْجُ أَيْضًا تَطْلِيقَةً فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ طَلَاقَهُ إيَّاهَا كَانَ تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَدْ طَلَّقَ أُخْرَى فَهَذَا لَا يَدْرِي لَعَلَّ الثَّلَاثَ إنَّمَا وَقَعَتْ بِهَذِهِ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقَ،

  123. فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ زَوْجًا آخَرَ فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ فَطَلَّقَهَا أَيْضًا تَطْلِيقَةً، إنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الطَّلَاقَ الْأَوَّلَ إنَّمَا كَانَ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، وَالطَّلَاقَ الثَّانِي إنَّمَا كَانَ تَطْلِيقَةً ثَانِيَةً،

  124. وَإِنَّ هَذِهِ الثَّالِثَةُ، فَهُوَ لَا يَدْرِي لَعَلَّ هَذِهِ هِيَ التَّطْلِيقَةُ الثَّالِثَةُ،

  125. فَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ

  126. قُلْتُ: فَإِنْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا هَذَا الزَّوْجُ الثَّالِثُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ أَيْضًا؟

  127. قَالَ: فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ أَيْضًا، عَلَى تَطْلِيقَةٍ أَيْضًا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْأَزْوَاجِ إلَّا أَنْ يَبِتَّ طَلَاقَهَا وَهِيَ تَحْتَهُ فِي أَيِّ النِّكَاحِ كَانَ،

  128. فَإِنْ بَتَّ طَلَاقَهَا فِيهِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدُ زَوْجًا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ رَجَعَتْ عَلَى طَلَاقٍ مُبْتَدَأٍ

  129. مَنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَقَالَتْ قَدْ دَخَلْتُهَا

  130. فِيمَنْ قَالَ: لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَقَالَتْ قَدْ دَخَلْتُهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: قَدْ دَخَلْت الدَّارَ وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ؟ قَالَ: أَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا وَيُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ لَا يُقِيمَ عَلَيْهَا؛

  131. لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهَا قَدْ دَخَلَتْ

  132. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَسَأَلَهَا عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَهَا: إنْ لَمْ تَصْدُقِينِي أَوْ إنْ كَتَمْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُفَارِقَهَا وَلَا يُقِيمَ عَلَيْهَا، قَالَ مَالِكٌ: وَمَا يَدْرِيه أَصَدَقَتْ أَمْ لَا؟

  133. قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَمِعْت اللَّيْثَ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا

  134. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَتْ: قَدْ دَخَلْت الدَّارَ فَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ قَالَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ: كُنْت كَاذِبَةً؟

  135. قَالَ: إذَا صَدَّقَهَا الزَّوْجُ فَقَدْ لَزِمَهُ ذَلِكَ فِي رَأْيِي، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يُصَدِّقْهَا وَقَالَتْ: قَدْ دَخَلْت ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ: كُنْت كَاذِبَةً؟

  136. قَالَ: أَرَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَهَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَلَا يُقِيمَ عَلَيْهَا وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ

  137. فِي الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ أَيْضًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شَكَّ الرَّجُلُ فِي يَمِينِهِ فَلَا يَدْرِي بِطَلَاقٍ حَلَفَ أَمْ بِعِتْقٍ أَمْ بِصَدَقَةٍ؟ قَالَ: كَانَ يَبْلُغُنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِحِنْثٍ فَلَا يَدْرِي بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَتْ يَمِينُهُ، بِصَدَقَةٍ أَمْ بِطَلَاقٍ أَمْ بِعِتْقٍ أَمْ بِمَشْيٍ؟

  138. قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيُعْتِقُ عَبِيدَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَيَمْشِي إلَى بَيْتِ اللَّهِ.

  139. قُلْتُ: وَيُجْبَرُ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  140. قَالَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، لَا عَلَى الطَّلَاقِ وَلَا عَلَى الْعِتْقِ وَلَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَا عَلَى الْمَشْيِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إنَّمَا يُؤْمَرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فِي الْفُتْيَا

  141. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَلَا يَدْرِي أَحَنِثَ أَمْ لَمْ يَحْنَثْ أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُهُ أَنْ يُفَارِقَهَا؟

  142. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مُوَسْوَسًا فِي هَذَا الْوَجْهِ؟

  143. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا

  144. قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَدْ طَلَّقْتُك مِنْ قَبْلِ أَنْ أَزَوَّجَكِ

  145. فِيمَنْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ قَدْ طَلَّقْتُك مِنْ قَبْلِ أَنْ أَزَوَّجَكِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ طَلَّقْتُك مِنْ قَبْلِ أَنْ أَزَوَّجَكِ، أَيَقَعُ عَلَيْهِ

  146. شَيْءٌ مِنْ الطَّلَاقِ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قُلْتُ:

  147. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُك وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ وَأَنَا صَبِيٌّ؟ قَالَ: إنْ كَانَ يُعْرَفُ بِالْجُنُونِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

  148. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ قَدْ طَلَّقْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ بِهِ الطَّلَاقُ

  149. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقَ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُوَ فَصِيحٌ بِالْعَرَبِيَّةِ أَتَطْلُقُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  150. قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ شَيْئًا، وَأَرَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ الْعُدُولُ مِمَّنْ يَعْرِفُ بِالْعَجَمِيَّةِ أَنَّهُ طَلَاقٌ بِالْعَجَمِيَّةِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إنْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك طَالِقٌ أَوْ إصْبَعُك طَالِقٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهِيَ طَالِقٌ كُلُّهَا وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ

  151. قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ قَالَ بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةٌ

  152. فِيمَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ قَالَ: بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضَ تَطْلِيقَةٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَأَرَى أَنْ تُجْبَرَ عَلَيْهِ التَّطْلِيقَةُ فَتَكُونُ تَطْلِيقَةً كَامِلَةً قَدْ لَزِمَتْهُ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةٌ أَوْ تَطْلِيقَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ؟

  153. قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: بَيْنَكُنَّ أَرْبَعُ تَطْلِيقَاتٍ أَوْ دُونَ الْأَرْبَعِ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ،

  154. وَإِنْ قَالَ: بَيْنَكُنَّ خَمْسُ تَطْلِيقَاتٍ إلَى أَنْ يَبْلُغَ ثَمَانٍ، فَهِيَ اثْنَتَانِ اثْنَتَانِ،

  155. فَإِنْ قَالَ: تِسْعُ تَطْلِيقَاتٍ فَقَدْ لَزِمَ كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ سُدُسَ تَطْلِيقَةٍ قَالَ: نَرَى أَنْ يُوجَعَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ جَلْدًا وَجِيعًا وَتَكُونَ تَطْلِيقَةً تَامَّةً وَهُوَ أَمْلَكُ بِهَا

  156. قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ رَبِيعَةُ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضَ تَطْلِيقَةٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ تَامَّةٌ،

  157. وَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيَّ أَخْبَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَهُ: لَا تَقْبَلْ السُّفَهَاءَ سَفَهَهُمْ، إذَا قَالَ: السَّفِيهُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ فَاجْعَلْهَا وَاحِدَةً،

  158. وَإِنْ قَالَ: وَاحِدَةً وَنِصْفًا فَاجْعَلْهَا اثْنَيْنِ،

  159. وَإِنْ قَالَ: اثْنَيْنِ وَنِصْفًا فَاجْعَلْهَا أَلْبَتَّةَ

  160. قَالَ إحْدَى نِسَائِي طَالِقٌ أَوْ قَالَ وَاحِدَةٌ فَأَنْسَبَهَا

  161. فِيمَنْ قَالَ: إحْدَى نِسَائِي طَالِقٌ أَوْ قَالَ: وَاحِدَةٌ فَأَنْسَبَهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إحْدَى امْرَأَتَيَّ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِعَيْنِهَا أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَنْوِ حِينَ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا طَلُقَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ

  162. مِنْ ذَلِكَ قَالَ: امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِي طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ فَعَلْت كَذَا

  163. وَكَذَا فَفَعَلَهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ نَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا حِينَ حَلَفَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ وَقَالَ: وَإِلَّا طُلِّقْنَ جَمِيعًا بِمَا حَلَفَ بِهِ وَإِنْ كَانَ نَوَى وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَنَسِيَ طُلِّقْنَ عَلَيْهِ جَمِيعًا

  164. قُلْتُ: وَمَا حُجَّةُ مَالِكٍ فِي هَذَا؟

  165. قَالَ: لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ يُخْتَارُ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ

  166. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِهِ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ يَسْقِي عَلَى مَائِه، فَأَقْبَلَتْ نَاقَةٌ لَهُ فَنَظَرَ إلَيْهَا مِنْ بَعِيدٍ فَقَالَ: إحْدَى امْرَأَتَيْهِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ إنْ لَمْ تَكُنْ فُلَانَةُ النَّاقَةُ لَهُ، فَأَقْبَلَتْ نَاقَةٌ غَيْرُ تِلْكَ النَّاقَةِ فَقَدِمَ الْأَعْرَابِيُّ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَهُوَ عَامِلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَعُمَرُ يَوْمئِذٍ الْخَلِيفَةُ فَقَصَّ عَلَيْهِ قَضِيَّتَهُ فَأُشْكِلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِيهَا، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ إنْ كَانَ نَوَى وَاحِدَةً مِنْهُمَا حِينَ حَلَفَ فَهُوَ مَا نَوَى وَإِلَّا نُطَلِّقُهُمَا عَلَيْهِ جَمِيعًا

  167. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: إحْدَاهُمَا طَالِقٌ، وَقَالَ: قَدْ نَوَيْت هَذِهِ بِعَيْنِهَا وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ حَلَفَ مِنْهُمَا أَيُصَدَّقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  168. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَنَسِيَهَا أَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِيهِمَا جَمِيعًا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  169. قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِيهِمَا جَمِيعًا

  170. قُلْتُ: فَهَلْ يُقَالُ لَهُ طَلِّقْ مِنْ ذِي قَبْلِ الَّتِي لَمْ يُطَلِّقْ أَوْ يُقَالُ طَلِّقْهُمَا جَمِيعًا مِنْ ذِي قَبْلُ قَالَ: وَمَا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ هَذَا وَلَكِنَّ مَالِكًا قَالَ: تَطْلُقَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَطْلُقَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا إذَا لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً مِنْهُمَا.

  171. قُلْتُ: وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الطَّلَاقِ؟

  172. قَالَ: ذَلِكَ بَاطِلٌ وَالطَّلَاقُ لَازِمٌ

  173. قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ إنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ

  174. مَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ إنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ، أَيَكُونُ هَذَا اسْتِثْنَاءً وَتُوقِعُ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا مَكَانَهُ وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَشِيئَةِ فُلَانٍ أَمْ لَا؟ قَالَ لَيْسَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ مِثْلَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، إنَّمَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَالطَّلَاقُ فِيهِ لَازِمٌ،

  175. وَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَلَا يُطَلِّقُ حَتَّى يَعْرِفَ أَيَشَاءُ فُلَانٌ أَمْ لَا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ مَيِّتٌ أَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا السَّاعَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  176. قَالَ لَا أَرَى أَنْ يُطَلِّقَ؛ لِأَنَّا نَعْرِفُ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَشَاءُ قَدْ انْقَطَعَتْ مَشِيئَتُهُ وَلَا يَشَاءُ أَبَدًا

  177. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يَشَاءَ، وَقَدْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ، أَتَطْلُقُ مَكَانَهَا حِينَ مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ إلَيْهِ الْمَشِيئَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟

  178. قَالَ هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ الَّذِي قَدْ انْقَطَعَتْ مَشِيئَتُهُ إنْ لَمْ يَشَأْ حَتَّى مَاتَ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ

  179. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَطْلُقُ مَكَانَهَا قَالَ: نَعَمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ: لَا ثُنْيَا فِي الطَّلَاقِ

  180. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ هَذَا الشَّيْءُ لِشَيْءٍ لَا يَشَاءُ شَيْئًا، مِثْلُ الْحَجَرِ وَالْحَائِطِ قَالَ أَرَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَشِيئَةَ إلَى مَنْ لَا يُعْلَمُ لَهُ مَشِيئَةٌ وَلَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ عِلْمَ مَشِيئَتِهِ فَجَعَلَ الْمَشِيئَةَ إلَيْهِ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ

  181. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَةٍ كُلَّمَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا،

  182. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، أَتَطْلُقُ ثَلَاثًا أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ: كُلَّمَا فَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لَهُ كُلَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قَالَ: تَزَوَّجْتُك وَمَتَى مَا تَزَوَّجْتُك وَإِنْ تَزَوَّجْتُك أَهَذِهِ بِمَنْزِلَةِ كُلَّمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ: مَالِكٌ: إنْ تَزَوَّجْتُك أَوْ إذَا تَزَوَّجْتُك فَلَا يَكُونُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمَتَى مَا تَزَوَّجْتُك فَلَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مِثْلَ مَا قَوْلُهُ كُلَّمَا تَزَوَّجْتُك،

  183. فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مَتَى مَا كُلَّمَا فَهُوَ كَمَا نَوَى،

  184. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى أَوَّلِ مَرَّةٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ

  185. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بِامْرَأَةٍ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ أُكَلِّمُك أَوْ يَوْمَ تَدْخُلِينَ الدَّارَ أَوْ يَوْمَ أَطَؤُك أَيَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا تَزَوَّجَهَا فَكَلَّمَهَا أَوْ وَطِئَهَا أَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ؟

  186. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إنْ تَزَوَّجْتهَا فَفَعَلَتْ هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا كَانَ أَرَادَ مَا وَصَفْت لَك.

  187. قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِق

  188. فِيمَنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ

  189. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلْيَتَزَوَّجْ أَرْبَعًا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ:

  190. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ هَذَا فِي يَمِينٍ أَيْضًا قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَ الدَّارَ فَلْيَتَزَوَّجْ مَا شَاءَ مِنْ النِّسَاءِ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَّ فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ.

  191. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ كُنَّ عِنْدَهُ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ تَمَامَ الْأَرْبَعَةِ،

  192. فَإِنْ طَلَّقَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إنْ شَاءَ، وَهَذَا كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ.

  193. قَالَ: مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ فَقَالَ: إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَدَخَلَ الدَّارَ، كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي

  194. الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَزَوَّجَ شَيْئًا وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ.

  195. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَدَخَلَ الدَّارَ إنَّهُمَا سَوَاءٌ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ وَقَالَ مَالِكٌ فَإِنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ هِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي امْرَأَتِهِ الَّتِي تَزَوَّجَ وَلْيَتَزَوَّجْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛

  196. لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ.

  197. قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ إلَّا مِنْ مَوْضِعِ كَذَا

  198. مَنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ إلَّا مِنْ مَوْضِعِ كَذَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إلَّا مِنْ الْفُسْطَاطِ فَهِيَ طَالِقٌ قَالَ: يَلْزَمُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِ الْفُسْطَاطِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ إلَّا مِنْ قَرْيَةِ كَذَا

  199. وَكَذَا وَيَذْكُرُ قَرْيَةً صَغِيرَةً؟ قَالَ أَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْقَرْيَةُ لَيْسَ فِيهَا مَنْ يَتَزَوَّجُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ إلَّا فُلَانَةَ وَسَمَّى امْرَأَةً بِعَيْنِهَا ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ لَا زَوْجَ لَهَا قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَالَ: إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ فُلَانَةَ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَهُوَ رَأْيِي

  200. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ مِنْ الْفُسْطَاطِ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ إلَّا مِنْ الْفُسْطَاطِ وَإِلَّا لَزِمَهُ الْحِنْثُ

  201. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَهِيَ طَالِقٌ؟ قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ غُلَامٍ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَلَفَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا إلَى سَنَةِ مِائَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ، قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ تَزَوَّجَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ وَهَذَا قَدْ حَلَفَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَرَأْيِي وَاَلَّذِي بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَالٍ فَيَتَسَرَّرُ مِنْهُ فَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ فَيَتَزَوَّجُ

  202. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ: إنْ تَزَوَّجْت إلَى خَمْسِينَ سَنَةً فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنْ سَمِعْت مَنْ أَثِقُ بِهِ يَحْكِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا ضَرَبَ مِنْ الْآجَالِ أَجَلًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، فَهُوَ كَمَنْ عَمَّ النِّسَاءَ فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَلَمْ يَضْرِبْ أَجَلًا فَلَا يَكُونُ يَمِينُهُ شَيْئًا وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ يَمِينِهِ طَلَاقٌ بِهَذَا الْقَوْلِ إنْ تَزَوَّجَ وَقَالَ

  203. فِي الَّذِي يَحْلِفُ فَيَقُولُ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ فَيَمِينُهُ بَاطِلٌ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَتَى مَا شَاءَ

  204. قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ مَوْضِعِ كَذَا أَوْ مَا عَاشَتْ فُلَانَةُ فَهِيَ طَالِقٌ

  205. مَنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ مَوْضِعِ كَذَا أَوْ مَا عَاشَتْ فُلَانَةُ فَهِيَ طَالِقٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ الْفُسْطَاطِ أَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ هَمْدَانَ أَوْ مِنْ مُرَادٍ أَوْ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ أَوْ مِنْ الْمَوَالِي فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْفُسْطَاطِ أَوْ مِنْ مُرَادٍ قَالَ: تَطْلُقُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا طَلُقَتْ عَلَيْهِ قَالَ: تَرْجِعُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ وَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إنْ تَزَوَّجَهَا ثَانِيَةً قُلْتُ:

  206. فَإِنْ تَزَوَّجَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَبَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ أَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  207. قَالَ: نَعَمْ، يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا كُلَّمَا تَزَوَّجَهَا وَإِنْ بَعْدَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.

  208. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ مِنْ الْمَوَالِي فَعَاتَبَهُ بَنُو عَمِّهِ فِي تَزْوِيجِهِ الْمَوَالِيَ، فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ الْمَوَالِي فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقَضَى أَنَّهُ طَلَّقَ الْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهُ،

  209. ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَالِكًا فَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَتَزَوَّجْهَا وَأَرَاهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهُ يَوْمَ حَلَفَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَوَالِي فَلَا يَتَزَوَّجُهَا

  210. قُلْتُ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  211. قَالَ: نَعَمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا

  212. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مَا عَاشَتْ فُلَانَةُ فَهِيَ طَالِقٌ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا مَا عَاشَتْ فُلَانَةُ فَهِيَ طَالِقٌ وَهَذِهِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا هِيَ امْرَأَتُهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا مَا عَاشَتْ فُلَانَةُ، أَيْ مَا كَانَتْ عِنْدِي، فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ أَنَّهُ يَدِينُ ذَلِكَ وَتَكُونُ لَهُ نِيَّتُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَا كَانَتْ تَحْتَهُ،

  213. فَإِذَا فَارَقَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَا يَتَزَوَّجُ حَتَّى تَمُوتَ امْرَأَتُهُ الَّتِي حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مَا عَاشَتْ طَلَّقَهَا أَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ وَهَذَا مِنْ وَجْهِ مَا فَسَّرْت لَك أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ فَإِنْ خَافَ الْعَنَتَ تَزَوَّجَ

  214. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ، تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا،

  215. ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ الَّتِي حَلَفَ لَهَا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ أَوْ قَبْلَ زَوْجٍ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ تَطْلِيقَةً أَيَقَعُ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ الَّتِي تَزَوَّجَ مِنْ الطَّلَاقِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟

  216. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الَّتِي حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ

  217. عَلَيْهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الَّتِي تَزَوَّجَ وَلَا فِي امْرَأَتِهِ الَّتِي حَلَفَ لَهَا وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا وَاحِدَةً فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهَا، قَالَ مَالِكٌ: فَإِنَّمَا يُطَلِّقُ أَيَّتَهنَّ كَانَتْ فِيهَا الْيَمِينُ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الطَّلَاقِ شَيْءٌ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا،

  218. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا قَالَ: قَالَ: مَالِكٌ: لَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ

  219. قُلْتُ: لِمَ؟

  220. قَالَ: لِأَنَّ طَلَاقَ ذَلِكَ الْمِلْكِ الَّذِي كَانَ حَلَفَ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ كُلُّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ، فَلَمَّا ذَهَبَ مِلْكُ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَحْتَهُ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ

  221. وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قُلْتُ:

  222. فَإِذَا هُوَ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا؟

  223. قَالَ: تَطْلُقُ الَّتِي تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ،

  224. فَإِنْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَطْلُقُ عَلَيْهِ الْأَجْنَبِيَّةُ قُلْتُ: لِمَ وَإِنَّمَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَهُوَ إنَّمَا تَزَوَّجَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ؟

  225. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيَّةَ قَبْلَهَا مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ الَّتِي كَانَتْ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ

  226. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ يَمِينٌ؟

  227. قَالَ: لَمْ أَرَ مَالِكًا يَنْوِيهِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا قَالَ مَالِكٌ: مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ شَيْءٌ فَهُوَ سَوَاءٌ إنْ تَزَوَّجَهَا هِيَ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ مِلْكِ مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ شَيْءٌ فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَأَمْرُهَا بِيَدِك فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْمِلْكِ الثَّانِي؟

  228. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فِي الْمِلْكِ الثَّانِي فَأَمَرَ الَّتِي تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فِي يَدِهَا مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ شَيْءٌ قُلْتُ:

  229. وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ أَجْنَبِيَّةً بَعْدَ مَا طَلَّقَ الَّتِي قَالَ لَهَا: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَأَمْرُهَا بِيَدِك ثُمَّ تَزَوَّجَ هَذِهِ الَّتِي جَعَلَ لَهَا مَا جَعَلَ أَيَكُونُ أَمْرُ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي يَدِهَا أَمْ لَا وَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ الْأَجْنَبِيَّةَ عَلَيْهَا؟

  230. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيَّةَ عَلَيْهَا فَذَلِكَ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ فِي يَدِهَا إذَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ الْمِلْكِ الَّذِي قَالَ لَهَا فِيهِ: أَمْرُ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك شَيْءٌ

  231. قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ شَرَطُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي عُقْدَةِ النِّكَاحِ أَوْ هُوَ كَانَ الَّذِي شَرَطَ لَهَا بَعْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ أَهُوَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  232. قَالَ: نَعَمْ، هُوَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

  233. وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَخْبَرُوهُ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ ثُمَّ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَيَمُوتَ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقَهَا فَيَخْطُبَهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا فَيَنْكِحُهَا عَلَى كَمْ تَكُونُ قَالَ: عُمَرُ تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا، وَقَالَ: يُونُسُ فِي الْحَدِيثِ فَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ثُمَّ إنْ نَكَحَهَا بَعْدَمَا اسْتَقْبَلَ الطَّلَاقَ كَامِلًا مِنْ أَجَلِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ الطَّلَاقِ شَيْءٌ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالُوا هِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الطَّلَاقِ إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ

  234. شُرِطَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا

  235. فِيمَنْ شُرِطَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً شَرَطَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا،

  236. فَإِنْ فَعَلَ فَأَمْرُ نَفْسِهَا فِي يَدِهَا فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَطَلَّقَتْ امْرَأَتُهُ نَفْسَهَا ثَلَاثًا أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا إنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الثَّلَاثَ؟

  237. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا: إنَّ ذَلِكَ لَهَا وَلَا يَنْفَعُ الزَّوْجَ إنْكَارُهُ

  238. قُلْتُ: وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى تَزَوَّجَ عَلَيْهَا؟

  239. قَالَ: الَّذِي حَمَلْنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لَهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَ شَرَطَتْ إنَّمَا شَرَطَتْ ثَلَاثًا فَلَا تُبَالِي أَدَخَلَ بِهَا حِينَ تَزَوَّجَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا كَانَ الزَّوْجُ أَمْلَكَ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا كَانَتْ بَائِنًا لِوَاحِدَةٍ

  240. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً، أَيَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ وَيَقُولَ مَا مَلَّكْتُكِ إلَّا فِي وَاحِدَةٍ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  241. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَلَّكَهَا أَمْرَهَا فَقَالَتْ قَدْ قَبِلْت نَفْسِي قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هِيَ أَلْبَتَّةَ إلَّا أَنْ يُنَاكِرَهَا الزَّوْجُ قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ قَدْ قَبِلْت أَمْرِي وَقَدْ قَبِلْت نَفْسِي قَالَ: لِأَنَّ قَوْلَهَا قَدْ قَبِلْت أَمْرِي إنَّمَا قَبِلَتْ مَا جَعَلَ لَهَا مِنْ الطَّلَاقِ، فَتُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ كَمْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُنَاكِرَهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ تَطْلِيقَةٍ إنْ كَانَتْ أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا قَدْ قَبِلْت أَمْرِي الطَّلَاقَ،

  242. وَإِذَا قَالَتْ: قَدْ قَبِلْت نَفْسِي فَقَدْ بَيَّنَتْ إنَّمَا قَبِلَتْ جَمِيعَ الطَّلَاقِ حِينَ قَبِلَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ ثَلَاثٌ إلَّا أَنْ يُنَاكِرَهَا الزَّوْجُ،

  243. وَلَا يَحْتَاجُ هَهُنَا إلَى أَنْ تُسْأَلَ الْمَرْأَةُ كَمْ أَرَدْت مِنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَيَّنَتْ فِي

  244. قَوْلِهَا قَدْ قَبِلْت نَفْسِي قَالَ مَالِكٌ:

  245. وَلَوْ قَالَتْ بَعْدَ أَنْ تَقُولَ قَدْ قَبِلْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي إنَّمَا أَرَدْت بِذَلِكَ وَاحِدَةً لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا

  246. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا مَلَّكَهَا فَقَالَتْ قَدْ قَبِلْت أَمْرِي،

  247. ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ، أَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ مِنْ الطَّلَاقِ شَيْءٌ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا مَلَّكَهَا الزَّوْجُ فَقَالَتْ قَدْ قَبِلْت أَمْرِي،

  248. ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أُرِدْ بِقَوْلِي قَدْ قَبِلْت أَمْرِي طَلَاقًا فَصَدَّقْتهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَيَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَقَدْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا الَّذِي مَلَّكَهَا الزَّوْجُ فِيهِ أَمْرَهَا؟

  249. قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قُلْتُ:

  250. وَإِنْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ؟

  251. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ:

  252. وَلَا يُخْرِجُ ذَلِكَ مِنْ يَدِهَا إلَّا السُّلْطَانُ أَوْ تَتْرُكُ هِيَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ قَبِلَتْ ذَلِكَ، قُلْتُ: وَكَيْفَ يُخْرِجُهُ السُّلْطَانُ مِنْ يَدِهَا؟

  253. قَالَ: يُوقِفُهَا السُّلْطَانُ، فَإِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ مَا جَعَلَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ: وَيَكُونُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ أَنْ يُوقِفَهَا السُّلْطَانُ؟

  254. قَالَ: إنْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ مَا كَانَ فِي يَدِهَا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ رَدَّتْهُ حِينَ أَمْكَنَتْهُ مِنْ الْوَطْءِ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ:

  255. وَإِنْ غَصَبَهَا نَفْسَهَا فَهِيَ عَلَى أَمْرِهَا حَتَّى يُوقِفَهَا السُّلْطَانُ؟

  256. قَالَ نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ

  257. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً، فَقَالَ: الزَّوْجُ لَمْ أُرِدْ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَإِنَّمَا مَلَّكْتهَا فِي ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ إمَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا جَمِيعَ الثَّلَاثِ وَإِمَّا أَنْ تُقِيمَ عِنْدِي بِغَيْرِ طَلَاقٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ فِي هَذَا قَوْلٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي هَذِهِ التَّطْلِيقَةِ وَقَدْ لَزِمَتْ التَّطْلِيقَةُ الزَّوْجَ إنَّمَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُنَاكِرَهَا إذَا زَادَتْ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَعَلَى الِاثْنَتَيْنِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قَالَ: الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ قَدْ مَلَّكْتُك الثَّلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، فَقَالَتْ: أَنَا طَالِقٌ ثَلَاثًا؟

  258. فَقَالَ: ذَلِكَ لَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قَالَ: لَهَا أَمْرُك بِيَدِك إذَا جَاءَ غَدٌ، أَتَجْعَلُهُ وَقْتًا أَمْ تَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك إذَا قَدِمَ فُلَانٌ؟ قَالَ: قَوْلُهُ أَمْرُك بِيَدِك إذَا جَاءَ غَدٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَقْتٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك إذَا جَاءَ فُلَانٌ.

  259. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك، أَمْرُك بِيَدِك أَمْرُك بِيَدِك فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا؟ قَالَ: يُسْأَلُ الزَّوْجُ عَمَّا أَرَادَ،

  260. فَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَاحِدَةً حَلَفَ فَتَكُونُ وَاحِدَةً وَيَحْلِفُ،

  261. وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الثَّلَاثَ فَهِيَ ثَلَاثٌ،

  262. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ،

  263. فَإِنْ قَضَتْ وَاحِدَةً فَذَلِكَ لَهَا وَإِنْ قَضَتْ اثْنَتَيْنِ فَذَلِكَ لَهَا وَإِنْ قَضَتْ ثَلَاثًا فَذَلِكَ لَهَا

  264. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك وَأَرَادَ الزَّوْجُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إذَا وَقَفَتْ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا بَعْدَ ذَلِكَ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  265. قَالَ: هَذَا رَأْيِي قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ

  266. طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَلَمْ تُوقَفْ، أَيَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ بَعْدَ الْوَاحِدَةِ الْأُخْرَى أَوْ تَمَامِ الطَّلَاقِ؟ قَالَ: إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً بَعْدَمَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تُوقَفْ عَلَى حَقِّهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَرَكَتْ مَا بَعْدَ الْوَاحِدَةِ وَقَضَتْ هِيَ بِاَلَّذِي كَانَ لَهَا بِالطَّلَاقِ الَّذِي طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِهِ وَإِنَّمَا تُوقَفُ حَتَّى تَقْضِيَ أَوْ تَرُدَّ إذَا هِيَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا،

  267. فَأَمَّا إذَا فَعَلَتْ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَقَفَتْ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ بَعْدَ ذَلِكَ

  268. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا امْرَأَةً فَلَمْ تَقْضِ،

  269. ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ أُخْرَى، أَيَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَمْ لَا؟ .

  270. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا إنْ أَحَبَّتْ أَوْ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ وَتَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا كَانَتْ تَرَكَتْ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ حِينَ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا إنَّمَا رَضِيَتْ بِنِكَاحِ تِلْكَ الْوَاحِدَةِ وَلَمْ تَرْضَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أُخْرَى.

  271. قَالَ مَالِكٌ: وَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَقُولَ إنَّمَا تَرَكْتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذِهِ الْوَاحِدَةَ وَلَمْ أَقْضِ لَعَلَّهُ يَعْتِبُ فِيمَا بَقِيَ فَلِذَلِكَ لَمْ أَقْضِ قَالَ: فَيَكُونُ لَهَا إذَا حَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ أَنْ تَقْضِيَ إذَا هُوَ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا ثَانِيَةً، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلَمْ تَقْضِ ثُمَّ طَلَّقَ الَّتِي تَزَوَّجَ عَلَيْهَا،

  272. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِعَيْنِهَا فَقَضَتْ امْرَأَتُهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى نَفْسِهَا أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا وَالزَّوْجُ يَقُولُ إنَّمَا تَزَوَّجْت عَلَيْك مَنْ قَدْ رَضِيت بِهَا مَرَّةً؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ رَضِيَتْ بِهَا مَرَّةً فَلَمْ تَرْضَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ

  273. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا نِكَاحًا فَاسِدًا قَالَ أَرَى أَنْ تَطْلُقَ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي جَارِيَةٍ قَالَ لَهَا سَيِّدُهَا: إنْ لَمْ أَبِعْك فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَبَاعَهَا فَإِذَا هِيَ حَامِلٌ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ: تُعْتَقُ عَلَيْهِ؛

  274. لِأَنَّهُ لَا بَيْعَ لَهُ فِيهَا حِينَ كَانَتْ حَامِلًا، فَهَذَا يُشْبِهُ مَسْأَلَتَك فِي النِّكَاحِ

  275. قُلْتُ: فَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَمَةً قَالَ: آخِرُ مَا فَارَقْنَا عَلَيْهِ مَالِكًا أَنَّهُ قَالَ: نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ جَائِزٌ إلَّا أَنَّ لِلْحُرَّةِ الْخِيَارَ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا الْأَمَةَ إنْ شَاءَتْ أَنْ تُقِيمَ أَقَامَتْ،

  276. وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تُفَارِقَ فَارَقَتْهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: فِيهَا مِثْلَ مَا وَصَفْت لَك قُلْتُ: وَتَكُونُ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةً؟

  277. قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ:

  278. وَإِنْ رَضِيَتْ أَنْ تُقِيمَ فَالْمَبِيتُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ يُسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ وَلَا يَكُونُ لِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ وَالْأَمَةِ الثُّلُثُ

  279. قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ الْفُسْطَاطِ طَالِقٌ

  280. مَنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ الْفُسْطَاطِ طَالِقٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ أَهْلِ الْفُسْطَاطِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْفُسْطَاطِ فَبَنَى بِهَا أَيَكُونُ عَلَيْهِ مَهْرٌ وَنِصْفُ مَهْرٍ أَمْ مَهْرٌ وَاحِدٌ؟

  281. قَالَ: عَلَيْهِ

  282. مَهْرٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قُلْتُ: فَمَا حُجَّةُ مَالِكٍ حِينَ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا إلَّا مَهْرًا وَاحِدًا؟

  283. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هِيَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ فَحَنِثَ فَلَمْ يَعْلَمْ فَوَطِئَ أَهْلَهُ بَعْدَ حِنْثِهِ،

  284. ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْمَهْرُ الْأَوَّلُ الَّذِي سَمَّى لَهَا قُلْتُ: أَيَكُونُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ إنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  285. قَالَ: لَا وَإِنَّمَا عَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ

  286. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ الْفُسْطَاطِ طَالِقٌ فَوَكَّلَ رَجُلًا يُزَوِّجُهُ فَزَوَّجَهُ امْرَأَةً مِنْ الْفُسْطَاطِ، أَتَطْلُقُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ:

  287. فَإِنْ وَكَّلَهُ فَزَوَّجَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مَوْضِعًا فَزَوَّجَهُ مِنْ الْفُسْطَاطِ، فَقَالَ: الزَّوْجُ إنِّي قَدْ حَلَفَتْ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ الْفُسْطَاطِ بِالطَّلَاقِ، وَإِنِّي إنَّمَا وَكَّلْتُك أَنْ تُزَوِّجَنِي مِنْ لَا تَطْلُقُ عَلَيَّ؟

  288. قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْلِ الزَّوْجِ وَالنِّكَاحُ لَهُ لَازِمٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَهَاهُ عَنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْفُسْطَاطِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَبِيعَ سِلْعَةَ كَذَا

  289. وَكَذَا فَيُوَكِّلُ غَيْرَهُ بِبَيْعِهَا: إنَّهُ حَانِثٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ

  290. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ أَخْبِرْ امْرَأَتِي بِطَلَاقِهَا مَتَى يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَيَوْمَ أَخْبَرَهَا أَمْ يَوْمَ قَالَ لَهُ أَخْبِرْهَا؟ قَالَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ يَوْمَ قَالَ لَهُ أَخْبِرْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهَا؟

  291. قَالَ: فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ أَرْسَلَ رَسُولًا إلَى امْرَأَتِهِ يُعْلِمْهَا أَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا فَكَتَمَهَا الرَّسُولُ ذَلِكَ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ وَقَدْ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَكْتُبُ إلَى امْرَأَتِهِ بِطَلَاقِهَا فَيَبْدُو لَهُ فَيَحْبِسُ الْكِتَابَ بَعْدَمَا كُتِبَ، قَالَ: مَالِكٌ: إنْ كَانَ كَتَبَ حِينَ كَتَبَ يَسْتَشِيرُ وَيَنْظُرُ وَيَخْتَارُ فَذَلِكَ لَهُ وَالطَّلَاقُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ حِينَ كَتَبَ مُجْمِعًا عَلَى الطَّلَاقِ فَقَدْ لَزِمَهُ الْحِنْثُ وَإِنْ لَمْ يَبْعَثْ بِالْكِتَابِ فَكَذَلِكَ الرَّسُولُ حِينَ يَبْعَثُهُ بِالطَّلَاقِ.

  292. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ حِينَ كَتَبَ الْكِتَابَ غَيْرُ عَازِمٍ عَلَى طَلَاقِهَا، فَأَخْرَجَ الْكِتَابَ مِنْ يَدِهِ أَتَجْعَلُهُ عَازِمًا عَلَى الطَّلَاقِ لِخُرُوجِ الْكِتَابِ مِنْ يَدِهِ أَمْ لَا؟

  293. قَالَ لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَأَرَى حِينَ أَخْرَجَ الْكِتَابَ مِنْ يَدِهِ أَنَّهَا طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَخْرَجَ الْكِتَابَ مِنْ يَدِهِ إلَى الرَّسُولِ وَهُوَ غَيْرُ عَازِمٍ فَذَلِكَ لَهُ يَرُدُّهُ إنْ أَحَبَّ مَا لَمْ يَبْلُغْهَا الْكِتَابُ

  294. طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْأَخْرَسِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالْمُكْرَهِ وَالسَّفِيهِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ

  295. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَخْرَسَ، هَلْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ وَنِكَاحُهُ وَشِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ وَتُحِدُّهُ إذَا قَذَفَ

  296. وَتُحِدُّ قَاذِفَهُ وَتَقْتَصُّ لَهُ فِي الْجِرَاحَاتِ وَتَقْتَصُّ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ هَذَا جَائِزٌ فِيمَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ إذَا كَانَ هَذَا يُعْرَفُ مِنْ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ وَبِالْكِتَابِ يُسْتَيْقَنُ ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِلْأَخْرَسِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَخْرَسَ إذَا أَعْتَقَ أَوْ طَلَّقَ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: أَرَى أَنَّ مَا أُوقِفَ عَلَى ذَلِكَ وَأُشِيرَ إلَيْهِ بِهِ فَعَرَفَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ، قُلْتُ:

  297. وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ بِيَدِهِ الطَّلَاقَ وَالْحُرِّيَّةَ؟

  298. قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَالِكًا قَالَ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْإِشَارَةِ فَكَيْفَ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْكِتَابِ

  299. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُبَرْسَمَ أَوْ الْمَحْمُومَ الَّذِي يَهْذِي إذَا طَلَّقَ أَيَجُوزُ طَلَاقُهُ؟ قَالَ: سَمِعْت مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مُبَرْسَمٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَقْلُهُ حِينَ طَلَّقَ فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ

  300. قُلْتُ: أَيَجُوزُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، طَلَاقُ السَّكْرَانِ جَائِزٌ قُلْتُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ وَمُخَالَعَةُ السَّكْرَانِ جَائِزَةٌ؟

  301. قَالَ: نَعَمْ، وَمُخَالَعَتُهُ

  302. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَمُخَالَعَتَهُ قَالَ: مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ فَمُخَالَعَتُهُ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدِي

  303. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمُكْرَهِ وَعِتْقُ الْمُكْرَهِ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ

  304. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَجْنُونَ هَلْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ؟ قَالَ: إذَا طَلَّقَ فِي حَالٍ يُخْنَقُ فِيهِ فَطَلَاقُهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِذَا طَلَّقَ إذَا انْكَشَفَ عَنْهُ فَطَلَاقُهُ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ

  305. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَعْتُوهَ هَلْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ عَلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ إنَّمَا هُوَ مُطْبَقٌ عَلَيْهِ ذَاهِبُ الْعَقْلِ قُلْتُ: وَالْمَجْنُونُ عِنْدَ مَالِكٍ الَّذِي يُخْنَقُ أَحْيَانَا وَيُفِيقُ أَحْيَانَا وَيَخْتَنِقُ مَرَّةً وَيَنْكَشِفُ عَنْهُ مَرَّةً؟

  306. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُطْبَقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَاحِدٌ؟

  307. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَالسَّفِيهُ؟

  308. قَالَ: السَّفِيهُ الضَّعِيفُ الْعَقْلِ فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ الْمَطَّالُ فِي دَيْنِهِ فَهَذَا السَّفِيهُ

  309. قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ طَلَاقُ السَّفِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  310. قَالَ: نَعَمْ

  311. قُلْتُ: أَيَجُوزُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  312. قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ

  313. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ نَصْرَانِيَّةً تَحْتَ نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا بَعْدَمَا أَسْلَمَتْ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا وَزَوْجُهَا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، أَيَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  314. قَالَ: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ،

  315. وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمُشْرِكِ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، قَالَ مَالِكٌ: وَطَلَاقُ الْمُشْرِكِ لَيْسَ بِشَيْءٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ طَلَاقَ الْمُشْرِكِينَ هَلْ يَكُونُ طَلَاقًا إذَا أَسْلَمُوا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  316. قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِطَلَاقٍ

  317. حَلَفَ بِطَلَاقٍ عَلَى شَيْءٍ فَوَجَدَهُ خِلَافًا أَوْ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ نَاسِيًا

  318. مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ عَلَى شَيْءٍ فَوَجَدَهُ خِلَافًا أَوْ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ نَاسِيًا سَحْنُونٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: هَذَا فُلَانٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْسَ بِهِ، قَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ يَكُنْ فُلَانًا، أَوْ قَالَ: إنْ كَلَّمَ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَكَلَّمَهُ نَاسِيًا قَالَ: نَرَى أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ أَنَّهُ سَأَلَ رَبِيعَةَ عَنْ رَجُلٍ ابْتَاعَ سِلْعَةً فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: بِكَمْ أَخَذْتهَا فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: لَمْ تَصْدُقْنِي فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ إنْ لَمْ يُخْبِرْهُ، فَقَالَ: بِكَمْ؟

  319. فَقَالَ: بِدِينَارٍ وَدِرْهَمَيْنِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ فَقَالَ: أَخَذْتهَا بِدِينَارٍ وَثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قَالَ رَبِيعَةُ أَرَى إنْ خَطَأَهُ بِمَا نَقَصَ أَوْ زَادَ سَوَاءٌ قَدْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ

  320. قَالَ: سَحْنُونٌ وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْبَدَوِيِّ الَّذِي حَلَفَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَأَقْبَلَتْ أُخْرَى وَلَهُ امْرَأَتَانِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى وَاحِدَةً مِنْهُمَا فَهُمَا طَالِقَتَانِ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ فِي رَجُلٍ قَالَ: إنْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ كَذَا

  321. وَكَذَا وَهُوَ عَلِمَهُ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَكَانَ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ إنْ كَانَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ

  322. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ اتَّهَمَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ سَأَلَهَا الْمَالَ فَجَحَدَتْهُ، فَقَالَ: إنْ لَمْ أَكُنْ دَفَعْت إلَيْك الْمَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ قَالَ: تَرَى هَذَا حَلَفَ عَلَى سَرِيرَةٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ غَيْرُهُ وَغَيْرُهَا فَأَرَى أَنْ يُوَكَّلَا إلَى اللَّهِ وَيُحَمَّلَا مَا تَحَمَّلَا وَقَالَ: رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَلَى ذَلِكَ وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مِثْلَهُ.

  323. وَقَالَ: اللَّيْثُ لَا اسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ فَعَلْت كَذَا

  324. وَكَذَا فَبَدَأَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ فَقَالَ: هِيَ يَمِينٌ إنْ بَرَّ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا نَرَى ذَلِكَ عَلَى مَا أَضْمَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِذَلِكَ

  325. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ أَنَّهُ سَأَلَ رَبِيعَةَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ إنْ ضَرَبْتُهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ رَمَاهَا بِحَجَرٍ فَشَجَّهَا فَقَالَ رَبِيعَةُ أَمَّا أَنَا فَأَرَاهَا قَدْ طَلُقَتْ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ أَنَّهُ سَأَلَ رَبِيعَةَ عَنْ الَّذِي يَقُولُ إنْ لَمْ أَضْرِبْ فُلَانًا فَعَلَيَّ كَذَا

  326. وَكَذَا وَأَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ قَالَ رَبِيعَةُ: يَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الْإِيلَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا أَلْبَتَّةَ لَيَضْرِبَنَّ مُسْلِمًا، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ وَتْرٌ وَلَا أَدَبٌ وَإِنْ ضَرَبَهُ إيَّاهُ لَوْ ضَرَبَهُ خَدِيعَةً مِنْ ظُلْمٍ

  327. فَإِنْ حَلَفَ عَلَى ضَرْبِ رَجُلٍ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ لَا يُنْتَظَرُ بِهِ وَلَا نِعْمَةَ عَيْنٍ قَالَ: رَبِيعَةُ وَإِنْ حَلَفَ بِالْبَتَّةِ لَيَشْرَبَنَّ خَمْرًا أَوْ بَعْضَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ،

  328. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ رَأَيْت أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا

  329. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا

  330. وَكَذَا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ أَوْ عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حُمِلَ ذَلِكَ فِي دَيْنِهِ وَأَمَانَتِهِ وَاسْتُحْلِفَ إنْ اُتُّهِمَ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ لِيَمِينِهِ أَجَلًا ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ،

  331. فَإِنْ أَنْفَذَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَسَبِيلُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُنْفِذْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ صَاغِرًا قَمِيئًا، فَإِنَّهُ فَتَحَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْيَمِينِ الْخَاطِئَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ

  332. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَمْ أَخْرُجْ إلَى إفْرِيقِيَّةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، قَالَ رَبِيعَةُ: لِيَكُفَّ عَنْ امْرَأَتِهِ وَلَا يَكُونُ مِنْهَا بِسَبِيلٍ فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ نَزَلَ بِمَنْزِلَةِ الْمُوَلِّي وَعَسَى أَنْ لَا يَزَالَ مُوَلِّيًا حَتَّى يَأْتِيَ إفْرِيقِيَّةَ وَيَفِيءَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ

  333. حَلَفَ لِامْرَأَتِهِ بِالطَّلَاقِ

  334. مَنْ حَلَفَ لِامْرَأَتِهِ بِالطَّلَاقِ وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الَّذِي يَحْلِفُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَلْبَتَّةَ لَيَزَوَّجَن عَلَيْهَا أَنَّهُ يُوقَفُ عَنْهَا حَتَّى لَا يَطَأَهَا وَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْمُوَلِّي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، قَالَ اللَّيْثُ: نَحْنُ نَرَى ذَلِكَ أَيْضًا

  335. ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ أَنْكِحْ عَلَيْك، قَالَ: إنْ لَمْ يَنْكِحْ عَلَيْهَا حَتَّى يَمُوتَ أَوْ تَمُوتَ تَوَارَثَا قَالَ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ مَاتَ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ مِيرَاثُهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إنْ هُوَ نَكَحَهَا أَوْ سَمَّى قَبِيلَةً أَوْ فَخْذًا أَوْ قَرْيَةً أَوْ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَهِيَ طَالِقٌ إذَا نَكَحَهَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ أَثِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ إذَا نَكَحَهَا قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَالْقَاسِمَ وَابْنَ شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ أَثِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ.

  336. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانِ بْنِ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيِّ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَكْحُولٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ مِثْلَهُ،

  337. وَأَنَّ ابْنَ حَزْمٍ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، قَالَ: لَهَا

  338. مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: مَالِكٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ إذَا نَصَّ الْقَبِيلَةَ بِعَيْنِهَا أَوْ الْمَرْأَةَ بِعَيْنِهَا فَذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِذَا عَمَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ

  339. وَأَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى الْحَنَّاطُ أَنَّهُ سَمِعَ عَامِرَ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، هَذِهِ يَمِينٌ لَا مَخْرَجَ فِيهَا إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا أَوْ يَضْرِبَ أَجَلًا ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ بِنَحْوِ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ قَالَ رَبِيعَةُ:

  340. وَإِنَّ نَاسًا لَيَرَوْنَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّحْرِيمِ إذَا جُمِعَ تَحْرِيمُ النِّسَاءِ وَالْأَرِقَّاءِ وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ الطَّلَاقَ إلَّا رَحْمَةً، وَالْعَتَاقَةَ إلَّا أَجْرًا فَكَانَ فِي هَذَا هَلَكَةٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ يَزِيدَ وَرَبِيعَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَنْكِحَ إذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، قَالَ رَبِيعَةُ إنَّمَا ذَلِكَ تَحْرِيمٌ لِمَا أَحَلَّ اللَّهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَشَرَطَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنَّ امْرَأَتَهُ طَالِقٌ إلَى أَجَلٍ سَمَّاهُ لَهَا، وَأَنَّهُمْ اسْتَفْتَوْا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ لَهُمْ: هِيَ طَالِقٌ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ وَتَعْتَدُّ مِنْ يَوْمِهَا ذَلِكَ وَلَا تَنْتَظِرُ الْأَجَلَ الَّذِي سَمَّى طَلَاقَهَا عِنْدَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بِذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ وَلَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ بِنَحْوِ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ وَحَدَّثَنِي عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ: لَوْ مَسَّ امْرَأَتَهُ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ ثُمَّ أُتِيتُ بِهِ وَكَانَ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ لَرَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ.

  341. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ نَكَحْت عَلَيْك امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ، قَالَ: فَكُلَّمَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَهِيَ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَإِنْ مَاتَتْ امْرَأَتُهُ أَوْ طَلَّقَهَا فَإِنَّهُ يَخْطُبُ مَنْ طَلَّقَ مِنْهُنَّ مَعَ الْخُطَّابِ وَأَخْبَرَنِي شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ التَّمِيمِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ الْجَزَرِيِّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُعْشُمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي طَلَّقْت امْرَأَتِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقْتهَا مُنْذُ أَسْلَمْت تَطْلِيقَةً، فَمَاذَا تَرَى، فَقَالَ عُمَرُ: مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَسَيَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلَانِ فَاسْأَلْهُمَا، فَدَخَلَ عُبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقَالَ عُمَرُ: قُصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَك، فَقَصَّ عَلَيْهِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَدَمَ الْإِسْلَامُ مَا كَانَ قَبْلَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ هِيَ عِنْدَك عَلَى طَلْقَتَيْنِ بَقِيَتَا،

  342. ثُمَّ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قُصَّ عَلَيْهِ

  343. قِصَّتَك فَفَعَلَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هَدَمَ الْإِسْلَامُ مَا كَانَ قَبْلَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهِيَ عِنْدَك عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ بَقِيَتَا وَبَلَغَنِي عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ نَصْرَانِيٍّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَفِي حُكْمِهِمْ أَنَّ الطَّلَاقَ بَتَاتٌ ثُمَّ أَسْلَمَا فَأَرَادَ أَنْ يَنْكِحَهَا قَالَ رَبِيعَةُ: نَعَمْ، فَذَلِكَ لَهُمَا وَيَرْجِعُ عَلَى طَلَاقٍ ثَلَاثٍ بِنِكَاحِ الْإِسْلَامِ مُبْتَدِئًا ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي طَلَاقِ الْمُشْرِكِينَ نِسَاءَهُمْ ثُمَّ يَتَنَاكَحُونَ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ قَالَ: لَا يُعَدُّ طَلَاقُهُمْ شَيْئًا

  344. طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ

  345. ِ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ شَيْئًا، وَقَالَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَيَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}

  346. وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ اللَّيْثِيُّ: إنَّهُمْ قَوْمٌ فَتَّانُونَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَجْلَانِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا مِنْ كَلَامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِنْ سُلْطَانٍ إلَّا كُنْت مُتَكَلِّمًا بِهِ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا سُئِلَا عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ قَتَلَ فَقَالَا: إنْ طَلَّقَ جَازَ طَلَاقُهُ وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ.

  347. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ: سَمِعْت سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: طَلَّقَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الْبَخْتَرِيِّ امْرَأَتَهُ قَالَ: حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَقَدْ قِيلَ لِي أَنَّهُ هُوَ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيُّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ سَكْرَانُ فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَدَّ وَأَجَازَ طَلَاقَهُ.

  348. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمٍ وَابْنِ شِهَابٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٍ وَنَافِعٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ يُجِيزُونَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَعِتْقَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَرَى طَلَاقَ الصَّبِيِّ يَجُوزُ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ، قَالَ:

  349. وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ فِي السُّنَّةِ أَنْ لَا تُقَامَ الْحُدُودُ إلَّا عَلَى مَنْ احْتَلَمَ أَوْ بَلَغَ الْحُلُمَ، وَالطَّلَاقُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَلَا تَعْتَدُّوهَا} فَلَا نَرَى أَوْثَقَ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَنِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَرَبِيعَةَ مِثْلُهُ وَأَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ كَانَ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوَسِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ

  350. أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ وَمَكْحُولٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمَجْنُونِ وَلَا عِتَاقُهُ.

  351. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ إذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ فَلَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمَجْنُونِ وَلَا الْمَعْتُوهِ وَقَالَ رَبِيعَةُ الْمَجْنُونُ الْمُلْتَبَسُ بِعَقْلِهِ الَّذِي لَا تَكُونُ لَهُ إفَاقَةٌ يَعْمَلُ فِيهَا بِرَأْيٍ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مَا نَعْلَمُ عَلَى مَجْنُونٍ طَلَاقًا فِي جُنُونِهِ وَلَا مَرِيضٍ مَغْمُورٍ لَا يَعْقِلُ، إلَّا أَنَّ الْمَجْنُونَ إذَا كَانَ يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ وَيُرَدُّ إلَيْهِ عَقْلُهُ فَإِنَّهُ إذَا عَقَلَ وَصَحَّ جَازَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ كُلُّهُ كَمَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ ذَلِكَ مَكْحُولٌ فِي الْمَجْنُونِ

  352. الْأَمَةِ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ تُعْتَقُ

  353. فِي الْأَمَةِ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ تُعْتَقُ قُلْتُ: لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَمَةً أُعْتِقَتْ وَهِيَ تَحْتَ مَمْلُوكٍ أَوْ حُرٍّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَإِذَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَهَا الْخِيَارُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ «أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ تَحْتَ مَمْلُوكٍ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْتِ أَمْلَكُ بِنَفْسِك إنْ شِئْتِ أَقَمْتِ مَعَ زَوْجِكِ وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتِهِ مَا لَمْ يَمَسّكِ» ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ حَسَنٍ الضَّمْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ وَهِيَ تَحْتَ الْعَبْدِ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا فَإِنْ هِيَ قَرَّتْ حَتَّى يَطَأَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ لَا تَسْتَطِيعُ فِرَاقَهُ» وَقَالَ: رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَإِنْ مَسَّهَا وَلَمْ تَعْلَمْ بِعِتْقِهَا فَإِنَّهَا بِالْخِيَارِ حَتَّى يَبْلُغَهَا قُلْتُ:

  354. فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَيَكُونُ فَسْخًا أَمْ طَلَاقًا؟

  355. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ طَلَاقًا وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ،

  356. وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا اثْنَتَيْنِ فَهُمَا اثْنَتَانِ بَائِنَتَانِ، وَهِيَ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ طَلَاقِ الْعَبْدِ قَالَ: وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ زَبْرَاءَ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا

  357. قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلَ مَالِكٌ خِيَارَهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً؟

  358. قَالَ: لِأَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ،

  359. وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهَا مَالًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ امْرَأَتَهُ فَضُرِبَ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ؟ يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ خُيِّرَتْ فَقَالَتْ قَدْ فَارَقْتُهُ أَوْ طَلَّقْتُهُ فَهِيَ أَمْلَكُ بِأَمْرِهَا، وَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ، وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلَهُ وَقَالَ يَحْيَى وَعَطَاءٌ:

  360. وَإِنْ عَتَقَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ أَجَلُهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْمَرْأَةُ وَيَخْطُبَهَا مَعَ الْخُطَّابِ

  361. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قَالَتْ هَذِهِ الْأَمَةُ حِينَ أُعْتِقَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي أَتَجْعَلُ هَذَا الْخِيَارَ وَاحِدَةً أَمْ اثْنَتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهَا نِيَّةٌ؟ قَالَ أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهَا نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ مَرَّةً يَقُولُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ وَكَانَ يَقُولُ خِيَارُهَا وَاحِدَةٌ،

  362. ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَخْبَرْتُك فَأَرَى إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نِيَّةٌ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إلَّا أَنْ تَنْوِيَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَيَكُونَ لَهَا ذَلِكَ قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَدْ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْأَمَةِ يُطَلِّقُهَا الْعَبْدُ تَطْلِيقَةً ثُمَّ تُعْتَقُ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا قَالَ: هُمَا تَطْلِيقَتَانِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَمَةَ إذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ عِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَيَكُونُ فِرَاقُهَا تَطْلِيقَةً قَالَ: ذَلِكَ إلَى الْجَارِيَةِ إنْ فَارَقَتْهُ بِالْبَتَاتِ فَذَلِكَ لَهَا،

  363. وَإِنْ فَارَقَتْهُ تَطْلِيقَةً فَذَلِكَ لَهَا قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ: لَهَا أَنْ تُفَارِقَهُ بِالْبَتَاتِ؟

  364. قَالَ: لِحَدِيثِ زَبْرَاءَ حِينَ عَتَقَتْ وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ، فَقَالَتْ لَهَا حَفْصَةُ إنَّ لَك الْخِيَارَ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا

  365. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَمْ تُخْبَرْ حَتَّى أُعْتِقَ زَوْجُهَا، أَيَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  366. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خِيَارَ لَهَا إذَا أُعْتِقَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَيُعْتَقَانِ جَمِيعًا، قَالَ: لَا نَرَى لَهَا شَيْئًا مِنْ أَمْرِهَا، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ فِي الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ يُعْتَقَانِ جَمِيعًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: لَيْسَ لَهَا خِيَارٌ إنْ أَعْتَقَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مَعًا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَعْلَمُ الْأَمَةَ تُخَيَّرُ، وَهِيَ تَحْتَ الْحُرِّ إنَّمَا تُخَيَّرُ الْأَمَةُ فِيمَا عَلِمْنَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ مَا لَمْ يَمَسَّهَا وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلَهُ

  367. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَمَةَ إذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ حَائِضٌ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَيُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا وَأَكْرَهُ ذَلِكَ لَهَا، إلَّا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فَيَجُوزَ ذَلِكَ لَهَا

  368. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَمَةَ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَأُعْتِقَتْ فَلَمْ يُبْلِغْهَا إلَّا بَعْدَ زَمَانٍ، وَقَدْ كَانَ الْعَبْدُ يَطَؤُهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ أَيَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، قُلْتُ: وَالْخِيَارُ لَهَا إنَّمَا هُوَ فِي مَجْلِسِهَا الَّذِي عَلِمَتْ فِيهِ بِالْعِتْقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  369. قَالَ: نَعَمْ، لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَطَأْهَا مِنْ بَعْدِ مَا عَلِمَتْ قُلْتُ:

  370. وَإِنْ مَضَى يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ أَوْ شَهْرٌ أَوْ شَهْرَانِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي هَذَا كُلِّهِ إذَا لَمْ يَطَأْهَا مِنْ بَعْدِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  371. قَالَ: نَعَمْ، إذَا وَقَفَتْ فِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْت لَك وُقُوفًا لِلْخِيَارِ فِيهِ وَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ

  372. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ وُقُوفُهَا ذَلِكَ وُقُوفَ رِضًا بِالزَّوْجِ كَانَتْ قَدْ رَضِيَتْ بِهِ فَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ أَنْ تَقُولَ: رَضِيتُ بِالزَّوْجِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَقَفَتْ سَنَةً فَلَمْ تَقُلْ قَدْ رَضِيت وَلَمْ تَقُلْ إنَّمَا وَقَفْت لِلْخِيَارِ، وَلَمْ يَطَأْهَا الزَّوْجُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ؟

  373. قَالَ: يُسْأَلُ عَنْ وُقُوفِهَا لِمَاذَا وَقَفَتْ فَإِنْ قَالَتْ: وَقَفْت لِأَخْتَارَ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ وَقَفْت وُقُوفَ رِضًا بِالزَّوْجِ فَلَا خِيَارَ لَهَا قُلْتُ: وَتَحْلِفُ أَنَّهَا لَمْ تَقِفْ لِرِضَاهَا لِزَوْجِهَا قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي النِّسَاءِ: لَا يَحْلِفْنَ فِي التَّمْلِيكِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ أَمَةً جَاهِلَةً لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ إذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ فَكَانَ يَطَؤُهَا وَقَدْ أُعْلِمَتْ بِالْعِتْقِ إلَّا أَنَّهَا تَجْهَلُ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ إذَا أُعْتِقَتْ، أَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  374. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خِيَارَ لَهَا إذَا عَلِمَتْ فَوَطِئَهَا بَعْدَ عِلْمِهَا بِالْعِتْقِ جَاهِلَةً كَانَتْ أَوْ عَالِمَةً، وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ: يُعْتَقُ بَعْضُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَيُعْتَقُ بَعْضُهَا قَالَ: لَا خِيَارَ لَهَا مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ قُسَيْطٍ أَنَّهُمَا قَالَا: لَوْ أَنَّ أَمَةً أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَمْ تَشْعُرْ بِعِتْقِهَا حَتَّى أُعْتِقَ الْعَبْدُ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُفَارِقَهُ.

  375. وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَقَدْ فُرِضَ لَهَا، فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا قَالَ: لَا أَرَى لَهَا الصِّدْقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَرَكَتْهُ وَلَمْ يَتْرُكْهَا وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} فَلَيْسَ هُوَ مُفَارِقًا لَهَا وَلَكِنْ هِيَ فَارَقَتْهُ بِحَقٍّ لِحَقٍّ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَلَا نَرَى لَهَا شَيْئًا وَلَا نَرَى لَهَا مَتَاعًا، وَكَانَ الْأَمْرُ إلَيْهَا فِي السَّنَةِ وَقَالَ رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَهُ

  376. طَلَاقُ الْمَرِيضِ

  377. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ قُلْتُ: فَهَلْ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ أَوْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ؟

  378. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لَا عِدَّةَ وَفَاةٍ وَلَا عِدَّةَ طَلَاقٍ قَالَ مَالِكٌ:

  379. وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا وَهُوَ مَرِيضٌ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ،

  380. وَإِنْ كَانَ طَلَاقًا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فَمَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ انْتَقَلَتْ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الطَّلَاقِ قَبْلَ أَنْ يَهْلَكَ فَهَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْ الْوَفَاةِ قُلْتُ: هَلْ تَرِثُ امْرَأَةٌ أَزْوَاجًا كُلَّهُمْ يُطَلِّقُهَا فِي مَرَضِهِ،

  381. ثُمَّ تَتَزَوَّجُ زَوْجًا وَاَلَّذِينَ طَلَّقُوهَا كُلُّهُمْ أَحْيَاءٌ ثُمَّ مَاتُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَصِحُّوا مِنْ مَرَضِهِمْ ذَلِكَ وَهِيَ تَحْتَ

  382. زَوْجٍ أَتُوَرِّثُهَا مِنْ جَمِيعِهِمْ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  383. قَالَ: لَهَا الْمِيرَاثُ مِنْ جَمِيعِهِمْ قَالَ مَالِكٌ:

  384. وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَلْبَتَّةَ وَهُوَ مَرِيضٌ وَتَزَوَّجَتْ أَزْوَاجًا بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّهُمْ يُطَلِّقُهَا وَرِثَتْ الْأَوَّلَ إذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ

  385. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِيهَا،

  386. ثُمَّ بَرَأَ وَصَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ ثُمَّ مَرِضَ بَعْد ذَلِكَ فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ الثَّانِي؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَرِثَتْهُ إنْ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا،

  387. وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا أَلْبَتَّةَ لَمْ تَرِثْهُ إنْ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا إذَا صَحَّ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ صِحَّةً بَيِّنَةً مَعْرُوفَةً قَالَ:

  388. وَإِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ صَحَّ ثُمَّ مَرِضَ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ فِي مَرَضِهِ الثَّانِي طَلْقَةً أُخْرَى أَوْ أَلْبَتَّةَ لَمْ تَرِثْهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ فِي الطَّلَاقِ لَيْسَ بِفَارٍّ، قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَرْتَجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ فَتَرِثُهُ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛

  389. لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالطَّلَاقِ الْآخَرِ فَارًّا مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ ارْتَجَعَهَا صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَزْوَاجِهِ اللَّائِي لَمْ يُطَلِّقْ

  390. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ بِحَالِهِ،

  391. ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  392. قَالَ: لَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ مِنْ الْمِيرَاثِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهَا هَلَكَتْ قَبْلَهُ،

  393. فَلَا مِيرَاثَ لِلْأَمْوَاتِ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَلَا يَرِثُهَا إنْ كَانَ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ أَوْ وَاحِدَةً فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا

  394. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَقَدِمَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ إنْ دَخَلَتْ بَيْتًا، فَتَدْخُلُهُ هِيَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَتَطْلُقُ،

  395. ثُمَّ يَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ أَتَرِثُهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ تَرِثُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: لِمَالِكٍ إنَّمَا هِيَ الَّتِي دَخَلَتْ، قَالَ:

  396. وَإِنْ، لِأَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ يَقَعُ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ فَيَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ أَنَّهَا تَرِثُهُ

  397. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَرِضَ رَجُلٌ فَقَالَ: قَدْ كُنْت طَلَّقْت امْرَأَتِي فِي صِحَّتِي؟ قَالَ: قَالَ: مَالِكٌ إنَّهَا تَرِثُهُ وَهُوَ فَارٌّ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ عِدَّةُ الطَّلَاقِ مِنْ يَوْمِ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ إذَا أَقَرَّ بِطَلَاقٍ بَائِنٍ وَإِنْ أَقَرَّ بِطَلَاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ فَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ انْتَقَلَتْ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَوَرِثَتْ،

  398. وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ أَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ فَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا

  399. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قُرِّبَ الرَّجُلُ لِضَرْبِ الْحُدُودِ أَوْ لِقَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ لِجَلْدِ الْفِرْيَةِ أَوْ لِجَلْدِ حَدٍّ فِي الزِّنَا فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَضُرِبَ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ أَتَرِثُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُ الزَّحْفَ أَوْ يُحْبَسُ لِلْقَتْلِ إنَّ مَا صَنَعَ فِي تِلْكَ الْحَالِ فِي مَالِهِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ فَأَمَّا مَا

  400. سَأَلْت عَنْهُ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَضَرْبِ الْحُدُودِ فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ عَلَى الرَّجُلِ كَمَا خِيفَ عَلَى الَّذِي حَضَرَ الْقِتَالَ فَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ

اعرض ١٣٣ مسألة أخرى
الشافعية
كتاب آخر
منهاج الطالبينالنووي، ١٨٤ مسألة
كتاب الأيمان١٨٤ مسألة
  1. لا تنعقد إلا بذات الله تعالى أو صفة له كقوله والله رب العالمين والحي الذي لا يموت ومن نفسي بيده وكل اسم مختص به سبحانه وتعالى

  2. ولا يقبل قوله لم أرد به اليمين

  3. وما انصرف إليه سبحانه عند إطلاق كالرحيم والخلق والرزاق والرب تنعقد به اليمين

  4. إلا أن يريد غيره

  5. وما استعمل فيه وفي غيره سواء كالشيء والموجود والعالم والحي ليس بيمين

  6. إلا بنية

  7. والصفة كوعظمة الله وعزته وكبريائه وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته يمين

  8. إلا أن ينوي بالعلم المعلوم وبالقدرة المقدور

  9. ولو قال وحق الله فيمين

  10. إلا أن يريد العبادات

  11. وحروف القسم باء وواو وتاء كبالله والله وتالله

  12. وتختص التاء بالله

  13. ولو قال الله ورفع أو نصب أو جر فليس بيمين

  14. إلا بنية.

  15. ولو قال أقسمت أو أقسم أو أحلفت أو أحلف بالله لأفعلن فيمين إن نواها أو أطلق

  16. وإن قال قصدت خبرا ماضيا أو مستقبلا صدق باطنا

  17. وكذا ظاهرا على المذهب.

  18. ولو قال لغيره أقسم عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن وأراد يمين نفسه فيمين وإلا فلا

  19. ولو قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الإسلام فليس بيمين

  20. ومن سبق لسانه إلى لفظها بلا قصد لم تنعقد

  21. وتصح على ماض ومستقبل

  22. وهي مكروهة

  23. إلا في طاعة

  24. فإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام عصى ولزمه الحنث وكفارة

  25. أو ترك مندوب أو فعل مكروه سن حنثه وعليه كفارة

  26. أو ترك مباح أو فعله فالأفضل ترك الحنث

  27. وقيل: الحنث

  28. وله تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز

  29. وحرام.

  30. قلت: هذا أصح والله أعلم

  31. وكفارة ظهار على العود

  32. وقتل على الموت

  33. ومنذور مالي.

  34. فصل

  35. يتخير في كفارة اليمين بين عتق كالظهار

  36. وإطعام عشرة مساكين كل مسكين مدحب من غالب قوت بلده

  37. وكسوتهم بما يسمى كسوة كقميص أو عمامة أو إزار

  38. لا خف وقفازين ومنطقة

  39. ولا يتشرط صلاحيته للمدفوع إليه

  40. فيجوز سراويل صغير لكبير لا يصلح له وقطن وكتان وحرير لامرأة ورجل ولبيس لم تذهب قوته

  41. فإن عجز عن الثلاثة لزمه صوم ثلاثة أيام

  42. ولا يجب تتابعها في الأظهر

  43. وإن غاب ماله انتظره ولم يصم

  44. ولا يكفر عبد بمال إلا إذا ملكه سيده طعاما أو كسوة وقلنا يملك

  45. بل يكفر بصوم

  46. فإن ضره وكان حلف وحنث بإذن سيده صام بلا إذن

  47. أو وجدا بلا إذن

  48. وإن أذن في أحدهما فالأصح اعتبار الحلف

  49. ومن بعضه حر وله مال يكفر بطعام أو كسوة لا عتق.

  50. فصل

  51. حلف لا يسكنها أو لا يقيم فيها فليخرج في الحار

  52. فإن مكث بلا عذر حنث وإن بعث متاعه

  53. وإن اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب لم يحنث

  54. ولو حلف لا يساكنه في هذه الدار فخرج أحدهما في الحال لم يحنث

  55. وكذا لو بنى بينهما جدار ولك جانب مدخل في الأصح

  56. ولو حلف لا يدخلها وهو فيها أو لا يخرج وهو خارج فلا حنث بهذا

  57. أو لا يتزوج أو لا يتطهر أو لا يلبس أو لا يركب أو لا يقوم أو لا يقعد فاستدام هذه الأحوال حنث.

  58. قلت: بحيثه باستدامة التزوج والتطهر غلط لذهول

  59. واستدامة طيب ليست تطيبا في الأصح

  60. وكذا وطء صوم وصلاة والله أعلم

  61. ومن حلف لا يدخل دارا حنث بدخول دهليز داخل الباب أو بين بابين

  62. لا بدخول طاق قدام الباب

  63. ولا بصعود سطح غير محوط

  64. وكذا محوط في الأصح

  65. ولو أدخل يده أو رأسه أو رجله لم يحنث

  66. فإن وضع رجليه فيهما معتمدا عليهما حنث

  67. ولو انهدمت فدخل وقد بقي أساس الحيطان حنث

  68. وإن صارت فضاء أو جعلت مسجدا أو حماما أو بستانا فلا

  69. ولو حلف لا يدخل دار زيد حنث بدخول ما يسكنها بملك

  70. لا بإعارة وإجارة وغصب

  71. إلا أن يريد مسكنه

  72. ويحنث بما يملكه ولا يسكنه

  73. إلا أن يريد مسكنه

  74. ولو حلف لا يدخل دار زيد أو لا يكلم عبده أو زوجته فباعهما أو طلقها فدخل وكلم لم يحنث

  75. إلا أن يقول داره هذه أو زوجته هذه أو عبده هذا فيحنث

  76. إلا أن يريد ما دام ملكه

  77. ولو حلف لا يدخلها من ذا الباب فنزل ونصب في موضع آخر منها لم يحنث بالثاني

  78. ويحنث بالأول في الأصح

  79. أو لا يدخل بيتا حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خشب أو خيمة

  80. ولا يحنث بمسجد وحمام وكنيسة وغار جبل

  81. أو لا يدخل على زيد فدخل بيتا فيه زيد وغيره حنث

  82. وفي قول إن نوى الدخول على غيره دونه لا يحنث

  83. فلو جهل حضوره فخلاف حنث النامي.

  84. قلت: ولو حلف لا يسلم عليه فسلم على قوم هو فيهم واستثناه لم يحنث

  85. وإن أطلق حنث في الأظهر. والله أعلم.

  86. فصل

  87. حلف لا يأكل الرؤس ولا نية له حنث برؤس تباع وحدها

  88. لا طير وحوت وصيد

  89. إلا ببلد تباع فيه مفردة

  90. والبيض يحمل على مزائل بائضه في الحياة كدجاج ونعامة وحمام

  91. لا سمك وجراد

  92. واللحم على نعم وخيل ووحش وطير

  93. لا سمك وشحم بطن

  94. وكذا كرش وكبد وطحال وقلب في الأصح.

  95. والأصح تناوله لحم رأس ولسان وشحم ظهر وجنب

  96. وإن شحم الظهر لا يتناوله الشحم

  97. وإن الإلية والسنام ليسا شحما ولا لحما

  98. والإلية لا تتناول سناما

  99. ولا يتناولهما

  100. والدم يتناولهما وشحم وظهر وبطن وكل دهن

  101. ولحم البقر يتناول جاموسا

  102. ولو قال مشيرا إلى حنطة لا آكل هذه حنث بأكلها لى هيئتها وبطحينها وخبزها

  103. ولو قال لا آكل هذه الحنطة حنث بها مطبوخة ونيئة ومقلية

  104. لا بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها

  105. ولا يتناول رطب تمرا

  106. ولا بسرا

  107. ولا عنب زبيبا.

  108. وكذا العكوس

  109. ولو قال لا آكل هذا الرطب فتتمر فأكله أو لا أكلم ذا الصبي فكلمه شيخا فلا حنث في الأصح

  110. والخبز يتناول كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا وذرة وحمص

  111. فلو ثرده فأكله حنث

  112. ولو حلف لا يأكل سويقا فسفه أو تناوله بأصبع حنث

  113. وإن جعله في ماء فشربه فلا

  114. أو لا يشربه فبالعكس

  115. أو لا يأكل لبنا أو مائعا آخر فأكله بخبز حنث

  116. أو شربه فلا

  117. أو لا يشربه فبالعكس

  118. أو لا يأكل سمنا فأكله بخبز جامدا أو ذائبا حنث

  119. وإن شرب ذائبا فلا

  120. وإن أكله في عصيدة حنث إن كانت عينه ظاهرة

  121. ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمان وأترج ورطب ويابس.

  122. قلت: وليمون ونبق وكذا بطيخ ولب فستق وبندق وغيرهما في الأصح

  123. لا قثاء ولا خيار وباذنجان وجزر

  124. ولا يدخل في الثمار يابس. والله أعلم.

  125. ولو أطلق بطيخ وتمر وجوز لم يدخل هندي

  126. والطعام يتناول قوة وفاكهة وأدما وحلوى

  127. ولو قال لا آكل من هذه البقرة تناول لحمها دون ولد ولبن

  128. أو من هذه الشجرة فثمر دون ورق وطرف غصن.

  129. فصل

  130. حلف لا يأكل هذه التمرة فاختلطت بتمر فأكله إلا تمرة لم يحنث

  131. أو ليأكلنها فاختلطت لم يبر إلا بالجميع

  132. أو ليأكلن هذه الرمانة فإنما يبر بجميع حبها

  133. أو لا يلبس هذين لم يحنث بأحدهما

  134. فإن لبسهما معا أو مرتبا حنث

  135. أو لا ألبس هذا ولا هذا حنث بأحدهما

  136. أو ليأكلن ذا الطعام غدا فمات قبله فلا شيء عليه

  137. وإن مات أو تلف الطعام في الغد بعد تمكنه من أكله حنث

  138. وقبله قولان كمكره

  139. وإن أتلفه بأكل وغيره قبل الغد حنث

  140. وإن تلف أو أتلفه أجنبي فكمكره

  141. أو لأقضين حقك عند رأس الهلال فليقض عند غروب الشمس آخر الشهر

  142. فإن قدم أو مضى بعد الغروب قدر إمكانه حنث

  143. وإن شرع في الكيل حينئذ ولم يفرغ لكثرته إلا بعد مدة لم يحنث

  144. أو لا يتكلم فسبح أو قرأ قرآنا فلا حنث

  145. أو لا يكمله فسلم عليه حنث

  146. وإن كاتبه أو راسله أو أشار إليه بيد أو غيرها فلا في الجديد

  147. وإن قرأ آية أو أفهمه بها مقصوده وقصد قراءة لم يحنث

  148. والأحنث

  149. أو لا مال له حنث بكل نوع وإن قل حتى ثوب بدنه ومدبر ومعلق عتقه بصفة وما وصى به ودين حل

  150. وكذا مؤجل في الأصح

  151. لا مكاتب في الأصح

  152. أو ليضربنه فالبر بما يسمى ضربا ولا يشترط إيلام

  153. إلا أن يقول ضربا شديدا

  154. وليس وضع سوط عليه وعض وخنق ونتف شعر ضربا

  155. قيل: ولا لطم ووكزه

  156. أو ليضربنه مائة سوط أو خشبة فشد مائة وضربه بها ضربة أو بعثكال عليه مائة شمراخ بر إن علم إصابة الكل أو تراكم بعض على بعض فوصله ألم الكل.

  157. قلت: ولو شك في إصابة الجميع بر على النص والله أعلم

  158. أو ليضربنه مائة مرة لم يبر بهذا

  159. أو لا أفارقك حتى أستوفي فهرب ولم يمكنه اتباعه يحنث.

  160. قلت: الصحيح لا يحنث إذا أمكنه اتباعه والله أعلم

  161. وإن فارقه أو وقف حتى ذهب وكانا ماشيين أو أبرأه أو احتال على غريم ثم فارقه أو أفلس ففارقه ليوسر حنث

  162. وإن استوفى وفارقه فوجده ناقصا إن كان من جنس حقه لكنه أردأ لم يحنث

  163. والأحنث عالم

  164. وفي غيره القولان

  165. أولا أرى منكرا إلا رفعته إلى القاضي فرأى وتمكن فلم يرفع حتى مات حنث

  166. ويحمل على قاضي البلد

  167. فإن عزل فالبر بالرفع إلى الثاني

  168. أو لأرفعه إلى قاض بربكل قاض

  169. أو إلى القاضي فلان فرآه ثم عزل فإن نوى ما دام قاضيا حنث إن أمكنه رفعه فتركه

  170. وإلا فكمكره

  171. وإن لم ينو بر برفع إليه بعد عزله.

  172. فصل

  173. حلف لا يبيع أو لا يشتري فعقد لنفسه أو غيره حنث

  174. ولا يحنث بعقد وكيله له

  175. أو لا يزوج أو لا يطلق أو لا يعتق أو لا يضرب فوكل من فعله لا يحنث

  176. إلا أن يريد أن لا يفعل هو ولا غيره

  177. أو لا ينكح حنث بعقد وكيله له

  178. لا بقبوله هو لغيره

  179. أو لا يبيع مال زيد فباعه بإذنه حنث وإلا فلا

  180. أو لا يهب له فأوجب له فلم يقبل لم يحنث.

  181. وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح

  182. ويحنث بعمري ورقبي وصدقة

  183. لا إعارة ووصية ووقف

  184. أو لا يتصدق لم يحنث بهبة في الأصح

  185. أو لا يأكل طعاما اشتراه زيد لم يحنث بما اشتراه مع غيره.

  186. وكذا لو قال من طعام اشتراه زيد في الأصح

  187. ويحنث بما اشتراه سلما

  188. ولو اختلط ما اشتراه بمشترى غيره لم يحنث حتى يتيقن أكله من ماله

  189. أو لا يدخل دارا اشتراها زيد لم يحنث بدار أخذها بشفعة.

الحنابلة
كتاب آخر
زاد المستقنعالحجاوي، ٤٧ مسألة
  1. اليمين التي تجب فيها الكفارة إذا حنث هي اليمين بالله أو صفة من صفاته أو بالقرآن أو بالمصحف.

  2. والحلف بغير الله محرم

  3. ولا تجب به كفارة.

  4. ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط: الأول: أن تكون اليمين منعقدة

  5. وهي التي قصد عقدها على مستقبل ممكن

  6. فإن حلف على أمر ماض كاذبا عالما فهي الغموس,

  7. ولغو اليمين: الذي يجري على لسانه بغير قصد كقوله: لا والله وبلى والله

  8. وكذا يمين عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافه

  9. فلا كفارة في الجميع.

  10. الثاني: أن يحلف مختارا

  11. فإن حلف مكرها لم تنعقد يمينه.

  12. الثالث: الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه أو بترك ما حلف على فعله مختارا ذاكرا

  13. فإن حنث مكرها أو ناسيا فلا كفارة

  14. ومن قال في يمين مكفرة: إن شاء الله لم يحنث.

  15. ويسن الحنث في اليمين إذا كان خيرا

  16. ومن حرم حلالا "سوى الزوجة" من أمة أو طعام أو لباس أو غيره لم يحرم

  17. وتلزمه كفارة يمين إن فعله.

  18. فصل في كفارة اليمين

  19. يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة

  20. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة.

  21. ومن لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة

  22. وإن اختلف موجبها كظهار ويمين بالله لزماه ولم يتداخلا.

  1. يرجع في الأيمان إلى نية الحالف "إذا احتملها اللفظ"

  2. فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها

  3. فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين.

  4. فإذا حلف: لا لبست هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه أو: لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا أو زوجة فلان هذه أو صديقه فلانا أو مملوكه سعيدا فزالت الزوجية والملك والصداقة ثم كلمهم أو: لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشا أو هذا الرطب فصار تمرا أو دبسا أو خلا أو هذا اللبن فصار جبنا أو كشكا ونحوه ثم أكل حنث في الكل

  5. "إلا أن ينوي مادام على تلك الصفة ".

  6. فصل

  7. فإن عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الاسم

  8. وهو ثلاثة: شرعي وحقيقي وعرفي.

  9. فالشرعي: ماله موضوع في الشرع وموضوع في اللغة المطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح

  10. فإذا حلف لا يبيع أو لا ينكح فعقد عقدا فاسدا لم يحنث

  11. وإن قيد يمينه بما يمنع الصحة كأن حلف لا يبيع الخمر أو الحر حنث بصورة العقد.

  12. "والحقيقي هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته كاللحم "

  13. فإذا حلف لا يأكل لحما فأكل شحما أو مخا أو كبدا أو نحوه لم يحنث

  14. وإن حلف لا يأكل أدما حنث بأكل البيض والتمر والملح والزيتون ونحوه وكل ما يصطبغ به،

  15. ولا يلبس شيئا فلبس ثوبا أو درعا أو جوشنا أو نعلا حنث

  16. وإن حلف لا يكلم إنسانا حنث بكلام كل إنسان

  17. ولا يفعل شيئا فوكل من يفعله حنث

  18. إلا أن ينوى " مباشرته بنفسه".

  19. والعرفي: ما اشتهر مجازه فغلب الحقيقة كالراوية والغائط ونحوهما

  20. فتتعلق اليمين بالعرف

  21. فإذا حلف على وطء زوجته أو وطء دار تعلقت يمينه بجماعها وبدخول الدار.

  22. وإن حلف لايأكل شيئا فكله مستهلكا في غيره كمن حلف لايأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه أو لا يأكل بيضا فأكل ناطفا لم يحنث

  23. وإن ظهر طعم شيء من المحلوف عليه حنث.

  24. فصل

  25. "وإن حلف لا يفعل شيئا ككلام زيد ودخول داره ونحوه ففعله مكرها لم يحنث" .

  26. وإن حلف على نفسه "أو غيره ممن يقصد منعه كالزوجة والولد" أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا "أو جاهلا" حنث في الطلاق والعتاق فقط

  27. "وعلى من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره ففعله حنث مطلقا"

  28. وإن فعل "هو أو غيره ممن قصد منعه" بعض ما حلف على كله لم يحنث ما لم تكن نية.

في كتب الخلاف

الإجماعابن المنذركتاب المكاتب٢٧ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ١٥٦٠، مسألة ١٥٦١، مسألة ١٥٦٢٦١ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ الْأَيْمَانِ فِي الْعِتْقِ، كِتَابُ الْأَيْمَانِ، بَابُ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ١٬٤٥٦ مسألة
بداية المجتهدابن رشدلا كلام له في هذا الباب
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الأيمان والنذور، باب جامع الأيمان١٬٦١٧ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْأَيْمَانِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ١٬٠٣٤ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفه، حكمه، دليله١٬٢٢٠ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف٣ - الأيمان، * حكم الحلف بغير الله:، * أقسام اليمين ثلاثة:٦٦ مسألة

عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الأيمان