فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الحج والعمرة

العبادات

مذهبي

هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب

في متون المذاهب الأربعة

الحنفية
كتاب آخر
فتح القديرالكمال ابن الهمام، ٢٬٨٤٠ مسألة
  1. (أَوَّلُ وَقْتِ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ «إمَامَةِ جِبْرِيلَ عليه السلام ، فَإِنَّهُ أَمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ،

  1. أَخَّرَهُ عَنْ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ عِبَادَةُ قَهْرِ النَّفْسِ، إذْ لَيْسَ حَقِيقَتُهُ سِوَى مَنْعِ شَهَوَاتِهَا وَمَحْبُوبَاتِهَا الَّتِي هِيَ أَعْظَمُهَا عِنْدَهَا، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ،

  2. بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا أَفْعَالٌ هِيَ غَيْرُ ذَلِكَ،

  3. ثُمَّ قَدْ تَحْرُمُ تِلْكَ الشَّهَوَاتِ فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَقَدْ لَا إلَّا فِي الْبَعْضِ كَالْحَجِّ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ. وَأَيْضًا فَالْحَجُّ يَشْتَمِلُ عَلَى السَّفَرِ. وَقَدْ يَكُونُ السَّفَرُ مُشْتَهَاهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيحِهَا وَتَفْرِيجِ الْهُمُومِ اللَّازِمَةِ فِي الْمَقَامِ، وَأَيْضًا فَالْحَجُّ وُجُوبُهُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ

  4. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَرْكَانِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا أَمَسَّ، وَوَجْهٌ آخَرُ لِلْأَمْسِيَةِ وَهُوَ أَنَّ شُرُوطَ لُزُومِ الْحَجِّ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِكَثْرَةِ شُرُوطِ الشَّيْءِ تَكْثُرُ مُعَانَدَاتُهُ، وَعَلَى قَدْرِ مُعَانَدَاتِ الشَّيْءِ يَقِلُّ وُجُودُهُ وَتَقْدِيمُ الْأَظْهَرِ وُجُوبًا أَظْهَرُ. وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَتَبَرَّكَ فِي افْتِتَاحِ هَذَا الرُّكْنِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ.

  5. فَإِنَّهُ أَصْلٌ كَبِيرٌ أَجْمَعُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ،

  6. ثُمَّ نَذْكُرُ مُقَدِّمَةً فِي آدَابِ السَّفَرِ، وَالْمَقْصُودُ إعَانَةُ الْإِخْوَانِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ تَامَّةً فَنَقُولُ،

  7. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ

  8. رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ كَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارِمِيُّ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه فَسَأَلَ عَنْ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إلَيَّ فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.

  9. فَأَهْوَى بِيَدِهِ إلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى،

  10. ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ،

  11. ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيِي وَأَنَا يَوْمئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِك يَا ابْنَ أَخِي. سَلْ عَمَّا شِئْت فَسَأَلْته وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ فَصَلَّى بِنَا فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه ، فَأَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ

  12. وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.

  13. قَالَ جَابِرٌ لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا،

  14. ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَكَانَ أَبِي يَقُولُ:

  15. وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ،

  16. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.

  17. ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،

  18. ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي رَمَلَ حَتَّى إذَا صَعِدَهَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً،

  19. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى فَقَالَ: دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ.

  20. وَقَدِمَ عَلِيٌّ رضي الله عنه مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ رضي الله عنه بِالْعِرَاقِ يَقُولُ: فَذَهَبْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟

  21. قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ:

  22. فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ، قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ رضي الله عنه مِنْ الْيَمَنِ، وَاَلَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ،

  23. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةٍ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةٍ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ،

  24. وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ

  25. دِمَائِنَا دَمَ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النَّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ،

  26. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فَقَالَ: بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلَى السَّمَاءِ وَيُنَكِّثُهَا إلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ.

  27. ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى جَبَلًا مِنْ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ وَصَرَفَ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ،

  28. ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا،

  29. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ». وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: «نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ حِينَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ: وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ يَوْمئِذٍ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً فَنَحَرَ لِكُلِّ سَنَةٍ بَدَنَةً ثُمَّ أَمَرَ عَلِيًّا بِالْبَاقِي فَنَحَرَهَا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

  30. هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ الْمَوْعُودَةُ] يُكْرَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْحَجِّ إذَا كَرِهَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى خِدْمَتِهِ، لَا إنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ كَالْأَبَوَيْنِ عِنْدَ فَقْدِهِمَا

  31. وَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ لِلْحَجِّ وَالْغَزْوِ لِمَدْيُونٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَقْضِي بِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْغَرِيمُ،

  32. فَإِنْ كَانَ بِالدَّيْنِ كَفِيلٌ بِإِذْنِهِ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا،

  33. وَإِنْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَبِإِذْنِ الطَّالِبِ وَحْدَهُ، وَيُشَاوِرُ ذَا رَأْيٍ فِي سَفَرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا فِي نَفْسِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ خَيْرٌ،

  34. وَكَذَا يَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ. وَسُنَنُهَا أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِسُورَتَيْ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ، وَيَدْعُو بِالدُّعَاءِ الْمَعْرُوفِ لِلِاسْتِخَارَةِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِكَ» إلَخْ. أَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ تَعَالَى» ثُمَّ يَبْدَأُ بِالتَّوْبَةِ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالِاسْتِحْلَالِ مِنْ خُصُومِهِ،

  35. وَمِنْ كُلِّ مَنْ عَامَلَهُ، وَيَجْتَهِدُ فِي تَحْصِيلِ نَفَقَةٍ حَلَالٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْحَجُّ بِالنَّفَقَةِ الْحَرَامِ مَعَ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ مَعَهَا وَإِنْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً.

  36. وَلَا تَنَافِي بَيْنَ سُقُوطِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ فَلَا يُثَابُ لِعَدَمِ الْقَبُولِ وَلَا يُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ عِقَابَ تَارِكِ الْحَجِّ،

  37. وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَفِيقٍ صَالِحٍ يُذَكِّرُهُ إذَا نَسِيَ، وَيُصَبِّرُهُ إذَا جَزِعَ، وَيُعِينُهُ إذَا عَجَزَ، وَكَوْنُهُ مِنْ الْأَجَانِبِ أَوْلَى مِنْ الْأَقَارِبِ عِنْدَ بَعْضِ الصَّالِحِينَ تَبَعُّدًا مِنْ سَاحَةِ الْقَطِيعَةِ، وَيُرِي الْمُكَارِيَ مَا يَحْمِلُهُ وَلَا يَحْمِلُ أَكْثَرَ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَيُجَرِّدُ سَفَرَهُ عَنْ التِّجَارَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ، وَلِذَا كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الرُّكُوبَ فِي الْمَحْمَلِ.

  38. وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ قَصْدِ ذَلِكَ، وَرُكُوبُ الْجَمَلِ أَفْضَلُ،

  39. وَيُكْرَهُ الْحَجُّ عَلَى الْحِمَارِ، وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوبِ لِمَنْ يُطِيقُهُ،

  40. وَلَا يُسِيءُ خُلُقُهُ، وَلَا يُمَاكِسُ فِي شِرَاءِ الْأَدَوَاتِ،

  41. وَلَا يُشَارِكُ فِي الزَّادِ، وَاجْتِمَاعُ الرُّفْقَةِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامِ أَحَدِهِمْ أَفْضَلُ.

  42. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ خُرُوجَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ اقْتِدَاءً بِهِ عليه الصلاة والسلام ، وَإِلَّا فَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَالشَّهْرِ، وَيُوَدِّعُ أَهْلَهُ وَإِخْوَانَهُ وَيَسْتَحِلُّهُمْ وَيَطْلُبُ دُعَاءَهُمْ، وَيَأْتِيهِمْ لِذَلِكَ وَهُمْ يَأْتُونَهُ إذَا قَدِمَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ لِقَزَعَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. قَالَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ: إنَّ اللَّهَ إذَا اُسْتُوْدِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ، وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَهُ: مَنْ يُوَدِّعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ: فِي حِفْظِ اللَّهِ وَكَنَفِهِ زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَجَنَّبَكَ الرَّدَى، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ أَيْنَمَا تَوَجَّهْتَ» وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ فَلْيَقُلْ لِمَنْ يَخْلُفُهُ أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا يُضِيعُ وَدَائِعَهُ» وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُشَيَّعَ الْمُسَافِرُ بِالْمَشْيِ مَعَهُ وَالدُّعَاءِ لَهُ.

  43. «وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه مَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ حِينَ وَجَّهَهُمْ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ» وَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ وَبَعْدَهُ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ، وَأَقَلُّهُ شُبْعَةٌ فَإِنَّهُ سَبَبُ السَّلَامَةِ.

  44. وَإِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ فَلْيَقُلْ " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ "

  45. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى السَّفَرِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الضَّيْعَةِ فِي السَّفَرِ، وَالْكَآبَةِ فِي الْمُنْقَلَبِ، اللَّهُمَّ اقْبِضْ لَنَا الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَيُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ فَيَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ» الْحَدِيثَ.

  46. وَمِنْ الْآثَارِ «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ

  47. قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ حَتَّى يَرْجِعَ» قِيلَ وَلِإِيلَافِ قُرَيْشٍ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «مَا خَلَّفَ أَحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَرْكَعُهُمَا عِنْدَهُمْ حِينَ يُرِيدُ سَفَرًا» فَإِذَا بَلَغَ بَابَ دَارِهِ قَرَأَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾،

  48. فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوبَ سَمَّى اللَّهَ،

  49. فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى دَابَّتِهِ قَالَ: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى،

  50. وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ،

  51. وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» وَإِذَا أَتَى بَلْدَةً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا،

  52. وَإِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ وَاذَا حَطَّ رَحْلَهُ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا خَيْرَ هَذَا الْمُنْزَلِ وَخَيْرَ مَا فِيهِ، وَاكْفِنَا شَرَّهُ وَشَرَّ مَا فِيهِ، وَيَقُولُ فِي رَحِيلِهِ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا فِي مُنْقَلَبِنَا وَمَثْوَانَا، اللَّهُمَّ كَمَا أَخْرَجْتنَا مِنْ مَنْزِلِنَا هَذَا سَالِمِينَ بَلِّغْنَا غَيْرَهُ آمِنِينَ،

  53. وَإِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ فَلْيَقُلْ مَا فِي أَبِي دَاوُد «كَانَ عليه الصلاة والسلام إذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قَالَ: يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ وَمِنْ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» .

  54. وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه «كَانَ عليه الصلاة والسلام إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ فِيهِ أَبُو دَاوُد «بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَزَادَ فِيهِ: «يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ» وَسَمِعَ بِكَسْرِ الْمِيمِ خَفِيفَةٌ أَيْ شَهِدَ شَاهِدٌ،

  55. وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا مُشَدَّدَةً: أَيْ بَلَّغَ سَامِعٌ قَوْلِي هَذَا لِغَيْرِهِ تَنْبِيهًا عَلَى طَلَبِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ

  56. ، هَذَا وَلِلْحَجِّ مَفْهُومٌ لُغَوِيٌّ وَفِقْهِيٌّ، وَسَبَبٌ وَشُرُوطٌ وَأَرْكَانٌ وَوَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ وَمُسْتَحَبَّاتٌ.

  57. فَمَفْهُومُهُ لُغَةً: الْقَصْدُ إلَى مُعَظَّمٍ لَا الْقَصْدُ الْمُطْلَقُ. قَالَ:

  58. أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ أَسْعَدَ أَنَّمَا … تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لَأَكْبَرَا

  59. وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا

  60. أَيْ يَقْصِدُونَهُ مُعَظِّمِينَ إيَّاهُ. وَفِي الْفِقْهِ: قَصْدُ الْبَيْتِ لِأَدَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ، أَوْ قَصْدُ زِيَارَتِهِ لِذَلِكَ. فَفِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ الطَّوَافِ الْفَرْضِ، وَالْوُقُوفِ فِي وَقْتِهِ مُحْرِمًا بِنِيَّةِ الْحَجِّ، سَابِقًا. لِأَنَّا نَقُولُ: أَرْكَانُهُ اثْنَانِ: الطَّوَافُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ،

  61. وَلَا وُجُودَ لِلشَّخْصِ إلَّا بِأَجْزَائِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَمَاهِيَّتِهِ

  62. الْكُلِّيَّةِ إنَّمَا هِيَ مُنْتَزِعَةٌ مِنْهَا؛ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرُوا مَفْهُومَ الِاسْمِ فِي الْعُرْفِ، وَقَدْ وُضِعَ لِغَيْرِ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ فَيَكُونُ تَعْرِيفًا اسْمِيًّا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ الْفِقْهِيِّ وَضَعُوا لَهُ الِاسْمَ لِغَيْرِ الْمَاهِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ،

  63. فَإِنَّ مُعَرَّفَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا نَقْلَ عَنْ خُصُوصٍ نَاقِلٍ لِلِاسْمِ إلَى ذَلِكَ هُوَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْأَعْمَالُ الْمَخْصُوصَةُ لَا نَفْسَ الْقَصْدِ لِأَجْلِ الْأَعْمَالِ الْمُخْرَجِ لَهَا عَنْ الْمَفْهُومِ مَعَ أَنَّهُ فَاسِدٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْحَجَّ النَّفَلَ لِتَقْيِيدِهِ بِأَدَاءِ رُكْنِ الدِّينِ فَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَجِّ مُطْلَقًا لِيَنْطَبِقَ عَلَى فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ كَمَا هُوَ تَعْرِيفُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يُخَالِفُ سَائِرَ أَسْمَاءِ الْعِبَادَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلْأَفْعَالِ كَمَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَخْ، وَالصَّوْمُ هُوَ الْإِمْسَاكُ إلَخْ، وَهُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ.

  64. وَالزَّكَاةُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْسِ أَدَاءِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ. فَلْيَكُنْ الْحَجُّ أَيْضًا عِبَارَةً عَنْ الْأَفْعَالِ الْكَائِنَةِ عِنْدَ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ كَعَرَفَةَ، وَقَدْ انْدَرَجَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيَانُ أَرْكَانِهِ. .

  65. وَسَبَبُهُ الْبَيْتُ، لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ.

  66. وَشَرَائِطُهُ نَوْعَانِ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ. وَالثَّانِي الْإِحْرَامُ وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ الْمَخْصُوصُ حَتَّى لَا يَجُوزَ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ بَدَلَ الْإِحْرَامِ النِّيَّةَ، وَهَذَا أَوْلَى لِاسْتِلْزَامِهِ النِّيَّةَ وَغَيْرَهَا عَلَى مَا سَيَظْهَرُ لَك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  67. وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الْإِسْلَامُ، حَتَّى لَوْ مَلَكَ مَا بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ حَالَ كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَمَا افْتَقَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَةِ،

  68. بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَكَهُ مُسْلِمًا فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى افْتَقَرَ حَيْثُ يَتَقَرَّرُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْوَقْتُ أَيْضًا،

  69. فَلَا يَجِبُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، حَتَّى لَوْ مَلَكَ مَا بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ قَبْلَهَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ صَرْفِهَا إلَى غَيْرِهِ، وَأَفَادَ هَذَا قَيْدًا فِي صَيْرُورَتِهِ دَيْنًا إذَا افْتَقَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ.

  70. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ قَادِرًا وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ، أَوْ قَادِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى افْتَقَرَ تَقَرَّرَ دَيْنًا،

  71. وَإِنْ مَلَكَ فِي غَيْرِهَا وَصَرَفَهَا إلَى غَيْرِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْيَنَابِيعِ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ:

  72. وَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْقَادِرِ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ،

  73. فَإِنْ مَلَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَأَهَّبَ أَهْلُ بَلَدِهِ لِلْخُرُوجِ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ صَرْفِهَا حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّأَهُّبُ فِي الْحَالِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ فِي أَوَائِلِ الْأَشْهُرِ وَهُمْ يَخْرُجُونَ فِي أَوَاخِرِهَا جَازَ لَهُ إخْرَاجُهَا،

  74. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ.

  75. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَبْسُوطِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْوَقْتَ شَرْطُ الْأَدَاءِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّهُ نَقَلَ مِنْ اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ: أَنَّ نَصْرَانِيًّا لَوْ أَسْلَمَ وَصَبِيًّا لَوْ بَلَغَ فَمَاتَا قَبْلَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ، وَأَوْصَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَوَصِيَّتُهُمَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ زُفَرَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُمَا قَبْلَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: تَصِحُّ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي حَقِّهِمَا، وَالْوَقْتُ شَرْطُ الْأَدَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ نَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  76. وَوَاجِبَاتُهُ إنْشَاءُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مَا فَوْقَهُ مَا لَمْ يَخْشَ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورِهِ لِكَثْرَةِ الْبُعْدِ، وَمَدُّ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى الْغُرُوبِ، وَالْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالسَّعْيُ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَطَوَافُ الصَّدْرِ لِلْآفَاقِيِّ.

  77. (الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ الْأَصِحَّاءِ إذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا)

  78. وَأَمَّا سُنَنُهُ] فَطَوَافُ الْقُدُومِ، وَالرَّمَلُ فِيهِ، أَوْ فِي الطَّوَافِ الْفَرْضِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ جَرْيًا، وَالْبَيْتُوتَةُ بِمِنًى لَيَالِي أَيَّامِ مِنًى، وَالدَّفْعُ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ،

  79. وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى قَبْلَهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ.

  80. وَأَمَّا مَحْظُورَاتُهُ فَنَوْعَانِ مَا يَفْعَلُهُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ، وَقَلْمُ الْأَظْفَارِ، وَالتَّطَيُّبُ، وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلُبْسُ الْمَخِيطِ. وَمَا يَفْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ حَلْقُ رَأْسِ الْغَيْرِ، وَالتَّعَرُّضُ لِلصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ.

  81. وَأَمَّا قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ مَنْقُولًا فَلَا يَنْبَغِي عَدُّهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ،

  82. فَإِنَّ حُرْمَتَهُ لَا تُعَلَّقُ بِالْحَجِّ وَلَا الْإِحْرَامِ

  83. (قَوْلُهُ عَلَى الْأَحْرَارِ إلَخْ) وَفِي النِّهَايَةِ: إنَّمَا ذَكَرَ الْأَحْرَارَ وَمَا بَعْدَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ مَعَ أَنَّهُ مُحَلًّى بِاللَّامِ وَالْمُحَلَّى يَبْطُلُ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ، وَلَمْ يُفْرِدْ كَمَا أَفْرَدَ فِي قَوْلِهِ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرِّ، إخْرَاجًا لِلْكَلَامِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ فِي إرَادَةِ الْجَمْعِيَّةِ، إذْ الْعَادَةُ جَرَتْ وَقْتَ خُرُوجِهِمْ بِالْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ مِنْ الرُّفَقَاءِ،

  84. بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْإِخْفَاءَ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْإِبْدَاءِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أَوْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا أَعَمُّ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ نَظَرًا إلَى السَّبَبِ،

  85. فَإِنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْوُجُوبِ عَلَى كُلِّ صَحِيحٍ مُكْتَسِبٍ،

  86. بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ سَبَبَهَا النِّصَابُ النَّامِي، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، فَكَانَتْ إرَادَةُ زِيَادَةِ التَّعْمِيمِ هُنَا أَوْفَقَ، فَلِذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَ حَرْفِ الِاسْتِغْرَاقِ اهـ.

  87. وَحَاصِلُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ مَعْنَى الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ مَعَ اللَّامِ، وَالدَّاعِي إلَى ذَلِكَ اجْتِمَاعُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْخُرُوجِ،

  88. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لَا يُفَادُ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ إذْ لَيْسَ الِاجْتِمَاعُ مِنْ أَجْزَاءِ مَفْهُومِ لَفْظِ الْجَمْعِ وَلَا لَوَازِمِهِ، بَلْ مُجَرَّدُ الْمُتَعَدِّدِ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، وَلِذَا لَا يَلْزَمُ فِي قَوْلِك جَاءَنِي الرِّجَالُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْمَجِيءِ فَانْتَفَى هَذَا الدَّاعِي،

  89. ثُمَّ قَوْلُهُ: إنَّ الْإِخْفَاءَ فِي الزَّكَاةِ أَفْضَلُ يُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ الْإِخْفَاءُ، وَالْمَفْرُوضَةِ كَالزَّكَاةِ الْإِظْهَارُ.

  90. وَأَمَّا الثَّانِي فَثُبُوتُ السَّبَبِ فِي حَقِّ الْكُلِّ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ فَالنِّصَابُ أَيْضًا ثَابِتٌ لِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ،

  91. وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ سَبَبِيَّتِهِ فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ،

  92. فَإِنَّ سَبَبِيَّتَهُ بِمُوجِبِيَّتِهِ الْحُكْمَ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْكُلِّ بَلْ فِي حَقِّ مَنْ اتَّصَفَ بِالشُّرُوطِ مَعَ تَحَقُّقِ بَاقِي الشُّرُوطِ الَّتِي يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَأَمْنِ الطَّرِيقِ، فَحَقِيقَةُ الْوُجُوبِ شَرْطُ سَبَبِيَّةِ السَّبَبِ لِلْمُتَأَمِّلِ، فَكَانَ كَالنِّصَابِ بَلْ مَحَلُّ الْوُجُوبِ فِي الزَّكَاةِ أَوْسَعُ، لِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي الْحَجِّ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الزَّكَاةِ، وَتَوْسِعَةُ التَّفْصِيلِ مِمَّا يُوجِبُ التَّطْوِيلَ، وَبِالْمُتَأَمِّلِ غِنًى عَنْهُ بَعْدَ فَتْحِ بَابِ التَّأَمُّلِ لَهُ، فَكَانَ عَلَى هَذَا إرَادَةُ زِيَادَةِ التَّعْمِيمِ فِي الزَّكَاةِ أَوْلَى.

  93. ثُمَّ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كُلُّ ذَلِكَ فَزِيَادَةُ التَّعْمِيمِ بِالْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ عَلَى الْمُفْرَدِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ مَمْنُوعٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْمُفْرَدِ أَشْمَلُ،

  94. وَإِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِغْرَاقِ الِاجْتِمَاعَ فَفِيهِ مَا عَلِمْت مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ.

  95. (قَوْلُهُ إذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ) بِنَفَقَةِ وَسَطٍ لَا إسْرَافَ فِيهَا وَلَا تَقْتِيرَ (وَالرَّاحِلَةِ) أَيْ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ أَوْ الْإِجَارَةِ دُونَ الْإِعَارَةِ، وَالْإِبَاحَةُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.

  96. وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ لِيَحُجَّ بِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاهِبُ مِمَّنْ تُعْتَبَرُ مِنَّتُهُ كَالْأَجَانِبِ، أَوْ لَا تُعْتَبَرُ كَالْأَبَوَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ بِالْمِلْكِ هِيَ الْأَصْلُ فِي تَوْجِيهِ الْخِطَابِ فَقَبْلَ الْمِلْكِ لِمَا بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (قَوْلُهُ فَاضِلًا) حَالٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ (عَنْ الْمَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِهِ كَفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ وَثِيَابِهِ

  97. (وَلَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قِيلَ لَهُ «الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ.

  98. ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ

  99. مَرَّتَيْنِ خُصُوصًا، وَفِي ضِمْنِ الْعُمُومِ، وَعَلَى الْإِيضَاحِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ الْمُفِيدِ لِلتَّفْخِيمِ،

  100. وَكَذَا وَضْعُ مَنْ كَفَرَ مَكَانَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ إلَى آخِرِ مَا عُرِفَ فِي الْكَشَّافِ

  101. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام إلَخْ) كَانَ يَكْفِي لِنَفْيِ التَّكَرُّرِ كَوْنُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ لَا يُفِيدُهُ فَلَا مُوجِبَ لِلتَّكَرُّرِ، لَكِنَّ حَاصِلَهُ نَفْيُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ التَّكَرُّرِ لِنَفْيِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ وَإِنْ كَفَى فِي نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَكِنْ إثْبَاتُ النَّفْيِ مُقْتَضَى النَّفْيِ أَقْوَى فَلِذَا أَثْبَتَهُ بِالدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قِيلَ لَهُ «الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ» إلَخْ.

  102. رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» فَقَوْلُهُ «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ وُجُوبِ التَّكَرُّرِ مِنْ وَجْهَيْنِ لِإِفَادَةِ لَوْ هُنَا امْتِنَاعَ نَعَمْ، فَيَلْزَمُهُ ثُبُوتُ نَقِيضِهِ وَهُوَ لَا، وَالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الِاسْتِطَاعَةِ أَيْضًا.

  103. وَقَدْ رُوِيَ مُفَسَّرًا وَمُبَيَّنًا فِيهِ الرَّجُلَ الْمُبْهَمَ. أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سِنَانٍ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ، فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ» وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ وَصَحَّحَهُ (قَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ) وَأَمَّا تَكَرُّرُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَالِ فَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ النَّامِي تَقْدِيرًا وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ دَائِرٌ مَعَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ إذَا كَانَ الْمَالُ مُعَدًّا لِلِاسْتِنْمَاءِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ الثَّابِتِ فِي هَذَا الْحَوْلِ غَيْرُ تَقْدِيرِ نَمَاءٍ فِي حَوْلٍ آخَرَ، فَالْمَالُ مَعَ هَذَا النَّمَاءِ غَيْرُ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ النَّمَاءِ الْآخَرِ فَيَتَعَدَّدُ حُكْمًا فَيَتَعَدَّدُ الْوُجُوبُ لِتَعَدُّدِ النِّصَابِ

  104. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ فَكَانَ الْعُمْرُ فِيهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُخَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ، وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَيَتَضَيَّقُ احْتِيَاطًا وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ،

  105. بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي مِثْلِهِ نَادِرٌ.

  106. كَانَ لَهُ مَالٌ يَكْفِي لِلْحَجِّ وَلَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ أَوْ خَافَ الْعُزُوبَةَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ إلَى ذَلِكَ، إنْ كَانَ قَبْلَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ إلَى الْحَجِّ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ الْأَدَاءُ بَعْدُ،

  107. وَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْخُرُوجِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ اهـ.

  108. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مُطْلَقٌ،

  109. فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ وُقُوعَ السُّؤَالِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْخُرُوجِ فَهُوَ خِلَافُ مَا فِي التَّجْنِيسِ وَإِلَّا فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِشْهَادُ الْمَقْصُودُ،

  110. ثُمَّ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ،

  111. فَلَوْ حَجَّ بَعْدَهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ وَوَقَعَ أَدَاءً، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ،

  112. فَلَا يَأْثَمُ إذَا حَجَّ قَبْلَ مَوْتِهِ،

  113. فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَحُجَّ ظَهَرَ أَنَّهُ آثِمٌ، وَقِيلَ: لَا يَأْثَمُ.

  114. وَقِيلَ: إنْ خَافَ الْفَوْتَ بِأَنْ ظَهَرَتْ لَهُ مَخَايِلُ الْمَوْتِ فِي قَلْبِهِ فَأَخَّرَهُ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ،

  115. وَإِنْ فَجَأَهُ الْمَوْتُ لَا يَأْثَمُ، وَصِحَّةُ الْأَوَّلِ غَنِيَّةٌ عَنْ الْوَجْهِ. وَعَلَى اعْتِبَارِهِ قِيلَ يَظْهَرُ الْإِثْمُ مِنْ السَّنَةِ الْأُولَى،

  116. وَقِيلَ الْأَخِيرَةُ، وَقِيلَ مِنْ سَنَةِ رَأَى فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ،

  117. وَقِيلَ يَأْثَمُ فِي الْجُمْلَةِ غَيْرُ مَحْكُومٍ بِمُعَيَّنٍ بَلْ عِلْمُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى الْفَوْرِ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْنَى، فَالْأَوَّلُ حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ قَابِلٍ مُتَعَارَفٌ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ السَّنَةَ، وَإِلَّا فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ.

  118. وَالثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ، وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَتَأْخِيرُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ فِي وَقْتِهِ

  119. وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ بِأَسْرِهَا مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصِّبْيَانِ

  120. تَعْرِيضٌ لَهُ عَلَى الْفَوَاتِ فَلَا يَجُوزُ، وَلِذَا يَفْسُقُ بِتَأْخِيرِهِ وَيَأْثَمُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، فَحَقِيقَةُ دَلِيلِ وُجُوبِ الْفَوْرِ هُوَ الِاحْتِيَاطُ فَلَا يَدْفَعُهُ أَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ جَوَازُ التَّأْخِيرِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَلَّى الْعُمْرُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام حَجَّ سَنَةَ عَشْرٍ، وَفَرْضِيَّةُ الْحَجِّ كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ هُوَ إلَى الْقَابِلَةِ، أَوْ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ، عَلَى مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه «بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ عليه الصلاة والسلام فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ: الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ» .

  121. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٌ فَقَالَ: فِيهِ «بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ ضِمَامًا وَافِدًا فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ فَذَكَرَ لَهُ ﷺ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ: الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالْحَجَّ، أَوْ سَنَةَ سِتٍّ» فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ عليه الصلاة والسلام لَيْسَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ تَعْرِيضُ الْفَوَاتِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْفَوْرِ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَحُجَّ وَيُعَلِّمُ النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ تَكْمِيلًا لِلتَّبْلِيغِ، وَلَيْسَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ جَوَازُ التَّأْخِيرِ وَلَا الْفَوْرُ حَتَّى يُعَارِضَهُ مُوجِبُ الْفَوْرِ وَهُوَ هَذَا الْمَعْنَى فَلَا يَقْوَى قُوَّتَهُ، بَلْ مُجَرَّدُ طَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَبْقَى كُلٌّ مِنْ الْفَوْرِ وَالتَّأْخِيرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ يَخْرُجُ عَنْهَا، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَارِيخٍ،

  122. وَأَمَّا بِالتَّارِيخِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّمَا وَجَدْتُ مُعْضَلَةً فِي ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٌ فَقَالَ فِيهِ: وَذَكَرَ مَا قَدَّمْنَاهُ.

  123. قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: لَا أَعْرِفُ لَهَا سَنَدًا، وَاَلَّذِي نَزَلَ سَنَةَ سِتٍّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَهُوَ افْتِرَاضُ الْإِتْمَامِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ شَرَعَ فِيهِمَا. فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ وَاجِبَةٌ، وَالْحَجُّ مُطْلَقًا هُوَ الْفَرْضُ فَيَقَعُ أَدَاءً إذَا أَخَّرَهُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَى نَظِيرِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ سَوَاءً، فَارْجِعْ إلَيْهِ وَقِسْ بِهِ

  124. (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام أَيُّمَا عَبْدٍ) رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا أَعْرَابِيٍّ حَجَّ ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.

  125. وَالْمُرَادُ بِالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَإِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَانُوا يَحُجُّونَ فَنَفَى إجْزَاءَ ذَلِكَ الْحَجِّ عَنْ الْحَجِّ الَّذِي وَجَبَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَتَفَرَّدَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ بِرَفْعِهِ،

  126. بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ لَا يَضُرُّ إذْ الرَّفْعُ زِيَادَةٌ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِمُرْسَلٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ، فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ فَإِنْ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» وَهَذَا حُجَّةٌ عِنْدَنَا.

  127. وَبِمَا هُوَ شَبِيهُ الْمَرْفُوعِ أَيْضًا فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْفَظُوا عَنِّي وَلَا تَقُولُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ " إلَخْ، وَعَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ الْإِجْمَاعُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِوَجْهَيْنِ كَوْنُهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالْمَالِ غَالِبًا بِخِلَافِهِمَا،

  128. وَالْعَقْلُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.

  129. وَكَذَا صِحَّةُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّ الْعَجْزَ دُونَهَا لَازِمٌ.

  130. وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ وَوَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله خِلَافًا لَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

  131. وَأَمَّا الْمُقْعَدُ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله .

  132. وَلَا مِلْكَ لِلْعَبْدِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَمَلُّكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ فَلِذَا لَا يَجِبُ عَلَى عَبِيدِ أَهْلِ مَكَّةَ،

  133. بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ لِلتَّيْسِيرِ لَا لِلْأَهْلِيَّةِ فَوَجَبَ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ.

  134. وَالثَّانِي أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى يَفُوتُ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لِافْتِقَارِ الْعَبْدِ وَغِنَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا شَرَعَ مَا شَرَعَ إلَّا لِتَعُودَ الْمَصَالِحُ إلَى الْمُكَلَّفِينَ إرَادَةً مِنْهُ لِإِفَاضَةِ الْجُودِ،

  135. بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْمَوْلَى فِي اسْتِثْنَاءِ مُدَّتِهِمَا

  136. (قَوْلُهُ وَكَذَا صِحَّةُ الْجَوَارِحِ) حَتَّى إنَّ الْمُقْعَدَ وَالزَّمِنَ وَالْمَفْلُوجَ وَمَقْطُوعَ الرِّجْلَيْنِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ إذَا مَلَكُوا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ،

  137. وَلَا الْإِيصَاءُ بِهِ فِي الْمَرَضِ،

  138. وَكَذَا الشَّيْخُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ: يَعْنِي إذَا لَمْ يَسْبِقْ الْوُجُوبُ حَالَةَ الشَّيْخُوخَةِ بِأَنْ لَمْ يَمْلِكْ مَا يُوصِلُهُ إلَّا بَعْدَهَا،

  139. وَكَذَا الْمَرِيضُ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْحَجِّ بِالْبَدَنِ،

  140. وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْمُبْدَلُ لَا يَجِبُ الْبَدَلُ.

  141. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى هَؤُلَاءِ إذَا مَلَكُوا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَمُؤْنَةَ مَنْ يَرْفَعُهُمْ وَيَضَعُهُمْ وَيَقُودُهُمْ إلَى الْمَنَاسِكِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ:

  142. وَأَمَّا الْمُقْعَدُ إلَّا أَنَّهُ خَصَّ الْمُقْعَدَ، وَيُقَابِلُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا مَا نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ إلَى مُحَمَّدٍ بِقَوْلِهِ: فَرَّقَ مُحَمَّدٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْمُقْعَدِ وَالْأَعْمَى.

  143. وَإِذَا وَجَبَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْإِحْجَاجُ لِلُزُومِهِمْ الْأَصْلَ وَهُوَ الْحَجُّ بِالْبَدَنِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْبَدَلُ،

  144. فَلَوْ أَحَجُّوا عَنْهُمْ وَهُمْ آيِسُونَ مِنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ ثُمَّ صَحُّوا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَظَهَرَتْ نَفْلِيَّةُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ خُلْفٌ ضَرُورِيٌّ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ، كَالشَّيْخِ الْفَانِي إذَا فَدَى ثُمَّ قَدَرَ،

  145. وَكَذَا مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ عَدُوٌّ فَأَحَجَّ عَنْهُ،

  146. فَإِنْ أَقَامَ الْعَدُوُّ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَوْتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ جَازَ الْحَجُّ عَنْهُ،

  147. وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى مَاتَ لَا يَجُوزُ لِزَوَالِ الْعُذْرِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَيَجِبُ الْأَصْلُ وَهُوَ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ،

  148. وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ وَسَفَرِ قَائِدِهِ فَفِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَعَنْهُمَا فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عِنْدَهُمَا عَلَى قِيَاسِ الْجُمُعَةِ،

  149. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَا يَلْزَمُهُ فَرْقًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ بِأَنَّ وُجُودَ الْقَائِدِ فِي الْجُمُعَةِ غَيْرُ نَادِرٍ بِخِلَافِهِ فِي الْحَجِّ وَالْمَرِيضُ وَالْمَحْبُوسُ وَالْخَائِفُ مِنْ السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ، كَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَيْهِمْ.

  150. وَفِي التُّحْفَةِ: أَنَّ الْمُقْعَدَ وَالزَّمِنَ وَالْمَرِيضَ وَالْمَحْبُوسَ وَالْخَائِفَ مِنْ السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَجُّ بِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ،

  151. وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ وَزَوَالِ الْمَوَانِعِ حَتَّى تَتَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ التَّكَالِيفُ،

  152. أَنَّهُ يَجِبُ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَطِيعَ بِالرَّاحِلَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ،

  153. بِخِلَافِ الْأَعْمَى لِأَنَّهُ لَوْ هَدَى يُؤَدِّي بِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الضَّالَّ عَنْهُ،

  154. وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْتَرِي بِهِ شِقَّ مَحْمَلٍ أَوْ رَأْسَ زَامِلَةٍ، وَقَدْرَ النَّفَقَةِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا،

  155. وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ إذَا مَلَكُوا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ فِي اخْتِيَارِ قَوْلِهِمَا،

  156. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْأَعْمَى إذَا وَجَدَ قَائِدًا بِطَرِيقِ الْمِلْكِ أَوْ اسْتَأْجَرَ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ؟ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ فِي مَالِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ اهـ.

  157. وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ «إنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِي عَنْهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ قَيَّدَ الْإِيجَابَ بِهِ، وَالْعَجْزُ لَازِمٌ مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا الِاسْتِطَاعَةُ.

  158. فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِطَاعَةُ ثَابِتَةٌ إذَا قَدَرُوا عَلَى اتِّخَاذِ مَنْ يَرْفَعُهُمْ وَيَضَعُهُمْ وَيَقُودُهُمْ بِالْمِلْكِ أَوْ الِاسْتِئْجَارِ. قُلْنَا: مُلَاءَمَةُ الْقَائِدِ وَالْخَادِمِ وَحُصُولُ الْمَقْصُودِ مَعَهُ مِنْهُمْ مِنْ الرِّفْقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالْعَجْزُ ثَابِتٌ لِلْحَالِ.

  159. فَلَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِمْ بِالشَّكِّ، عَلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ بِالْبَدَنِ هِيَ الْأَصْلُ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِنَا فَلَأَنْ يَسْتَطِيعَ عَمَلَ كَذَا فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ مَا فِي النَّصِّ، إلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ تَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ لَا مُطْلَقًا تَوَسُّطًا بَيْنَ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ، لِتَوَسُّطِهَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا سَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  160. وَالْوُجُوبُ دَائِرٌ مَعَ فَائِدَتِهِ عَلَى مَا تَحَقَّقَ فِي الصَّوْمِ فَيَثْبُتُ عِنْدَ قُدْرَةِ الْمَالِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْإِحْجَاجِ وَالْإِيصَاءِ.

  161. وَمِنْ الْفُرُوعِ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ هَؤُلَاءِ الْحَجَّ بِأَنْفُسِهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ لَوْ صَحُّوا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ، لِأَنَّ سُقُوطَ الْوُجُوبِ عَنْهُمْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ فَإِذَا تَحَمَّلُوهُ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْفَقِيرِ إذَا حَجَّ. هَذَا وَفِي الْفَتَاوَى تَكَلَّمُوا فِي أَنَّ سَلَامَةَ الْبَدَنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله .

  162. وَأَمْنَ الطَّرِيقِ. وَوُجُودَ الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ أَوْ الْأَدَاءِ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ لَا يَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ يَلْزَمُهُ اهـ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لَمْ يَثْبُتَا تَنْصِيصًا بَلْ تَخْرِيجًا، أَوْ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ اخْتَارُوا رِوَايَةً.

  163. وَإِذَا آلَ الْحَالُ إلَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ تَخْرِيجِهِمَا فَلَنَا نَحْنُ أَيْضًا أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ. وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ كَوْنُهَا شُرُوطَ الْأَدَاءِ بِمَا قُلْنَاهُ آنِفًا إنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ مِمَّا تَتَأَدَّى بِالنَّائِبِ إلَخْ.

  164. وَعَلَى هَذَا فَجَعْلُ عَدَمِ الْحَبْسِ وَالْخَوْفِ مِنْ السُّلْطَانِ شَرْطَ الْأَدَاءِ أَوْلَى،

  165. وَمَنْ قَدَرَ حَالَ صِحَّتِهِ وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى أُقْعِدَ أَوْ زَمِنَ أَوْ فَلَجَ أَوْ قُطِعَتْ رِجْلَاهُ تَقَرَّرَ فِي ذِمَّتِهِ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ، وَهُنَا قَيْدٌ حَسَنٌ يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ، وَهُوَ

  166. «لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ إلَيْهِ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عَقَبَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا يَتَعَاقَبَانِ لَمْ تُوجَدْ الرَّاحِلَةُ فِي جَمِيعِ السَّفَرِ.

  167. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَعَمَّا

  168. أَنَّ وُجُوبَ الْإِيصَاءِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحَجِّ حَتَّى مَاتَ،

  169. فَأَمَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِالْحَجِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ بَعْدَ الْإِيجَابِ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ) رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه فِي «قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَتَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ،

  170. ثُمَّ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

  171. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ عَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا فِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا السَّبِيلُ؟ قَالُوا: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ» حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا مَنْصُور عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ.

  172. وَمِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهم . وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ قَالَ فِي الْإِمَامِ: وَهِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ، وَمَحَلُّهُ الصِّدْقُ مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.

  173. وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ بِطُرُقِهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ لَا يَسْلَمُ مِنْ ضَعْفٍ،

  174. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ صَحِيحٌ ارْتَفَعَ بِكَثْرَتِهَا إلَى الْحَسَنِ فَكَيْفَ وَمِنْهَا الصَّحِيحُ. هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ شِقَّ مَحْمَلٍ أَوْ رَأْسَ زَامِلَةٍ عَلَى التَّوْزِيعِ لِيَكُونَ الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ قَدَرَ عَلَى رَأْسِ زَامِلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضٍ آخَرِينَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَنْ قَدَرَ عَلَى شِقِّ مَحْمَلِ هَذَا، لِأَنَّ حَالَ النَّاسِ مُخْتَلِفٌ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَجَلْدًا وَرَفَاهِيَةً، فَالْمُرَفَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا قَدَرَ عَلَى رَأْسِ زَامِلَةٍ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ فِي عُرْفِنَا رَاكِبٌ مُقَتَّبٌ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ السَّفَرَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَهْلَكُ بِهَذَا الرُّكُوبِ فَلَا يَجِبُ فِي حَقِّ هَذَا لَا إذَا قَدَرَ عَلَى شِقِّ مَحْمَلٍ، وَمِثْلُ هَذَا يَتَأَتَّى فِي الزَّادِ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَا يَكْفِيهِ مِنْ خُبْزٍ وَجُبْنٍ دُونَ لَحْمٍ وَطَبِيخٍ قَادِرًا عَلَى الزَّادِ، بَلْ رُبَّمَا يَهْلَكُ مَرَضًا بِمُدَاوَمَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إذَا كَانَ مُتَرَفِّهًا مُعْتَادَ اللَّحْمِ وَالْأَغْذِيَةِ الْمُرْتَفِعَةِ، بَلْ لَا يَجِبُ عَلَى مِثْلِ هَذَا إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَى مَا يَصْلُحُ مَعَهُ بَدَنُهُ.

  175. وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا الزَّادُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ وَالرَّاحِلَةُ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى آحَادِ النَّاسِ، فَكَانَ الْمُرَادُ مَا يُبَلِّغُ كُلَّ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ إلَخْ) الْعَقَبَةُ أَنْ يَكْتَرِيَ الِاثْنَانِ رَاحِلَةً يَعْتَقِبَانِ عَلَيْهَا يَرْكَبُ أَحَدُهُمَا مَرْحَلَةً وَالْآخَرُ مَرْحَلَةً، وَلَيْسَ يَلْزَمُ لِمَا فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ

  176. لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْخَادِمِ وَأَثَاثِ الْبَيْتِ وَثِيَابِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَشْغُولَةٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ،

  177. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَرْأَةِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ بِأَمْرِهِ. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ الرَّاحِلَةُ، لِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ زَائِدَةٌ فِي الْأَدَاءِ فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَثْبُتُ دُونَهُ.

  178. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ

  179. يَمْلِكَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ وَقْتِ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَنَقَلْنَا مَا فِي الْيَنَابِيعِ فَارْجِعْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ الرَّاحِلَةُ) قَدَّمْنَا فَائِدَةَ اقْتِصَارِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَكَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِي الْيَنَابِيعِ فَارْجِعْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ) أَيْ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ مُخِيفًا فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ.

  180. وَمَا أَفْتَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ: لَا أَقُولُ الْحَجُّ فَرِيضَةٌ فِي زَمَانِنَا قَالَهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَقَوْلُ الثَّلْجِيِّ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ حَجٌّ مُنْذُ كَذَا

  181. وَكَذَا سَنَةً كَانَ وَقْتُ غَلَبَةِ النَّهْبِ وَالْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ،

  182. وَكَذَا أَسْقَطَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ حِينِ خَرَجَتْ الْقَرَامِطَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ، وَكَانُوا يَغْلِبُونَ عَلَى أَمَاكِنَ وَيَتَرَصَّدُونَ لِلْحُجَّاجِ، وَقَدْ هَجَمُوا فِي بَعْضِ السِّنِينَ عَلَى الْحَجِيجِ فِي نَفْسِ مَكَّةَ فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا فِي نَفْسِ الْحَرَمِ، وَأَخْذُو أَمْوَالَهُمْ، وَدَخَلَ كَبِيرُهُمْ بِفَرَسِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَوَقَعَتْ أُمُورٌ شَنِيعَةٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى أَنْ عَافَى مِنْهُمْ.

  183. وَقَدْ سُئِلَ الْكَرْخِيُّ عَمَّنْ لَا يَحُجُّ خَوْفًا مِنْهُمْ فَقَالَ: مَا سَلِمَتْ الْبَادِيَةُ مِنْ الْآفَاتِ: أَيْ لَا تَخْلُو عَنْهَا كَقِلَّةِ الْمَاءِ، وَشِدَّةِ الْحَرِّ وَهَيَجَانِ السَّمُومِ، وَهَذَا إيجَابٌ مِنْهُ رحمه الله ، وَمَحْمَلُهُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْغَالِبَ انْدِفَاعُ شَرِّهِمْ عَنْ الْحَاجِّ، وَرَأَى الصَّفَّارُ عَدَمَهُ فَقَالَ: لَا أَرَى الْحَجَّ فَرْضًا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ حِينِ خَرَجَتْ الْقَرَامِطَةُ، وَمَا ذَكَرَ سَبَبًا لِذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِإِرْشَادِهِمْ فَتَكُونَ الطَّاعَةُ سَبَبَ الْمَعْصِيَةِ، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ إنَّمَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ مَا ذَكَرْته،

  184. ثُمَّ الْإِثْمُ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْآخِذِ لَا الْمُعْطِي عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ تَقْسِيمِ الرِّشْوَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَكَوْنُ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ لَا يُتْرَكُ الْفَرْضُ لِمَعْصِيَةِ عَاصٍ.

  185. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ عَدَمُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ حَتَّى إذَا غَلَبَ الْخَوْفُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْمُحَارِبِينَ لِوُقُوعِ النَّهْبِ وَالْغَلَبَةِ مِنْهُمْ مِرَارًا أَوْ سَمِعُوا أَنَّ طَائِفَةً تَعَرَّضَتْ لِلطَّرِيقِ وَلَهَا شَوْكَةٌ وَالنَّاسُ يَسْتَضْعِفُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْهُمْ لَا يَجِبُ. وَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ، فَقِيلَ: الْبَحْرُ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ.

  186. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الْبَحْرِ السَّلَامَةَ مِنْ مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُكُوبِهِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَسَيْحُونُ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ أَنْهَارٌ لَا بِحَارٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ قِيلَ هُوَ) أَيْ أَمْنُ الطَّرِيقِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجِبُ الْإِيصَاءُ ابْنُ شُجَاعٍ.

  187. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّ

  188. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله .

  189. وَقِيلَ: هُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا غَيْرَ.

  190. قَالَ (وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ تَحُجُّ بِهِ أَوْ زَوْجٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا

  191. الْوُصُولَ بِدُونِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَصَارَ مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ وَهِيَ شَرْطُ الْوُجُوبِ. وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ شَرْطُ الْأَدَاءِ فَيَجِبُ الْإِيصَاءُ الْقَاضِي أَبُو خَازِمٍ، لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام إنَّمَا فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ حِينَ سُئِلَ عَنْهَا،

  192. فَلَوْ كَانَ أَمْنُ الطَّرِيقِ مِنْهَا لَذَكَرَهُ وَإِلَّا كَانَ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الْعِبَادِ وَلَا يُسْقِطُ الْعِبَادَةَ الْوَاجِبَةَ كَالْقَيْدِ مِنْ الظَّالِمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ بِالْحَجِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَمْنِ الطَّرِيقِ،

  193. فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ حُصُولِ الْأَمْنِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْوُجُوبِ تَقَدَّمَ لَنَا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ،

  194. وَأَنَّ عَدَمَ الْخَوْفِ مِنْ السُّلْطَانِ وَالْحَبْسِ مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ أَيْضًا فَيَجِبُ عَلَى الْخَائِفِ وَالْمَحْبُوسِ الْإِيصَاءُ.

  195. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ شَرْطُ الْوُجُوبِ لَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُ. وَقَالُوا لَوْ تَحَمَّلَ الْعَاجِزُ عَنْهُمَا فَحَجَّ مَاشِيًا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ، حَتَّى لَوْ اسْتَغْنَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، وَهُوَ مُعَلَّلٌ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ عَدَمَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ كَالْعَبْدِ، بَلْ لِلتَّرْفِيهِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ،

  196. فَإِذَا تَحَمَّلَهُ وَجَبَ ثُمَّ يَسْقُطُ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ رَمَضَانَ. الثَّانِي: أَنَّ الْفَقِيرَ إذَا وَصَلَ إلَى الْمَوَاقِيتِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِ مَكَّةَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَالثَّانِي يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السُّقُوطِ عَنْهُ لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ كَدُوَيْرَةِ أَهْلِهِ لِأَنَّ إحْرَامَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِلْوَاجِبِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ،

  197. فَلَا يَنْقَلِبُ لَهُ إلَّا بِتَجْدِيدٍ كَالصَّبِيِّ إذَا أَحْرَمَ ثُمَّ بَلَغَ،

  198. وَلَا يُمْكِنُهُ التَّجْدِيدُ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ انْعَقَدَ لَازِمًا لِلنَّفْلِ

  199. بِخِلَافِ الصَّبِيِّ عَلَى مَا نَذْكُرُ قَرِيبًا، وَبِخِلَافِ مَنْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ فَلَمْ يَنْوِ الْوَاجِبَ لِأَنَّ إحْرَامَهُ حِينَئِذٍ انْعَقَدَ لِلْوَاجِبِ، وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ يُخَالِفُهُ، وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ، لِأَنَّ تَحَقُّقَ تَحَمُّلِهِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ لَا بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ.

  200. وَمَعَ الْفَرَاغِ لَوْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ لَمْ يَكُنْ أَثَرُهُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمُنْقَضِي إذْ لَا يَسْبِقُ فِعْلُ الْوَاجِبِ الْوُجُوبَ،

  201. فَمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ لَا يَنْتَهِضُ فِي سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنْ الْوَجْهَيْنِ،

  202. بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْهُ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِضْ فِيهِ الْأَوَّلُ انْتَهَضَ فِيهِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا خَصَّصْنَا الْإِيرَادَ بِالْفَقِيرِ لِأَنَّا نَرَى أَنَّ سَلَامَةَ الْجَوَارِحِ شَرْطُ الْأَدَاءِ لَا الْوُجُوبِ عَلَى مَا بَحَثْنَاهُ آنِفًا.

  203. (قَوْلُهُ وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرْأَةِ) وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا (أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ) كَابْنٍ أَوْ عَمٍّ، وَكَمَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ كَذَا يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْعِدَّةِ وَقَالُوا فِي الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ تُسَافِرُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ،

  204. فَإِذَا بَلَغَتْ لَا تُسَافِرْ إلَّا بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى هَذَا لَا تُعَانُ عَلَى السَّفَرِ وَلَا تُسْتَصْحَبُ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ مَا لَمْ تَبْلُغْ، وَبُلُوغُهَا حَدَّ الشَّهْوَةِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ رَدَّ الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ النَّجْفِ،

  205. فَإِنْ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي السَّفَرِ فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا لَا يُفَارِقُهَا زَوْجُهَا أَوْ بَائِنًا،

  206. فَإِنْ كَانَ إلَى كُلٍّ مِنْ بَلَدِهَا وَمَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ تَخَيَّرَتْ، أَوْ إلَى أَحَدِهِمَا سَفَرٌ دُونَ الْآخَرِ تَعَيَّنَ أَنْ تَصِيرَ إلَى الْآخَرِ، أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا سَفَرٌ،

  207. فَإِنْ كَانَتْ فِي مِصْرٍ قَرَّتْ فِيهِ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَلَا تَخْرُجُ وَإِنْ وَجَدَتْ مَحْرَمًا مَا دَامَتْ الْعِدَّةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا،

  208. وَإِنْ كَانَتْ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مَفَازَةٍ لَا تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا فَلَهَا

  209. أَنْ تَحُجَّ بِغَيْرِهِمَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لَهَا الْحَجُّ إذَا خَرَجَتْ فِي رُفْقَةٍ وَمَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ لِحُصُولِ الْأَمْنِ بِالْمُرَافَقَةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» وَلِأَنَّهَا بِدُونِ الْمَحْرَمِ يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ وَتَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا، وَلِهَذَا تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا،

  210. أَنْ تَمْضِيَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ آمِنٍ فَلَا تَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّتُهَا،

  211. وَإِنْ وَجَدَتْ مَحْرَمًا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إلَّا أَنَّا ذَكَرْنَاهَا هُنَا لِتَكُونَ أَذْكَرَ لِمَنْ يُطَالِعُ الْبَابَ.

  212. (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لَهَا إلَخْ) لَهُ الْعُمُومَاتُ مِثْلُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَقَوْلُهُ ﷺ حُجُّوا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ. وَلِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنْ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا جِوَارَ مَعَهَا لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى قَالَ عَدِيٌّ: رَأَيْت الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى» .

  213. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا.

  214. وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ إذَا خَلَصَتْ بِجَامِعِ أَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ. قُلْنَا: أَمَّا الْعُمُومَاتُ فَقَدْ تَقَيَّدَتْ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ إجْمَاعًا كَأَمْنِ الطَّرِيقِ فَتُقَيَّدُ أَيْضًا بِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا «فَوْقَ ثَلَاثٍ» وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ «ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ عَامَّةٌ فِي كُلِّ سَفَرٍ فَإِنَّمَا تَنْتَظِمُ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ، وَهُوَ سَفَرُ الْحَاجِّ بِعُمُومِهِ لَكِنَّهُ قَدْ خُصَّ مِنْهُ سَفَرُ الْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ فَيُخَصُّ مِنْهُ سَفَرُ الْحَجِّ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَيْهِ بِجَامِعِ أَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ، وَيَصِيرُ الدَّاخِلُ تَحْتَ اللَّفْظِ مُرَادًا السَّفَرَ الْمُبَاحَ.

  215. قُلْنَا: لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِأَنَّ فِي عَيْنِهِ نَصًّا يُفِيدُ أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْعَامِّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَعْبَدًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

  216. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ.

  217. (وَإِذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا

  218. قَالَ «لَا تَحُجُّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي اكْتَتَبْتُ. فِي غَزْوَةِ كَذَا وَامْرَأَتِي حَاجَّةٌ، قَالَ: ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَهَا» وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ وَلَفْظُهُ «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» فَثَبَتَ تَخْصِيصُ الْعُمُومَاتِ بِمَا رَوَيْنَا عَلَى أَنَّهُمْ خَصُّوهَا بِوُجُودِ الرُّفْقَةِ، وَالنِّسَاءُ الثِّقَاتُ فِيمَا رَوَيْنَا أَوْلَى، وَبِهِ يَظْهَرُ فَسَادُ الْقِيَاسِ الَّذِي عَيَّنُوهُ لِأَنَّهُ يُعَارِضُ النَّصَّ، بَلْ نَقُولُ: الْآيَةُ الْعَامَّةُ لَا تَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ حَالَ عَدَمِ الزَّوْجِ وَالْمَحْرَمُ مَعَهَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَسْتَطِيعُ النُّزُولَ وَالرُّكُوبَ إلَّا مَعَ مَنْ يُرَكِّبُهَا وَيُنْزِلُهَا،

  219. وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلَّا لِلْمَحْرَمِ وَالزَّوْجِ، فَلَمْ تَكُنْ مُسْتَطِيعَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا النَّصُّ.

  220. وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فَلَا يُعْتَبَرُ ثُبُوتُ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَعْضِهِنَّ وَلَوْ قَدَرَتْ فَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ مَعَ أَمْنِ انْكِشَافِ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِأَجْنَبِيٍّ النَّظَرُ إلَيْهِ كَعَقِبِهَا وَرِجْلِهَا وَطَرَفِ سَاقِهَا وَطَرَفِ مِعْصَمِهَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْمَحْرَمِ لِيُبَاشِرَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَسْتُرَهَا، وَلِانْتِفَاءِ وُجُودِ الْجَامِعِ فِيهِمَا فَإِنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ لَيْسَ سَفَرًا لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا، بَلْ النَّجَاةُ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَةِ، فَقَطْعُهَا الْمَسَافَةَ كَقَطْعِ السَّابِحِ، وَلِذَا إذَا وَجَدَتْ مَأْمَنًا كَعَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ أَنْ تَقَرَّ وَلَا تُسَافِرَ إلَّا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ.

  221. عَلَى أَنَّهَا لَوْ قَصَدَتْ مَكَانًا مُعَيَّنًا لَا يُعْتَبَرُ قَصْدُهَا،

  222. وَلَا يَثْبُتُ السَّفَرُ بِهِ، لِأَنَّ حَالَهَا وَهُوَ ظَاهِرُ قَصْدِ مُجَرَّدِ التَّخَلُّصِ يُبْطِلُ عَزِيمَتَهَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْعَسْكَرِ الدَّاخِلِ أَرْضَ الْحَرْبِ،

  223. وَلَوْ سَلِمَ ثُبُوتُ سَفَرِهَا فَهُوَ لِلِاضْطِرَارِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ الْمُتَوَقَّعَةَ فِي سَفَرِهَا أَخَفُّ مِنْ الْمُتَوَقَّعَةِ فِي إقَامَتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَانَ جَوَازُهُ بِحُكْمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَخَفَّ الْمَفْسَدَتَيْنِ يَجِبُ ارْتِكَابُهَا عِنْدَ لُزُومِ إحْدَاهُمَا، فَالْمُؤَثِّرُ فِي الْأَصْلِ السَّفَرُ الْمُضْطَرُّ إلَيْهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةٍ تَفُوقُ مَفْسَدَةَ عَدَمِ الْمَحْرَمِ وَالزَّوْجِ فِي السَّفَرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْفَرْعِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ مَعَ الْعِدَّةِ

  224. بِخِلَافِ سَفَرِ الْحَجِّ تَمْنَعُهُ الْعِدَّةُ فَيَمْنَعُهُ عَدَمُ الْمَحْرَمِ كَالسَّفَرِ الْمُبَاحِ.

  225. وَأَمَّا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ الْخُرُوجِ فِيهِ مَا هُوَ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ، بَلْ بَيَانُ انْتِشَارِ الْأَمْنِ،

  226. وَلَوْ كَانَ مُفِيدًا لِلْإِبَاحَةِ كَانَ نَقِيضَ قَوْلِهِمْ فَإِنَّهُ يُبِيحُ الْخُرُوجَ بِلَا رُفْقَةٍ وَنِسَاءٍ ثِقَاتٍ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ) يَعْنِي إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ. وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» وَأَخْرَجَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ» .

  227. وَفِي لَفْظٍ " يَوْمٍ " وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد " بَرِيدًا " وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمِ، وَقَالَ:

  228. لِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ. وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ وَالْحَجُّ مِنْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا،

  229. وَلَوْ كَانَ الْمَحْرَمُ فَاسِقًا قَالُوا: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ (وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ كُلِّ مَحْرَمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ مُنَاكَحَتِهَا،

  230. وَلَا عِبْرَةَ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ لَا تَتَأَتَّى مِنْهُمَا الصِّيَانَةُ، وَالصَّبِيَّةُ الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغَةِ حَتَّى لَا يُسَافَرَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَتَوَسَّلُ بِهِ إلَى أَدَاءِ الْحَجِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطُ الْوُجُوبِ أَوْ شَرْطُ الْأَدَاءِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ

  231. صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ «ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ: وَهَمُوا.

  232. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَيْسَ فِي هَذِهِ تَبَايُنٌ. فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَهَا فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ الْأَسْئِلَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَمْثِيلًا لِأَقَلِّ الْأَعْدَادِ، وَالْيَوْمُ الْوَاحِدُ أَوَّلُ الْعَدَدِ وَأَقَلُّهُ. وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ الْكَثِيرِ وَأَقَلُّهُ، وَالثَّلَاثُ أَوَّلُ الْجَمْعِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَنِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ اهـ.

  233. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ نَبَّهَ بِمَنْعِ الْخُرُوجِ أَقَلَّ كُلِّ عَدَدٍ عَلَى مَنْعِ خُرُوجِهَا عَنْ الْبَلَدِ مُطْلَقًا إلَّا بِمَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا إنَّ حُمِلَ السَّفَرُ عَلَى اللُّغَوِيِّ.

  234. فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وَالسَّفَرُ لُغَةً يَنْطَلِقُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَرَاهَةُ الْخُرُوجِ لَهَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ بِلَا مَحْرَمٍ،

  235. ثُمَّ إذَا كَانَ الْمَذْهَبُ إبَاحَةَ خُرُوجِهَا مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا (قَوْلُهُ لِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ) وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا عُرِفَ، وَصَارَ كَالْحَجِّ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ (وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ) وَإِنْ امْتَدَّتْ.

  236. (وَالْحَجُّ مِنْهَا) كَالصَّوْمِ، وَهَذَا لِأَنَّ مِلْكَهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ لَا يَنْتَهِضُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ

  237. بِخِلَافِ مِلْكِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا لَا يَظْهَرُ فِي الْحَجِّ الْمَنْذُورِ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا فَلَا يَظْهَرُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ فَكَانَ نَفْلًا فِي حَقِّهِ،

  238. وَإِذَا أَحْرَمَتْ نَفْلًا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وَهُوَ بِأَنْ يَنْهَاهَا وَيَصْنَعَ بِهَا أَدْنَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا كَقَصِّ ظُفْرِهَا وَنَحْوِهِ، وَمُجَرَّدُ نَهْيِهَا لَا يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيلُ كَمَا لَا يَقَعُ بِقَوْلِهِ: حَلَلْتُكِ،

  239. وَلَا يَتَأَخَّرُ إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ

  240. بِخِلَافِ الْإِحْصَارِ، وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ كُلِّ مَحْرَمٍ سَوَاءٌ كَانَ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ حِلَّ مُنَاكَحَتِهَا كَالْمَجُوسِيِّ أَوْ يَكُونَ فَاسِقًا إذْ لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الْفِتْنَةُ أَوْ صَبِيًّا.

  241. (قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا إلَخْ) ثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ إذَا مَاتَ مَثَلًا قَبْلَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، أَوْ هِيَ قَبْلَ وُجُودِ الْمَحْرَمِ أَوْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِهَا،

  242. فَمَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ شَرْطُ الْوُجُوبِ يَقُولُ: لَا يَجِبُ الْإِيصَاءُ لِأَنَّ الْمَوْتَ قَبْلَ الْوُجُوبِ.

  243. وَمَنْ قَالَ: بِأَنَّهَا شَرْطُ الْأَدَاءِ قَالَ: يَجِبُ لِأَنَّ الْمَوْتَ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا عُذِرَتْ فِي التَّأْخِيرِ وَفِي وُجُوبِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهَا بِمَنْ يَحُجُّ بِهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا،

  244. وَأَمَّا وُجُوبُ نَفَقَةِ الْمَحْرَمِ وَرَاحِلَتِهِ إذَا أَبَى أَنْ يَحُجَّ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ مَحْمَلُ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا تَجِبُ.

  245. هُوَ قَوْلُ أَبِي حَفْصٍ الْبُخَارِيِّ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَحْرَمُ بِنَفَقَتِهِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا الْحَجُّ لَا إحْجَاجُ غَيْرِهَا

  246. (وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَمَضَيَا لَمْ يُجِزْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ إحْرَامَهَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ (وَلَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَ، وَالْعَبْدُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، أَمَّا إحْرَامُ الْعَبْدِ لَازِمٌ فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  247. وَقَالَ الْقُدُورِيُّ تَجِبُ لِأَنَّهَا مِنْ مُؤَنِ حَجِّهَا.

  248. (قَوْلُهُ لِأَنَّ إحْرَامَهُمَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ) أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ عِنْدَكُمْ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ شَرْطٌ يُشْبِهُ الرُّكْنَ مِنْ حَيْثُ إمْكَانِ اتِّصَالِ الْأَدَاءِ فَاعْتَبَرْنَا شِبْهَ الرُّكْنِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا بَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ عَتَقَ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ.

  249. وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يَكُونُ عَنْ الْفَرْضِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا لَا (قَوْلُهُ لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمٍ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ اللُّزُومِ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَوْ أُحْصِرَ الصَّبِيُّ وَتَحَلَّلَ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ.

  250. وَفِي الْمَبْسُوطِ: الصَّبِيُّ لَوْ أَحْرَمَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ يَعْقِلُ أَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ أَبُوهُ صَارَ مُحْرِمًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجَرِّدَهُ وَيُلْبِسَهُ إزَارًا وَرِدَاءً، وَالْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ،

  251. فَلَوْ حَجَّ كَافِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ فَأَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ فَجَدَّدَ الْإِحْرَامَ أَجْزَأَهُمَا،

  252. وَقِيلَ: هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا حَجَّ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ

  253. بِخِلَافِ الصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ، وَفِي الذَّخِيرَةِ فِي النَّوَادِرِ: الْبَالِغُ إذَا جُنَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ.

  254. (فَصْلٌ) (وَالْمَوَاقِيتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهَا الْإِنْسَانُ إلَّا مُحْرِمًا خَمْسَةٌ: لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ. وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ) هَكَذَا وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِهَؤُلَاءِ.

  1. جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ الْوَقْتُ الْمُعَيَّنُ، اُسْتُعِيرَ لِلْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ كَقَلْبِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

  2. لَزِمَ شَرْعًا تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ لِلْآفَاقِيِّ عَلَى وُصُولِهِ إلَى الْبَيْتِ تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ، وَإِجْلَالًا كَمَا تَرَاهُ فِي الشَّاهِدِ مِنْ تَرَجُّلِ الرَّاكِبِ الْقَاصِدِ إلَى عَظِيمٍ مِنْ الْخَلْقِ إذَا قَرُبَ مِنْ سَاحَتِهِ خُضُوعًا لَهُ، فَكَذَا لَزِمَ الْقَاصِدَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ الْحُلُولِ بِحَضْرَتِهِ إجْلَالًا،

  3. فَإِنَّ فِي الْإِحْرَامِ تَشَبُّهًا بِالْأَمْوَاتِ، وَفِي ضِمْنِ جَعْلِ نَفْسِهِ كَالْمَيِّتِ سَلْبُ اخْتِيَارِهِ.

  4. وَإِلْقَاءُ قِيَادِهِ مُتَخَلِّيًا عَنْ نَفْسِهِ فَارِغًا عَنْ اعْتِبَارِهَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ فَسُبْحَانَ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (قَوْلُهُ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ) بِالسُّكُونِ مَوْضِعٌ، وَجَعَلَهُ فِي الصِّحَاحِ مُحَرَّكًا، وَخَطِئَ بِأَنَّ الْمُحَرَّكَ اسْمُ قَبِيلَةٍ إلَيْهَا يُنْسَبُ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ (قَوْلُهُ هَكَذَا وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَمَّا تَوْقِيتُ مَا سِوَى ذَاتِ عِرْقٍ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمَنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» وَرُوِيَ هُنَّ لَهُمْ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.

  5. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ التَّقْدِيرُ هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ.

  6. وَأَمَّا تَوْقِيتُ ذَاتِ عِرْقٍ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت أَحْسِبُهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ قَالَ: وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» وَفِيهِ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فِي رَفْعِهِ هَذِهِ الْمَرَّةِ، وَرَوَاهُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ وَلَمْ يَشُكَّ.

  7. وَلَفْظُهُ «وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّرْقِ ذَاتُ عِرْقٍ» إلَّا أَنَّ فِيهِ إبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الْجَوْزِيَّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» وَزَادَ فِيهِ النَّسَائِيّ بَقِيَّةً.

  8. وَفِي سَنَدِهِ أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُنْكِرُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما

  9. وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ الْمَنْعُ عَنْ تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَنْهَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ،

  10. ثُمَّ الْآفَاقِيُّ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ

  11. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَرَوَوْهُ عَنْهُ.

  12. وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مِيقَاتَ أَهْلِ الْعِرَاقِ،

  13. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ عَوْنٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ نَافِعٍ،

  14. وَكَذَا رَوَاهُ سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا عُهِدَ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.

  15. وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ: لَا يُعْلَمُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ جَدِّهِ،

  16. وَلَا أَنَّهُ لَقِيَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ يَرْوِي عَنْ جَدِّهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا وَفِيهِ «وَلِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لِعَطَاءٍ: إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَقِّتْ ذَاتَ عِرْقٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ مَشْرِقٍ يَوْمئِذٍ فَقَالَ: كَذَلِكَ سَمِعْنَا «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ،

  17. وَمِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ.

  18. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله ،

  19. وَمِنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «لَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ مَشْرِقٍ حِينَئِذٍ فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ ذَاتَ عِرْقٍ» قَالَ الشَّافِعِيُّ:

  20. وَلَا أَحْسِبُهُ إلَّا كَمَا قَالَ طَاوُسٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما " قَالَ لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ رضي الله عنه فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهِيَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إذَا أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا قَالَ: اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ

  21. "قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ: الْمِصْرَانِ هُمَا الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ وَحَذْوُهُمَا مَا يَقْرُبُ مِنْهَا، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مُجْتَهَدٌ فِيهَا لَا مَنْصُوصَةٌ اهـ.

  22. وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه لَمْ يَبْلُغْهُ تَوْقِيتُ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ،

  23. فَإِنْ كَانَتْ الْأَحَادِيثُ بِتَوْقِيتِهِ حَسَنَةً فَقَدْ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ تَوْقِيتَهُ عليه الصلاة والسلام وَإِلَّا فَهُوَ اجْتِهَادِيٌّ (قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ الْمَنْعُ مِنْ التَّأْخِيرِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ بِالْإِجْمَاعِ) عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَدْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ أَتَى مِيقَاتًا مِنْهَا لِقَصْدِ مَكَّةَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ سَوَاءٌ كَانَ يَمُرُّ بَعْدَهُ عَلَى مِيقَاتٍ آخَرَ أَمْ لَا، لَكِنَّ الْمَسْطُورَ خِلَافُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَمْعِ كَلَامِ مُحَمَّدٍ رحمه الله : وَمَنْ

  24. أَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا»

  25. جَاوَزَ وَقْتَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَتَى وَقْتًا آخَرَ. وَأَحْرَمَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ.

  26. وَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ وَقْتِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ اهـ.

  27. وَمِنْ الْفُرُوعِ: الْمَدَنِيُّ إذَا جَاوَزَ إلَى الْجُحْفَةِ فَأَحْرَمَ عِنْدَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَمُقْتَضَى كَوْنِ فَائِدَةِ التَّوْقِيتِ الْمَنْعَ مِنْ التَّأْخِيرِ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّأْخِيرُ عَنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ،

  28. فَإِنَّ مُرُورَهُ بِهِ سَابِقٌ عَلَى مُرُورِهِ بِالْمِيقَاتِ الْآخَرِ، وَلِذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ عَنْهُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا رُوِيَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» فَمَنْ جَاوَزَ إلَى الْمِيقَاتِ الثَّانِي صَارَ مِنْ أَهْلِهِ أَيْ صَارَ مِيقَاتًا لَهُ.

  29. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَحُجَّ أَحْرَمَتْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ.

  30. وَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتَمِرَ أَحْرَمَتْ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنْ لَا فَرْقَ فِي الْمِيقَاتِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

  31. فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْجُحْفَةُ مِيقَاتًا لَهُمَا لَمَا أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ مِنْهَا، فَبِفِعْلِهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ التَّأْخِيرِ مُقَيَّدٌ بِالْمِيقَاتِ الْأَخِيرِ. وَيُحْمَلُ حَدِيثُ «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا» عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُجَاوِزُ الْمَوَاقِيتَ.

  32. هَذَا وَمَنْ كَانَ فِي بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ لَا يَمُرُّ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ الْمَذْكُورَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إذَا حَاذَى آخِرَهَا، وَيَعْرِفُ بِالِاجْتِهَادِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ،

  33. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يُحَاذِي فَعَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ) بِأَنْ قَصَدَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ وَالنُّزْهَةِ أَوْ التِّجَارَةِ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا» ) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يُجَاوَزُ الْوَقْتُ إلَّا بِإِحْرَامٍ» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.

  34. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَرُدُّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَذَكَرَهُ.

  35. وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا فُضَيْلٍ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ إذَا جَاوَزَ الْوَقْتَ فَلَمْ يُحْرِمْ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ رَجَعَ إلَى الْوَقْتِ فَأَحْرَمَ،

  36. وَإِنْ خَشِيَ إنْ رَجَعَ إلَى الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ وَيُهْرِيقُ لِذَلِكَ دَمًا فَهَذِهِ الْمَنْطُوقَاتُ أَوْلَى مِنْ الْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ فِي قَوْلِهِ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ عليه الصلاة والسلام دُونَ كَلَامِ الرَّاوِي.

  37. وَمَا فِي مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ» كَانَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ

  38. وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا

  39. (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ) لِأَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُ مَكَّةَ، وَفِي إيجَابِ الْإِحْرَامِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَصَارَ كَأَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا ثُمَّ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِمْ،

  40. بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ أَدَاءَ النُّسُكِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَحْيَانًا فَلَا حَرَجَ (فَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ جَازَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَإِتْمَامُهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما . وَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا لِأَنَّ إتْمَامَ الْحَجِّ مُفَسَّرٌ بِهِ وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرُ

  41. السَّاعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ «مَكَّةُ حَرَامٌ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا» يَعْنِي الدُّخُولَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حِلِّ الدُّخُولِ بَعْدَهُ لِلْقِتَالِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ) يَعْنِي وُجُوبَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْبُقْعَةِ لِتَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ.

  42. (قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ إلَخْ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمَوَاقِيتِ لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بَعْدَهَا أَوْ فِيهَا نَفْسِهَا فِي نَصِّ الرِّوَايَةِ، قَالَ: لَيْسَ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ وَمِنْ دُونِهَا إلَى مَكَّةَ أَنْ يَقْرُنَ وَلَا يَتَمَتَّعَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، كَذَا فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ النُّسُكِ.

  43. أَمَّا إذَا قَصَدُوهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ دُخُولِهِمْ أَرْضَ الْحَرَمِ فَمِيقَاتُهُمْ كُلُّ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ، فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ دَارِهِمْ إلَى الْحَرَمِ وَمَا عَجَّلُوهُ مِنْ دَارِهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى قُدَيْدٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، قَالَ:

  44. وَكَذَا الْمَكِّيُّ إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ فَبَلَغَ الْوَقْتَ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ، يَعْنِي لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ رَاجِعًا بِغَيْرِ إحْرَامٍ،

  45. فَإِنْ جَاوَزَ الْوَقْتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ (قَوْلُهُ كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ) رَوَى الْحَاكِمُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْمُرَادِيِّ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه عَنْ قَوْلِهِ عز وجل ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فَقَالَ: أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ اهـ.

  46. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَنَظَرَ فِيهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ.

  47. ثُمَّ هَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ إيجَابَ الْإِتْمَامِ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي بَحْثِ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي أَوَّلُ كِتَابِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ، بِخِلَافِ تَقْدِيمِ

  48. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إنَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ إذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ

  49. (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَوَقْتُهُ الْحِلُّ) مَعْنَاهُ الْحِلُّ الَّذِي بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ وَبَيْنَ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إحْرَامُهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَمَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى الْحَرَمِ مَكَانٌ وَاحِدٌ (وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَوَقْتُهُ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ وَفِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ أَصْحَابَهُ رضي الله عنهم أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَأَمَرَ أَخَا عَائِشَةَ رضي الله عنهما أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْحَجِّ فِي عَرَفَةَ وَهِيَ فِي الْحِلِّ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَتَحَقَّقَ نَوْعُ سَفَرٍ، وَأَدَاءُ الْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ لِهَذَا، إلَّا أَنَّ التَّنْعِيمَ أَفْضَلُ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  50. الْإِحْرَامِ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ أَجْمَعُوا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ وَغَيْرِهِ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْأَفْضَلِيَّةِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ مِنْ دَارِهِ إلَى مَكَّةَ دُونَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، كَمَا قَيَّدَ بِهِ قَاضِي خَانْ وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيمُ عَلَى الْمَوَاقِيتِ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَعْظِيمًا وَأَوْفَرُ مَشَقَّةً، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ، وَلِذَا كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الْإِحْرَامَ بِهِمَا مِنْ الْأَمَاكِنِ الْقَاصِيَةِ.

  51. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنْ الْبَصْرَةِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الشَّامِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ أَهَلَّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ.

  52. ثُمَّ هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله .

  53. ثُمَّ إذَا انْتَفَتْ الْأَفْضَلِيَّةُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ نَفْسَهُ هَلْ يَكُونُ الثَّابِتُ الْإِبَاحَةَ أَوْ الْكَرَاهَةَ؟ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. فَالْحَاصِلُ تَقَيُّدُ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الْمَكَانِ بِمِلْكِ نَفْسِهِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْكَرَاهَةِ فِي الزَّمَانِ عَدَمُ تَقَيُّدِهَا بِخَوْفِ مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورَاتِ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْمُنَاسِبُ التَّعْلِيلُ لِلْكَرَاهَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ بِكَوْنِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ وَقْتِ الْحَجِّ وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ كَمَا عَلَّلَ بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.

  54. وَقِيلَ فِي الزَّمَانِ أَيْضًا التَّفْصِيلُ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ لَا يُكْرَهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِلَّا كُرِهَ،

  55. وَلَا أَعْلَمُهُ مَرْوِيًّا عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَالْأَوْلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَئِمَّتِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ إطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ وَتَعْلِيلُهَا إنَّمَا يَكُونُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَأَنَّهُ أُشْكِلَ عَلَى مَنْ خَالَفَ إطْلَاقُهُمْ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ فَفَصَّلُوا. وَالْحَقُّ هُوَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّعْلِيلُ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى شَبَهِ الْإِحْرَامِ بِالرُّكْنِ،

  56. وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فَيُرَاعَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الشَّبَهِ احْتِيَاطًا،

  57. وَلَوْ كَانَ رُكْنًا حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ،

  58. فَإِذَا كَانَ شَبِيهًا بِهِ كُرِهَ قَبْلَهَا لِشَبَهِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ، فَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْوَجْهِ وَلِشَبَهِ الرُّكْنِ لَمْ يَجُزْ لِفَائِتِ الْحَجِّ، اسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ لِيَقْضِيَ بِهِ مِنْ قَابِلٍ

  59. (قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ) أَوْ فِي نَفْسِ الْمَوَاقِيتِ (فَوَقْتُهُ الْحِلُّ) مَعْلُومٌ إذَا كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ الَّذِي هُوَ الْحِلُّ، أَمَّا إذَا كَانَ سَاكِنًا فِي أَرْضِ الْحَرَمِ فَمِيقَاتُهُ كَمِيقَاتِ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُوَ الْحَرَمُ فِي الْحَجِّ وَالْحِلُّ فِي الْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ أَصْحَابَهُ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه

  60. (بَابُ الْإِحْرَامِ)

  61. (وَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ»

  62. عَنْهُ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إذَا تَوَجَّهْنَا إلَى مِنًى. قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ»

  63. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «قَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ» .

  64. (بَابُ الْإِحْرَامِ)

  65. حَقِيقَتُهُ الدُّخُولُ فِي الْحُرْمَةِ وَالْمُرَادُ الدُّخُولُ فِي حُرُمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ: أَيْ الْتِزَامُهَا، وَالْتِزَامُهَا شَرْطُ الْحَجِّ شَرْعًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ثُبُوتُهُ شَرْعًا إلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ الذِّكْرِ أَوْ الْخُصُوصِيَّةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي،

  66. وَإِذَا تَمَّ الْإِحْرَامُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِعَمَلِ النُّسُكِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ.

  67. وَإِنْ أَفْسَدَهُ إلَّا فِي الْفَوَاتِ فَبِعَمَلِ الْعُمْرَةِ وَإِلَّا الْإِحْصَارُ فَبِذَبْحِ الْهَدْيِ،

  68. ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا،

  69. فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَلَى ظَنِّ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَجَّ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنْ لَا حَجَّ عَلَيْهِ يَمْضِي فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ،

  70. فَإِنْ أَبْطَلَهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فَسْخُ الْإِحْرَامِ أَبَدًا إلَّا بِالدَّمِ وَالْقَضَاءِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْمُضِيِّ مُطْلَقًا،

  71. بِخِلَافِ الْمَظْنُونِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا سَلَفَ (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ إلَخْ) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

  72. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إنَّمَا حَسَّنَهُ وَلَمْ يُصَحِّحْهُ لِلِاخْتِلَافِ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَدَنِيُّ أَجْهَدْت نَفْسِي فِي مَعْرِفَتِهِ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا ذَكَرَهُ اهـ لَكِنَّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ لِلْحَدِيثِ فَرْعُ مَعْرِفَتِهِ وَعَيْنَهُ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ «اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى بِهِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ» وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

  73. يَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ مِمَّنْ جَمَعَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ حَدِيثَهُ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ» وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِهِمَا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَزَّارُ.

  74. وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ حُكْمُهُ الرَّفْعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ إنْ كَانَ مُسَافِرًا بِهَا أَوْ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ دَارِهِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ ارْتِفَاقٌ لَهُ أَوْ لَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَسْنَدَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ رضي الله عنها

  75. إلَّا أَنَّهُ لِلتَّنْظِيفِ حَتَّى تُؤْمَرَ بِهِ الْحَائِضُ،

  76. وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فَرْضًا عَنْهَا فَيَقُومَ الْوُضُوءُ مَقَامَهُ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، لَكِنَّ الْغُسْلَ أَفْضَلُ لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَافَةِ فِيهِ أَتَمُّ، وَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اخْتَارَهُ. قَالَ (وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ إزَارًا وَرِدَاءً) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام ائْتَزَرَ وَارْتَدَى عِنْدَ إحْرَامِهِ، وَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَذَلِكَ فِيمَا عَيَّنَّاهُ، وَالْجَدِيدُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الطَّهَارَةِ.

  77. قَالَ (وَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ لَهُ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله : أَنَّهُ يُكْرَهُ إذَا تَطَيَّبَ بِمَا تَبْقَى عَيْنُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّهُ مُنْتَفِعٌ بِالطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ

  78. قَالَتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَطُوفُ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا» وَرَوَاهُ مَرَّةً «طَيَّبْتُ فَطَافَ ثُمَّ أَصْبَحَ» بِصِيغَةِ الْمَاضِي (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ لِلتَّنْظِيفِ حَتَّى تُؤْمَرَ بِهِ الْحَائِضُ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ «فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما فَأَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟

  79. فَقَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» وَنَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَلَفْظُهَا «نَفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما بِالشَّجَرَةِ» وَهُوَ شَاهِدٌ لِمَطْلُوبِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْحَائِضِ بِالدَّلَالَةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ أَوْ النِّفَاسُ أَقْوَى مِنْ الْحَيْضِ لِامْتِدَادِهِ وَكَثْرَةِ دَمِهِ، فَفِي الْحَيْضِ أَوْلَى.

  80. وَفِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «إنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ» وَإِذَا كَانَ لِلنَّظَافَةِ وَإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ لَا يُعْتَبَرُ التَّيَمُّمُ بَدَلَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ.

  81. وَيُسْتَحَبُّ كَمَالُ التَّنْظِيفِ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ قَصِّ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطَيْنِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَجِمَاعِ أَهْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ إلَخْ) وَهَذَا هُوَ السُّنَّةُ، وَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ السَّاتِرُ جَائِزٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام ائْتَزَرَ) فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ إلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَاكِبَ رَاحِلَتِهِ حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ» الْحَدِيثَ.

  82. وَائْتَزَرَ بِهَمْزَتَيْنِ أُولَاهُمَا هَمْزَةُ وَصْلٍ وَوَضْعُ تَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكَانَ الثَّانِيَةِ خَطَأٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ)

  83. وَكَذَا قَوْلُ زُفَرَ (قَوْلُهُ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ)

  84. وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ حَدِيثُ «عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ»

  85. فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُلَبِّي» وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا قَالَتْ «كَانَ عليه الصلاة والسلام إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبَ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أَرَى وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ» وَلِلْآخَرِينَ مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَقَالَ لَهُ عليه الصلاة والسلام : أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» وَعَنْ هَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ حِلَّ الطِّيبِ كَانَ خَاصًّا بِهِ عليه الصلاة والسلام لِأَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَنَعَ غَيْرَهُ.

  86. وَدُفِعَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِلرَّجُلِ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ لِحُرْمَةِ التَّطَيُّبِ، وَيَحْتَمِلُ كَوْنُهُ لِخُصُوصِ ذَلِكَ الطِّيبِ، بِأَنْ كَانَ فِيهِ خَلُوقٌ،

  87. فَلَا يُفِيدُ مَنْعُهُ الْخُصُوصِيَّةَ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ " وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ " وَقَدْ نَهَى عَنْ التَّزَعْفُرِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ التَّزَعْفُرِ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ» وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْقَطَّانِ صَحَّحَهُ، لِأَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَقْوَى خُصُوصًا، وَهُوَ مَانِعٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُبِيحِ.

  88. وَحِينَئِذٍ فَالْمَنْعُ مِنْ خُصُوصِ الطِّيبِ الَّذِي بِهِ فِي قَوْلِهِ " أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِك " إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ مُطْلَقًا لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ عَنْ كُلِّ طِيبٍ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا فِي الْحَدِيثِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ «قَالَ لَهُ: اخْلَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ هَذَا الزَّعْفَرَانَ» وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْخُصُوصِيَّةِ مَا فِي أَبِي دَاوُد «عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا» وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي عَامِ الْجِعْرَانَةِ وَهُوَ سَنَةُ ثَمَانٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ.

  89. وَرُئِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مُحْرِمًا وَعَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الرُّبِّ مِنْ الْغَالِيَةِ. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ: رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ مُحْرِمًا وَفِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عَنْ الطِّيبِ مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ أَعَدَّ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم . قَالَ الْحَازِمِيُّ: وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ارْجِعْ فَاغْسِلْهُ،

  90. فَإِنَّ عُمَرَ رضي الله عنه لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَإِلَّا لَرَجَعَ إلَيْهِ، وَإِذَا

  91. وَالْمَمْنُوعُ عَنْهُ التَّطَيُّبُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَالْبَاقِي كَالتَّابِعِ لَهُ لِاتِّصَالِهِ بِهِ،

  92. بِخِلَافِ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ مُبَايِنٌ عَنْهُ.

  93. قَالَ (وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إحْرَامِهِ قَالَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي» ) لِأَنَّ أَدَاءَهَا فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَأَمَاكِنَ مُتَبَايِنَةٍ فَلَا يُعَرَّى عَنْ الْمَشَقَّةِ عَادَةً فَيَسْأَلُ التَّيْسِيرَ، وَفِي الصَّلَاةِ لَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا الدُّعَاءِ لِأَنَّ مُدَّتَهَا يَسِيرَةٌ وَأَدَاءَهَا عَادَةً مُتَيَسِّرٌ.

  94. قَالَ (ثُمَّ يُلَبِّي عَقِيبَ صَلَاتِهِ)

  95. لَمْ يَبْلُغْهُ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ثُبُوتِهَا أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ.

  96. وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَزَادَ فِيهِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» وَلِلِاخْتِلَافِ اسْتَحَبُّوا أَنْ يُذِيبَ جِرْمَ الْمِسْكِ إذَا تَطَيَّبَ بِهِ بِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ وَالْمَمْنُوعُ مِنْهُ التَّطَيُّبُ) لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ وَلَمْ يَتَطَيَّبْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَكِنْ هُمْ يَقُولُونَ هَذَا الْمَمْنُوعُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ.

  97. وَهُنَاكَ مَنْعٌ آخَرُ قَبْلَهُ عَنْ التَّطَيُّبِ بِمَا يَبْقَى عَيْنُهُ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ: مَنْعُ ثُبُوتِ هَذَا الْمَنْعِ،

  98. فَإِنْ قِسْتُمْ عَلَى الثَّوْبِ فَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ وُرُودِهِ بِهِ فِي الْبَدَنِ وَلَمْ يَرِدْ فِي الثَّوْبِ فَعَقَلْنَا أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي الْبَدَنِ تَابِعًا، وَالْمُتَّصِلُ فِي الثَّوْبِ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ فَلَمْ يُعْتَبَرْ تَبَعًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اسْتِنَانِ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ حُصُولُ الِارْتِفَاقِ بِهِ حَالَةَ الْمَنْعِ مِنْهُ عَلَى مِثَالِ السَّحُورِ لِلصَّوْمِ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يَحْصُلُ بِمَا فِي الْبَدَنِ، فَيُغْنِي عَنْ تَجْوِيزِهِ فِي الثَّوْبِ إذْ لَمْ يَقْصِدْ كَمَالَ الِارْتِفَاقِ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ الْحَاجَّ الشَّعِثُ التَّفِلُ وَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ فِي الثَّوْبِ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِمَا

  99. (قَوْلُهُ لِمَا رَوَى جَابِرٌ الْمَعْرُوفُ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ» ) وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا. لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «كَانَ عليه الصلاة والسلام يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ» .

  100. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا، فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَتُجْزِئُ الْمَكْتُوبَةُ عَنْهُمَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَعَنْ أَنَسٍ

  101. لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام لَبَّى فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ» .

  102. وَإِنْ لَبَّى بَعْدَمَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ جَازَ، وَلَكِنْ الْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِمَا رَوَيْنَا

  103. - رضي الله عنه : «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ» (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ) أَيْ التَّلْبِيَةُ دُبُرَ الصَّلَاةِ (لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَبَّى فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ» اعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي إهْلَالِهِ عليه الصلاة والسلام ، وَرِوَايَاتٌ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَبَّى بَعْدَمَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ» أَكْثَرُ وَأَصَحُّ.

  104. فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «كَانَ عليه الصلاة والسلام إذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا «عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ» مُخْتَصَرًا.

  105. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ»

  106. وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ «ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» فَهَذِهِ تُفِيدُ مَا سَمِعْت.

  107. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ حَدَّثَنَا خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ رَوَاهُ غَيْرُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ. قَالَ فِي الْإِمَامِ.

  108. وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ أَخْرَجَ لَهُ الشَّيْخَانِ وَخُصَيْفٌ.

  109. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ: كَانَ فَقِيهًا صَالِحًا إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخْطِئُ كَثِيرًا. وَالْإِنْصَافُ فِيهِ قَبُولُ مَا وَافَقَ فِيهِ الْإِثْبَاتَ، وَتَرَكَ مَا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي إدْخَالِهِ فِي الثِّقَاتِ، وَلِذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَتَرَكَهُ آخَرُونَ.

  110. وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْحَدِيثَ حَسَنٌ،

  111. فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ وَإِلَّا تَرَجَّحَ مَا قَبْلَهُ، وَقَدْ أَمْكَنَ بَلْ وَقَعَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ خُصَيْفٍ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إهْلَالِهِ حِينَ أَوْجَبَ، فَقَالَ إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا. خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظْتُهُ عَنْهُ ثُمَّ رَكِبَ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ أَقْوَامٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعْنَاهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، ثُمَّ مَضَى عليه الصلاة والسلام فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ أَقْوَامٌ فَقَالُوا: إنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَاَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَوْجَبَ فِي مُصَلَّاهُ وَأَهَلَّ

  112. (فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ يَنْوِي بِتَلْبِيَتِهِ الْحَجَّ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ (وَالتَّلْبِيَةُ أَنْ يَقُولَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك) وَقَوْلُهُ إنَّ الْحَمْدَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ لَا بِفَتْحِهَا لِيَكُونَ ابْتِدَاءً لَا بِنَاءً

  113. حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ اهـ.

  114. وَأَنْتَ عَلِمْتَ مَا فِي ابْنِ إِسْحَاقَ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ، وَصَحَّحْنَا تَوْثِيقَهُ، وَمَا فِي خُصَيْفٍ آنِفًا وَإِنَّمَا جَعَلَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ مُسْلِمًا قَدْ يَخْرُجُ عَمَّنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ غَوَائِلِ الْجُرْحِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَدِيثَ حَسَنٌ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَبِهِ يَقَعُ الْجَمْعُ وَيَزُولُ الْإِشْكَالُ

  115. (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا نَوَى بِتَلْبِيَتِهِ الْحَجَّ) أَيْ إنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ نَوَاهُ، لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطُ الْعِبَادَاتِ،

  116. وَإِنْ ذَكَرَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: نَوَيْت الْحَجَّ وَأَحْرَمْت بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَبَّيْكَ إلَخْ فَحَسَنٌ لِيَجْتَمِعَ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ، وَعَلَى قِيَاسِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَحْسُنُ إذَا لَمْ تَجْتَمِعْ عَزِيمَتُهُ،

  117. فَإِنْ اجْتَمَعَتْ فَلَا، وَلَمْ نَعْلَمْ الرُّوَاةَ لِنُسُكِهِ عليه الصلاة والسلام فَصْلًا فَصْلًا قَطُّ رَوَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ عليه الصلاة والسلام يَقُولُ: «نَوَيْتُ الْعُمْرَةَ وَلَا الْحَجَّ» (قَوْلُهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لَا بِفَتْحِهَا) يَعْنِي فِي الْوَجْهِ الْأَوْجَهِ،

  118. وَأَمَّا فِي الْجَوَازِ فَيَجُوزُ وَالْكَسْرُ عَلَى اسْتِئْنَافِ الثَّنَاءِ وَتَكُونُ التَّلْبِيَةُ لِلذَّاتِ، وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلتَّلْبِيَةِ أَيْ لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ،

  119. وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْإِجَابَةِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا بِالذَّاتِ أَوْلَى مِنْهُ بِاعْتِبَارِ صِفَةٍ.

  120. هَذَا وَإِنْ كَانَ اسْتِئْنَافُ الثَّنَاءِ لَا يَتَعَيَّنُ مَعَ الْكَسْرِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيلًا مُسْتَأْنَفًا كَمَا فِي قَوْلِك عَلِّمْ ابْنَك الْعِلْمَ إنَّ الْعِلْمَ نَافِعُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ لَكِنْ لَمَّا جَازَ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَوْلَوِيَّتِهِ

  121. بِخِلَافِ الْفَتْحِ لَيْسَ فِيهِ سِوَى أَنَّهُ تَعْلِيلٌ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إنَّهُ صِفَةُ الْأُولَى يُرِيدُ مُتَعَلِّقًا بِهِ. وَالْكَلَامُ فِي مَوَاضِعَ.

  122. الْأَوَّلُ: لَفْظُ لَبَّيْكَ وَمَعْنَاهَا لَفْظُهَا مَصْدَرٌ مُثَنَّى تَثْنِيَةً يُرَادُ بِهَا التَّكْثِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أَيْ كَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَهُوَ مَلْزُومُ النَّصْبِ كَمَا تَرَى وَالْإِضَافَةُ وَالنَّاصِبُ لَهُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ تَقْدِيرُهُ أَجَبْتُك إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَكَأَنَّهُ مِنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ إذَا أَقَامَ بِهِ، وَيُعْرَفُ بِهَذَا مَعْنَاهَا فَتَكُونُ مَصْدَرًا مَحْذُوفَ الزَّوَائِدِ، وَالْقِيَاسِيُّ مِنْهُ إلْبَابٌ وَمُفْرَدُ لَبَّيْكَ لَبٌّ.

  123. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ لَبٌّ عَلَى أَنَّهُ مُفْرَدُ لَبَّيْكَ،

  124. إذْ الْفَتْحَةُ صِفَةُ الْأُولَى، وَهُوَ إجَابَةٌ لِدُعَاءِ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْقِصَّةِ (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ)

  125. غَيْرَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِيهَا.

  126. وَقِيلَ: لَيْسَ هُنَا إضَافَةٌ وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ النُّونُ لِشِبْهِ الْإِضَافَةِ.

  127. وَقِيلَ: مُضَافٌ إلَّا أَنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ وَأَصْلُهُ لَبَّى قُلِبَتْ أَلِفُهُ يَاءً لِلْإِضَافَةِ إلَى الضَّمِيرِ كَأَلِفِ عَلَيْك الَّذِي هُوَ اسْمُ فِعْلٍ، وَأَلِفِ لَدَى فَرَدَّهُ سِيبَوَيْهِ، بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

  128. دَعَوْت لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا … فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ

  129. حَيْثُ ثَبَتَتْ الْيَاءُ مَعَ كَوْنِ الْإِضَافَةِ إلَى ظَاهِرٍ. الثَّانِي: أَنَّهَا إجَابَةٌ فَقِيلَ لِدُعَاءِ الْخَلِيلِ عَلَى مَا أَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ قَابُوسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ «لَمَّا فَرَغَ إبْرَاهِيمُ عليه الصلاة والسلام مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قَالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ. فَقَالَ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ. قَالَ: رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. قَالَ: رَبِّ كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ، حَجُّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ»

  130. وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ،

  131. لِأَنَّهُ هُوَ الْمَنْقُولُ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ فَلَا يَنْقُصُ عَنْهُ (وَلَوْ زَادَ فِيهَا جَازَ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ رحمه الله عَنْهُ. هُوَ اعْتَبَرَهُ بِالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ذِكْرٌ مَنْظُومٌ. وَلَنَا أَنَّ أَجِلَّاءَ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - زَادُوا عَلَى الْمَأْثُورِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّنَاءُ، وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ

  132. وَأَخْرَجَهُ غَيْرُهُ بِأَلْفَاظٍ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ. وَأَخْرَجَ الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: «لَمَّا أُمِرَ إبْرَاهِيمُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ قَامَ عَلَى الْمَقَامِ فَارْتَفَعَ الْمَقَامَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى مَا تَحْتَهُ» الْحَدِيثَ.

  133. وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ «قَامَ إبْرَاهِيمُ عليه السلام عَلَى هَذَا الْمَقَامِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَقَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. قَالَ: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ الْيَوْمَ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ إبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ» (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَنْقُولُ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ) قِيلَ: لَا اتِّفَاقَ بَيْنَهُمْ. فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ التَّلْبِيَةِ عَنْ «عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ إنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَلَمْ تَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ» وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ.

  134. وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ فَهُوَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَزِيدُ فِيهَا لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ " (قَوْلُهُ أَنَّ أَجِلَّاءَ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ إلَخْ) ذَكَرْنَا زِيَادَةَ ابْنِ عُمَرَ آنِفًا وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ أَيْضًا.

  135. وَزِيَادَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ وَفِي آخِرِهِ وَزَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي تَلْبِيَتِهِ " فَقَالَ: لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ " وَمَا سَمِعْته قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ، وَزِيَادَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْهُ قَالَ «كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ : لَبَّيْكَ إلَهَ الْخَلْقِ لَبَّيْكَ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.

  136. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ " سَمِعْت الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ " وَأَسْنَدَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُظْهِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ» وَسَاقَ الْمَشْهُورَ.

  137. قَالَ «حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُوَ فِيهِ فَزَادَ فِيهَا لَبَّيْكَ، إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحَسِبْت أَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُمْ زَادُوا بِمَسْمَعٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا.

  138. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ قَالَ «أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ تَلْبِيَتَهُ الْمَشْهُورَةَ وَقَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنْ الْكَلَامِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ فَلَا

  139. عَلَيْهِ. قَالَ (وَإِذَا لَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ) يَعْنِي إذَا نَوَى لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا لِتَقْدِيمِ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا فِي قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ (وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْإِحْرَامِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مَا لَمْ يَأْتِ بِالتَّلْبِيَةِ)

  140. يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا»

  141. فَقَدْ صَرَّحَ بِتَقْرِيرِهِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ،

  142. بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ يَتَقَيَّدُ فِيهَا بِالْوَارِدِ لِأَنَّهَا لَمْ تُجْعَلْ شَرْعًا كَحَالَةِ عَدَمِهَا، وَلِذَا قُلْنَا يُكْرَهُ تَكْرَارُهُ بِعَيْنِهِ حَتَّى إذَا كَانَ التَّشَهُّدُ الثَّانِي قُلْنَا لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ بِالْمَأْثُورِ لِأَنَّهُ أُطْلِقَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ نَظَرًا إلَى فَرَاغِ أَعْمَالِهَا (قَوْلُهُ وَإِذَا لَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ) لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومُهُ الْمُخَالِفِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْقَاعِدَةُ مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي رِوَايَةِ الْفِقْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِكُلِّ ثَنَاءٍ وَتَسْبِيحٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّلْبِيَةَ وَلَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ.

  143. وَالْفَرْقُ لَهُمَا بَيْنَ افْتِتَاحِ الْإِحْرَامِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ، وَالْأَخْرَسُ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ مَعَ النِّيَّةِ، وَفِي الْمُحِيطِ: تَحْرِيكُ لِسَانِهِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَنَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ.

  144. وَأَمَّا فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ،

  145. وَالْأَصَحُّ لَا يَلْزَمُهُ التَّحْرِيكُ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا لِتَقَدُّمِ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا فِي قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ) قَدْ يُقَالُ: لَا حَاجَةَ إلَى اسْتِنْبَاطِ هَذِهِ الْإِشَارَةِ الْخَفِيَّةِ بَلْ قَدْ ذَكَرَهَا نَصًّا،

اعرض ٢٬٤٤٢ مسألة أخرى
المالكية
كتاب آخر
الرسالةابن أبي زيد القيرواني، ٣٦ مسألة
  1. وحج بيت الله الحرام الذي ببكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا من المسلمين الأحرار البالغين مرة في عمره والسبيل الطريق السابلة والزاد المبلغ إلى مكة والقوة على الوصول إلى مكة إما راكبا أو راجلا مع صحة البدن

  2. وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات وميقات أهل الشأم ومصر والمغرب الجحفة

  3. فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة وميقات أهل العراق ذات عرق وأهل اليمن يلملم وأهل نجد من قرن

  4. ومن مر من هولاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه إلى ميقات له

  5. ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وينوي ما أراد من حج أو عمرة ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم ويتجرد من مخيط الثياب

  6. ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة

  7. ولا يزال يلبي دبر الصلوات وعند كل شرف وعند ملاقاة الرفاق وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك

  8. فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها

  9. ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة

  10. وإذا خرج خرج من كدى

  11. وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج قال

  12. فإذا دخل مكة فليدخل المسجد الحرام ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف ثلاثة خببا ثم أربعة مشيا ويستلم كلما مر به كما ذكرنا ويكبر

  13. ولا يستلم الركن اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل

  14. فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين ثم استلم الحجر إن قدر ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء ثم يسعى إلى المروة ويخب في بطن المسيل

  15. فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء ثم يسعى إلى الصفا يفعل ذلك سبع مرات فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفات

  16. ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس ثم يدفع بدفعه إلى المزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح ثم يقف معه بالمشعر الحرام يومئذ بها ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى ويحرك دابته ببطن

  17. محسر فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف ويكبر مع كل حصاة ثم ينحر إن كان معه هدي ثم يحلق ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا ويركع ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام

  18. فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية

  19. ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف

  20. فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه

  21. وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف

  22. فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته والحلاق أفضل في الحج والعمرة والتقصير يجزئ وليقصر من جميع شعره وسنة المرأة التقصير

  23. ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة والحية والعقرب وشبهها والكلب العقور وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية فقط ويجتنب في حجه وعمرته النساء والطيب ومخيط الثياب والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث

  24. ولا يغطي رأسه في الإحرام

  25. ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل وإحرام المرأة في وجهها وكفيها وإحرام الرجل في وجهه ورأسه

  26. ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران

  27. فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة

  28. فعليه هدي يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه بعرفة

  29. وإن لم يوقفه بعرفة فلينحر بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل

  30. فإن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة

  31. فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع وصفة التمتع أن يحرم بعمرة ثم يحل منها في أشهر الحج ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها

  32. ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معا ويبدأ بالعمرة في نيته

  33. وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن وليس على أهل مكة هدي في تمتع

  34. ولا قران ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع

  35. ومن أصاب صيدا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين ومحله منى إن وقف به بعرفة وإلا فمكة ويدخل به من الحل وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما فيتصدق به أو عدل ذلك صياما أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر

  36. ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده

الشافعية
كتاب آخر
منهاج الطالبينالنووي، ٣٢٢ مسألة
كتاب الحج٤٠ مسألة
  1. هو فرض

  2. وكذا العمرة في الأظهر

  3. وشرط صحته الإسلام

  4. فللويّ أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز والمجنون

  5. وإنما تصح مباشرته من المسلم المميز

  6. وإنما يقع عن حجة الإسلام بالمباشرة إذا باشره المكلف الحر

  7. فيجزىء حج الفقير دون الصبي والعبد

  8. وشرط وجوبه الإسلام والتكليف والحرية والاستطاعة

  9. وهي نوعان أحدهما: استطاعة مباشرة ولها شروط.

  10. أحدها: وجود الزاد وأوعيته ومؤنة ذهابه وإيابه

  11. وقيل: إن لم يكن له ببلده أهل وعشيرة لم تشترط نفقة الإياب

  12. فلو كان يكتسب كل يوم ما يفي بزاده وسفره طويل لم يكلف الحج

  13. وإن قصر وهو يكتسب في يوم كفاية أيام كلف.

  14. الثاني: وجود الراحلة لمن بينه وبين مكة مرحلتان

  15. فإن لحقته بالراحلة مشقة شديدة اشترط وجود محمل

  16. واشترط شريك يجلس في الشق الآخر

  17. ومن بينه وبينها دون مرحلتين وهو قوي على المشي يلزمه الحج

  18. فإن ضعف فكالبعيد

  19. ويشترط كون الزاد والراحلة فاضلين عن دينه ومؤنة من عليه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه

  20. والأصح اشتراط كونه فاضلا عن مسكنه وعبد يحتاج إليه لخدمته

  21. وأنه يلزمه صرف مال تجارته إليهما.

  22. الثالث: أمن الطريق

  23. فلو خاف على نفسه أو ماله سبعا أو عدوا أو رصديا ولا طريق سواه لم يجب الحج

  24. والأظهر وجوب ركوب البحر إن غلبت السلامة

  25. وأنه يلزمه أجرة البذرقة

  26. ويشترط وجود الماء والزاد في المواضع المعتاد حمله منها بثمن المثل وهو القدر اللائق به في ذلك الزمان والمكان

  27. وعلف الدابة في كل مرحلة

  28. وفي المرأة أن يخرج معها زوج أو محرم أو نسوة ثقات

  29. والأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن

  30. وأنه يلزمها أجرة المحرم إذا لم يخرج إلا بها.

  31. الرابع: أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة

  32. وعلى الأعمى الحج إن وجد قائدا وهو كالمحرم في حق المرأة

  33. والمحجور عليه لسفه كغيره لكن لا يدفع المال إليه بل يخرج معه الولي أو ينصب شخصا له.

  34. النوع الثاني: استطاعة تحصيله بغيره

  35. فمن مات وفي ذمته حج وجب الإحجاج عنه من تركته

  36. والمعضوب العاجز عن الحج بنفسه إن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة المثل لزمه

  37. ويشترط كونها فاضلة عن الحاجات المذكورة فيمن حج بنفسه لكن لا يشترط نفقة العيال ذهابا وإيابا

  38. ولو بذل ولده أو أجنبي مالا للأجرة لم يجب قبوله في الأصح

  39. ولو بذل الولد الطاعة وجب قبوله

  40. وكذا الأجنبي في الأصح.

  1. وقت إحرام الحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة

  2. وفي ليلة النحر وجه

  3. فلو أحرم به في غير وقته انعقد عمرة على الصحيح

  4. وجميع السنة وقت لإحرام العمرة

  5. والميقات المكاني للحج في حق من بمكة نفس مكة

  6. وقيل: كل الحرم

  7. وأما غيره فميقات المتوجه من المدينة ذو الحليفة

  8. ومن الشام ومصر والمغرب الجحفة

  9. ومن تهامة اليمن يلملم

  10. ومن نجد الحجاز قرن

  11. ومن المشرق ذات عرق

  12. والأفضل أن يحرم من أول الميقات

  13. ويجوز من آخره

  14. ومن سلك طريقا لا ينتهي إلى ميقات فإن حاذى ميقاتا أحرم من محاذاته

  15. أو ميقاتين فالأصح أنه يحرم من محاذاة أبعدهما

  16. وإن لم يحاذ أحرم على مرحلتين من مكة

  17. ومن مسكنه بين مكة والميقات فميقاته مسكنه

  18. ومن بلغ ميقاتا غيرت مريد نسكا ثم أراده فميقاته موضعه

  19. وإن بلغه مريدا لم تجز مجاوزته بغير إحرام

  20. فإن فعل لزمه العود ليحرم منه إلا إذا ضاق الوقت أو كان الطريق مخوفا

  21. فإن لم يعد لزمه دام

  22. وإن أحرم ثم عاد فالأصح أنه إن عاد قبل تلبسه بنسك سقط الدم وإلا فلا

  23. والأفضل أن يحرم من دويرة أهله

  24. وفي قول من الميقات

  25. قلت: الميقات أظهر وهو الموافق للأحاديث الصحيحة والله أعلم

  26. وميقات العمرة لمن هو خارج الحرم ميقات الحج

  27. ومن بالحرم يلزمه الخروج إلى أدنى الحل ولو بخطوة

  28. فإن لم يخرج وأتى بأفعال العمرة أجزأته في الأظهر وعليه دم

  29. فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه سقط الدم على المذهب

  30. وأفضل بقاع الحل الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية.

باب الإحرام٣٨ مسألة
  1. ينعقد معينا بأن ينوي حجا أو عمرة أو كليهما

  2. ومطلقا بأن لا يزيد على نفس الإحرام

  3. والتعيين أفضل

  4. وفي قول الإطلاق

  5. فإن أحرم مطلقا في أشهر الحج صرفه بالنية إلى ما شاء من النسكين أو إليهما ثم اشتغل بالأعمال

  6. وإن أطلق في غير أشهره فالأصح انعقاده عمرة فلا يصرفه إلى الحج في أشهره

  7. وله أن يحرم كإحرام زيد

  8. فإن لم يكن زيد محرما انعقد إحرامه مطلقا

  9. وقيل: إن علم عدم إحرام زيد لم ينعقد

  10. وإن كان زيد محرما انعقد إحرامه كإحرامه

  11. فإن تعذر معرفة إحرامه بموته جعل نفسه قارنا وعمل أعمال النسكين.

  12. فصل

  13. المحرم ينوي ويلبي

  14. فإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه

  15. وإن نوى ولم يلب انعقد على الصحيح

  16. ويسن الغسل للإحرام

  17. فإن عجز تيمم

  18. ولدخول مكة

  19. وللوقوف بعرفة

  20. وبمزدلفة غداة النحر

  21. وفي أيام التشريق للرمي

  22. وأن يطيب بدنه للإحرام

  23. وكذا ثوبه في الأصح

  24. ولا بأس باستدامته بعد الإحرام

  25. ولا بطيب له جرم

  26. لكن لو نزع ثوبه المطيب ثم لبسه لزمه الفدية في الأصح

  27. وأن تخضب المرأة للإحرام يديها

  28. ويتجرد الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب

  29. ويلبس إزارا ورداء أبيضين ونعلين

  30. ويصلي ركعتين

  31. ثم الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته أو توجه لطريقه ماشيا

  32. وفي قول يحرم عقب الصلاة

  33. ويستحب إكثار التلبية ورفع صوته بها في دوام إحرامه

  34. وخاصة عند تغاير الأحول كركوب ونزول وصعود وهبوط واختلاط رفقة

  35. ولا تستحب في طواف القدوم

  36. وفي القديم تستحب فيه بلا جهر

  37. ولفظها لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك

  38. وإذا رأى ما يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة

  39. وإذا فرغ من تلبيته صلى على النبي صلى الله عليه وسلم وسأل الله تعالى الجنة ورضوانه واستعاذ به من النار.

باب دخول مكة١٥١ مسألة
  1. الأفضل دخولها قبل الوقوف

  2. وأن يغتسل داخلها من طريق المدينة بذي طوى

  3. ويدخلها من مر ثنية كداء

  4. ويقول إذا أبصر البيت اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهامة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام

  5. ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة

  6. ويبتدىء بطواف القدوم

  7. ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف

  8. ومن قصد مكة لا لنسك استحب له أن يحرم بحج أو عمرة

  9. وفي قول يجب إلا أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد.

  10. فصل

  11. للطواف بأنواعه واجبات وسنن

  12. أما الواجبات: فيشترط ستر العورة وطهارة الحدث والنجس

  13. فلو أحدث فيه توضأ وبنى

  14. وفي قول يستأنف

  15. وأن يجعل البيت عن يساره مبتدئا بالحجر الأسود محاذيا له في مروره بجميع بدنه

  16. فلو بدأ بغير الحجر لم يحسب فإذا انتهى إليه ابتدأ منه

  17. ولو مشى على الشاذروان أو مس الجدرا في موازاته أو دخل من إحدى فتحتي الحجر وخرج من الأخرى لم تصح طوفته

  18. وفي مسألة المس وجه

  19. وأن يطوف سبعا داخل المسجد.

  20. وأما السنن: فأن يطوف ماشيا

  21. ويستلم الحجر أول طوافه ويقبله ويضع جبهته عليه

  22. فإن عجز استلم فإن عجز أشار بيده

  23. ويراعي ذلك في كل طوفة

  24. ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمهما

  25. ويستلم اليماني ولا يقبله

  26. وأن يقول أول طوافه بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم

  27. وليقل قبالة الباب اللهم إن البيت بيتك والحرم حرمك والأمن أمنك وهذا مقام العائذ بك من النار

  28. وبين اليمانيين اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

  29. وليدع بما شاء

  30. ومأثور الدعاء أفضل من القراءة وهي أفضل من غير مأثوره

  31. وأن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى بأن يسرع مشيه مقاربا خطاه ويمشي في الباقي

  32. ويختص الرمل بطواف يعقبه سعي

  33. وفي قول بطواف القدوم

  34. وليقل فيه اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا

  35. وأن يضطبع في جميع كل طواف يرمل فيه

  36. وكذا في السعي على الصحيح

  37. وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على الأيسر

  38. ولا ترمل المرأة ولا تضطبع

  39. وأن يقرب من البيت

  40. فلو فات الرمل بالقرب لزحمة فالرمل مع بعد أولى إلا أن يخاف صدم النساء فالقرب بلا رمل أولى

  41. وأن يوالي طوافه

  42. ويصلي بعده ركعتين خلف المقام يقرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص

  43. ويجهر ليلا

  44. وفي قول تجب الموالاة والصلاة

  45. ولو حمل الحلال محرما وطاف به حسب للمحمول

  46. وكذا لو حمله محرم قد طاف عن نفسه

  47. وإلا فالأصح أنه إن قصده للمحمول فله وإن قصده لنفسه أولهما فللحامل فقط.

  48. فصل

  49. يستلم الحجر بعد الطواف وصلاته ثم يخرج من باب الصف للسعي

  50. وشرطه أن يبدأ بالصفا

  51. وأن يسعى سبعا ذهابه من الصفا إلى المروة مرة وعوده منها إليه أخرى

  52. وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة

  53. ومن سعى بعد قدوم لم يعده

  54. ويستحب أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة

  55. فإذا رقى قال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ثم يدعو بما شاء دينا ودنيا.

  56. قلت: ويعيد الذكر والدعاء ثانيا وثالثا، والله أعلم.

  57. وأن يمشي أول المسعى وآخره ويدعو في الوسط وموضع النوعين معروف.

  58. فصل

  59. يستحب للإمام أو منصوبه أن يخطب بمكة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبة فردة يأمر فيها بالغدو إلى منى ويعلمهم ما أمامهم من المناسك

  60. ويخرج بهم من الغد إلى منى ويبيتون بها

  61. فإذا طلعت الشمس قصدوا عرفات.

  62. قلت: ولا يدخلونها بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى نزول الشمس والله أعلم

  63. ثم يخطب الإمام بعد الزوال خطبتين

  64. ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعا

  65. ويقفوا بعرفة إلى الغروب ويذكروا الله تعالى ويدعوه ويكثروا التهليل

  66. فإذا غربت الشمس قصدوا مزدلفة وأخروا المغرب ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمعا

  67. وواجب الوقوف حضوره بجزء من أرض عرفات وإن كان مارا في طلب آبق ونحوه

  68. بشرط كونه أهلا للعبادة لا مغمى عليه

  69. ولا بأس بالنوم

  70. ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة

  71. والصحيح بقاؤه إلى الفجر يوم النحر

  72. ولو وقف نهارا ثم فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد أراق دما استحبابا

  73. وفي قول يجب

  74. وإن عاد فكان بها عند الغروب فلا دم

  75. وكذا إن عاد ليلا في الأصح

  76. ولو وقفوا اليوم العاشر غلطا أجزأهم إلا أن يقلوا على خلاف العادة فيقضون في الأصح

  77. وإن وقفوا في الثامن وعلموا قبل فوات الوقت وجب الوقوف في الوقت

  78. وإن علموا بعده وجب القضاء في الأصح.

  79. فصل

  80. ويبيتون بمزدلفة

  81. ومن دفع منها بعد نصف الليل أو قبله وعاد قبل الفجر فلا شيء عليه

  82. ومن لم يكن بها في النصف الثاني أراق دما

  83. وفي وجوبه القولان

  84. ويسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منى

  85. ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغلسين ثم يدفعون إلى منى

  86. ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي

  87. فإذا بلغوا المشعر الحرام وقفوا ودعوا إلى الأسفار

  88. ثم يسيرون فيصلون منى بعد طلوع الشمس

  89. فيرمي كل شخص حينئذ سبع حصيات إلى جمرة العقبة

  90. ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي

  91. ويكبر مع كل حصاة

  92. ثم يذبح من معه هدى

  93. ثم يحلق أو يقصر

  94. والحلق أفضل

  95. وتقصر المرأة

  96. والحلق نسك على المشهور

  97. وأقله ثلاث شعرات حلقا أو تقصيرا أو نتفا أو إحراقا أو قصا

  98. ومن لا شعر برأسه يستحب إمرار الموصى عليه

  99. فإذا حلق أو قصر دخل مكة وطاف طواف الركن وسعى إن لم يكن سعى ثم يعود إلى منى

  100. وهذا الرمي والذبح والحلق والطواف يسن ترتيبها كما ذكرنا

  101. ويدخل وقتها بنصف ليلة النحر

  102. ويبقى وقت الرمي آخر يوم النحر

  103. ولا يختص الذبح بزمن.

  104. قلت: الصحيح اختصاصه بوقت الأضحية وسيأتي في آخر باب محرمات الإحرام على الصواب والله أعلم

  105. والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها

  106. وإذا قلنا الحلق نسك ففعل اثنين من الرمي والحلق والطواف حصل التحلل الأول وحل به اللبس والحلق والقلم

  107. وكذا الصيد وعقد النكاح في الأظهر.

  108. قلت: الأظهر لا يحل عقد النكاح، والله أعلم.

  109. وإذا فعل الثالث: حصل التحلل الثاني وحل به باقي المحرمات.

  110. فصل

  111. إذا عاد إلى منى بات بها ليلتي التشريق ورمى كل يوم إلى الجمرات الثلاث كل جمرة سبع حصيات

  112. فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النفر قبل غروب الشمس جاز وسقط مبيت الليلة الثالث: ة ورمى يومها

  113. فإن لم ينفر حتى غربت وجب مبيتها ورمى الغد

  114. ويدخل رمي التشريق بزوال الشمس ويخرج بغروبها

  115. وقيل: يبقى إلى الفجر

  116. ويشترط رمي السبع واحدة واحدة

  117. وترتيب الجمرات

  118. وكون المرمى حجرا

  119. وأن يسمى رميا فلا يكفي الوضع

  120. والسنة أن يرمي بقدر حصى الخزف

  121. ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى

  122. ولا كون الرامي خارجا عن الجمرة

  123. ومن عجز عن الرمي استناب

  124. وإذا ترك رمى يوم تداركه في باقي الأيام على الأظهر ولا دم

  125. وإلا فعليه دم

  126. والمذهب تكميل الدم في ثلاث حصيات رمي

  127. وإذا أراد الخروج من مكة طاف للوداع ولا يمكث بعده

  128. وهو واجب يجبر تركه بدم

  129. وفي قول سنة لا يجبر

  130. فإن أوجبناه فخرج بلا وداع فعاد قبل مسافة القصر سقط الدم

  131. أو بعدها فلا على الصحيح

  132. وللحائض النفر بلا وداع

  133. ويسن شرب ماء زمزم

  134. وزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الحج.

  135. فصل

  136. أركان الحج خمسة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي، والحلق، إذا جعلناه نسكا

  137. ولا تجبر

  138. وما سوى الوقوف أركان في العمرة أيضا

  139. ويؤدي النسكان على أوجه احدها: الإفراد بأن يحج ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي ويأتي بعملها

  140. الثاني: القرآن بأن يحرم بهما من الميقات ويعمل عمل الحج فيحصلان

  141. ولو أحرم بعمرة في أشهر الحج ثم بحج قبل الطواف كان قارنا

  142. ولا يجوز عكسه في الجديد

  143. الثالث: التمتع بأن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها ثم ينشئ حجا من مكة

  144. وأفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القرآن

  145. وفي قول التمتع أفضل من الإفراد

  146. وعلى المتمتع دم بشرط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام

  147. وحاضروه من دون مرحلتين من مكة.

  148. قلت: الأصح من الحرم، والله أعلم.

  149. وأن تقع عمرته في أشهر الحج من سنته

  150. وأن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات

  151. ووقت وجوب الدم إحرامه بالحج

  152. والأفضل ذبحه يوم النحر

  153. فإن عجز عنه في موضعه صام عشرة أيام ثلاثة في الحج تستحب قبل يوم عرفة وسبعة إذا رجح إلى أهله في الأظهر

  154. ويندب تتابع الثلاثة وكذا السبعة

  155. ولو فاتته الثلاثة في الحج فالأظهر أنه يلزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة

  156. وعلى القارن دم كدم التمتع.

  157. قلت: بشرط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. والله أعلم.

  1. أحدها: ستر بعض رأس الرجل بما يعد ساترا إلا لحاجة

  2. ولبس المخيط أو المنسوج أو المعقود في سائر بدنه إلا إذا لم يجد غيره

  3. ووجه المرأة كرأسه

  4. ولها لبس المخيط إلا القفاز في الأظهر.

  5. الثاني: استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه

  6. ودهن شعر الرأس أو للتحية

  7. ولا يكره غسل بدنه ورأسه بخطمي.

  8. الثالث: إزالة الشعر أو الظفر

  9. وتكمل الفدية في ثلاث شعرات أو ثلاث أظفار

  10. والأظهر أن في الشعرة مد طعام وفي الشعرتين مدين

  11. وللمعذور أن يحلق ويفدى.

  12. الرابع: الجماع

  13. وتفسد به العمرة وكذا الحج قبل التحلل الأول

  14. ويجب به بدنة والمضي في فاسده والقضاء وإن كان نسكه تطوعا

  15. والأصح أنه على الفور.

  16. الخامس: اصطياد كل مأكول يرى.

  17. قلت: وكذا المتولد منه ومن غيره والله أعلم

  18. ويحرم ذلك في الحرم على الحلال

  19. فإن أتلف صيدا ضمنه

  20. ففي النعامة بدنة

  21. وفي بقر الوحش وحماره بقرة

  22. والغزال عنز

  23. والأرنب عناق

  24. واليربوع جفرة

  25. وما لا نقل فيه يحكم بمثله عدلان

  26. وفيما لا مثل له القيمة

  27. ويحرم قطع نبات الحرم الذي لا يستنبت

  28. والأظهر تعلق الضمان به وبقطع أشجاره

  29. ففي الشجرة الكبيرة بقرة والصغيرة شاة.

  30. قلت: والمستنبت كغيره على المذهب

  31. ويحل الإذخر وكذا الشوك كالعوسج وغيره عند الجمهور

  32. والأصح حل أخذ نباته لعلف البهائم وللدواء والله أعلم

  33. وصيد المدينة حرام ولا يضمن في الجديد

  34. ويتخير في الصيد المثلى بين ذبح مثله والصدقة به على مساكين الحرم وبين أن يقوم المثلى دراهم ويشتري به طعاما لهم أو عن كل مد يوما

  35. وغير المثلى يتصدق بقيمته طعاما أو يصوم

  36. ويتخير في فدية الحلق بين ذبح شاة والتصدق بثلاثة آصع لستة مساكين وصوم ثلاثة أيام

  37. والأصح أن الدم في ترك المأمور كالإحرام من الميقات دم ترتيب فإذا عجز اشترى بقيمة الشاة طعاما وتصدق به فإن عجز صام عن كل مد يوما

  38. ودم الفوات كدم التمتع ويذبحه في حجة القضاء في الأصح

  39. والدم الواجب بفعل حرام أو ترك واجب لا يختص بزمان

  40. ويختص ذبحه بالحرم في الأظهر

  41. ويجب صرف لحمه إلى مساكينه

  42. وأفضل بقعة لذبح المعتمر المروة وللحاج منى

  43. وكذا حكم ما ساقه من هدى مكانا

  44. ووقته وقت الأضحية على الصحيح.

  45. من مقدمة المؤلفوالله أعلم.

  1. من أحصر تحلل

  2. وقيل: لا تتحلل الشرذمة

  3. ولا تحلل بالمرض

  4. فإن شرطه تحلل به على المشهور

  5. ومن تحلل ذبح شاة حيث أحصر.

  6. قلت: إنما يحصل التحلل بالذبح ونية التحلل

  7. وكذا الحلق إن جعلناه نسكا

  8. فإن فقد الدم فالأظهر أن له بدلا وأنه طعام بقيمة الشاة

  9. فإن عجز صام عن كل مد يوما

  10. وله التحلل في الحال في الأظهر والله أعلم

  11. وإذا أحرم العبد بلا إذن فلسيده تحليله

  12. وللزوج تحليلها من حج تطوع لم يأذن فيه

  13. وكذا من الفرض في الأظهر

  14. ولا قضاء على المحصر المتطوع

  15. فإن كان فرضا مستقرا بقي في ذمته

  16. أو غير مستقر اعتبرت الاستطاعة بعد

  17. ومن فاته الوقوف تحلل بطواف وسعي وحلق

  18. وفيهما قول

  19. وعليه دم والقضاء.

الحنابلة
كتاب آخر
عمدة الطالب لنيل المآربمنصور البهوتي، ١٢٠ مسألة
  1. يَجب الحجُّ والعمرةُ مرةً في العُمر، على مسلمٍ حرٍّ مكلفٍ مستطيعٍ بأن وَجَدَ زَادًا ومركوبًا صالحيَن لمثله بعدما يحتاجه لنفسهِ وعيالهِ وقضاءِ دَيْنه.

  2. ويصحُّ مِنْ صغيرٍ ولو دُون التمييز،

  3. وُيحْرِمُ عنة وليهُ، ومُمَيزٌ بإذنه ، ويفعل وليٌّ ما يُعجزه، ومِنْ رقيقٍ.

  4. وإنْ بَلَغَ أو عَتَقَ بعرفةَ ولم يكن سَعَى للحَجِّ أجزأ فرضًا.

  5. ومَنْ عَجَز لكبرٍ أو مرضٍ لا يُرجى برؤه ونحوه لَزِمَه أن يقيمَ مَنْ يحجُّ ويعتمرُ عنه من بلدِه وقُربِه، ويجزئ ولو عُوفِي بعد إحرام نَائِبِه.

  6. وشُرِطَ لوُجوبه علَى أُنْثى مَحْرَمٌ مِنْ زوجٍ أو أبٍ أو خالٍ ولَوْ مِنْ رَضاعٍ ونحوه، وَحَرُمَ سفرُها بدونه.

  7. وإنْ مات مَنْ لزمه استُنيب عنه مِنْ تَرِكَتِهِ.

  1. ميقاتُ أهلِ المدينة ذُو الحُليفةَ، وأهلِ مصرَ والمغربِ الجُحفةُ قُرْبَ رَابغٍ، وأهلِ اليمن يَلَمْلَمَ، وأَهْلِ نَجْدٍ قرنُ، وأهلِ المشرق ذاتُ عِرْقٍ.

  2. وهِي لأهْلها، وَلمن مَرَّ عليها مِنْ غيرهم.

  3. ولا يحلُّ لمُكَلَّفٍ تجاوزُ الميقات بلا إحرامٍ إذا أراد مكَّةَ أو نُسكًا أو كان فَرضه.

  4. ومَنْ حَجَّ من مكةَ أَحرمَ منها، وعُمرتُه مِنَ الحِلِّ.

  5. وأشهرُ الحَجِّ شوَّال وذُو القِعْدة وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ.

  6. ويُكرهُ إحرامٌ قبل ميقاتٍ، وبحجِّ قبلَ أَشْهرِه وَينعقِدُ.

  1. الإحرامُ نيَّة النُّسُكِ.

  2. سُنَ لمُريدِه غُسلٌ أو تيممٌ لعذرٍ، وتنظفٌ، وتطيُّبٌ، وتجردٌ من مَخِيطٍ، في إزارٍ ورِداء أبيضين نظيفين، وإحرامٌ عقبَ صلاةٍ، ونيَّتهُ شرط.

  3. ويستحبُّ قوله: "اللَّهم إني أريد نسك كذا فيسِّره لي، وتقبَّله مني، وإنْ حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستني" .

  4. وأفضلُ الأنساك التَّمتّعُ؛ بأن يحرمَ بالعمرة في أشهر الحجِّ، ويفرغ منها ثم

  5. يحرم بالحجِّ في عامِه، وعليه دمٌ إنْ كان أُفُقِيَّاً ،

  6. وإنْ حاضتْ مُتمتِّعةٌ وخافتْ فوتَ حجٍّ أحرمتْ به وصارتْ قارنةً.

  7. وسُنَّ عقبَ إحرامه تلبية وهي: "لبيك اللَّهم لبيك، [لبيك] لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" يجهرُ بها الرجلُ، وتُسِرُّها المرأةُ، وتتأكَّد إذا علَا نَشَزَاً ، أو هبط واديًا، أوِ التقت الرِّفاقُ، أو أقبلَ ليلٌ أو نهارٌ، أو سَمِع مُلبِّيًا أو صلَّى فَريضةً، أَوْ رأى البيتَ.

  1. يَحْرُمُ بإحرامٍ:

  2. حلقُ شعرٍ، وتقليمُ ظُفْرٍ بلا عذرٍ، وتغطيةُ رأسٍ،

  3. ولو بتظليلِ مِحْملٍ، ولُبْسُ مَخِيطٍ بلا حاجةٍ، ويَفْدي ، وتطيبٌ في بدنٍ أو ثوبٍ، فإنْ فَعَلَ

  4. أو ادَّهَنَ بِمُطيَّبٍ، أو شَمَّ طِيبًا، أو استعمله في أكلٍ ونحوه، أو تبخَّر بعُودٍ ونحوه فَدَى.

  5. ويَحْرُمُ أيضًا قتلُ صيدٍ برِّيٍ مأكولٍ، ومتولِّدٍ منه ومِنْ غيره ، واصطيادُه وأذَاه،

  6. ومَنْ أتلفه أو تَلف بِيدِه أو أعان عليه فعليه جزاؤُه، وقتلُ قملٍ وصِئْبَانِهِ ولا شيءَ فيه، لا إِنْسيٌّ كغَنمٍ ودَجاجٍ ولَا صيدُ بحرٍ،

  7. ولا مُحَرَّمُ الأكلِ، وصائلٌ.

  8. ويحرمُ أيضًا معه عقدُ نكاحٍ،

  9. ولا يصحُّ، ولا فديةَ، وتصحُّ الرجعةُ.

  10. ويحرمُ أيضًا جماعٌ، ويفسدُ نُسُكهما قبل تحلُّلٍ أولَ لَا بعدَه، ويَمضيان في فاسدِه، ويَقْضيان فَوْرًا.

  11. وتحرمُ المباشرةُ دونَ الفرج،

  12. ولا تُفْسِد ولو أنزلَ.

  13. والمرأةُ كالرجلِ إلَّا في اللِّباس، وتغطيةِ الرأسِ، وتَظْلِيل محْمَلٍ.

  14. ويَحرُم عليهما القُفَّازان.

  15. وإحرامُها في وجهها، فلا تُغطِّيه، وتسدلُ لحاجةٍ.

  1. يُخيَّر في فِديةِ حَلْقٍ وتقليمٍ وتغطيةِ رأسٍ وطيبٍ: بينَ صيامِ ثلاثةِ أيَّام، أو إطعامِ ستَّةِ مَساكين، كلُّ مِسْكينٍ مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاعِ تمرٍ أو

  2. شعيرٍ، أو ذبحِ شَاةٍ.

  3. وفي جزاءِ صيدٍ: بين ذبحِ مِثْلٍ إنْ كان، وإطلاقُه لمساكين الحَرَمِ، أَوْ تَقْويمِه بِدراهمَ يشتري بها طعامًا يجزئُ في فِطْرةِ، فيُطعم كلِّ مسكينٍ مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاعٍ مِنْ غيره، أو يصومُ عن طعامِ كلِّ مِسكينٍ يومًا.

  4. وأما دمُ تَمَتُّعٍ وقِرانٍ: فهديٌ؛

  5. فإنْ عَدِمه صام ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ، والأفضلُ كونُ آخرها يومَ عرفةَ، وسبعةً إذَا فرغَ مِنْ أفعالِ الحجِّ.

  6. ويجب بوطءٍ في فرجٍ، وبمباشرةٍ مع إنزالٍ في الحجِّ قبل تحللٍّ أولَ: بَدَنَةٌ، بعده وفي العمرة شاةٌ،

  7. وكذا هي إنْ طَاوَعَتْه.

  8. ومَنْ كَرَّر محظورًا مِنْ جنسٍ قَبْلَ فديةٍ: فواحدة، إلا في صيد،

  9. ومِنْ أجناسٍ لكل جنس فداءٌ، رَفَضَ إحرامَه أَوْ لا.

  10. ويسقط بنسيانٍ وجهلٍ وإكراهٍ فديةُ لُبْسٍ وطيبٍ وتغطيةِ رأسٍ، دونَ وطءٍ وصيدٍ وحلقٍ وتقليمٍ.

  11. وكلُّ هدي أو إطعام فلمساكين الحَرَمِ، إلا دمَ أذَى ولُبسٍ ونحوهما فَبِهِ وحيثُ فَعلَه، ودمُ إحصارٍ حيثُ أُحصر، ويجزئُ صومٌ وحلقٌ بكلٍّ مكانٍ.

  12. والدمُ شاة أو سُبع بَدَنةٍ أَوْ بَقَرةٍ.

فصلٌمسألتان
  1. في النَّعَّامةِ بَدنةٌ، وفي حمار الوحش وبَقَرِه والوَعَلِ بقرةٌ، وفي الضَّبْع كَبْشٌ، وفي الغزال عَنزٌ، وفي وبْرٍ وضَبِّ جَدْيٌ ، وفي يَرْبُوعٍ جَفرةٌ وفي أَرْنبٍ عَنَاقٌ ، وفي حَمامة شاةٌ.

  2. وما لا مِثْلَ له فيه قِيمتُه.

  1. يحرمُ صيدُ حَرمِ مكَّة على مُحِلٍّ ومُحرمٍ، وحُكْمُهُ كصيدِ مُحْرمٍ.

  2. ويحرمُ قطعُ شجرِه وحَشيشِه إلَّا اليابسَ والإِذْخرَ ،

  3. ويحرمُ صيدُ حَرَمِ المدينة، وهو ما بين لَابتَيْهَا ،

  4. ولا جزاءَ فيه، ويُباح الحشيشُ للعلف وآلةُ حرثٍ ونحوه من شَجرِه.

  1. يُسنُّ دخولُ مكةَ نهارًا مِنْ أعلاها، والمسجدِ من بابِ بني شَيْبة،

  2. وإذَا رأى البيتَ رَفَعَ يديه وقال: "اللَّهم أنت السلام ومنك السلام حيِّنا ربَّنا بالسلام" "اللَّهمَّ زِدْ هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابةً وبرًا، وزد مَنْ عظَّمه وشرَّفه ممَّن حجَّه واعتموه تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابةً وبرًا "

  3. "الحمد لله رب العالمين كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلَّغني بيته، ورآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حالٍ، اللَّهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك، اللَّهم تقبَّل منِّي واعفُ عنِّي، وأصلحْ لي شأني كله، لا إله إلا أنت" يرفع بذلك صوته.

  4. ثم يطوف مُضطبعًا، يبتدئ متمتعٌ بطوافِ العمرةِ، وغيرُه بطوافِ القُدومِ،

  5. ويبتدئُ من الحَجَرِ الأسودِ فيُحاذيه بكلِّ بَدنِه، ويستَلِمُه ويُقبِّله،

  6. فإنْ شَقَّ فبيدِه وقبَّلها ،

  7. فإن شَقَّ أشار إليه، ويقول كلَّما استلمه: "بسم الله والله أكبر، اللَّهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - " ثم يجعل البيت عن يساره ويطوف سبعًا، يَرمل الأفقيُّ في هذا الطواف ثلاثًا،

  8. ثم يمشي أربعًا، يستلم الحجر والرُّكن اليماني فقط كل مرة ولا يُقبّله، ويقول بين الركن اليماني والحَجَرِ: "ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفِي الآخرة حَسَنةً، وقِنَا عَذَابَ النَّار" وفي بقية طوافه: "اللَّهم اجعله حَجَّاً مَبرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم" ويذكر ويدعو بما أحبَّ.

  9. ومن لم يُكمل السبعَ أو لمْ يَنوهِ أو نكَّسه، أو طاف على الشَّاذَرْوَان أو جدارَ الحِجْر أو عُريانًا أو مُحدثًا أو نَجِسًا: لم يصحَّ.

  10. ثم يصلّي ركعتين خلفَ المقام بـ "الكافرين" و "الإخلاص" نَدْبًا .

فصلٌ٨ مسائل
  1. ثمَّ يستلم الحَجَرَ، ثم يخرج للسعي من باب الصفا فيرقاه حتى يَرى البيتَ، ويُكبِّر ثلاثًا، ويقول ثلاثًا: "الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، صَدَق وعده، ونَصَر عبده، وهَزَم الأحزاب وحده" ويدعو بما أحبَّ.

  2. ثم ينزل يمشي إلى قرب العَلَمِ الأول بستةِ أَذرُع فيسعى سعيًا شديدًا إلى العَلَم الآخر،

  3. ثم يمشي ويَرْقى المروةَ، ويقول ما قاله على الصفا،

  4. ثم ينزل فيمشي في موضعِ مَشْيهِ، ويسعى في موضعِ سَعْيه إلى الصفا، يفعلُ ذلك سبعًا، ذَهابُه سَعْية، ورجوعُه أخرى، ويقول فيه : "رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم" وإن بدأ بالمروة سقط الشوطُ الأولُ.

  5. وتسنُّ فيه الطهارةُ والسُّترةُ، وتُشترط نيتُه ومُوالاتُه، وكونه بعد طوافِ نُسُكٍ.

  6. ثم إنْ كان متمتعًا قصَّر مِنْ شعرهِ كلِّه وتحلَّل إنْ لم يكنْ معه هديٌ، وإلا حلَّ إذا فرغ من حجِّه.

  7. وإذا شرع المتمتعُ في الطواف قَطَع التلبية،

  8. ولا بأس بها في طواف القدوم سرًا.

  1. سُن لمُحلٍّ بمكة وقُربها إحرامٌ بحجٍّ يومَ التروية قبل الزَّوال، ويجزئُ مِنْ حيثُ شاء.

  2. ثم يبيتُ بمنىً نَدْبًا،

  3. فإذا طلعت الشمس سار إلى نَمِرَةَ، ويجمع بها بين الظهرين تقديمًا.

  4. ثم يأتي عرفة، وكلها موقف إلا بطنَ عُرنَةَ، وسُنَّ وقوفه راكبًا عند الصَّخرات وجَبَلِ الرَّحمة، لا صُعودُه، ويكثر من الدعاء ومن قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللَّهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسِّر لي أمري" .

  5. ووقتُه من فجرِ يومِ عرفةَ إلى فجرِ يومِ النحرِ،

  6. فمَنْ وقف به -ولو لحظة- وهو أهلٌ له صَحَّ حَجُّه،

  7. ولو نائمًا أو جاهلًا أنها عرفةُ،

  8. ومَنْ وَقَفَ نهارًا ودفعَ قبل الغروب ولم يَعُدْ قبله فعليه دمٌ

  9. بخلاف واقفٍ ليلاً فقط.

  10. ثم يدفع بعد الغروب إلى مُزدلفةَ بِسكينةٍ، ويسرعُ في الفَجْوةِ، ويجمع بها العشاءين تأخيرًا، ويبيت بها، وله الدفعُ بعد نصفِ الليلِ، وفيه قبله دمٌ.

  11. فإذا صَلَّى الصبحَ أتى المَشْعرَ الحرامَ فَرَقَاهُ أو وقف عنده، ويحمد الله ويكبِّره ويقرأ:

  12. {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} الآيتين ، ويدعو حتى يُسْفر جدًّا.

  13. ثمَّ يسير، فإذا بلغ محسِّرًا أسرع رَمْيةَ حَجَرٍ، ويأخذ حصى الجمار سبعين حصاةً بين الحِمَّص والبُنْدقِ.

  14. فإذا وصل منيّ رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ من بطن الوادي بسبعٍ، واحدةً بعد أخرى ، يرفع يدَه حتى يُرى بياضُ إِبِطِه، ويكبِّر مع كل حَصاةٍ ويقولُ: "اللَّهم اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملاً مشكورًا" ولا يقف، ويقطع التلبيةَ عندها، ويرمي بَعد طُلُوعِ الشَّمس نَدْبًا، ويجزئ بعد نصف الليل،

  15. ولا يجزئ الرميُ بغيرِ الحصى،

  16. ولا بما رُمي به.

  17. ثم ينحر هَدْيًا إنْ كان معه، ويحلق أو يقصِّر مِنْ جميع شعره، والمرأة تقصِّر أُنْملةً فأقل،

  18. ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءُ،

  19. ولا دمَ بتأخيرِ حلقٍ أو تقديمه على رميٍ أو نحرٍ.

فصلٌ٥ مسائل
  1. ثم يُفيض إلى مكة ويطوفُ طوافَ الإفاضة بالنيَّة.

  2. وأولُ وقتِه من نصفِ ليلةِ النحر، وسُنَّ في يومه وله تأخيرُه،

  3. ثم يسعى متمتعٌ بين الصفا والمروة،

  4. ومَنْ لم يسعَ مع طوافِ القدوم،

  5. ثم قد حلَّ له كل شيءٍ. ويشرب من ماء زمزم لما أحبَّ، ويَتَضلَّع منه، ويقول: "بسم الله، اللَّهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، ورِيَّاً وشِبَعًا وشفاءً من كل داءٍ، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك" .

فصلٌ١٣ مسألة
  1. ثم يرجع فيبيت بِمِنى ثلاثَ ليالٍ، ويرمي الجمرات أيامَ التشريقِ، فيبدأ بالأُولى وتَلي مسجدَ الخَيْفِ بسبعِ حصياتٍ، ويجعلها عن يساره، ويتأخَّر قليلًا ويدعو طويلاً،

  2. ثمَّ الوسطى ويجعلها عن يمينه فيرميها بالسَّبْعِ، ويتأخَّر قليلًا ويدعو،

  3. ثم جمرةِ العَقَبةِ ويجعلها عن يمينه، ويستبطنُ الوادي، ولا يقف عندها.

  4. وكذا يفعل في اليوم الثاني والثالث بعد الزَّوال، ويستقبل القبلةَ.

  5. وإنْ رماه في الثالث أجزأَ أداء، وُيرتِّبه بالنيَّة،

  6. وإنْ أخره عنها، أو لم يَبِتْ بها فَدَمٌ.

  7. ومَنْ تعجَّل في يومين خَرَجَ قبل الغروب، وسَقَطَ عنه رميُ اليومِ الثالثِ، ويَدفنُ حَصاه نَدْبًا.

  8. وإذا أراد الخروجَ من مكَّة ودَّع البيتَ بِالطَواف، ويسقطُ عن حائضٍ،

  9. وإنْ أقامَ أو اتَّجر بعده أعادَه،

  10. ومَنْ تركه رجع إليه إنْ لم يشقَّ،

  11. فإنْ لم يفعل فعليه دمٌ.

  12. ويقفُ بِالمُلتَزم بين الركن والباب مُلْصِقًا جميعَه، ويدعو فيقول: "اللَّهم هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حَمَلْتنِي على ما سخَّرت لي من خَلْقك، وسيَّرتني في بلادك، حتى بلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسُكي، فإنْ كنتَ رضيتَ عنّي فازددْ عنِّي رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تَنْأى عن بيتك دَارِي، وهذا أَوَانُ انصرافي إنْ أذنتَ لي غير مستبدلٍ بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللَّهمَّ فَأصْحبني العافيةَ في بدني، والصحةَ في جسمي، والعصمةَ في ديني، وحسِّن مُنقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير" ويدعو بما أحبَّ، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقول في انصرافه: "اللَّهم لا تجعله آخرَ العهد" ، وتدعو حائضٌ بباب المسجد.

  13. وتُستحبُّ زيارةُ قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَبْرَيْ صاحبيه حتى لِنِساءٍ.

فصلٌمسألتان
  1. صفةُ العُمرةِ: أن يُحرم بها من الحِلِّ، والأفضلُ مِنَ التَّنعيم،

  2. ثمَّ يطوفُ ويسعَى، ويحلقُ أو يقصِّر، وتصحُّ كلَّ وقتٍ، وتُجزئ عن عُمْرةِ الإِسلام.

  1. وأركان الحجِّ: إحرامٌ، ووقوفٌ بعرفة، وطوافُ إفاضةٍ، وسعيٌ.

  2. وواجباتُه: إحرامٌ من ميقاتٍ، ووقوفُ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا إلى الغروب، والمبيتُ بمزدلفةَ إلى نصفِ اللَّيل، وبمنىّ ليالي أيامِ التَّشريق على غير سُقاةٍ ورُعاةٍ، والرَّميُ مُرَتَّبًا، وحَلْقٌ أو تقصيرٌ.

  3. والباقي سُننٌ.

  4. وأركانُ عمرةٍ: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ.

  5. وواجبها: حلقٌ أو تقصيرٌ، وإحرامٌ من الحِلِّ.

  6. فمَنْ ترك الإحرامَ لم ينعقدْ نُسُكُه، وركنًا غيره لم يتمَّ إلا به، وَوَاجبًا -ولو عمدًا- فَدَمٌ، ونُسُكُه صَحِيحٌ، وسُنةً فلَا شيءَ عليهِ.

  1. ومَنْ طَلَعَ عليه فجرُ يومِ النَّحر ولم يقفْ بعرفةَ فاتَه الحجُّ، وتحَلَّل بعمرةٍ إنْ شاء، ويقضي ويهدي إنْ لم يشترط،

  2. ومَنْ صَدَّه عدوٌّ عن البيت أَهْدَى،

  3. فإنْ لم يجدْ صامَ عَشْرةَ أيَّام بالنِّيَّه ثم حلَّ.

  4. وإنْ حَصَرَه مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ بَقِيَ مُحْرمًا إنْ لم يكنِ اشْترط.

في كتب الخلاف

الإجماعابن المنذرباب الوتر٨٥ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ٤٠٨، مسألة ٤٠٩، مسألة ٤١٠٢٠٩ مسألة
المبسوطالسرخسيكِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابُ الْقِرَانِ، بَابُ الطَّوَافِ١٬٣٨٥ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْحَجِّ [الْجِنْسُ الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ وُجُوبِ الحج وَشُرُوطِهِ]، الْجِنْسُ الثَّالِثُ: فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجْرِي مِنْهَا مَجْرَى الْأُمُورِ اللَّاحِقَةِ، وَهِيَ أَحْكَامُ الْأَفْعَالِ.، الْقَوْلُ فِي مِيقَاتِ الْمَكَانِ٧٩٩ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»باب المواقيت، كتاب الحج، باب ذكر المواقيت٢٬٧٨٣ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»كتاب الحج، باب المواقيت، باب صفة الحج٥٬٦٢٧ سطرًا
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ٢٬٢٤٨ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريصفة تكبيرة الإحرام، شروط تكبيرة الإحرام، الفرض الثالث من فرائض الصلاة: القيام٢٬٣٦٥ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقافالمبحث الأول: تعريف الحج لغةً واصطلاحاً، المبحث الثاني: من فضائل الحج، الفصل الثاني: من حِكَم مشروعية الحج١٬٧٨٧ مسألة

عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الحج والعمرة