الإجارة والجعالة
المعاملات
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
قَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ يَعْمَلُ لَهُ فِي فِضَّةٍ مَعْلُومَةٍ يَصُوغُهَا صِيَاغَةً مَعْلُومَةً، فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَكَذَلِكَ الْحُلِيُّ، وَالْآنِيَةُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ وَالْمَنَاطِقُ وَغَيْرُهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ
-
مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، فَلَا تُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْأُجْرَةِ، وَبَيْنَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ فِي الْوَزْنِ؛ لِأَنَّ مَا يُشْتَرَطُ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ لَا بِمُقَابَلَةِ مَحَلِّ الْعَمَلِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيُخَلِّصَ لَهُ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً مِنْ تُرَابِ الصَّوَّاغِينَ، أَوْ تُرَابَ الْمَعَادِنِ؛ إذَا اشْتَرَطَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ عَمَلِهِ بَعْدَ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، عَلَى وَجْهٍ لَا تُمْكِنُ فِيهِ مُنَازَعَةٌ.
-
وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُفَضِّضَ لَهُ حُلِيًّا، أَوْ يَنْقُشَ بِنَقْشٍ مَعْرُوفٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مَعْلُومٌ، وَالْبَدَلُ بِمُقَابَلَتِهِ مَعْلُومٌ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُمَوِّهَ لَهُ لِجَامًا،
-
فَإِنْ اُشْتُرِطَ ذَهَبُ التَّمْوِيهِ عَلَى الَّذِي يَأْخُذُ الْأَجْرَ،
-
فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الذَّهَبِ لِلتَّمْوِيهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ فِي ذَلِكَ صَرْفٌ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
-
وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ بِدَرَاهِمَ لِيُمَوِّهَ لَهُ حِرْزًا بِقِيرَاطِ ذَهَبٍ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ الدَّرَاهِمَ، وَيَقْبِضَ ذَلِكَ الْقِيرَاطَ،
-
ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ، وَيَقُولَ: مَوِّهْ بِهِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ بِذَهَبٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتَقَابَضَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الذَّهَبِ صَرْفٌ
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِعَرَضٍ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يُمَوِّهَ لَهُ ذَلِكَ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ مُسَمًّى فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْعَرَضِ بِمُقَابَلَةِ الذَّهَبِ الْمُسَمَّى يَكُونُ تَبَعًا، وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ، وَبَعْضُهُ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ، وَهِيَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ،
-
فَإِنْ عَمِلَهُ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَا شَرَطْتَ لِي، وَقَالَ الْآخَرُ: قَدْ فَعَلْتُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِإِنْكَارِهِ الْقَبْضَ فِي بَعْضِ مَا اسْتَحَقَّهُ بِالْبَيْعِ،
-
ثُمَّ يُعْطِي الْمُمَوَّهَ قِيمَةَ مَا زَادَ التَّمْوِيهُ فِي مَتَاعِهِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ أَصْلَ الْعَمَلِ، وَلَكِنَّهُ غَيَّرَهُ عَنْ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ، عَلَيْهِ فَإِنْ رَضِيَ بِأَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ فَقَدْ وَجَدَ إبْقَاءَ الْمَشْرُوطِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا زَادَ التَّمْوِيهُ فِي مَتَاعِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَهُ فِي بَابِ الِاسْتِصْنَاعِ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَاتِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّيَّاغِ
-
وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ يَحْمِلُ لَهُ مَالًا مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ، أَوْ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً مُسَمَّاةً، فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَكَذَلِكَ تُرَابَ الْمَعَادِنِ أَوْ تُرَابَ الصِّيَاغَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ بِبَيَانِ الْمَسَافَةِ، وَالْمَحْمُولِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَبِيعُ لَهُ شَهْرًا فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنَافِعُهُ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ،
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَبِيعَ هَذَا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ، وَرَدَتْ عَلَى الْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِلتَّذْرِيَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحْفِرُ لَهُ فِي هَذَا الْمَعْدِنِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ بِكَذَا فَهُوَ جَائِزٌ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُنَقِّيَ تُرَابَ الْمَعْدِنِ أَوْ تُرَابَ الصِّيَاغَةِ بِنِصْفِ مَا يُخْرِجُ مِنْهُ، كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ مَجْهُولٌ، وَوُجُودُهُ عَلَى خَطَرٍ، وَهُوَ اسْتِئْجَارُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ، فَيَكُونُ
-
بِمَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
-
وَإِنْ اسْتَأْجَرَ إنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ حُلِيَّ ذَهَبٍ يَوْمًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ مُنْتَفِعٌ بِهِ، لُبْسًا أَوْ اسْتِعْمَالًا، وَالْبَدَلَ بِمُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ،
-
فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا فِيهِ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ مِائَةَ دِينَارٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ ثَوْبٍ لَمْ يَجُزْ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنَاءٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ،
-
وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا يَرِدُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءُ عَيْنِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِعَارَةَ فِي الدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ لَا تَتَحَقَّقُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَرْضًا، فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ سَيْفًا مُحَلَّى أَوْ مِنْطَقَةً، أَوْ سَرْجًا مُدَّةً مَعْلُومَةً بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ، أَوْ أَقَلَّ؛ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَذِهِ الْأَعْيَانِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ مُمْكِنٌ، وَالْبَدَلُ بِمُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْحِلْيَةِ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ صَائِغًا يَصُوغُ لَهُ طَوْقَ ذَهَبٍ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، وَقَالَ: زِدْ فِي هَذَا الذَّهَبِ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ؛ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْلِطَهُ بِمِلْكِهِ فَيَصِيرُ قَابِضًا كَذَلِكَ،
-
ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ فِي إقَامَةِ عَمَلٍ مَعْلُومٍ فِي ذَهَبٍ لَهُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مُعْتَادٌ فَقَدْ يَقُولُ الصَّائِغُ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُهُ: إنَّ ذَهَبَك لَا يَكْفِي لِمَنْ تَطْلُبُهُ، فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ عِنْدِهِ،
-
وَإِذَا كَانَ أَصْلُ الِاسْتِصْنَاعِ يَجُوزُ فِيمَا فِيهِ التَّعَامُلُ، فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ،
-
فَإِنْ قَالَ: قَدْ زِدْتُ فِيهِ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ، وَقَالَ رَبُّ الطَّوْقِ: إنَّمَا زِدْتَ فِيهِ خَمْسَةً،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْشُوًّا بِوَزْنِ الطَّوْقِ لِيَظْهَرَ بِهِ الصَّادِقُ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ مَحْشُوًّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الطَّوْقِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِإِنْكَارِهِ الْقَبْضَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى خَمْسِ مَثَاقِيلَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الصَّائِغُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَهَبِهِ، وَيَكُونُ الطَّوْقُ لِلصَّائِغِ؛ لِأَنَّ الطَّوْقَ فِي يَدِهِ، وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَنْهُ؛
-
مَا لَمْ يُعْطِهِ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِيَمِينِ رَبِّ الطَّوْقِ، فَكَانَ لِلصَّائِغِ أَنْ يُمْسِكَ الطَّوْقَ، وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَهَبِهِ، قَالَ: وَهَذَا لَا يُشْبِهُ الْأَوَّلَ، يُرِيدُ بِهِ مَسْأَلَةَ الْحِرْزِ، فَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ الْخِيَارَ لِصَاحِبِ الْحِرْزِ؛ لِأَنَّ ذَهَبَ التَّمْوِيهِ صَارَ مُسْتَهْلَكًا لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ الْحِرْزِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ، فَكَانَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الْحِرْزِ، وَهُنَا عَيْنُ مَا زَادَ مِنْ الذَّهَبِ قَائِمٌ فِي الطَّوْقِ، فَالصَّائِغُ فِيهِ كَالْبَائِعِ، فَيَكُون لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ كَمَالُ الْعِوَضِ.
-
وَإِنْ أَمَرَ الصَّائِغَ أَنْ يَصُوغَ لَهُ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِيهِ دِرْهَمٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَأَرَاهُ الْقَدْرَ وَقَالَ: لِتَكُونَ الْفِضَّةُ عَلَيَّ قَرْضًا مِنْ عِنْدِك.
-
لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ لِلصَّائِغِ كُلَّهَا، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لَهَا فَيَبْقَى الصَّائِغُ عَامِلًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ،
-
ثُمَّ بَائِعًا مِنْهُ الْفِضَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ الْمُسْتَقْرِضُ يَصِيرُ قَابِضًا لِلذَّهَبِ يَخْلِطُهُ بِمِلْكِهِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ الصَّائِغُ عَامِلًا لَهُ فِي مِلْكِهِ؛ فَلِهَذَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَيْهِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْخَاتَمِ يَفْسُدُ أَيْضًا لِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ صَرْفٌ بِالنَّسِيئَةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ
-
بِمِثْلِ وَزْنِهِ، أَوْ أَكْثَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
-
وَإِذَا دَفَعَ لِجَامًا، أَوْ حِرْزًا إلَى رَجُلٍ لِيُمَوِّهَهُ لَهُ بِفِضَّةٍ وَزْنًا، مَعْلُومًا، يَكُونُ قَرْضًا عَلَى الدَّافِعِ، وَيُعْطِيَهُ أَجْرًا مَعْلُومًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَيَلْزَمُهُ الْأَجْرُ، وَالْقَرْضُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ الْفِضَّةَ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَصْرِفَهَا إلَى مِلْكِهِ، فَيَصِيرُ قَابِضًا لَهَا بِإِبْطَالِهِ تَمَلُّكَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا،
-
ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، وَقَدْ أَوْفَى الْعَمَلَ فَلَهُ الْأَجْرُ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ مَا صَنَعَ مِنْ الْفِضَّةِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ اللِّجَامِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الصَّانِعَ يَدَّعِي زِيَادَةً فِيمَا أَقْرَضَهُ، وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَحْلِفُ عَلَى عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ.
-
فَإِنْ قَالَ مَوِّهْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ عَلَى أَنْ أُعْطِيك مِنْهَا
-
أَجْرَ عَمَلِكَ ذَهَبًا، عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَتَفَرَّقَا، عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي حِصَّةِ الْفِضَّةِ صَرْفٌ، وَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ؛ فَكَانَ فَاسِدًا،
-
فَإِنْ عَمِلَهُ كَانَ لَهُ فِضَّةٌ مِثْلُ وَزْنِهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا الْفِضَّةَ، حِينَ اتَّصَلَتْ بِمِلْكِهِ بِإِذْنِهِ؛ بِسَبَبِ عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهَا فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهَا، وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ، أَيْ تُقْسَمُ الدَّنَانِيرُ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ، وَعَلَى الْمِائَةِ الدِّرْهَمِ، فَتُعْتَبَرُ حِصَّةُ أَجْرِ مِثْلِهِ مِنْ الدَّنَانِيرُ؛
-
لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ، وَلَمَّا فَسَدَ فِي حِصَّةِ الصَّرْفِ فَسَدَ فِي الْإِجَارَةِ أَيْضًا، وَيَلْزَمُهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَعَلَى الْمِائَةِ الدِّرْهَمِ فَيُعْتَبَرُ حِصَّةُ أَجْرِ مِثْلِهِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ فِي حِصَّةِ الصَّرْفِ طَارِئٌ بِالِافْتِرَاقِ قَبِلَ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْإِجَارَةِ، قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَقَدْ تَأَمَّلْتُ فِي الْأَصْلِ فَوَجَدْتُهُ يَعْتَبِرُ أَجْرَ الْمِثْلِ؛
-
لِبَيَانِ الْحِصَّةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَكَانَ لَهُ مِقْدَارُ أَجْرِهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُسِمَتْ الدَّنَانِيرُ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ، وَعَلَى الْمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ حُكْمٌ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ فِي حِصَّةِ الْإِجَارَةِ، وَاعْتُبِرَ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلِانْقِسَامِ،
-
ثُمَّ جُعِلَ لَهُ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ الْمُسَمَّى لِصِحَّةِ الْعَقْدِ.
-
وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا يَكْتُبُ عَلَيْهِ كِتَابًا بِذَهَبٍ مَعْلُومٍ، بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْفِضَّةِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي حِصَّةِ الذَّهَبِ صَرْفٌ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أُجْرَةً، وَثَمَّنَهُ ذَهَبًا فَإِنَّ ذَهَبَ الْكِتَابَةِ يَكُونُ مَبِيعًا لَا مُسْتَقْرَضًا؛ لِأَنَّهُ سَمَّى مَا يُقَابِلُهُ ثَمَنًا، فَيَكُونُ الْعَقْدُ فِيهِ صَرْفًا أَيْضًا،
-
فَإِنْ قَالَ أَقْرِضْنِي مِثْقَالَ ذَهَبٍ، وَاكْتُبْ بِهِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ كَذَا،
-
وَكَذَا عَلَى أَنْ أُعْطِيَكَ أَجْرَكَ نِصْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ قِيرَاطَ ذَهَبٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْرِضٌ لِلدِّينَارِ، وَهُوَ قَابِضٌ لَهُ؛ لِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَهُ بِيَدِهِ،
-
ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ. .
-
وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ، وَقَالَ اخْلِطْ فِيهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ ثُمَّ صُغْهَا قَلْبًا، وَلَك كَذَا فَفَعَلَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ قَدْرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ، وَقَدْ صَارَ قَابِضًا لَهَا بِالِاخْتِلَاطِ بِمِلْكِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ الْخَلْطِ هَلَكَتْ مِنْ مَالِ الْآمِرِ،
-
ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ فِي مِلْكِهِ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ فِضَّةً، وَقَالَ: صُغْ لِي مِنْ عِنْدِكَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ قَلْبًا، عَلَى أَنْ أُعْطِيَكَ أَجْرَ كَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ فِضَّةَ الْعَامِلِ فِي يَدِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ تَكُونُ مِنْ مَالِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ،
-
وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الدَّافِعُ: كَانَتْ فِضَّتِي اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَمَرْتُكَ أَنْ تَزِيدَ فِيهَا ثَلَاثَةً، فَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ: بَلْ كَانَتْ عَشَرَةً، وَأَمَرَتْنِي فَزِدْت خَمْسَةً، وَفِي الْقَلْبِ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، أَنَّهُ زَادَ خَمْسَةً؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي مِقْدَارِ مَا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ الْفِضَّةِ، فَالدَّافِعُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ
-
وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ يُنْكِرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ،
-
ثُمَّ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ يَدَّعِي أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا خَمْسَةً، وَالدَّافِعُ يُنْكِرُ الْأَمْرَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ زَادَ دِرْهَمَيْنِ فَوْقَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَكَانَ مُخَالِفًا لِأَمْرِهِ، ضَامِنًا لِلدَّافِعِ مِثْلَ فِضَّتِهِ، فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ وَزَادَ؛
-
فَإِذَا رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ اسْتَوْجَبَ الْعَامِلُ كَمَالَ أَجْرِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْقَلْبُ مَحْشُوًّا لَا يُعْلَمُ، وَزْنَهُ،
-
وَلَا يُعْرَفُ، وَاتَّفَقَا أَنَّهُ أَعْطَاهُ عَشَرَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ خَمْسَةً، فَقَالَ الدَّافِعُ: لَمْ تَزِدْ فِيهِ شَيْئًا، وَقَالَ الْعَامِلُ: قَدْ زِدْتُ فِيهِ خَمْسَةً؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْقَبْضَ بِحُكْمِ الْقَرْضَ،
-
فَإِنْ شَاءَ الْعَامِلُ سَلَّمَ الْقَلْبَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ الْآمِرُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ فِضَّةً مِثْلَ فِضَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ فِيهِ فَلَهُ أَنْ لَا يُخْرِجَ الْقَلْبَ مِنْ يَدِهِ؛ إذَا كَانَ مَا زَادَ فِيهِ، وَهُوَ الْخَمْسَةُ بِزَعْمِهِ لَا تَصِلُ إلَيْهِ؛
-
فَإِذَا احْتَبَسَ عِنْدَهُ ضَمِنَ لِلدَّافِعِ فِضَّةً مِثْلَ فِضَّتهِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْآخَرُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ خَمْسَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَزِمَهُ؛
-
فَإِذَا أَنْكَرَ فَيَسْتَحْلِفُ عَلَيْهِ
-
وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ زَادَ فِيهِ خَمْسَةً، فَقَالَ الْآمِرُ: كَانَتْ فِضَّتِي بَيْضَاءَ، وَأَمَرْتُكَ أَنْ تَزِيدَ فِيهَا فِضَّةً بَيْضَاءَ، وَقَالَ الْعَامِلُ: كَانَتْ سَوْدَاءَ، وَأَمَرْتنِي أَنْ أَزِيدَ فِيهَا فِضَّةً سَوْدَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي صِفَةِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ،
-
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجْرِ: فِي الْمِقْدَارِ، بِأَنْ قَالَ الدَّافِعُ: عَمِلْتَهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ؛ لِإِنْكَارِهِ وُجُوبَ الْأَجْرِ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ.
-
رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ، وَتَقَابَضَا،
-
ثُمَّ وَجَدَهَا زُيُوفًا بَعْدَ مَا تَفَرَّقَا، فَاسْتَبْدَلَهَا مِنْهُ،
-
ثُمَّ اسْتَحَقَّ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ الزُّيُوفَ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اسْتَبْدَلَهَا بِالْجِيَادِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ، فَإِنَّمَا اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْعَقْدِ عَلَى الْجِيَادِ دُونَ الزُّيُوفِ الْمَرْدُودَةِ، وَاسْتِحْقَاقُ مَا لَيْسَ فِيهِ حُكْمُ الْعَقْدِ، لَا يُؤْثِرُ فِي الْعَقْدِ، وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِهِمَا،
-
وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ الرَّدُّ بِعَيْبِ الزِّيَافَةِ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، وَالْمَرْدُودِ قَلِيلٌ.
-
رَجُلٌ اسْتَقْرَضَ مِنْ رَجُلٍ كُرَّ حِنْطَةٍ، وَقَالَ: اطْحَنْهَا لِي بِدِرْهَمٍ، فَطَحَنَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا؛ كَانَ هَذَا بَاطِلًا،
-
وَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا، وَإِنَّمَا طَحَنَ صَاحِبُ الْحِنْطَةِ حِنْطَةَ نَفْسِهِ،
-
فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ إنْ أَعْطَاهُ الدَّقِيقَ فَعَلَيْهِ دَقِيقٌ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقْرَضَهُ الدَّقِيقَ،
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ كُرَّ حِنْطَةٍ، وَقَالَ: أَقْرِضْنِي نِصْفَ كُرٍّ، وَاخْلِطْهُ بِهِ ثُمَّ اطْحَنْهَا لِي بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، كَانَ هَذَا جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لِمَا اسْتَقْرَضَهُ بِالِاخْتِلَاطِ يَمْلِكُهُ بِأَمْرِهِ، فَيَكُونُ الطَّحَّانُ عَامِلًا فِي حِنْطَتِهِ، فَيَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ لِجَامًا، وَذَهَبَا فَقَالَ: مَوِّهْهُ بِهِ، وَمَا
-
فَضَلَ فَهُوَ لَك أَجْرٌ، لَمْ يَجُزْ؛ لِجَهَالَةِ مِقْدَارِ الْأَجْرِ،
-
فَإِنْ عَمِلَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ الذَّهَبِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ. .
-
وَلَوْ اشْتَرَى قَلْبَ فِضَّةٍ بِدِينَارٍ، وَدَفَعَ الدِّينَارَ،
-
ثُمَّ إنَّ رَجُلًا أَحْرَقَ الْقَلْبَ فِي الْمَجْلِسِ؛ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ لِتَغَيُّرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ، وَاتِّبَاعَ الْمُحْرِقِ بِقِيمَةِ الْقَلْبِ مِنْ الذَّهَبِ،
-
فَإِنْ قَبَضَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ قَبْضَ بَدَلِ الْقَلْبِ فِي الْمَجْلِسِ كَقَبْضِ عَيْنِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ عَلَى الدِّينَارِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى ضَمَانِهِ،
-
وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْقِيمَةَ بَطَلَ الصَّرْفُ، وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الدِّينَارِ، وَاتِّبَاعُ الْمُحْرِقِ بِقِيمَةِ الْقَلْبِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ،
-
ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ بِافْتِرَاقِهِمَا، بَعْدَ اخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي تَضْمِينَ الْمُحْرِقِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْهُ، وَهُوَ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا، فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي نَظِيرِهِ فِي الْجَامِعِ إذَا قُتِلَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي تَضْمِينَ الْقَاتِلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يَصِيرُ قَابِضًا بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ، حَتَّى لَوْ نَوَى ذَلِكَ عَلَى الْقَاتِلِ، يَكُونُ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - لَا يَصِيرُ قَابِضًا بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ
-
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ قَبْضَ بَدَلِ الصَّرْفِ لَا يَكُونُ إلَّا بِعَيْنٍ تَصِلُ إلَى يَدِهِ،
-
وَكَذَلِكَ قَبْضُ الْمَبِيعِ إذَا كَانَ عَيْنًا وَبِاخْتِيَارِهِ تَضْمِينَ الْمُحْرِقِ، وَالْقَاتِلُ لَا تَصِلُ يَدُهُ إلَى شَيْءٍ،
-
فَلَا يَصِيرُ قَابِضًا؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْقَلْبِ لَمْ تُقْبَضْ، وَقِيمَتُهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُحْرِقِ،
-
وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ قَابِضًا لِمَا فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي اخْتِيَارِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَتَوَجَّهَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ عَلَى الْمُحْرِقِ بِبَدَلِ الصَّرْفِ، وَهَذِهِ الْمُطَالَبَةُ نَظِيرَ الْمُطَالَبَةِ الَّتِي تَتَوَجَّهُ بِالْعَقْدِ عَلَى مَنْ عَامَلَهُ فَكَمَا لَا يَصِيرُ قَابِضًا هُنَاكَ بِتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ لَهُ، فَكَذَلِكَ هُنَا، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ أَحَالَهُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ، عَلَى إنْسَانٍ فِي الْمَجْلِسِ فَقَبْلَ الْحَوَالَةِ لَا يَصِيرُ قَابِضًا،
-
وَإِنْ تَوَجَّهَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، وَتَحَوَّلَ بَدَلُ الصَّرْفِ إلَى ذِمَّتِهِ وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ: إنَّ الْمُحْرِقَ قَابِضٌ مُتْلِفٌ، وَالْمُشْتَرِي حِين اخْتَارَ تَضْمِينَهُ قَدْ صَارَ رَاضِيًا بِقَبْضِهِ، مُلْزِمًا إيَّاهُ الضَّمَانَ بِإِتْلَافِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ أَمَرَهُ بِالْقَبْضِ فِي الِابْتِدَاءِ، كَانَ يَتِمُّ عَقْدُ الصَّرْفِ بِقَبْضِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ فِي الِانْتِهَاءِ،
-
بِخِلَافِ الْحَوَّالَةِ، فَالْمُحْتَالُ عَلَيْهِ هُنَاكَ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا، حَتَّى يُجْعَلَ قَبْضُهُ كَقَبْضِ الطَّالِبِ، وَالْإِشْكَالُ عَلَى هَذَا الْحَرْفِ أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ طَرِيقُ هَذَا، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّصَدُّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَيَكُونُ رِبْحًا عَلَى ضَمَانِهِ وَلَكِنْ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّمَا يَصِيرُ قَبْضُهُ لَهُ بِاخْتِيَارِهِ تَضْمِينَهُ،
-
وَذَلِكَ بَعْدَ الْإِتْلَافِ، وَبَعْدَ مَا وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْفَضْلِ،
-
فَلَا يَظْهَرُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ مَعَ أَنَّ بَابَ التَّصَدُّقِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَهَذَا شَيْءٌ يُقَدَّرُ اعْتِبَارًا لِإِتْمَامِ قَبْضِهِ، فَيَظْهَرُ فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ؛ وَلِأَنَّ قِيمَةَ الْمَبِيعِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَى الْمُتْلِفِ،
-
وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْمَبِيعِ دَيْنًا لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْأَجْنَبِيِّ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاجِ الْقَبْضِ فِي هَذَا الِاخْتِيَارِ، يُقَرِّرُهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ ذِمَّةَ الْمُتْلِفِ قَائِمَةً مَقَامَ ذِمَّةِ الْبَائِعِ فِي إيجَابِ ضَمَانِ الْمَبِيعِ فِيهَا،
-
فَإِنَّ قِيمَةَ الْمَبِيعِ لَا تَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِحَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْمُشْتَرِي ابْتِدَاءً فِي ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ،
-
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ
-
بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ، فَذِمَّةُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ هُنَاكَ تَقُومُ مَقَامَ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ فِيمَا كَانَ ثَابِتًا فِيهِ مِنْ بَدَلِ الصَّرْفِ.
-
وَإِنْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى فِيهِ خَمْسُونَ دِينَارًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَنَقَدَ الثَّمَنَ، وَلَمْ يَقْبِضْ السَّيْفَ حَتَّى أَفْسَدَ رَجُلٌ شَيْئًا مِنْ حَمَائِلِهِ، أَوْ جَفْنِهِ، فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي أَخْذَ السَّيْفِ، وَتَضْمِينَ الْمُفْسِدِ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَهُ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جُنِيَ عَلَى مِلْكِهِ،
-
فَإِنْ قَبَضَ السَّيْفَ ثُمَّ فَارَقَ الْبَائِعَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ الْمُفْسِدِ ضَمَانَ مَا أَفْسَدَهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُفْسِدِ بَدَلُ الْمَبِيعِ، وَالْقَبْضُ فِيهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْمَجْلِسِ، إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ خَاصَّةً، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ اشْتَرَاهُ فَأَحْرَقَهُ إنْسَانٌ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي إمْضَاءَ الْعَقْدِ، وَاتِّبَاعَ الْمُحْرِقِ، لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُفْسِدُ أَفْسَدَ السَّيْفَ كُلَّهُ، وَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي إمْضَاءَ الْعَقْدِ، وَتَضْمِينَ الْمُفْسِدِ، وَنَقَدَ الْبَائِعَ الثَّمَنَ،
-
ثُمَّ فَارَقَهُمْ الْمُفْسِدُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّي الْقِيمَةَ لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لَيْسَ مِنْ الْعَقْدِ فِي شَيْءٍ لَا يَضُرُّهُمَا ذَهَابُهُ كَالْمُحْتَالِ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ فَارَقَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقِيمَةِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا لَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ كُلُّهُ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ لِلِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفِي حِصَّةِ السَّيْفِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
-
وَلَوْ أَسْلَمَ ثَوْبًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، أَوْ بَاعَ قَلْبًا بِدِينَارٍ فَهَشَّمَ رَجُلٌ الْقَلْبَ، وَشَقَّ الثَّوْبَ بِاثْنَيْنِ، فَاخْتَارَ مُشْتَرِي الْقَلْبَ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَالْقَلْبِ، وَقَالَ: يُتْبَعُ الْمُفْسِدُ بِضَمَانِ ذَلِكَ، وَتَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا فَذَلِكَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْقِيمَةَ حَتَّى تَفَرَّقَا، فَإِنَّهُ قَبَضَ الْقَلْبَ بِعَيْنِهِ، وَقَبَضَ رَأْسَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ،
-
فَلَا يَضُرُّهُمَا عَدَمُ قَبْضِ النُّقْصَانِ مِنْ الْهَاشِمِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَابَلَةُ الْوَصْفِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ.
-
رَجُل اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى فِيهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فِضَّةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَحْرَقَ رَجُلٌ بَكَرَةً مِنْ حِلْيَتِهِ فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي إمْضَاءَ الْبَيْعِ، وَتَضْمِينَ الْمُحْرِقِ فَنَقَدَ، وَقَبَضَ
-
السَّيْفَ، ثُمَّ فَارَقَ الْبَائِعَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ قِيمَةَ الْبَكَرَةِ؛ فَالْبَيْعُ يُنْتَقَضُ فِي الْبَكَرَةِ خَاصَّةً دُونَ السَّيْفِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِ تَضْمِينِ الْمُحْرِقِ لَا يَصِيرُ قَابِضًا فَالْبَكَرَةُ قَدْ زَايَلَتْ السَّيْفَ، فَانْتِقَاضُ الْعَقْدِ فِيهَا بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ، لَا يُوجِبُ الِانْتِقَاضَ فِيمَا بَقِيَ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ لَا يَنْتَقِضُ الْبَيْعُ فِي الْبَكَرَةِ أَيْضًا؛
-
لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا بِاخْتِيَارِهِ تَضْمِينَ الْمُحْرِقِ،
-
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي السَّلَمِ إذَا اسْتَهْلَكَ الرَّجُلُ رَأْسَ الْمَالِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَاخْتَارَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ تَضْمِينَ الْمُسْتَهْلِكِ،
-
ثُمَّ فَارَقَ رَبَّ السَّلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٌ، وَلَمْ يَبْطُلْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا.
-
وَإِنْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَتَقَابَضَا،
-
ثُمَّ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مُرَابَحَةً بِرِبْحِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ بِرِبْحِ ده يازده، أَوْ بِرِبْحِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ بِوَصْفِهِ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ لِلْحِلْيَةِ فِي السَّيْفِ حِصَّةً مِنْ الرِّبْحِ، وَالْخُسْرَانِ، فَيَكُونُ بِمُقَابَلَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا مِنْ الْفِضَّةِ، أَوْ أَقَلَّ، وَذَلِكَ رِبًا، وَبِفَسَادِ الْعَقْدِ فِي الْحِلْيَةِ يَفْسُدُ فِي جَمِيعِ السَّيْفِ،
-
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مِثْلَ وَزْنِ الْحِلْيَةِ مِنْ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَتِهَا، وَالْبَاقِي كُلُّهُ بِمُقَابَلَةِ السَّيْفِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُرَابَحَةَ، قُلْنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ، وَقَدْ صَرَّحَا بِأَنَّ الْعَقْدَ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ مُرَابَحَةٌ، أَوْ وَضِيعَةٌ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ إذَا جَعَلَ بِمُقَابَلَتِهَا مِثْلَ وَزْنِهَا؛
-
وَلِأَنَّهُمَا جَعَلَا الرِّبْحَ فِي ثَمَنِ السَّيْفِ ده دوازده؛
-
فَإِذَا جَعَلْنَا جَمِيعَ الرِّبْحِ بِإِزَاءِ السَّيْفِ يَكُونُ الرِّبْحُ فِي ده دوازده،
-
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: تَثْبُتُ حِصَّةُ السَّيْفِ مِنْ الرِّبْحِ، وَتَبْطُلُ حِصَّةُ الْحِلْيَةِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَمْلِكَ عَلَيْهِ السَّيْفَ حَتَّى يُسَلِّمَ لَهُ جَمِيعَ مَا سُمِّيَ مِنْ الرِّبْحِ،
-
وَأَنَّ الْبَيْعَ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَوْلِيَةً فِي الْحِلْيَةِ وَلَمْ يَقْصِدَا ذَلِكَ،
-
وَإِنْ رَابَحَهُ فِيمَا سِوَى الْفِضَّةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا صَرَّحَا بِكَوْنِ الْعَقْدِ تَوْلِيَةً فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ مُرَابَحَةً فِي حِصَّةِ السَّيْفِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ فَأَمَّا اللِّجَامُ الْمُمَوَّهُ،
-
فَلَا بَأْسَ بِالْمُرَابَحَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّمْوِيهَ لَا يَتَخَلَّصُ فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الرِّبَا بِاعْتِبَارِهِ.
-
وَإِنْ اشْتَرَى قَلْبَ فِضَّةٍ، فِيهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِدِينَارِ، وَتَقَابَضَا،
-
ثُمَّ بَاعَهُ مُرَابَحَةً بِرِبْحِ نِصْفِ دِينَارٍ، أَوْ بِرِبْحِ دِرْهَمٍ،
-
فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، أَمَّا إذَا بَاعَهُ بِرِبْحِ نِصْفِ دِينَارٍ،
-
فَإِنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْفَضْلُ لَا يَظْهَرُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، فَيَكُونُ تَابِعَ الْقَلْبِ بِدِينَارٍ، وَنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ بَاعَهُ بِرِبْحِ دِرْهَمٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَابِعُ الْقَلْبِ بِدِينَارِ، وَدِرْهَمٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ يُقَابِلُهُ مِثْلُ وَزْنِهِ مِنْ الْقَلْبِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَصْلُ،
-
فَإِنَّ الْفِضَّةَ بِمِثْلِ وَزْنِهَا - مُقَابَلَةً - ثَابِتَةٌ شَرْعًا،
-
وَلَوْ جَوَّزْنَا هَذَا كَانَ الدِّينَارُ بِمُقَابَلَةِ تِسْعَةِ أَعْشَارِ الْقَلْبِ، وَالدِّرْهَمُ بِمُقَابَلَةِ عُشْرِ الْقَلْبِ، فَيَكُونُ بَعْضُ مَا سَمَّيَاهُ رَأْسَ الْمَالِ رِبْحًا،
-
فِيهِ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْقَلْبِ، وَبَعْضُ مَا سَمَّيَاهُ رِبْحًا رَأْسَ الْمَالِ فِي عُشْرِ الْقَلْبِ، وَذَلِكَ تَصْحِيحٌ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ،
-
وَلَوْ كَانَ قَامَ عَلَيْهِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَبَاعَهُ بِرِبْحِ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْعَشَرَةِ بِأَحَدَ عَشَرَ،
-
وَلَوْ ضَمَّ مَعَهُ ثَوْبًا قَدْ قَامَ مَعَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ: قَدْ قَامَ عَلَيَّ هَذَا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَبَاعَهَا بِرِبْحِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِرِبْحِ ده يازده، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: الْعَقْدُ يَفْسُدُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ فَسَدَ فِي حِصَّةِ الْقَلْبِ؛ لِأَجْلِ الرِّبَا أَوْ الْعَقْدِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي حِصَّةِ الثَّوْبِ؛
-
لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ، وَبِفَسَادِ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْسِدُ فِي الْآخَرِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً، وَطَوْقُ فِضَّةٍ عَلَيْهَا فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَتَقَابَضَا،
-
ثُمَّ بَاعَهَا مُرَابَحَةً بِرِبْحِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِرِبْحِ دَهٍ يازده، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي الْجَارِيَةِ دُونَ الطَّوْقِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَتَمَيَّزُ عَنْ الْآخَرِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رُجُوعَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَسْأَلَةِ الطَّوْقِ، فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى رُجُوعِهِ فِي نَظَائِرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَتَقَابَضَا،
-
ثُمَّ حَطَّ عَنْهُ، دِرْهَمًا، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ لَيْسَ مِنْ ثَمَنِ الْفِضَّةِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَيُخْرَجُ قَدْرُ الْمَحْطُوطِ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا، فَكَأَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ اشْتَرَى السَّيْفَ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا، فَيَكُونُ بِمُقَابَلَةِ الْحِلْيَةِ مِثْلَ وَزْنِهَا، وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ السَّيْفِ. .
-
وَلَوْ ابْتَاعَ قَلْبَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَتَقَابَضَا ثُمَّ حَطَّ عَنْهُ دِرْهَمًا، وَقَبِلَ الْحَطَّ، وَقَبَضَهُ بَعْدَ مَا افْتَرَقَا مِنْ مَقَامِ الْبَيْعِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا؛ فَسَدَ الْبَيْعُ كُلُّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: الْحَطُّ بَاطِلٌ، وَيُرَدُّ الدِّرْهَمُ عَلَيْهِ، وَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْعَقْدُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ، وَالْحَطُّ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ الْمُبْتَدَأَةِ، لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ،
-
وَلَوْ زَادَهُ فِي الثَّمَنِ دِرْهَمًا، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فَسَدَ الْعَقْدُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: الزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ، وَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَا بَعْدَ الْعَقْدِ لِأَحَدِهِمَا خِيَارًا أَوْ أَجَلًا، يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ هَذَا الشَّرْطُ، وَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ،
-
وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ إذَا ذَكَرَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْتَحِقُ ذَلِكَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ حَتَّى يَفْسُدَ الْعَقْدُ، وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ هَذَا الشَّرْطُ، وَحُجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ: أَنَّ الشَّرْطَ، وَالزِّيَادَةَ بَيْعٌ فِي الْعَقْدِ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ فِي الشَّيْءِ مُبْطِلًا لِأَصْلِهِ؛ وَلِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ، وَالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ إبْطَالَهُ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ؛
-
فَإِذَا أَثْبَتنَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِهِ، وَبِبُطْلَانِ الْعَقْدِ، تَبْطُلُ
-
الزِّيَادَةُ، فَيَكُونُ هَذَا اشْتِغَالًا بِمَا لَا يُفِيدُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجَلِهِ يَلْتَحِقُ الشَّرْطُ الصَّحِيحُ وَالزِّيَادَةُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ مَوْجُودٌ هُنَا، وَذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ: أَنَّهُمَا قَصَدَا تَغْيِيرَ وَصْفِ الْعَقْدِ، يَجْعَلُ الْخَاسِرَ رَابِحًا، وَاللَّازِمَ غَيْرَ لَازِمٍ، وَالتَّصَرُّفَ فِي الْعَقْدِ إلَيْهِمَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ فَسْخَهُ وَإِبْقَاءَهُ، فَكَذَلِكَ يَمْلِكَانِ تَغْيِيرَ وَصْفِهِ؛
-
لِأَنَّ صِفَةَ الشَّيْءِ تُمْلَكُ بِمِلْكِ أَصْلِهِ
-
وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا، فَإِنَّهُمَا غَيَّرَا وَصْفَ الْعَقْدِ مِنْ الْجَوَازِ إلَى الْفَسَادِ، وَإِلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ بَعْدَ الْعَقْدِ، يُجْعَلُ كَالْمَذْكُورِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ ذُكِرَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ ثَبَتَ،
-
وَإِنْ فَسَدَ بِهِ الْعَقْدُ، فَكَذَلِكَ إذَا ذُكِرَ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا وَهَبَ بَدَلَ الصَّرْفِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ صَاحِبِهِ، وَقَبِلَ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا: فَكَذَلِكَ إذَا رَدَّهُ فِي بَدَلِ الصَّرْفِ، وَمُحَمَّدٌ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَطِّ، وَالزِّيَادَةِ فَقَالَ فِي الْحَطِّ: إيفَاءُ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ مَعَ أَنَّ تَصْحِيحَ الْحَطِّ مُمْكِنٌ؛
-
بِأَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً، فَيُصَارُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ فَحَطَّ الْبَائِعُ عَنْهُ الثَّمَنَ كُلَّهُ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَقَبِلَهُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْحَطُّ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ الْمُبْتَدَأَةِ، وَيُجْعَلُ الْبَيْعُ صَحِيحًا
-
بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى ذَلِكَ فَصَرَفَ إلَى إلْغَاءِ الزِّيَادَةِ، وَتَصْحِيحِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛
-
فَإِنَّ حَطَّ جَمِيعِ الثَّمَنِ يَتَعَذَّرُ إلْحَاقُهُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ الْعَقْدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْعًا، وَيَصِيرُ هِبَةً، وَلَمْ يَقْصِدْ الْمُتَعَاقِدَانِ ذَلِكَ بِأَصْلِ السَّبَبِ؛ فَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ هِبَةً، وَهُنَا لَوْ ثَبَتَ حَطُّ الْبَعْضِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، لَمْ يَخْرُجْ الْعَقْدُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَرْفًا كَمَا بَاشَرَاهُ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَالْفَاسِدُ مِنْ جِنْسِ الزَّائِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَضْمَنُ بِالْفَسَادِ، وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا وَهَبَ كَانَ ضَامِنًا، يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الْحَطَّ لِإِخْرَاجِ الْعَيْنِ مِنْ الْعَقْدِ، أَوْ لِإِدْخَالِ الرُّخَصِ فِيهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَصِيرُ مَغْبُونًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛
-
فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِحَطِّ الْجَمِيعِ قَصَدَ الْبِرَّ الْمُبْتَدَأَ فَجَعَلْنَاهُ هِبَةً كَذَلِكَ وَهُوَ يَصِيرُ مَغْبُونًا بِبَعْضِ الثَّمَنِ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ، كَمَا يَصِيرُ مَغْبُونًا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ الْحَطُّ لِإِدْخَالِ الرُّخَصِ فِيهِ،
-
وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِجَعْلِهِ هِبَةً مُبْتَدَأَةً؛ فَلِهَذَا اُلْتُحِقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْآخَرِ هُنَا،
-
بِخِلَافِ الْحَطِّ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَطِّ إفْسَادَ هَذَا الْعَقْدِ،
-
وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِإِفْسَادِ الْعَقْدِ، وَهُنَاكَ فِي تَصْحِيحِ الْحَطِّ إسْقَاطُ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْإِسْقَاطُ يَتِمُّ بِالْمُسْقِطِ، وَحْدَهُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى قَلْبَ فِضَّةٍ، وَثَوْبًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَفِي الْقَلْبِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَتَقَابَضَا،
-
ثُمَّ حَطَّ عَنْهُ دِرْهَمًا مِنْ ثَمَنِهَا جَمِيعًا،
-
فَإِنَّ نِصْفَ الْحَطِّ فِي الثَّوْبِ، وَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ فِي الْقَلْبِ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْحَطُّ فِيهِمَا جَمِيعًا، فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ
-
بِقَوْلِهِ: حَطَطْتُ عَنْكَ دِرْهَمًا مِنْ ثَمَنِهِمَا جَمِيعًا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمُقَابَلَتِهِ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا فَسَادٌ طَارِئٌ،
-
فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الثَّوْبِ
-
بِخِلَافِ الْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
-
فَإِنَّ الْحَطَّ هُنَاكَ لِمَا ثَبَتَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، يُظْهِرُ الْفَضْلَ الْخَالِي عَنْ الْمُقَابَلَةِ فِي الْكُلِّ، وَهُنَا إنَّمَا يَظْهَرُ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْمُقَابَلَةِ فِي الْقَلْبِ دُونَ الثَّوْبِ؛ فَلِهَذَا جَازَ الْبَيْعُ فِي الثَّوْبِ مَعَ نِصْفِ الْحَطِّ،
-
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ سَيْفًا مُحَلَّى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، فَحَطَّ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِهِ دِرْهَمًا أَجَزْتُ ذَلِكَ، وَجَعَلْتُ الْحَطَّ عَلَى غَيْرِ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَيَخْرُجُ الْقَدْرُ الْمَحْطُوطُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا، فَيَكُونُ الْبَيْعُ: كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ بِتِسْعَةٍ، وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ مَعَ الثَّوْبِ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَقَدْ جَعَلَ الْحَطَّ مِنْ ثَمَنِهِمَا، وَالسَّيْفُ مَعَ الْحِلْيَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَقَدْ جَعَلَ الْحَطَّ مِنْ ثَمَنِهِ،
-
فَلَوْ جَعَلْنَا ذَلِكَ فِي حِصَّةِ السَّيْفِ خَاصَّةً؛ لَا يَكُونُ فِي هَذَا تَغْيِيرٌ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُتَصَرِّفُ.
-
وَلَوْ بَاعَ قَلْبَ فِضَّةٍ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَتَقَابَضَا،
-
ثُمَّ حَطَّ عَنْهُ بَعْدَ مَا افْتَرَقَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ جَائِزٌ، سَوَاءٌ قَبَضَهَا، أَوْ فَارَقَهُ قَبْلَ الْحَطِّ؛ لِأَنَّهُ بِالْتِحَاقِ الْقَبْضِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لَا يَظْهَرُ الرِّبَا هُنَا؛ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَالْقَدْرُ الْمَحْطُوطُ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا، فَيَجِبُ رَدُّهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَبَضَ فَوْقَ حَقِّهِ، وَتَرْكُ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ فِي مِثْلِهِ لَا يَضُرُّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْبَدَلِ الَّذِي مِنْ قِبَلِهِ فَعِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛
-
إذَا قَبِلَ الْآخَرُ الزِّيَادَةَ، وَعِنْدَهُمَا الزِّيَادَةُ تَبْطُلُ، وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ الزِّيَادَةُ تَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إفْسَادُ أَصْلِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَتْ ثَوْبًا فَتَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَضُرَّهُمَا شَيْئًا كَمَا لَوْ كَانَ مَذْكُورًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ؛
-
لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ بَيْعٌ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ النُّقُودِ يُشْتَرَطُ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ، وَالْتُحِقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَكَانَ بَدَلَ الصَّرْفِ، فَشَرَطَ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ، إلَّا أَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فِي أَصْلِ بَدَلِ الصَّرْفِ،
-
وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ الزِّيَادَةِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الزِّيَادَةِ خَاصَّةً كَمَا لَوْ كَانَ مَذْكُورًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى افْتَرَقَا.
-
وَلَوْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَتَقَابَضَا،
-
ثُمَّ زَادَ مُشْتَرِي السَّيْفِ دِرْهَمًا، أَوْ دِينَارًا فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ فِي الْحِلْيَةِ إنَّمَا هِيَ فِي ثَمَنِ السَّيْفِ،
-
فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تُلْتَحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ مَذْكُورَةً فِي الْعَقْدِ، كَانَتْ بِمُقَابَلَةِ السَّيْفِ دُونَ الْحِلْيَةِ،
-
وَلَوْ كَانَ بَائِعُ السَّيْفِ زَادَهُ دِينَارًا
-
أَوْ قَبَضَهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ جَازَ،
-
وَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ اُنْتُقِضَ مِنْ الثَّمَنِ بِحِصَّةِ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ صَارِفٌ سَيْفًا مُحَلًّى، وَدِينَارًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَخَمْسُونَ دِرْهَمًا مِنْ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الْحِلْيَةِ، وَتُقْسَمُ الْخَمْسُونَ الْبَاقِيَةُ عَلَى قِيمَةِ الدِّينَارِ، وَقِيمَةِ السَّيْفِ بِغَيْرِ حِلْيَةٍ، فَمَا يَخُصُّ الدِّينَارَ يَجِبُ رَدُّهُ؛
-
لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَبْطُلُ فِيهِ بِتَرْكِ قَبْضِ الدِّينَارِ فِي الْمَجْلِسِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى قَلْبَ فِضَّةٍ فِيهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةٍ، وَاشْتَرَى هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ،
-
ثُمَّ بَاعَهَا بِرِبْحِ دَهٍ يازده، أَوْ بِوَضِيعَةِ عُشْرِ أَحَدَ عَشَرَ جَازَتْ حِصَّةُ الثَّوْبِ،
-
وَلَا تَجُوزُ حِصَّةُ الْقَلْبِ لِمَعْنَى الرِّبَا، وَهَذَا قَوْلُهُمَا، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ كُلُّهُ؛ لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ،
-
وَلَوْ قَالَ أَبِيعُكَهُمَا بِوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عِشْرِينَ، أَوْ بِزِيَادَةِ دِرْهَمٍ عَلَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا كَانَ جَائِزًا، وَكَانَتْ الْفِضَّةُ بِمِثْلِهَا، وَالثَّوْبُ بِمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسِبْ الْعِشْرِينَ إلَى رَأْسِ الْمَالِ،
-
وَلَا إلَى مَا قَامَ عَلَيْهِ بِهِ فَكَانَ هَذَا بَيْعَ مُسَاوِمَةٍ، وَفِي بَيْعِ الْمُسَاوِمَةِ يُقَابِلُ الْفِضَّةَ مِثْلُ وَزْنِهَا، وَالْبَاقِي بِمُقَابِلِ الثَّوْبِ
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ نَصٌّ عَلَى بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ فِيهِمَا، وَفِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ الرِّبْحِ بِمُقَابَلَةِ الثَّوْبِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى فِضَّةً بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَزْنُهَا كَذَلِكَ، وَاشْتَرَى شَيْئًا بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَزْنُهَا كَذَلِكَ، وَاشْتَرَى سَيْفًا بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا بِجَفْنِهِ وَحَمَائِلِهِ،
-
ثُمَّ أَنْفَقَ عَلَيْهِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الصِّيَاغَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ،
-
ثُمَّ قَالَ: يُقَوَّمُ عَلَيَّ بِمِائَةٍ، وَعَشَرَةٍ، فَبَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى ذَلِكَ بِرِبْحِ عَشَرَةٍ أَحَدَ عَشَرِ أَوْ بِرِبْحِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِجَعْلِ بَعْضِ الرِّبْحِ بِمُقَابَلَةِ الْفِضَّةِ، وَالْكُلُّ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ،
-
فَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ فِي بَعْضِهِ، فَسَدَ فِي كُلِّهِ،
-
وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ، وَالنَّفَقَةُ دَنَانِيرَ جَازَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَا يَظْهَرُ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْمُقَابَلَةِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى فَلْسًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَفِيهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَقَبَضَ الْقَلْبَ، وَغَصَبَهُ الْآخَرُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ ذَلِكَ،
-
ثُمَّ افْتَرَقَا؛ فَهُوَ ضَامِنٌ ثَمَنَ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ بَقَاءِ الْعَقْدِ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَإِنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِحَقِّهِ،
-
وَإِنْ أُخِذَ عَلَى سَبِيلِ الْغَصْبِ، وَالْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ ظَفِرَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ، فَيَكُونُ بِالْقَبْضِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ لَا مُسْتَقْرِضًا،
-
وَلَا قَابِضًا، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ هُنَا،
-
بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ قَبْلَ عَقْدِ الصَّرْفِ إذَا جَعَلَا بَدَلَ الصَّرْفِ قِصَاصًا بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى الْقَلْبَ مَعَ ثَوْبٍ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَقَبَضَ الْقَلْبَ، وَنَقَدَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ،
-
ثُمَّ افْتَرَقَا، كَانَ الْمَنْقُودُ مِنْ الْقَلْبِ خَاصَّةً - اسْتِحْسَانًا -؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَحَقٌّ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَبْضُ ثَمَنِ الثَّوْبِ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ، وَفِي سَائِرِ الْبُيُوعِ إنَّمَا يُجْعَلُ الْمَنْقُودُ مِنْ ثَمَنِهِمَا؛ لِأَجْلِ الْمُعَاوَضَةِ، وَالْمُسَاوَاةِ وَلَا مُعَاوَضَةَ بَيْنَ الْمُسْتَحَقِّ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ؛ وَلِأَنَّ فِي
-
جَعْلِ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِهِمَا هُنَا نَقْضَ الْبَيْعِ فِي نِصْفِ الْقَلْبِ، وَلَمَّا كَانَ يُسْتَحْسَنُ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ فَالِاسْتِحْسَانُ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ فَسَادِهِ بَعْدَ الصِّحَّةِ أَوْلَى،
-
وَلَوْ نَقَدَهُ الْعَشَرَةَ، وَقَالَ: هِيَ مِنْ ثَمَنِهِمَا جَمِيعًا فَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إلَى الشَّيْئَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - {: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} ، وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْمَالِحُ، وَقَالَ - تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} فَالْمُرَادُ بِهِ الْإِنْسُ خَاصَّةً، فَهُنَا وَإِنْ قَالَ: هُوَ مِنْ ثَمَنِهِمَا فَقَدْ قَصَدَ إيفَاءَ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَإِيفَاءُ ثَمَنِ الْقَلْبِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ مُسْتَحَقٌّ
-
بِخِلَافِ ثَمَنِ الثَّوْبِ فَيَصْرِفُ ذَلِكَ إلَى ثَمَنِ الْقَلْبِ،
-
وَإِنْ قَالَ: هِيَ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ خَاصَّةً، وَقَالَ الْآخِرُ: نَعَمْ، أَوْ قَالَ: لَا، وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْعَقْدِ، أَوْ الْإِضَافَةِ،
-
وَلَا مُسَاوَاةَ بَعْدَ تَصْرِيحِ الدَّافِعِ؛ بِكَوْنِ الْمَدْفُوعِ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ خَاصَّةً، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ جِهَتِهِ.
-
قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَقَبَضَ السَّيْفَ، وَنَقَدَهُ خَمْسِينَ، وَقَالَ هِيَ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ دُونَ الْحِلْيَةِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْقَابِضُ، أَوْ لَمْ يَرْضَ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَفِي الْقِيَاسِ: هُوَ لَمَّا صَرَّحَ بِهِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِافْتِرَاقِهِمَا كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَجَعَلَ الْمَنْقُودَ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ هُنَا؛
-
لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا الْمَنْقُودَ ثَمَنَ الْحِلْيَةِ يَصِحُّ الْقَبْضُ، وَالدَّفْعُ،
-
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ ثَمَنَ السَّيْفِ يَبْطُلُ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِبُطْلَانِهِ فِي حِصَّةِ السَّيْفِ فَيَجِبُ رَدُّ الْمَقْبُوضِ فَكَانَ هَذَا تَصْرِيحًا بِمَا لَا يُفِيدُ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ
-
بِخِلَافِ الثَّوْبِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَوْ جَعَلْنَا الْمَنْقُودَ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ سُلِّمَ لِلْقَابِضِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، يُوَضِّحُهُ: أَنَّ الْحِلْيَةَ وَالسَّيْفَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَفِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُ فِي الْمَنْقُودِ أَنَّهُ ثَمَنُ هَذَا الْجَانِبِ دُونَ الْجَانِبِ الْآخَرِ
-
بِخِلَافِ الْقَلْبِ، وَالثَّوْبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ دَنَانِيرَ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى فِضَّةً بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ، وَاشْتَرَى سَيْفًا، وَجَفْنًا، وَحَمَائِلَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ، وَأَنْفَقَ عَلَى صِنَاعَتِهِ، وَتَرْكِيبِهِ دِينَارًا،
-
ثُمَّ بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى ذَلِكَ بِرِبْحِ دَهٍ يازده، وَتَقَابَضَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ لَا يَظْهَرُ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْمُقَابَلَةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَلْبُ فِضَّةٍ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِدِينَارٍ، وَثَوْبٌ لِآخَرَ يُقَوَّمُ بِدِينَارَيْنِ فَبَاعَاهُمَا مُرَابَحَةً بِرِبْحِ دِينَارٍ، أَوْ بِرِبْحِ ده يازده،
-
فَإِنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الْبَاقِيَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ مَقْسُومٌ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ كَانَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا،
-
وَإِنْ كَانَ قَلْبُ فِضَّةٍ لِرَجُلٍ، وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَثَوْبٌ لِآخَرَ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَبَاعَاهُ مِنْ رَجُلٍ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الَّذِي لَهُ إلَّا أَنَّ
-
الْبَيْعَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ نَقَدَ الْمُشْتَرِي صَاحِبَ الْقَلْبِ عَشَرَةً، فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَوَلَّى بَيْعَ مِلْكِهِ بِنَفْسِهِ فَإِلَيْهِ قَبْضُ ثَمَنِهِ،
-
وَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرِكَةٌ فِي الْمَبِيعِ،
-
وَلَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ إنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ ثَمَنُ الثَّوْبِ،
-
وَلَوْ بَاعَا جَمِيعًا الثَّوْبَ، وَبَاعَا جَمِيعًا الْقَلْبَ فَنُقِدَ صَاحِبُ الْقَلْبِ عَشَرَةً ثُمَّ تَفَرَّقَا اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْقَلْبِ،
-
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَ بَائِعُهُمَا، وَاحِدًا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ جَعَلْنَا الْمَنْقُودَ - اسْتِحْسَانًا - لِعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ، وَغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ هُنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتَحَقَّ قَبْضَ نِصْفِ ثَمَنِ الْقَلْبِ،
-
فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَبْضِ لِلْعَاقِدِ سَوَاءٌ بَاشَرَهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ بَاعَا جَمِيعًا الْقَلْبَ، وَالْقَابِضُ أَحَدُهُمَا،
-
فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ نِصْفِ الْمَنْقُودِ عِوَضَ مَا بَاعَهُ الْآخَرُ مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ،
-
فَإِنْ قَالَا كَذَلِكَ فَإِنَّ قَبْضَ الْمُوَكِّلِ مِنْ الْقَلْبِ كَقَبْضِ الْوَكِيلِ فَصَاحِبُ الْقَلْبِ إذَا قَبَضَ ثَمَنَ الْقَلْبِ، وَهُوَ فِي النِّصْفِ عَاقِدٌ، وَفِي النِّصْفِ مُوَكَّلٌ أَمْكَنَ جَعْلُ الْمَنْقُودِ كُلِّهِ ثَمَنَ الْقَلْبِ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ التَّرْجِيحَ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَقَبْضُ الْمُوَكِّلِ غَيْرُ مُسْتَحَقٌّ لَهُ بِالْعَقْدِ، فَانْعَدَمَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجَلِهِ رَجَّحْنَا ثَمَنَ الْقَلْبِ.
-
وَلَوْ بَاعَ لُؤْلُؤَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنَّ فِيهَا مِثْقَالًا،
-
فَإِذَا فِيهَا مِثْقَالَانِ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي اللُّؤْلُؤِ صِفَةٌ وَالْعَقْدُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ عَلَى عَيْنِهِ لَا عَلَى صِفَتِهِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهَا أَلْفُ ذِرَاعٍ فَإِذَا هِيَ أَلْفٌ، وَخَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا عَلَى جَمِيعِهَا لِأَنَّ الذُّرْعَانَ فِي الدَّارِ صِفَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِاخْتِلَافِهَا تَخْتَلِفُ صِفَةُ الْعَيْنِ فِي الضِّيقِ، وَالسَّعَةِ،
-
وَلَا يَتَبَدَّلُ الِاسْمُ، وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا عَلَى أَنَّهَا أَلْفُ ذِرَاعٍ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِأَلْفٍ، وَخَمْسِمِائَةٍ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِجَعْلِ كُلِّ دِرْهَمٍ بِمُقَابَلَةِ كُلٍّ ذِرَاعٍ، وَقَدْ تَغَيَّرَ عَلَى الْمُشْتَرِي شَرْطُ عَقْدِهِ، فَإِنَّهُ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنْ تُسَلَّمَ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَالْآنَ لَا تُسَلَّمُ لَهُ إلَّا بِأَلْفٍ، وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَزِمَهُ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ، وَلَمْ يَرْضَ بِالْتِزَامِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ.
-
وَكَذَلِكَ قَلْبُ فِضَّةٍ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنَّ فِيهِ عَشَرَةً،
-
فَإِذَا فِيهِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، فَهَذَا كُلُّهُ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ سَوَاءٌ قَالَ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ أَوْ لَمْ يَقُلْ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا إنْ لَمْ يَكُنْ تَفَرَّقَا عَنْ الْمَجْلِسِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَزُفَرُ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - الْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا نَصَّا عَلَى عَقْدِ الرِّبَا بِتَسْمِيَةِ الْعَشَرَةِ بِمُقَابَلَةِ قَلْبِ، وَزْنِهِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَلَكِنَّا نَقُولُ مِثْلَ وَزْنِهَا فِي الْبَيْعِ، وَذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ فَيَكُونُ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ دِرْهَمٌ دِرْهَمًا صَرَّحَا بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُصَرِّحَا، وَعِنْدَ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ جَازَ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِ الْقَلْبِ بِمِثْلِ وَزْنِهِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛
-
لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ شَرْعًا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ
-
تَنْصِيصِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الذُّرْعَانِ فِي الدَّارِ،
-
ثُمَّ إنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا يُخَيَّرُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ زِيَادَةٌ فِي ثَمَنِ الْقَلْبِ لَمْ يَرْضَ بِهَا،
-
فَإِنْ كَانَ تَفَرَّقَا جَازَ لَهُ نِصْفُ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ مَا قَبَضَ إلَّا ثَمَنَ نِصْفِ الْقَلْبِ، فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ الْقَلْبَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَنَقَدَ فِي الْمَجْلِسِ عَشَرَةً، وَلِهَذَا لَا يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ بِفِعْلِهِ، وَهِيَ الْمُفَارَقَةُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ بَعْضَ الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِدِينَارٍ فَهُوَ كُلُّهُ بِدِينَارٍ؛
-
لِأَنَّ الْمُسَمَّى هُنَا بِمُقَابَلَةِ عَيْنِ الْقَلْبِ، وَالْوَزْنُ فِي الْقَلْبِ صِفَةٌ فَإِنَّ الْقَلْبَ مِمَّا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ، وَفِيمَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ الْوَزْنُ صِفَةٌ،
-
فَإِنَّ بِاخْتِلَافِ الْوَزْنِ تَخْتَلِفُ صِفَتُهُ فَيَكُونُ أَثْقَلَ، أَوْ أَخَفَّ، وَلَكِنْ لَا يَتَبَدَّلُ اسْمُ الْعَيْنِ،
-
وَلَوْ كَانَ قَالَ: كُلُّ دِرْهَمٍ بِعُشْرِ دِينَارٍ، أَخَذَهُ بِدِينَارَيْنِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَعْقَبَ مِنْهُمْ كَلَامَهُ تَفْسِيرًا فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِذَلِكَ التَّفْسِيرِ، وَيَصِيرُ بَائِعًا كُلَّ دِرْهَمٍ مِنْ الْقَلْبِ بِعُشْرِ دِينَارٍ فَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْقَلْبُ أَنْقُصَ وَزْنًا فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، وَثُبُوتُ الْجَوَازِ هُنَا،
-
وَإِنْ انْتَقَصَ عَنْهُ الثَّمَنُ لَتَغَيَّرَ شَرْطُ عَقْدِهِ، وَقَدْ يَرْغَبُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبٍ وَزْنُهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ،
-
وَلَا يَرْغَبُ فِيمَا إذَا كَانَ وَزْنُهُ خَمْسَةُ مَثَاقِيلَ.
-
وَلَوْ بَاعَ قَلْبَ فِضَّةٍ فِيهِ عَشَرَةٌ، وَثَوْبًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَنَقَدَهُ مِنْهَا عَشَرَةً، وَقَالَ: نِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ، وَنِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ، وَتَفَرَّقَا، انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الْمَنْقُودِ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ،
-
وَلَوْ نَصَّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَنْقُودِ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ جُعِلَ مِنْ ثَمَنِهِ خَاصَّةً، فَكَذَلِكَ نِصْفُهُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: الْمَنْقُودُ مِنْ ثَمَنِهِمَا جَمِيعًا فَإِنَّهُ يُجْعَلُ كُلُّهُ مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا صَرَّحَ بِهِ بَقِيَ فِيهِ بَعْضُ الِاحْتِمَالِ فَقَدْ يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى شَيْئَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا كَمَا فِي - قَوْله تَعَالَى -: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ، وَالْمَرْجَانُ} ، - وقَوْله تَعَالَى -: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ،} أَمَّا هُنَا بَعْدَ التَّصْرِيحِ عَلَى التَّنْصِيفِ لَا يَبْقَى احْتِمَالُ جَعْلِ الْكُلِّ بِمُقَابَلَةِ الْقَلْبِ،
-
وَأَمَّا فِي السَّيْفِ إذَا سُمِّيَ فَقَالَ: نِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ، وَنِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ،
-
ثُمَّ تَفَرَّقَا لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْكُلَّ بِمُقَابَلَةِ السَّيْفِ لَمْ يُعْتَبَرْ تَصْرِيحُهُ: إمَّا؛ لِأَنَّ السَّيْفَ مَعَ الْحِلْيَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَتَصْرِيحُهُ عَلَى أَنَّ الْمَنْقُودَ عُوِّضَ جَانِبٌ مِنْهُ دُونَ جَانِبٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ، أَوْ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَا يَسْلَمُ لَهُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ؛
-
لِأَنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِي السَّيْفِ بِبُطْلَانِهِ فِي الْحِلْيَةِ، أَوْ فِي بَعْضِهَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنْ قَصْدَهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ الْمَقْبُوضُ لِلْقَابِضِ،
-
وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ الْحِلْيَةِ.
-
وَلَوْ قَالَ: أَبِيعُكَ السَّيْفَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَخَمْسِينَ نَقْدًا مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ، وَالْحِلْيَةِ، وَخَمْسِينَ نَسِيئَةٍ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ، وَالْحِلْيَةِ،
-
ثُمَّ تَفَرَّقَا، كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ الْأَجَلِ فِي بَعْضِ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَالسَّيْفُ شَيْءٌ وَاحِدٌ،
-
فَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ فِي بَعْضِهِ فَسَدَ فِي كُلِّهِ،
-
وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الْقَلْبِ
-
وَالثَّوْبِ فَسَدَ الْبَيْعُ أَيْضًا، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي الثَّوْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى سَيْفًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ حِلْيَتَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَتَقَابَضَا فَإِذَا حِلْيَتُهُ سِتُّونَ دِرْهَمًا، وَلَمْ يَتَفَرَّقَا، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ زَادَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَأَخَذَ السَّيْفَ،
-
وَإِنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَمَّى وَزْنَ الْحِلْيَةِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَقَدْ صَرَّحَ بِتَسْمِيَةِ الْخَمْسِينَ بِمُقَابَلَةِ السَّيْفِ،
-
فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ الْحِلْيَةَ سِتُّونَ دِرْهَمًا، وَبِمُقَابَلَةِ كُلِّ دِرْهَمٍ دِرْهَمٌ شَرْعًا، ظَهَرَ أَنَّ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ سِتُّونَ دِرْهَمًا، وَيَكُونُ ثَمَنُهَا مِائَةً، وَعَشَرَةً، وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ كَانَا تَفَرَّقَا فَالْبَيْعُ مُنْتَقَضٌ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ سُدُسِ الْحِلْيَةِ لَمْ يُقْبَضْ فِي الْمَجْلِسِ، وَبِانْتِقَاضِ الْعَقْدِ فِي الْحِلْيَةِ يُنْتَقَضُ فِي جَمِيعِ السَّيْفِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ مِائَةُ دِرْهَمٍ،
-
فَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ شَاءَ زَادَهُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَأَخَذَ السَّيْفَ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؛ لِأَنَّ بِمُقَابَلَةِ السَّيْفِ خَمْسِينَ، وَبِمُقَابَلَةِ الْحِلْيَةِ مِثْلَ وَزْنِهَا، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْإِبْرِيقِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ نِصْفِ الْإِبْرِيقِ جَائِزٌ فَيُمْكِنُ إيفَاءُ الْعَقْدِ فِي نِصْفِ الْإِبْرِيقِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، وَبَيْعُ نِصْفِ الْحِلْيَةِ لَا يَجُوزُ،
-
وَكَذَلِكَ بَيْعُ السَّيْفِ مَعَ نِصْفِ الْحِلْيَةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا فِي التَّسْلِيمِ،
-
فَإِذَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْبَعْضِ بَطَلَ فِي الْكُلِّ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى، وَزْنُ حِلْيَتِهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَتَقَابَضَا وَافْتَرَقَا،
-
فَإِذَا فِي السَّيْفِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِتَسْمِيَةِ وَزْنِ الْحِلْيَةِ مُسَمِّيًا بِمُقَابَلَةِ خَمْسَةِ دَنَانِيرَ، وَبِمُقَابَلَةِ الْحِلْيَةِ خَمْسَةِ دَنَانِيرَ،
-
فَلَا يَضُرُّهُ زِيَادَةُ وَزْنِ الْحِلْيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْقَلْبِ نَظِيرَهُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى قَلْبَ فِضَّةٍ بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّ فِيهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ،
-
فَإِذَا فِيهِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا فِي الْكُلِّ،
-
وَلَوْ كَانَ مَكَانُ الْقَلْبِ نَقْرَةً؛ رَدَّ نِصْفَهَا؛ لِأَنَّ النُّقْرَةَ لَا يَضُرُّهَا التَّبْعِيضُ، وَالْعَقْدُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى مِنْ الْوَزْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْكَ وَزْنَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ هَذِهِ النُّقْرَةِ يَجُوزُ،
-
وَلَوْ قَالَ: مِنْ هَذَا الْقَلْبِ لَا يَجُوزُ.
-
وَلَوْ بَاعَ قَلْبَ فِضَّةٍ لِرَجُلٍ، وَكَّلَهُ بِبَيْعِهِ، وَوَكَّلَهُ آخَرُ بِبَيْعِ الثَّوْبِ، فَبَاعَهُمَا جَمِيعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِدِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، عَلَى أَنَّ ثَمَنَ الثَّوْبِ الدِّينَارُ، وَثَمَنَ الْقَلْبِ الدَّرَاهِمُ كَانَ جَائِزًا،
-
وَإِنْ دَفَعَ الْقَلْبَ، وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَلَا يُشْرِكُهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ فِي ثَمَنِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَمًّى عَلَى حِدَةٍ، وَبَيْعُ الْوَكِيلِ بِثَمَنٍ مُنْفَصِلٍ، كَبَيْعِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، عَشَرَةٌ بِيضٌ ثَمَنُ الْقَلْبِ، وَعَشَرَةٌ سُودٌ ثَمَنُ الثَّوْبِ فَهَذَا التَّفْصِيلُ، وَتَفْصِيلُ الْعَشَرَةِ، وَالدِّينَارِ سَوَاءٌ،
-
وَلَوْ بَاعَهُمَا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَحَدَهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ،
-
ثُمَّ نَقَدَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَانَ الْمَنْقُودُ ثَمَنَ الْقَلْبَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ وَاحِدٌ، وَهُوَ
-
الْمُسْتَحِقُّ بِقَبْضِ جَمِيعِ الثَّمَنِ، فَهَذَا وَمَا لَوْ بَاعَهُمَا لِنَفْسِهِ سَوَاءٌ،
-
وَإِذَا كَانَ الْمَنْقُودُ مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ شَرْعًا، كَانَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَمْلِكُ الْأَصْلَ،
-
وَلَا يُشْرِكُهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ فِيهَا؛ لِانْعِدَامِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ الْقَلْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا عَشَرَةٌ نَقْدًا، وَعَشَرَةٌ نَسِيئَةً، فَقَبَضَ النَّقْدَ، وَقَبْضَ الثَّوْبَ وَالْقَلْبَ، كَانَ جَائِزًا، وَكَانَ الْمَنْقُودُ مِنْ الْقَلْبِ خَاصَّةً، وَالنَّسِيئَةُ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَ الْبَعْضَ فِي الْمَجْلِسِ دُونَ الْبَعْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
-
(قَالَ: الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيِّ إمْلَاءً: اعْلَمْ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ وَالْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ شَرْعًا نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْعَارِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ وَالْآخَرُ: بِعِوَضٍ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَجَوَازُ هَذَا الْعَقْدِ عُرِفَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} أَيْ فِي الْعَمَلِ بِأَجْرٍ وَقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} ، وَمَا ثَبَتَ شَرِيعَةً لِمَنْ قَبْلَنَا فَهُوَ لَازِمٌ لَنَا مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى انْفِسَاخِهِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفّ عَرَقَهُ» فَالْأَمْرُ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ دَلِيلُ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يُؤَاجِرُونَ وَيَسْتَأْجِرُونَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَبَيَّنَ أَحْكَامَهُ وَزَعَمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَ هَذَا الْعَقْدِ؛
-
لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَى الْمَعْدُومِ وَهِيَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي تُوجَدُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مِلْكُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوُجُودِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِانْعِقَادِ الْعَقْدِ وَالْمَعْدُومُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْعَقْدِ مُضَافًا؛
-
لِأَنَّ الْمُعَاوَضَاتِ لَا تَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ (قَالَ:) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَاشْتِرَاطُ الْوُجُودِ وَالْمِلْكِ فِيمَا يُضَافُ إلَيْهِ الْعَقْدُ لِعَيْنِهِ بَلْ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَانِعِ فَإِنَّ الْوُجُودَ يُعْجِزُهُ عَنْ التَّسْلِيمِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ هُنَا؛
-
لِأَنَّ الْمَنَافِعَ أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى وَقْتَيْنِ وَالتَّسْلِيمَ حُكْمُ الْعَقْدِ وَالْحُكْمُ يَعْقُبُ السَّبَبَ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الْمَوْجُودِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ فَإِذَا كَانَ بِالْوُجُودِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْوُجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَكِنْ تُقَامُ الْعَيْنُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا مَوْجُودَةً فِي مِلْكِ الْعَقْدِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حُكْمِ جَوَازِ الْعَقْدِ وَلُزُومِهِ كَمَا تُقَامُ الْمَرْأَةُ مَقَامَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ وَالتَّسْلِيمِ
-
وَتُقَامُ الذِّمَّةُ الَّتِي هِيَ مَحِلُّ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَقَامَ مِلْكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ جَوَازِ السَّلَمِ، أَوْ
-
يُجْعَلُ الْعَقْدُ مُضَافًا لِلِانْعِقَادِ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ لِيَقْتَرِنَ الِانْعِقَادُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَيَتَحَقَّقُ بِهَذَا الطَّرِيقِ التَّمَكُّنُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: إنَّ الْإِجَارَةَ عُقُودٌ مُتَفَرِّقَةٌ يَتَجَدَّدُ انْعِقَادُهَا بِحَسْبِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ كَذَلِكَ
-
لِحَاجَةِ النَّاسِ
-
فَالْفَقِيرُ مُحْتَاجٌ إلَى مَالِ الْغَنِيِّ وَالْغَنِيُّ مُحْتَاجٌ إلَى عَمَلِ الْفَقِيرِ وَحَاجَةُ النَّاسِ أَصْلٌ فِي شَرْعِ الْعُقُودِ فَيُشْرَعُ عَلَى وَجْهٍ تَرْتَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ وَيَكُونُ مُوَافِقًا لِأُصُولِ الشَّرْعِ،
-
ثُمَّ يَرِدُ هَذَا الْعَقْدُ تَارَةً عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَعَلَى الْعَمَلِ أُخْرَى وَفِي الْوَجْهَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ عَلَى وَجْهٍ تَنْقَطِعُ بِهِ الْمُنَازَعَةُ فَإِعْلَامُ الْمَنْفَعَةِ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، أَوْ الْمَسَافَةِ، وَذِكْرُ الْمُدَّةِ لِبَيَانِ مِقْدَارِ الْعُقُودِ عَلَيْهِ لَا لِلتَّوْقِيتِ فِي الْعَقْدِ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَمَّا كَانَتْ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَمِقْدَارُهَا يَصِيرُ مَعْلُومًا بِبَيَانِ الْمُدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ، أَوْ بِبَيَانِ الْمَسَافَةِ فَإِنَّ مِقْدَارَ السَّيْرِ وَالْمَشْيِ يَصِيرُ بِهِ مَعْلُومًا وَإِعْلَامُ الْعَمَلِ بِبَيَانِ مَحَلِّهِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِيهِ وَصْفٌ يُحْدِثُهُ فِي الْمَحَلِّ مِنْ قِصَارَةٍ، أَوْ دِبَاغَةٍ، أَوْ خِيَاطَةٍ فَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُهُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ؛
-
وَلِهَذَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْعَمَلِ بِيَدِهِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ مُفِيدٌ فَبَيْنَ النَّاسِ تَفَاوُتٌ فِي إقَامَةِ الْعَمَلِ بِأَيْدِيهِمْ وَكَمَا يَجِبُ إعْلَامُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ يَجِبُ إعْلَامُ الْبَدَلِ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الْكِتَابُ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَنْكِحُ عَلَى خِطْبَتِهِ وَقَالَ: لَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» .
-
وَهَذَا حَدِيثٌ طَوِيلٌ بَدَأَ بِبَعْضِهِ كِتَابُ النِّكَاحِ وَبِبَعْضِهِ كِتَابُ الْإِجَارَاتِ وَهُوَ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بِالْقَبُولِ وَبِالْعَمَلِ بِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِاسْتِيَامُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ.
-
وَهَذَا اللَّفْظُ يُرْوَى بِرِوَايَتَيْنِ بِكَسْرِ الْمِيمِ فَيَكُونُ نَهْيًا وَالنَّهْيُ مَجْزُومٌ وَلَكِنَّ الْمَجْزُومَ إذَا حُرِّكَ لِاسْتِقْبَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ، وَبِرَفْعِ الْمِيمِ وَهُوَ نَهْيٌ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَأَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ النَّهْيِ هَذَا كَالْأَمْرِ فَإِنَّ أَبْلَغَ الْأَمْرِ مَا يَكُونُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ
-
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ إذَا اسْتَامَ عَلَى سَوْمِ الْغَيْر وَاشْتَرَى، أَوْ نَكَحَ عَلَى خِطْبَةِ الْغَيْرِ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا نَهْيٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ وَهُوَ الْأَذَى وَالْوَحْشَةُ الَّذِي يَلْحَقُ صَاحِبَهُ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْعَقْدِ فِي شَيْءٍ فَيُوجِبُ الِاسْتِيَاءَ وَلَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ،
-
ثُمَّ هَذَا النَّهْيُ بَعْدَ مَا رَكَنَ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ،
-
فَأَمَّا إذَا سَاوَمَهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَرْكَنْ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ فَلَا بَأْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يُسَاوِمَهُ وَيَشْتَرِيَهُ
-
عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِعَبْدٍ فَسَاوَمَهُ وَلَمْ يَشْتَرِهِ فَاشْتَرَاهُ آخَرُ فَأَعْتَقَهُ.» الْحَدِيثُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ قَعْبًا وَحِلْسًا بِبَيْعِ مَنْ يَزِيدُ» وَصِفَةُ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ أَنْ يُنَادِيَ الرَّجُلُ عَلَى سِلْعَتِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَائِبِهِ وَيَزِيدُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَمَا لَمْ يَكُفَّ عَنْ النِّدَاءِ فَلَا بَأْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَزِيدَ وَإِذَا سَاوَمَهُ إنْسَانٌ بِشَيْءِ فَكَفَّ عَنْ النِّدَاءِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ لِلْغَيْرِ أَنْ يَزِيدَ وَيَكُونُ هَذَا اسْتِيَامًا عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا خَطَبَ امْرَأَةً وَلَمْ تَرْكَنْ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَخْطُبَهَا عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ إنَّ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُنِي، وَإِنَّ أَبَا الْجَهْمِ يَخْطُبُنِي فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَهُوَ لَا يَرْفَعُ الْعَصَا عَنْ أَهْلِهِ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَإِنَّكِ تَجِدِينَ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» ،
-
فَأَمَّا بَعْدَ مَا رَكَنَ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَذَى إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَالْمُرَادُ بِالنَّجْشِ الْإِثَارَةُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الصَّيَّادُ نَاجِشًا؛ لِأَنَّهُ يَنْثُرُ الصَّيْدَ عَنْ أَوْكَارِهَا فَالْمُرَادُ أَنْ يَطْلُبَ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُسَاوِي ذَلِكَ وَلَا يَقْصِدُ شِرَاءَهَا وَإِنَّمَا يَقْصِدُ أَنْ يُرَغِّبَ الْغَيْرَ فِي شِرَائِهَا بِهِ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْخِدَاعِ وَالْغُرُورِ
-
وَقَوْلُهُ: «وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «وَلَا تَنَابَذُوا» وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا فَالنَّبْذُ هُوَ الطَّرْحُ وَهَذِهِ أَنْوَاعُ بُيُوعٍ كَانُوا تَعَارَفُوهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهِيَ أَنْ يَرْمِيَ الْحَجَرَ إلَى سِلْعَةِ إنْسَانٍ فَإِنْ أَصَابَهَا وَجَبَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَطْلُبَ سِلْعَةً مِنْ إنْسَانٍ فَإِنْ طَرَحَ إلَيْهِ صَاحِبُهَا وَجَبَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا،
-
ثُمَّ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» وَمَقْصُودُهُ آخِرَ الْحَدِيثِ «وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَهَذَا دَلِيلُ جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَجَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْحُرِّ لِلْعَمَلِ وَوُجُوبِ إعْلَامِ الْأَجْرِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْأَجْرِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ؛
-
لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِعْلَامِ وَلَوْ كَانَ التَّسْلِيمُ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَلِيُؤْتِهِ أَجْرَهُ وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالْمُسَارَعَةِ إلَى أَدَاءِ الْأُجْرَةِ وَجَعَلَ أَوَّلَ أَوْقَاتِ الْمُسَارَعَةِ مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ قَبْلَ جُفُوفِ الْعَرَقِ فَدَلَّ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ هَذَا وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إنِّي أَكَرِي إبِلِي إلَى مَكَّةَ أَفَتَجْزِينِي مِنْ حَجَّتِي؟ فَقَالَ: أَلَسْتَ تُلَبِّي وَتَقِفُ وَتَرْمِي الْجِمَارَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْتُمْ حَاجٌّ» .
-
وَفِي هَذَا دَلِيلُ جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَجَوَازِ كِرَاءِ الْإِبِلِ إلَى مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَسَافَةِ فِي الْإِعْلَامِ كَبَيَانِ الْمُدَّةِ،
-
ثُمَّ أُشْكِلَ عَلَى السَّائِلِ حَالَ حَجِّهِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لِتَعَاهُدِ إبِلِهِ وَاكْتِسَابِ الْكِرَاءِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ اكْتِسَابَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ فَأَزَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إشْكَالَهُ بِمَا ذَكَرَ لَهُ مِنْ مُبَاشَرَةِ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَهَذَا بَيَانٌ لَهُ أَنَّ بِالذَّهَابِ لَا يَتَأَدَّى الْحَجُّ وَإِنَّمَا يَتَأَدَّى بِالْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالرَّمْيِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ لَا يَبْتَغِي عَرَضَ الدُّنْيَا وَهَذَا جَوَابٌ تَامٌّ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَزِيدَهُ وُضُوحًا فَرَوَى الْحَدِيثَ؛
-
لِأَنَّ الْأَوَّلَ دَلِيلٌ يُسْتَدْرَكُ بِالتَّأَمُّلِ وَقَدْ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالسِّرَاجِ وَالْخَبَرُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِالشَّمْسِ وَكَمْ مِنْ عَيْنٍ لَا تُبْصِرُ بِضَوْءِ السِّرَاجِ وَتُبْصِرُ إذَا بَزَغَ الضِّيَاءُ الْوَهَّاجُ
-
ثُمَّ فِيهِ دَلِيلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْتَظِرُ نُزُولَ الْوَحْيِ فِي بَعْضِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ أَخَّرَ جَوَابَ هَذَا السَّائِلِ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ،
-
ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ فِي الْحَجِّ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ التِّجَارَةِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ وَلَمَّا كَانَ إكْرَاءُ الْإِبِلِ فِي مَعْنَاهُ رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْحَدِيثَ فِيهِ وَعَلَى هَذَا قُلْنَا الرُّسْتَاقِيُّ إذَا دَخَلَ الْمِصْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِشِرَاءِ الدُّهْنِ وَاللَّحْمِ وَشَهِدَ الْجُمُعَةَ فَهُوَ فِي الثَّوَابِ، وَاَلَّذِي لَا شُغْلَ لَهُ سِوَى إقَامَةِ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ؛
-
لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُسْلِمِ إقَامَةُ الْعِبَادَةِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ يَكُونُ تَبَعًا لَهُ وَلَا يَتَمَكَّنُ نُقْصَانٌ فِي ثَوَابِ الْعِبَادَةِ وَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَتَى رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ: إنِّي أَجَّرْتُ نَفْسِي مِنْ قَوْمٍ وَحَطَطْتُ لَهُمْ مِنْ أَجْرِي أَفَيُجْزِينِي مِنْ حَجَّتِي؟
-
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - هَذَا مِنْ الدَّيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} الْآيَةَ وَإِنَّمَا أُشْكِلَ عَلَى هَذَا السَّائِلِ مَا أُشْكِلَ عَلَى الْأَوَّلِ وَكَأَنَّهُ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي اُسْتُؤْجِرَ بِدِينَارَيْنِ لِلْخُرُوجِ مَعَ الْمُجَاهِدِ «وَإِنَّمَا لَكَ دِينَارُكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» فَظَنَّ مِثْلَهُ فِي الْحَجِّ وَحَطَّ بَعْضَ الْأَجْرِ بِهِ لِيَرْتَفِعَ بِهِ نُقْصَانُ حَجِّهِ فَإِنَّ الْحَطَّ إحْسَانٌ وَانْتِدَابٌ إلَى مَا نُدِبَ فِي الشَّرْعِ
-
وَمِثْلُهُ مَشْرُوعُ جَبْرِ النُّقْصَانِ الْفَرَائِضِ كَالنَّوَافِلِ فَأَزَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إشْكَالَهُ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ فِي حَجِّهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْكَفِّ عَنْ حَطِّ الْأَجْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ حَجُّهُ بِدُونِهِ تَمَامًا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ لَا يَحْسُنُ، وَهُوَ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
-
بِخِلَافِ حَالِ مِنْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْخُرُوجِ مَعَ الْمُجَاهِدِ؛ فَإِنَّهُ خَرَجَ لِيَخْدُمَ غَيْرَهُ لَا لِيُبَاشِرَ الْجِهَادَ وَهَذَا خَرَجَ لِيُبَاشِرَ أَعْمَالَ الْحَجِّ وَيَخْدُمَ فِي الطَّرِيقِ غَيْرَهُ فَكَانَ هَذَا تَبَعًا لَا يَتَمَكَّنُ بِهِ نُقْصَانٌ
-
فِي الْأَصْلِ.
-
وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْهُ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَائِطٍ فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا الْحَائِطِ فَقُلْتُ لِي اسْتَأْجَرْتُهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ» وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجِبُهُ مِنْ الدُّنْيَا مَا يُعْجِبُ غَيْرَهُ وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَرْكَنُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ} . الْآيَةَ
-
وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْإِعْجَابِ لَا يَضُرُّ أَحَدًا
-
بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ جُهَّالُ الْمُتَعَسِّفَةِ أَنَّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا يَنْتَقِصُ مِنْ الْإِيمَانِ بِقَدْرِهِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» فَلَمَّا أَعْجَبَهُ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ هَذَا وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يَعْنِي الْمَرْءُ فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِئْنَاسِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَفِي قَوْلِ رَافِعٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِي اسْتَأْجَرْتُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إلَى الْمَرْءِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ حَقِيقَةً فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارًا يَسْكُنُهَا فُلَانٌ بِإِجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ حَنِثَ
-
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلُ جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِلْأَرَاضِيِ وَدَلِيلُ فَسَادِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ فَفِي الْمُزَارَعَةِ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُخْرِجُهُ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ حُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَنْ أَجَازَهُ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا وَأَجَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ بِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ يَفْتَحُ بَابَهُ وَيَغْلِقُهُ وَيُخْرِجُ مَتَاعَهُ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ مِنْ غَيْرِهِ وَبِهِ يَقُولُ: فَجَوَازُ هَذَا الْعَقْدُ مِنْ الْمَالِكِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ كَانَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ وَلِأَنَّ الْمَالِكَ مَا كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْوُجُودِ؛
-
لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى، فَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ،
-
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْضِلَ إذَا كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلًا نَحْوَ فَتْحُ الْبَابِ وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ فَيَكُونُ الْفَضْلُ لَهُ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ وَهَذَا فَضْلٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - كَانَ عَطَاءٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَرَى بِالْفَضْلِ بَأْسًا وَيَعْجَبُ مِنْ قَوْلِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - حَيْثُ كَرِهُوا الْفَضْلَ، وَبِقَوْلِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَكْرَهُ الْفَضْلَ إلَّا أَنْ يَزِيدَ فِيهِ شَيْئًا فَإِنْ زَادَ فِيهِ شَيْئًا طَابَ لَهُ الْفَضْلُ وَأَخَذْنَا بِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقُلْنَا إذَا أَصْلَحَ فِي الْبَيْتِ شَيْئًا، أَوْ طَيَّنَ الْبَيْتِ، أَوْ جَصَّصَ، أَوْ زَادَ فِيهِ لَوْحًا فَالْفَضْلُ حَلَالٌ؛
-
لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِمُقَابَلَةِ مَا زَادَ مِنْ عِنْدِهِ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا لَا يَطِيبُ لَهُ فَضْلٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
-
عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَالْمَنْفَعَةُ بِالْعَقْدِ لَمْ تَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ فَيَكُونُ هَذَا اسْتِرْبَاحًا عَلَى مَا لَمْ يَضْمَنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَكَنْسُ الْبَيْتِ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ إنَّمَا هُوَ إخْرَاجُ التُّرَابِ مِنْهُ فَلَا يَطِيبُ الْفَضْلُ بِاعْتِبَارِهِ،
-
وَكَذَلِكَ فَتْحُ الْبَابِ وَإِخْرَاجُ الْمَتَاعِ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ فِي الْبَيْتِ فَلَا يَطِيبُ الْفَضْلُ بِاعْتِبَارِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي الْعَقْدِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْفَضْلُ بِمُقَابَلَتِهِ وَيَطِيبُ لَهُ وَهُوَ تَأْوِيلُ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
-
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُمْ إذَا أَبَضَعُوا بِضَاعَةً أَنْ يُعْطُوا صَاحِبَهَا أَجْرًا كَيْ يَضْمَنَهَا وَهَذَا مِنْهُ إشَارَةٌ إلَّا أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَيَكُونُ دَلِيلًا لِمَنْ يُضَحِّي الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكِ؛
-
لِأَنَّ الْمُسْتَبْضَعَ إذَا أَخَذَ أَجْرًا فَهُوَ أَجِيرٌ عَلَى الْحِفْظِ وَهُوَ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ يَضْمَنُهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَيْ يَضْمَنَ مَا يُتْلِفُ بِعَمَلِهِ مِمَّا يَكُونُ قَصَدَ بِهِ الْإِصْلَاحَ دُونَ الْإِفْسَادِ وَبِهِ نَقُولُ، فَالْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ ضَامِنٌ؛
-
لِمَا جَنَتْ يَدُهُ وَعَنْ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ خَاصَمَ إلَيْهِ يُقَالُ: قَدْ أَجَّرَهُ رَجُلٌ بَيْتًا فَأَلْقَى فِيهِ مِفْتَاحَهُ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ فَقَالَ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْبَيْتِ وَكَانَ هَذَا مَذْهَبَ شُرَيْحٍ فِي الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ فَلِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِفَسْخِهِ؛
-
لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَعْدُومِ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ وَلِأَنَّ الْجَوَازَ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ صِفَةِ اللُّزُومِ وَلَسْنَا نَأْخُذُ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ فَالْإِجَارَةُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَاللُّزُومُ أَصْلٌ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَلِأَنَّ فِي الْمُعَاوَضَاتِ يَجِبُ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَا يَعْتَدِلُ النَّظَرُ بِدُونِ صِفَةِ اللُّزُومِ.
-
ثُمَّ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِحَدِيثِ شُرَيْحٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ وَجْهٍ فَقَالَ: إنْ أَلْقَى إلَيْهِ الْمِفْتَاحَ بِعُذْرٍ لَهُ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْبَيْتِ وَالْعُذْرُ أَنْ يُرِيدَ سَفَرًا، أَوْ يَمْرَضَ فَيُقَوِّمَ، أَوْ يُفْلِسَ فَيُقَوِّمَ مِنْ السُّوقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ شُرَيْحًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَفْتَى بِضَعْفِ هَذَا الْعَقْدِ وَلَكِنْ جَعَلَهُ فِي الضَّعْفِ نِهَايَةً؛ حَيْثُ قَالَ يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَمَنْ يَقُولُ: لَا يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ فَقَدْ جَعَلَهُ نِهَايَةً فِي الْقُوَّةِ وَفِي الْجَانِبَيْنِ مَعْنَى الضَّرَرِ فَإِنَّمَا يَعْتَدِلُ النَّظَرُ وَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بِمَا قُلْنَا؛
-
لِأَنَّ عِنْدَ الْفَسْخِ تَعَذَّرَ بِقَصْدِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَعِنْدَ الْفَسْخِ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِالْغَيْرِ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ مُعَاوَضَةٌ وَهُوَ دَلِيلُ قُوَّتِهِ وَعَدَمُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ الْعَقْدُ عِنْدَ الْعَقْدِ دَلِيلُ ضَعْفِهِ وَمَا يُجَاذِبُهُ دَلِيلَانِ يُوَفِّرُ حَظَّهُ عَلَيْهِمَا فَدَلِيلُ الْقُوَّةِ قُلْنَا لَا يَنْفَسِخُ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلِدَلِيلِ الضَّعْفِ قُلْنَا يَنْفَسِخُ بِالْعُذْرِ؛
-
لِأَنَّ صِفَةَ الْمُعَاوَضَةِ لَا تَمْنَعُ الْفَسْخَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ كَالْمُشْتَرِي يَرُدَّ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ، وَظَاهِرُ مَا يَقُولُهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ عَنْ الْعُذْرِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي، وَلَكِنَّ
-
الْأَصَحَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ الَّذِي يَفْسَخُ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا إذَا أَثْبَتَ الْعُذْرَ عِنْدَهُمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ غَيْرُ قَابِضٍ لِلْمَنْفَعَةِ حَتَّى لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ
-
وَجْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّ عَيْنَ الْحَانُوتِ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْفَسْخِ وَهُوَ قَابِضٌ لِلْحَانُوتِ فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ فَلِهَذَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَضَاءِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ لَا يُضَمِّنُ الْأَجِيرَ وَلَا غَيْرَهُ، وَفَسَّرَ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكِ فِي الْكِتَابِ بِالْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ وَالْإِسْكَافِ وَكُلُّ مَنْ يَقْبَلُ الْأَعْمَالَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ وَأَجِيرُ الْوَاحِدِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ لِيَخْدُمَهُ شَهْرًا، أَوْ لِيَخْرُجَ مَعَهُ إلَى مَكَّةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَطِيعُ الْأَجِيرُ أَنْ يُؤَجِّرَ فِيهِ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَجِيرَ الْوَاحِدِ مَنْ يَكُونُ الْعَقْدُ وَارِدًا عَلَى مَنَافِعِهِ وَلَا تَصِيرُ مَنَافِعُهُ مَعْلُومَةً إلَّا بِذِكْرِ الْمُدَّةِ، أَوْ بِذِكْرِ الْمَسَافَةِ وَمَنَافِعُهُ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ فَإِنْ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيجَابِهَا لِغَيْرِهِ
-
وَالْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَنْ يَكُونُ عَقْدُهُ وَارِدًا عَلَى عَمَلٍ هُوَ مَعْلُومٌ بِبَيَانِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ الْوَصْفُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْعَيْنِ بِعَمَلِهِ،
-
فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْمُدَّةِ،
-
وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بِعَمَلٍ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّهُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ السَّلَمِ مَعَ بَيْعِ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ لَمَّا كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بِهِ قَبُولُ السَّلَمِ مِنْ غَيْرِهِ وَالْبَيْعَ لَمَّا كَانَ يُلَاقِي الْعَيْنَ فَبَعْدَ مَا بَاعَهُ مِنْ إنْسَانٍ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛
-
وَلِهَذَا سُمِّيَ هَذَا مُشْتَرَكًا وَالْأَوَّلُ أَجِيرَ الْوَحْدَةِ،
-
ثُمَّ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ أَجِيرًا وَاحِدًا، أَوْ مُشْتَرَكًا تَلِفَ بِمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، أَوْ بِمَا لَا يُمْكِنُ وَأَخَذَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي أَجِيرِ الْوَاحِدِ أَيْضًا وَفِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ أَخَذَ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ
-
وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَا يُضَمِّنَانِ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ مَا ضَاعَ عَلَى يَدِهِ
-
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ لَا يُضَمِّنُ الْقَصَّارَ وَالصَّبَّاغَ وَنَحْوَهُمَا فَلِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ اخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - الْفَتْوَى بِالصُّلْحِ عَلَى النِّصْفِ، وَسَنُقَرِّرُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ بِطَرِيقِ الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْمَلَّاحَ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْغَرَقَ وَالْحَرْقَ، وَالْمَلَّاحُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِنْ مَذْهَبِ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ ضَامِنٌ.
-
إلَّا مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ هُوَ الْحَرْقُ الْغَالِبُ، أَوْ الْغَرَقُ الْغَالِبُ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنْ غَرِقَتْ مِنْ مَدِّهِ، أَوْ مُعَالَجَتِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ بِفِعْلِهِ وَالْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ ضَامِنٌ؛ لِمَا جَنَتْ يَدُهُ،
-
وَإِنْ احْتَرَقَتْ مِنْ نَارٍ أَدْخَلَهَا السَّفِينَةَ لَجَاجَةٍ لَهُ مِنْ خَبْزٍ، أَوْ طَبْخٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّفِينَةَ كَالْبَيْتِ فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَعَدِّيًا فِي إدْخَالِ النَّارِ السَّفِينَةَ لِحَاجَتِهِ،
-
وَإِذَا كَانَ التَّلَفُ غَيْرَ مُضَافٍ إلَيْهِ تَسَبُّبًا وَلَا مُبَاشَرَةً لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا
-
وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُضَمِّنُ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْمَلَّاحِ فِي الْمَاءِ خَاصَّةً،
-
وَإِنْ غَرِقَتْ السَّفِينَةُ مِنْ مَدِّهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَقَ غَالِبٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَهُوَ كَالْحَرْقِ الْغَالِبِ وَالْغَارَةِ الْغَالِبَةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الِاحْتِرَازُ مُمْكِنٌ بِمَنْعِ السَّفِينَةِ عِنْدَ الْمَدِّ وَالْمُعَالَجَةُ مِنْ مَوْضِعِ الْغَرَقِ فَإِذَا حَصَلَ التَّلَفُ بِعَمَلِهِ كَانَ ضَامِنًا وَعَنْ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ بِصَبَّاغٍ فَقَالَ: إنِّي أَعْطَيْتُ هَذَا ثَوْبِي لِيَصْبُغَهُ فَاحْتَرَقَ بَيْتُهُ فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اضْمَنْ لَهُ ثَوْبَهُ، فَقَالَ الصَّبَّاغُ: كَيْفَ أَضْمَنُ لَهُ ثَوْبَهُ وَقَدْ احْتَرَقَ بَيْتِي فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: أَرَأَيْتَ لَوْ احْتَرَقَ بَيْتَهُ أَكُنْت تَدَعُ لَهُ أَجْرَكَ؟
-
وَكَانَ هَذَا الْحَرْقُ لَمْ يَكُنْ غَالِبًا وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَضْمِينُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فِيمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزَ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ عَرَفَ إمْكَانَ التَّحَرُّزِ عَنْهُ بِإِخْرَاجِ الثَّوْبِ مِنْ الْبَيْتِ أَوْ بِإِمْكَانِ إطْفَاءِ النَّارِ وَلَكِنَّهُ تَهَاوَنَ فَلَمْ يَفْعَلْ؛ فَلِهَذَا قَالَ لَهُ: اضْمَنْ لَهُ ثَوْبَهُ،
-
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِ الصَّبَّاغُ وَقَالَ: كَيْفَ أَضْمَنُ لَهُ وَقَدْ احْتَرَقَ بَيْتِي؟ وَكَأَنَّهُ ادَّعَى بِهَذَا أَنَّ الْحَرْقَ كَانَ غَالِبًا وَلَمْ يُصَدِّقْهُ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِعِلْمِهِ
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ احْتَرَقَ بَيْتَهُ كُنْتَ تَدَعُ لَهُ أَجْرَكَ؟ وَمَعْنَى اسْتِدْلَالِهِ هَذَا أَنَّ الْحِفْظَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ عَلَيْكَ وَالْأَجْرَ لَكَ عَلَيْهِ فَكَمَا لَا يَسْقُطُ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لَك بِاحْتِرَاقِ بَيْتِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ بِاحْتِرَاقِ بَيْتِكَ وَلَوْ كَانَ هَذَا الصَّبَّاغُ فَقِيهًا لَبَيَّنَ الْفَرْقَ وَيَقُولُ لَهُ: أَيُّهَا الْقَاضِي قِيَاسُكَ فَاسِدٌ؛
-
فَالْأَجْرُ لِي فِي ذِمَّتِهِ وَبِاحْتِرَاقِ بَيْتِهِ لَا يَفُوتُ مَحَلُّ حَقِّي، وَحَقِّهِ فِي عَيْنِ الثَّوْبِ وَبِاحْتِرَاقِ بَيْتِي يَفُوتُ مَحَلُّ حَقِّهِ وَلَكِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ هَذَا الْفَرْقُ أَوْ احْتَشَمَهُ فَلَمْ يُعَارِضْهُ وَالْتَزَمَ حُكْمَهُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ بِعَمَلٍ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَهُوَ ضَامِنٌ،
-
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَمَلِهِ فَلَا ضَامِنَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرِ الْوَاحِدِ إلَّا إذَا خَالَفَ مَا أَمَرَ بِهِ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُضَمِّنُ الْخَيَّاطَ وَالْقَصَّارَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الصُّنَّاعِ احْتِيَاطًا لِلنَّاسِ أَنْ لَا يُضَيِّعُوا مَتَاعَهُمْ
-
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ يُضَمِّنُ الْقَصَّارَ فِي الرِّوَايَةِ وَالصَّبَّاغَ وَالصَّائِغَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ عَنْ بِكِيرِ بْن الْأَشَجِّ
-
قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُضَمِّنُ الصُّيَّاغَ مَا أَفْسَدُوا مِنْ مَتَاعِ النَّاسِ، أَوْ ضَاعَ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَهُمْ فِيمَا إذَا حَصَلَ التَّلَفُ بِغَيْرِ صُنْعِ الْأَجِيرِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى تَضْمِينِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ؛
-
لِمَا جَنَتْ يَدُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا أَفْسَدُوا مِنْ مَتَاعِ النَّاسِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّلَفِ بِعِلْمِهِمْ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَنَا؛ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ: لَا يَضْمَنُ مَا جَنَتْ يَدُهُ وَسَيَأْتِيكَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اتَّبَعْتُ كَاذِيًا مِنْ السُّفُنِ فَحَمَّلْتُ خَوَابِيَ مِنْهَا حَمَّالًا فَانْكَسَرَتْ الْخَابِيَةُ فَخَاصَمْتُهُ إلَى شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَقَالَ الْحَمَّالُ: زَاحَمَنِي النَّاسُ فِي السُّوقِ فَانْكَسَرَتْ قَالَ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا اسْتَأْجَرَكَ لِتُبَلِّغَهَا أَهْلَهُ فَضَمَّنَهُ أَيَّاهَا، وَالْكَاذِي دُهْنٌ تُحْمَلُ مِنْ الْهِنْدِ فِي السُّفُنِ إلَى الْعِرَاقِ وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ؛
-
لِمَا يَتَّخِذُهُ رَاكِبُ السَّفِينَةِ مِنْ الْأَوَانِي كَالْأَمْتِعَةِ لِحَاجَتِهِ فَيَسْعَ ذَلِكَ إذَا خَرَجَ مِنْ السَّفِينَةِ
-
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَذْهَبِ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَضْمِينُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالْحَمَّالُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ وَكَثْرَةُ الزِّحَامِ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِأَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَقِلَّ الزِّحَامُ؛ فَلِهَذَا ضَمَّنَهُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَمَّالِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ إذَا تَعَثَّرَ، أَوْ زَلَقَتْ رِجْلُهُ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عِنْدَهُ فَإِذَا أَنْكَرَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: كَانَ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا أَتَاهُ حَائِكٌ بِثَوْبٍ قَدْ أَفْسَدَهُ قَالَ: رُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ غَزْلِهِ وَخُذْ الثَّوْبِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَرَ فَسَادًا قَالَ عَلَيَّ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوَفِّكَ بِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ إذَا أَفْسَدَ كَانَ ضَامِنًا لِصَاحِبِ الْمَالِ مِثْلَ مَالِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَالْغَزْلُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَإِنَّ أَدَاءَ الضَّمَانِ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ فِي الْمَضْمُونِ وَبِآخِرِ الْحَدِيثِ أَخَذَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَيَقُولُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الشَّرْطِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْحَائِكِ، وَعَلَى رَبِّ الثَّوْبِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ خَالَفَ شَرْطَهُ وَعِنْدَنَا الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ؛
-
لِأَنَّ الْإِذْنَ مُسْتَفَادٌ مِنْ جِهَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي صِفَتِهِ.
-
وَعَنْ عَامِرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كُنْت خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ رَجُلٌ بَاعَ حُرًّا وَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَاسْتَرَقَّ الْحُرُّ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا وَاسْتَوْفَى عَمَلَهُ وَمَنَعَهُ أَجْرَهُ وَرَجُلٌ أَعْطَى بِي، ثُمَّ غَدَرَ» وَاللَّفْظُ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَبْلُغُ مَا يَكُونُ مِنْ الْوَعِيدِ فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَفِيعٌ لِأُمَّتِهِ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَرْجُو النَّجَاةَ بِشَفَاعَتِهِ فَإِذَا صَارَ الشَّفِيعُ خَصْمًا يَشْتَدُّ الْأَمْرُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلُهُ:
-
وَمَنْ كُنْت خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ
-
أَيْ أَلْزَمْتُهُ وَحَجَجْتُهُ
-
فَأَمَّا قَوْلُهُ: رَجُلٌ بَاعَ حُرًّا وَأَكَلَ ثَمَنَهُ فَالْمُرَادُ صُورَةُ الْبَيْعِ لَا حَقِيقَتُهُ فَالْحُرُّ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِحَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَبِبَيْعِ الْحُرِّ يَرْتَكِبُ الْكَبِيرَةَ وَلَكِنْ بِاسْتِعْمَالِ صُورَةِ الْبَيْعِ فَسُمِّيَ فِعْلُهُ بَيْعًا وَمَا يَقْبِضُ بِمُقَابَلَتِهِ ثَمَنًا مَجَازًا وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِحُرٍّ فَقَدْ اسْتَذَلَّهُ وَالْمُؤْمِنُ عَزِيزٌ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصْمٌ لِمَنْ يَسْتَذِلُّهُ وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وَضَعْفِ ذَلِكَ الْحُرِّ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصْمٌ عَنْ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَهُوَ يَظْلِمُهُ بِاسْتِرْقَاقِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذُبُّ عَنْ كُلِّ مَظْلُومٍ حَتَّى يَنْتَصِفَ مِنْ ظَالِمِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَرَجُلًا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى عَمَلَهُ وَمَنَعَهُ أَجْرَهُ» ؛
-
لِأَنَّهُ اسْتَذَلَّهُ بِالْعَمَلِ وَاسْتَزْبَنَهُ بِمَنْعِ الْأَجْرِ وَظَلَمَهُ فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَذُبُّ عَنْهُ وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ،
-
وَأَنَّ الْأَجْرَ لَا يُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِهِ بِمَنْعِ الْأَجْرِ بَعْدَ الْعَمَلِ فَلَوْ كَانَ الْأَجْرُ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَمَا اشْتَرَطَ اسْتِيفَاءَ الْعَمَلِ لِذِكْرِ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْعِ الْأَجْرِ
-
وَقَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَرَجُلٌ أَعْطَى بِي، ثُمَّ غَدَرَ» أَيْ أَعْطَى كَافِرًا أَمَانَ اللَّهِ، وَأَمَانَ رَسُولِهِ،
-
ثُمَّ غَدَرَ وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي وَصِيَّتِهِ لِأُمَرَاءِ السَّرَايَا،
-
وَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى، فَالْمُسْتَأْمَنُ يَكُونُ مُسْتَذَلًّا فِي دِيَارِنَا فَإِذَا غَدَرَهُ وَاسْتَحْقَرَهُ بَعْدَ إعْطَاءِ الْأَمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَدْ ظَلَمَهُ، وَعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ عَسْبِ التَّيْسِ وَكَسْبِ الْحَجَّامِ وَقَفِيزِ الطَّحَّانِ» وَالْمُرَادُ بِعَسْبِ التَّيْسِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى الضِّرَابِ وَهُوَ إنْزَاءُ الْفُحُولِ عَلَى الْإِنَاثِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ؛
-
فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَالَ بِمُقَابَلَةِ الْمَاءِ وَهُوَ مَهِينٌ لَا قِيمَةَ لَهُ وَالْعَقْدُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ وَهُوَ الْإِحْبَالُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى نَشَاطِ الْفَحْلِ أَيْضًا،
-
وَكَذَلِكَ قَفِيزُ الطَّحَّانِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَحَّانًا لِيَطْحَنَ لَهُ حِنْطَةً مَعْلُومَةً بِقَفِيزٍ مِنْهَا، أَوْ مِنْ دَقِيقِهَا وَذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ كَانَ شَرِيكًا بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْعَمَلِ، وَالْعَامِلُ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ لَا يُوجِبُ الْأَجْرَ،
-
ثُمَّ الْأَجْرُ إمَّا أَنْ يَلْتَزِمَهُ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ فِي عَيْنٍ مَوْجُودٍ وَهُوَ مَا الْتَزَمَهُ فِي الذِّمَّةِ وَدَقِيقُ تِلْكَ الْحِنْطَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَقْتَ الْعَقْدِ.
-
فَأَمَّا كَسْبُ الْحَجَّامِ فَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ يَأْخُذُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقُولُونَ كَسْبُ الْحَجَّامِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمُقَابَلَةِ مَا اسْتَخْرَجَ مِنْ الدَّمِ، أَوْ مَا يَشْتَرِطُ فَهُوَ مَجْهُولٌ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ
-
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مِنْ السُّحْتِ عَسْبُ التَّيْسِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ، وَالْمُرَادُ بِمَهْرِ الْبَغِيِّ مَا تَأْخُذُ الزَّانِيَةُ شَرْطًا عَلَى الزِّنَا فَقَدْ كَانُوا يُؤَاجِرُونَ الْإِمَاءَ لِذَلِكَ وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} الْآيَةُ؛
-
لَمَّا قَرَنَ بَيْنَ ذَلِكَ وَكَسْبِ الْحَجَّامِ عَرَفْنَا أَنَّ كَسْبَ الْحَجَّامِ حَرَامٌ وَلَكِنَّا: نَقُولُ هَذَا النَّهْيُ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ قَدْ انْتَسَخَ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي آخَرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَقَالَ إنَّ لِي حَجَّامًا وَنَاضِحًا أَفَأَعْلِفُ نَاضِحِي مِنْ كَسْبِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إنَّ لِي عِيَالًا وَحَجَّامًا أَفَأَطْعِمْ عِيَالِي مِنْ كَسْبِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ» فَالرُّخْصَةُ بَعْدَ النَّهْيِ دَلِيلٌ انْتِسَاخِ الْحُرْمَةِ وَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «اُحْتُجِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ» وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ؛
-
لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُ الْحَرَامِ لَا يَحِلُّ إيكَالُهُ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنْ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوَكِّلَهُ» وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنْ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» وَمِنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مَنْ يَقُولُ: هَذَا النَّهْيُ فِي كَسْبِ الْحِجَامَةِ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْإِشْفَاقِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْنَى الْمَرْءَ بِهِ وَيُخَسِّسُهُ وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَبْغُضُ سَفْسَافِهَا» وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فَالْأَوْلَى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكْتَسِبَ بِمَا لَا يُدِينُهُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ سَأَلَ بَعْضَ مَوَالِيهِ عَنْ كَسْبِهِ فَذَكَرَ أَنَّهُ حَجَّامٌ فَقَالَ: إنَّ كَسْبَكَ لَوَسِخٌ وَذُكِرَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ الرَّاعِي،
-
وَإِنْ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَبِهِ يَقُولُ: إنْ كَانَ أَجِيرًا وَاحِدًا فَهُوَ أَمِينٌ كَالْمُودِعِ وَاشْتِرَاطُ الضَّمَانِ عَلَى الْأَمِينِ بَاطِلٌ،
-
وَإِنْ كَانَ الرَّاعِي مُشْتَرَكًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَيْهِ شُرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا تَلِفَ مِنْ فِعْلِهِ شُرِطَ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ وَعِنْدَهُمَا مَا تَلِفَ بِمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ شَرْطٌ، أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ فَاشْتِرَاطُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
(قَالَ:) - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْلَمْ بِأَنَّ الْبُيُوعَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ، بَيْعُ عَيْنٍ بِثَمَنٍ، وَبَيْعُ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ بِثَمَنٍ وَهُوَ السَّلَمُ، وَبَيْعُ عَمَلٍ الْعَيْنُ فِيهِ تَبَعٌ وَهُوَ الِاسْتِئْجَارُ لِلصِّنَاعَةِ وَنَحْوِهِمَا فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْوَصْفُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْمَحِلِّ بِعَمَلِ الْعَامِلِ وَالْعَيْنُ هُوَ الصَّبْغُ بِيعَ فِيهِ، وَبَيْعُ عَيْنٍ شُرِطَ فِيهِ الْعَمَلُ وَهُوَ الِاسْتِصْنَاعُ
-
فَالْمُسْتَصْنَعُ فِيهِ مَبِيعٌ عَيْنٌ وَلِهَذَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَمَلُ مَشْرُوطٌ فِيهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَمَلِ اخْتَصَّ بِاسْمٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِصَاصِهِ بِمَعْنًى يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وَالِاسْتِصْنَاعُ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الصُّنْعِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَمَلَ مَشْرُوطٌ فِيهِ،
-
ثُمَّ أَحْكَامُ مَا لِلنَّاسِ فِيهِ تَعَامُلٌ مِنْ الِاسْتِصْنَاعِ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْبُيُوعِ فَبِذَلِكَ بَدَأَ الْبَابَ هُنَا وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا أَسْلَمَ حَدِيدًا إلَى حَدَّادٍ لِيَصْنَعَهُ إنَاءً مُسَمًّى بِأَجْرٍ مُسَمًّى؛ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ إذَا كَانَ مِثْلَ مَا سَمَّى؛
-
لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لِلْفَسْخِ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ رَأْسُ مَالِهِ فَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بِهِ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى هُنَا فَإِنَّ بَعْدَ اتِّصَالِ عَمَلِهِ بِالْحَدِيدِ لَا وَجْهَ لِفَسْخِ الْعَقْدِ فِيهِ،
-
فَأَمَّا فِي الِاسْتِصْنَاعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْعَيْنُ وَفَسْخُ الْعَقْدِ فِيهِ مُمْكِنٌ؛ فَلِهَذَا ثَبَتَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّادَ هُنَا يَلْتَزِمُ الْعَمَلَ بِالْعَقْدِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَثْبُتُ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ فِيمَا يَكُونُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ،
-
فَأَمَّا فِي الِاسْتِصْنَاعِ الْمَقْصُودُ هُوَ الْعَيْنُ وَالْعَقْدُ يَرِدُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ صَارَ دَيْنًا بِذِكْرِ الْأَجَلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ أَفْسَدَهُ الْحَدَّادُ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ حَدِيدًا مِثْلَ حَدِيدِهِ وَيَصِيرُ الْإِنَاءُ لِلْعَامِلِ،
-
وَإِنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مُخَالِفٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ حَيْثُ أَفْسَدَ عَمَلَهُ، وَمُوَافِقٌ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ إقَامَةُ أَصْلِ الْعَمَلِ
-
وَإِنْ شَاءَ مَالَ إلَى جِهَةِ الْخِلَافِ وَجَعَلَهُ كَالْغَاصِبِ وَمَنْ غَصَبَ حَدِيدًا وَضَرَبَهُ إنَاءً فَهُوَ ضَامِنٌ حَدِيدًا مِثْلَهُ وَالْإِنَاءُ لَهُ بِالضَّمَانِ،
-
وَإِنْ شَاءَ مَالَ إلَى جِهَةِ الْوِفَاقِ وَرَضِيَ بِهِ مُتَغَيِّرَ الصِّفَةِ فَأَخَذَ الْإِنَاءَ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ كَالْمُشْتَرِي،
-
وَإِذَا وَجَدَ بِالْبَيْعِ عَيْبًا إلَّا أَنَّهُ يُعْطِيهِ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ جَمِيعَ الْمُسَمَّى بِمُقَابَلَةِ عَمَلٍ صَالِحٍ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ وَلَكِنَّ قَدْرَ مَا أَقَامَ مِنْ الْعَمَلِ سُلِّمَ لَهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى؛
-
لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ إنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَالتَّسْمِيَةِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى وَلِأَنَّهُ؛ لَمَّا رَضِيَ بِالْمُسَمَّى بِمُقَابَلَةِ عَمَلٍ صَالِحٍ يَكُونُ أَرْضَى بِهِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلٍ فَاسِدٍ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي؛ فَإِنَّهُ لَوْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ دُونَ الْأَوْصَافِ، وَالْفَائِتُ بِالْعَيْبِ وَصْفٌ وَهُنَا الْبَدَلُ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ وَبِالْإِفْسَادِ يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الْعَمَلُ؛ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى،
-
وَإِنْ رَضِيَ بِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُسَلِّمُهُ إلَى عَامِلٍ لِيَصْنَعَ لَهُ شَيْئًا مُسَمًّى، كَالْجِلْدِ يُسَلِّمُهُ إلَى الْإِسْكَافِ لِيَصْنَعَهُ خُفَّيْنِ وَالْغَزْلِ يُسَلِّمُهُ إلَى حَائِكٍ لِيَنْسِجَهُ،
-
فَلَوْ اسْتَصْنَعَ عِنْدَ حَائِكٍ ثَوْبًا مَوْصُوفَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالرِّفْعَةِ وَالْجِنْسِ يَنْسِجُهُ مِنْ غَزْلِ الْحَائِكِ كَانَ هَذَا فِي الْقِيَاسِ مِثْلَ الْخُفِّ وَغَيْرِهِ وَيُرِيدُ بِهِ قِيَاسَ الِاسْتِحْسَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْخُفِّ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَعْمَلُ بِهِ النَّاسُ
-
وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا الِاسْتِصْنَاعَ فِيمَا فِيهِ
-
تَعَامُلٌ فَفِيمَا لَا تَعَامُلَ نَأْخُذُ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ وَنَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَوْ ضَرَبَ لِهَذَا الثَّوْبِ أَجَلًا وَتَعَجَّلَ الثَّمَنَ كَانَ جَائِزًا وَكَانَ سَلَمًا لَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ،
-
وَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يُعَجِّلَ الثَّمَنَ فَهُوَ فَاسِدٌ قِيلَ: هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -،
-
فَأَمَّا عِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ الِاسْتِصْنَاعُ الْجَائِزُ بِذِكْرِ الْأَجَلِ فِيهِ لَا يَصِيرُ سَلَمًا فَالِاسْتِصْنَاعُ الْفَاسِدُ بِذِكْرِ الْأَجَلِ كَيْفَ يَكُونُ سَلَمًا صَحِيحًا فَإِنَّ الْأَجَلَ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالِبَةِ وَلَا مُطَالَبَةَ عِنْدَ فَسَادِ الْعَقْدِ فَذِكْرُ الْأَجَلِ فِيهِ يَكُونُ لَغْوًا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا وَالْعُذْرُ لَهُمَا أَنَّ تَحْصِيلَ مَقْصُودِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَاجِبٌ فَفِيمَا لِلنَّاسِ فِيهِ تَعَامُلٌ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ وَفِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيُصَارُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا بِالطَّرِيقِ الْمُمْكِنِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ سَلَمًا تَوْضِيحُهُ أَنَّ فِيمَا فِيهِ التَّعَامُلُ الْمُسْتَصْنَعُ فِيهِ مَبِيعٌ شُرِطَ فِيهِ الْعَمَلُ فَذِكْرُ الْمُدَّةَ لِإِقَامَةِ الْعَمَلِ فِيهَا فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا عَيْنًا،
-
فَأَمَّا فِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ فَلَيْسَ هُنَا مَبِيعَ عَيْنٍ لِيَكُونَ ذِكْرُ الْمُدَّةِ لِإِقَامَةِ الْعَمَلِ فِي الْعَيْنِ بَلْ ذِكْرُ الْعَمَلِ لِبَيَانِ الْوَصْفِ فِيمَا يَلْتَزِمُهُ دَيْنًا وَذِكْرُ الْمُدَّةِ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى السَّلَمِ فَيَجْعَلُهُ سَلَمًا لِذَلِكَ
-
وَلَوْ أَسْلَمَ غَزْلًا إلَى حَائِكٍ لِيَنْسِجَ لَهُ سَبْعًا فِي أَرْبَعٍ فَحَاكَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَصْغَرَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَ غَزْلِهِ وَسَلَّمَ لَهُ الثَّوْبَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ثَوْبَهُ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ إلَّا فِي النُّقْصَانِ؛ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ الْأَجْرَ بِحِسَابِ ذَلِكَ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سَمَّى لَهُ، أَمَّا ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ فَلِتَغْيِيرِ شَرْطِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَاكَهُ أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ فَهُوَ أَرَقُّ مِمَّا سُمِّيَ،
-
وَإِنْ حَاكَهُ أَصْغَرَ مِمَّا سُمِّيَ فَهُوَ أَصْفَقُ مِمَّا سُمِّيَ هَذَا إذَا كَانَ قَدَّرَ لَهُ الْغَزْلَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّرَهُ لَهُ فَإِذَا حَاكَهُ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى فَقَدْ زَادَ فِيمَا اسْتَعْمَلَهُ مِنْ غَزْلِهِ عَلَى مَا سَمَّى،
-
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ فِي ثَمَنِهَا سَنَةً. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ اشْتَرَطَ إنْ تَلِفَ الْمَالُ أَخْلَفَهُ لَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يُتِمَّ عَمَلَهُ بِهِمَا سَنَةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَفُسِخَ وَهَذَا يُشْبِهُ الَّذِي يَسْتَأْجِرُ الرَّجُلَ لِيَرْعَى لَهُ غَنَمَهُ هَذِهِ بِأَعْيَانِهَا سَنَةً فَهُوَ إنْ لَمْ يَشْتَرِطَا مَا مَاتَ مِنْهُمَا فَعَلَى رَبِّ الْغَنَمِ خَلَفُهَا وَإِلَّا فَلَا خَيْرَ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ،
-
وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ الَّتِي بَاعَ بِهَا سِلْعَةً وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَعْمَلَ بِهَا سَنَةً فَكَذَلِكَ هُوَ لَا يَصْلُحُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ إنْ ضَاعَتْ الدَّنَانِيرُ، فَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُخْلِفَهَا حَتَّى تَتِمَّ السَّنَةُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَا إنْ ضَاعَتْ الدَّنَانِيرُ فَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُخْلِفَهَا فَضَاعَتْ الدَّنَانِيرُ فَقَالَ الْبَائِعٌ: لَا أُرِيدُ أَنْ أُخْلِفَهَا،
-
وَلَا أُرِيدُ عَمَلًا بِهَا؟ قَالَ: يُقَالُ: اذْهَبْ بِسَلَامٍ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَاعِي الْغَنَمِ بِأَعْيَانِهَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ سَنَةً يَرْعَاهَا بِأَعْيَانِهَا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّ مَا ضَاعَ مِنْهَا أَخْلَفَهُ فَهَلَكَ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ رَبُّ الْغَنَمِ: لَا أُرِيدُ أَنْ أُخْلِفَهَا فَقَالَ: يُقَالُ لَهُ: أَوْفِ الْإِجَارَةَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ إنْ شِئْتَ فَأَخْلِفْهَا،
-
وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تُخْلِفْهَا،
-
وَلَا يَصْلُحُ لَهُ فِي الْأَصْلِ الْإِجَارَةُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّ مَا مَاتَ مِنْهَا أَخْلَفَهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: وَلِمَ أَجَازَ مَالِكٌ هَذَا الْبَيْعَ أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ وَيَشْتَرِطَ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا سَنَةً فَإِنْ تَلِفَتْ أَخْلَفَهَا الْبَائِعُ فَيَعْمَلُ بِهَا؟
-
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ أَنْ يَجْتَمِعَا
-
فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا هَذَا بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَيَعْمَلُ الرَّجُلُ فِيهَا سَنَةً؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّكَ اسْتَأْجَرْتَ رَجُلًا يَعْمَلُ لَكَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ دِينَارٍ سَنَةً أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا اشْتَرَطْتَ عَلَيْهِ إنْ ضَاعَتْ أَخْلَفَهَا فَيَعْمَلُ بِهَا،
-
فَإِنْ ضَاعَتْ فَإِنْ شِئْتَ فَأَخْلِفْهَا وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تُخْلِفْهَا، وَالْإِجَارَةُ قَدْ لَزِمَتْكَ لَهُ تَامَّةً وَلَا تَصْلُحُ الْإِجَارَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَصْلِ الْإِجَارَةِ شَرْطٌ إنْ ضَاعَتْ الدَّنَانِيرُ أَخْلَفْتَهَا فَيَعْمَلُ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الثَّوْبِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ فَيَبِيعُ نِصْفَهُ مَنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَبِيعُك نِصْفَ هَذِهِ الدَّارِ، وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ بِبَلَدٍ مَنْ الْبُلْدَانِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَبِيعُك نِصْفَ هَذَا الْحِمَارِ عَلَى أَنْ تَبِيعَ لِي النِّصْفَ الْبَاقِيَ بِمَوْضِعِ كَذَا
-
وَكَذَا لِبَلَدٍ آخَرَ أَوْ قَالَ: أَبِيعُك نِصْفَ هَذَا الطَّعَامَ، وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ بِهِ كُلِّهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَتَبِيعهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ أَبِيعُكَ نِصْفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي سَأَلْتُكَ عَنْهَا عَلَى أَنْ تَبِيعَ لِي نِصْفَهَا فِي مَوْضِعٍ حَيْثُ بِعْتُهُ السِّلْعَةَ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: مَا خَلَا الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فَأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ إذَا ضَرَبْتَ لِذَلِكَ أَجَلًا عَلَى أَنْ تَبِيعَ لِي نِصْفَهَا إلَى شَهْرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي الثَّوْبِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبْتُ لِذَلِكَ أَجَلًا، فَبَاعَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ؟ فَقَالَ: لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ ذَلِكَ الْأَجَلِ إنْ كَانَ بَاعَهَا فِي نِصْفِ الْأَجَلِ، فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى بَيْعِ السِّلْعَةِ؟ فَقَالَ: لَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
-
قُلْتُ: وَلِمَ لَمْ يُجِزْهُ مَالِكٌ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لِذَلِكَ أَجَلًا؟
-
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْبَيْعُ وَالْجُعْلُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَرِهَ أَيْضًا أَنْ تَجْتَمِعَ الْإِجَارَةُ وَالْجُعْلُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ الْجُعْلَ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ إذَا كَانَ حَاضِرًا مِثْلَ الثَّوْبِ أَوْ الثَّوْبَيْنِ
-
فَأَمَّا إذَا كَثُرَ ذَلِكَ فَلَا يَصْلُحُ فِيهِ إلَّا إجَارَةٌ،
-
وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فَهَذَا الَّذِي قَالَ لِي فِي مَسْأَلَتِكَ: أَبِيعُك نِصْفَ هَذِهِ الثِّيَابِ أَوْ نِصْفَ هَذِهِ الدَّابَّةِ عَلَى أَنْ تَبِيعَ لِي النِّصْفَ الْبَاقِيَ، وَلَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ أَوْ الثَّوْبَيْنِ، فَهَذَا مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الْجُعْلُ،
-
فَإِذَا وَقَعَ مَعَ هَذَا الْجُعْلِ بَيْعٌ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَصْلُحْ عِنْدَ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ كَثِيرًا وَالثِّيَابُ كَثِيرَةً أَوْ الدَّوَابُّ كَثِيرَةً لَمْ يَصْلُحْ فِيهَا الْجُعْلُ عِنْدَ مَالِكٍ وَصَلَحَتْ فِيهَا الْإِجَارَةُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الصَّفْقَةِ فِي مَسْأَلَتِكَ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ،
-
فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِلْإِجَارَةِ أَجَلًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ الْإِجَارَةُ جَائِزَةً إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لِذَلِكَ أَجَلًا،
-
فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِلْإِجَارَةِ أَجَلًا كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً فَإِذَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ فِي الصَّفْقَةِ، وَمَعَهَا بَيْعٌ فَسَدَ الْبَيْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَالْبَيْعَ إذَا اجْتَمَعَتَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَ أَحَدُهُمَا فَاسِدًا - الْإِجَارَةُ أَوْ الْبَيْعُ - فَسَدَا جَمِيعًا.
-
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ نِصْفَ ثَوْبِهِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ أَنَّ ذَلِكَ إجَارَةٌ لَيْسَ بِجُعْلٍ لِأَنَّ الْجُعْلَ إنَّمَا هُوَ إنْ شَاءَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرُدَّ الثَّوْبَ عَلَى صَاحِبِهِ رَدَّهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَهَذَا الَّذِي اشْتَرَى نِصْفَ ثَوْبٍ بِكَذَا
-
وَكَذَا دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ الثَّوْبَ وَلَا يَبِيعُ النِّصْفَ إذَا أَرَادَ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ إجَارَةٌ،
-
فَإِنْ كَانَ إجَارَةً لَمْ تَصْلُحْ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لِذَلِكَ أَجَلًا،
-
فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا فَسَدَ الْبَيْعُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ:
-
وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَسْتَأْجِرُ الرَّجُلَ يَبِيعُ لَهُ الْأَعْكَامَ مَنْ الْبَزِّ أَوْ الطَّعَامِ الْكَثِيرِ أَوْ الدَّوَابِّ الْكَثِيرَةِ أَوْ السِّلَعِ الْكَثِيرَةِ وَلَا يَضْرِبُ لِذَلِكَ أَجَلًا، قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لِذَلِكَ أَجَلًا فَإِذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا فَهُوَ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ فَإِنْ بَاعَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، فَلَهُ أَجْرُهُ وَإِنْ بَاعَ قَبْلَ الْأَجَلِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بَاعَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَلَهُ نِصْفُ الْأَجْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ فِي ثُلُثَيْ الْأَجَلِ فَلَهُ ثُلُثَا الْإِجَارَةِ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ نِصْفَ ثَوْبٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ النِّصْفَ الْآخَرِ إنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ.
-
قِيلَ لِمَالِكٍ: فَإِنْ ضَرَبَ لِلْبَيْعِ أَجَلًا؟
-
قَالَ: فَذَلِكَ أَجْرُهُ لَهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَبِيعُ لَكَ هَذِهِ السِّلَعَ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ إلَى أَجَلِ كَذَا
-
وَكَذَا بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا عَلَى أَنِّي مَتَى مَا شِئْت تَرَكَتْ ذَلِكَ أَيَجُوزُ ذَلِكَ وَتَجْعَلُهَا إجَارَةً لَهُ فِيهَا الْخِيَارُ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَنْقُدْهُ إجَارَتَهُ،
-
فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَإِنْ نَقَدَهُ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَصْلُحُ فِيهِ النَّقْدُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَهَذَا الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ كَثِيرًا لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْجُعْلُ فَلَمْ تَقَعْ
-
إجَارَتُهُ عَلَى الْجُعْلِ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ لَازِمَةً لَهُ فِيهَا الْخِيَارُ،
-
فَلَا يَصْلُحُ فِيهَا النَّقْدُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي مَسْأَلَتِي هَذِهِ فِي إجَارَتِهِ أَنَّهُ مَتَى شَاءَ أَنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ وَلَكِنَّهُ آجَرَ نَفْسَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ يَبِيعُ لَهُ هَذِهِ السِّلْعَةَ إلَى شَهْرٍ أَيَجُوزُ فِي هَذَا النَّقْدُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ فِي هَذَا النَّقْدُ لِأَنَّهُ إنْ بَاعَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ رَدَّ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ، فَلَا يَجُوزُ هَذَا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَضَى يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ، وَالسِّلْعَةُ عَلَى حَالِهَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْقُدْهُ، وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ جَائِزَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُدْهُ فَلَمَّا مَضَى يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ قَالَ الْأَجِيرُ لِلَّذِي اسْتَأْجَرَهُ عَلَى بَيْعِ تِلْكَ السِّلْعَةِ أَعْطِنِي إجَارَةَ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ أَوْ هَذَا الْيَوْمِ بِحِسَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الشَّهْرِ؟
-
قَالَ: ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَيَّامٍ وَيُعْطِي عَلَى حِسَابِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا حَتَّى اسْتَكْمَلَ الشَّهْرَ كَانَتْ إجَارَتُهُ إجَارَةً تَامَّةً،
-
وَإِنْ بَاعَ فِيهَا دُونَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِحِسَابِ الشَّهْرِ وَيُعْطَى مِنْ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ مَا أَقَامَ فِي الْمَتَاعِ - بَاعَ أَوْ لَمْ يَبِعْ - الْإِجَارَةُ تَلْزَمُهُ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ إلَّا أَنْ يَبِيعَ الْمَتَاعَ قَبْلَ الشَّهْرِ فَيَكُونَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْته شَهْرًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لِي ثَوْبًا وَلَهُ دِرْهَمٌ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ إنْ بَاعَ قَبْلَ ذَلِكَ أَخَذَ الْإِجَارَةَ بِحِسَابِ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ.
-
قُلْتُ: وَالْقَلِيلُ مِنْ السِّلَعِ وَالْكَثِيرُ تَصْلُحُ فِيهِ الْإِجَارَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْقَلِيلِ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَمَّا جَوَّزَ مَالِكٌ فِي الْقَلِيلِ بِجُعْلٍ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عِنْدِي فِيهِ أَجْوَزَ.
-
السَّلَفِ وَالْإِجَارَةِ
-
فِي السَّلَفِ وَالْإِجَارَةِ قُلْتُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى حَائِكٍ غَزْلًا يَنْسِجُهُ لِي وَقُلْت لَهُ: زِدْ عَلَيْهِ رَطْلًا مِنْ غَزْلٍ مَنْ عِنْدِكَ عَلَى أَنْ أَقْضِيَكَهُ وَأَجْرُك عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي نَسْجِهِ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا سَلَفٌ وَإِجَارَةٌ فَلَا يَصْلُحُ كُلُّ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً.
-
سَحْنُونٌ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً» .
-
اسْتَأْجِرْ رَجُلًا لَيَطْحَنَ لَهُ قَمْحًا بِدِرْهَمٍ وَبِقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا
-
فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَطْحَنَ لَهُ إرْدَبًّا مِنْ قَمْحٍ بِدِرْهَمٍ وَبِقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا وَيَسْلَخُ لَهُ شَاةً بِدِرْهَمٍ وَبِرِطْلٍ مِنْ لَحْمِهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَطْحَنُ لِي إرْدَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِدِرْهَمٍ وَبِقَفِيزٍ مَنْ دَقِيقٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَطْحَنُ لِي هَذِهِ الْأَرَادِبَ الْحِنْطَةَ بِدِرْهَمٍ وَبِقِسْطٍ مِنْ زَيْتِ هَذَا الزَّيْتُونِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أَعْصِرَ الزَّيْتُونَ؟ قَالَ: إنْ كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ الزَّيْتَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ أَبِيعُك دَقِيقَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطْحَنَهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ لَا يَخْتَلِفُ، وَكُلُّ شَيْءٍ جَازَ بَيْعُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَأْجَرَ بِهِ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
-
قُلْتُ: لِمَ جَوَّزْتَ شِرَاءَ دَقِيقِ هَذِهِ الْحِنْطَةِ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ؟
-
قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَى دَقِيقَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ فَتَلِفَتْ هَذِهِ الْحِنْطَةُ لَمْ يَضْمَنْ هَذَا الْمُشْتَرِي، وَكَانَ ضَمَانُ ذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ لِي: لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ حِنْطَةً فِي سُنْبُلِهِ عَلَى أَنْ يَدْرُسَهَا وَيُذَرِّيَهَا كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّهُ يُقِيمُ فِي دِرَاسَتِهِ الْعَشَرَةَ الْأَيَّامَ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؟
-
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ.
-
قُلْتُ: لِمَ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَهَذَا فِي سُنْبُلِهِ؟
-
قَالَ: لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ وَقَدْ رَآهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت جَزَّارًا لِيَسْلَخَ لِي هَذِهِ الشَّاةَ بِدِرْهَمٍ وَبِرِطْلٍ مِنْ لَحْمِهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ بِعْتُ مِنْ لَحْمِ هَذِهِ الشَّاةِ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ قَبْلَ أَنْ أَسْلَخَهَا بَعْدَمَا ذَبْحَتُهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنِّي قُلْتُ لِمَالِكٍ إنَّا نَقْدَمُ الْمَنْهَلَ فَنُؤْتَى بِأَغْنَامٍ فَنَقُولُ: اذْبَحُوا حَتَّى نَشْتَرِيَ مِنْكُمْ فَيَقُولُوا: لَا نَفْعَلُ لِأَنَّا نَخَافُ أَنْ تَتْرُكُوا لَحْمَهَا عِنْدَنَا وَلَكِنْ قَاطِعُونَا عَلَى سِعْرٍ مَعْلُومٍ،
-
ثُمَّ نَذْبَحُ وَالْجَزُورُ تُشْرَى كَذَلِكَ قَدْ انْكَسَرَتْ فَيَسُومُ بِهَا الْقَبِيلُ، وَيَقُولُونَ لِرَبِّهَا: اذْبَحْهَا فَيَقُولُ رَبُّهَا: لَا أَذْبَحُهَا حَتَّى تُقَاطِعُونِي عَلَى سِعْرٍ فَيُقَاطِعُونَهُ عَلَى سِعْرٍ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ، ثُمَّ يَنْحَرُ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ إنْ قَاطَعُوهُ عَلَى سِعْرٍ قَبْلَ أَنْ يَسْلَخَ وَرَآهُ مِنْ اللَّحْمِ الْمُغَيَّبِ وَأَنَّهُ يَشْتَرِي مَا لَمْ يَرَ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ الزَّيْتُ وَالدَّقِيقُ أَمْرًا مُخْتَلِفًا خُرُوجُهُ إذَا عُصِرَ أَوْ طُحِنَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ أَيْضًا،
-
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَطْحَنَهُ أَوْ يَعْصِرَهُ.
-
وَلَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الْقَمْحَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ طَحِينَهُ مِرَارًا فَرَأَيْتُهُ يُخَفِّفُهُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الدَّقِيقَ فِي مَسْأَلَتِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْبَيْعِ خَفِيفٌ،
-
وَلَوْ كَانَ الدَّقِيقُ عِنْدَ مَالِكٍ مَجْهُولًا مُخْتَلِفًا لَمَا جَوَّزَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ حِنْطَةً وَيَشْتَرِطَ عَلَى بَائِعِهَا أَنْ يَطْحَنَهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَ اشْتَرَى حِنْطَةً وَاشْتَرَطَ أَنْ يَطْحَنَهَا بَائِعُهَا فَكَأَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِي دَقِيقًا لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَخْرُجُ وَقَدْ جَوَّزَهُ مَالِكٌ.
-
قَالَ إنْ خِطْتَ لِي ثَوْبِي الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ
-
فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلْخَيَّاطِ: إنْ خِطْتَ لِي ثَوْبِي الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَأَجْرُكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا يَخِيطُهُ لِي فَقُلْتُ لَهُ: إنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: لِمَ؟
-
قَالَ: لِأَنَّهُ يَخِيطُهُ عَلَى أَجْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَهَذَا لَا يَعْرِفُ أَجْرَهُ،
-
فَإِنْ خَاطَهُ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجْرُ مِثْلِهِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ فَلَا يُنْقِصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ فَلَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ أَجْرُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ؟
-
قَالَ: لَا يُنْظَرُ فِيهِ إذَا خَاطَهُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَى دِرْهَمٍ وَلَا إلَى نِصْفِ دِرْهَمٍ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
-
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا مِنْ بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَسَنٌ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إذَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَفَاتَتْ فِي يَدَيْهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ،
-
وَلَا يُلْتَفَتُ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ مَا سَمَّيَا مِنْ الثَّمَنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَالْخَيَّاطُ وَالصَّبَّاغُ فِي هَذَا - إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً - مِثْلُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ دَفَعْت إلَيْهِ ثَوْبًا خَاطَهُ خِيَاطَةً رُومِيَّةً فَبِدِرْهَمٍ وَإِنْ خَاطَهُ خَيَّاطَةً عَرَبِيَّةً فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: هَذَا مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فِي رَأْيِي
-
ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: يُنْهَى أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْعَامِلِ: اعْمَلْ لِي مَتَاعِي هَذَا فَإِنْ قَضَيْتَنِيهِ غَدًا فَإِجَارَتَكَ كَذَا
-
وَكَذَا، وَإِنْ قَضَيْتَنِيهِ فِي بَعْدِ غَدٍ فَإِجَارَتُكَ كَذَا
-
وَكَذَا؟ قَالَ: هَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
-
الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْجُلُودَ أَوْ الْغَزْلَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ السَّفِينَة إلَى الرَّجُلِ عَلَى النِّصْفِ
-
فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْجُلُودَ أَوْ الْغَزْلَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ السَّفِينَةَ إلَى الرَّجُلِ عَلَى النِّصْفِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ جُلُودًا عَلَى أَنْ يَدْبَغَهَا عَلَى النِّصْفِ أَوْ يَعْمَلَهَا عَلَى النِّصْفِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى حَائِكٍ غَزْلًا عَلَى أَنْ يَنْسِجَهُ عَلَى النِّصْفِ يَكُونُ الثَّوْبُ بَيْنَنَا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى حَائِكٍ غَزْلًا يَنْسِجُهُ لِي بِالثُّلُثِ أَوْ بِالرُّبُعِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا.
-
قُلْتُ: لِمَ؟
-
قَالَ: لِأَنَّ الْحَائِكَ آجَرَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ لَا يَدْرِي مَا هُوَ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَخْرُجُ الثَّوْبُ،
-
فَلَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَقَالَ: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيَسْتَأْجِرْهُ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» .
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا جَازَ لَكَ أَنْ تَبِيعَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْتَأْجِرَ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَبِيعَهُ فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَسْتَأْجِرَ بِهِ قُلْتُ:
-
فَإِنْ قَالَ: لَهُ انْسِجْ غَزْلِي هَذَا بِهَذَا الْغَزْلِ الْآخَرِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا جَائِزٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت سَفِينَتِي إلَى رَجُلٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَكْرِهَا فَمَا كَانَ فِيهَا مَنْ كِرَاءٍ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ الدَّارَ أَوْ الْحَمَّامَ فَيَقُولُ: أَكْرِهَا فَمَا كَانَ مِنْ كِرَاءٍ، فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؛
-
لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ آجَرَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ لَا يَدْرِي مَا هُوَ.
-
قُلْتُ: وَلِمَنْ يَكُونُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِرَبِّ السَّفِينَةِ وَالدَّارِ وَالْحَمَّامِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا عَمِلْتَ مَنْ شَيْءٍ فَلِي نِصْفُهُ وَلَك نِصْفُهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ، وَمَا عَمِلَ مِنْ شَيْءٍ عَلَى الدَّابَّةِ فَهُوَ لِلْعَامِلِ وَلِرَبِّ الدَّابَّةِ عَلَى الْعَامِلِ أَجْرُ دَابَّتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ السُّفُنُ مِثْلُ الدَّوَابِّ عِنْدَ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: هِيَ مِثْلُ الدَّوَابِّ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْطَاهُ دَابَّتَهُ فَقَالَ: أَكْرِهَا فَمَا أَكْرَيْتُهَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ، فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك؟ قَالَ: إنْ كَانَ إنَّمَا قَالَ: أَكْرِهَا فَقَطْ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: اعْمَلْ عَلَيْهَا فَأَرَى الْكِرَاءَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ وَلِلَّذِي أَكْرَاهَا أَجْرُ مِثْلِهِ. قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي.
-
قُلْتُ: وَعَلَامَ قُلْتَهُ؟
-
قَالَ: قُلْتُهُ عَلَى الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ الدَّابَّةَ فَيَقُولُ: بِعْهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَوْ يَقُولُ: بِعْهَا فَمَا بِعْتَهَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَجَمِيعُ الثَّمَنِ لِرَبِّ الدَّابَّةِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنْ رَجُلًا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ دَابَّةً فَقَالَ: اعْمَلْ عَلَيْهَا وَلَك نِصْفُ مَا تَكْسِبُ عَلَيْهَا كَانَ الْكَسْبُ لِلْعَامِلِ وَكَانَ عَلَى الْعَامِلِ إجَارَةُ الدَّابَّةِ فِيمَا تُسَاوِي،
-
وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ إذَا دَفَعْتُهَا إلَى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ عَلَيْهَا كَانَ مَا كَسَبُوا لَهُمْ وَكَانَ عَلَيْهِمْ كِرَاءُ مِثْلِهَا وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَقُولَ: فِي السَّفِينَةِ وَالْحَمَّامِ أَجِّرْهُمَا وَلَكَ نِصْفُ مَا يَخْرُجُ أَوْ اعْمَلْ فِيهِمَا وَلَكَ نِصْفُ مَا تَكْسِبُ فَمَا كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ فَلَهُ مَا كَسَبَ وَعَلَيْهِ إجَارَتُهُ وَمَا كَانَ إنَّمَا يُؤَاجِرُهُ وَلَا عَمَلَ لَهُ فِيهِ فَالْإِجَارَةُ لِصَاحِبِهَا وَلِلْقَائِمِ فِيهَا إجَارَةُ مِثْلِهِ، فَهَذَا وَجْهُ مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ.
-
ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ نَشِيطٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَعْمَلُ لِرَجُلٍ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ فَيَقُولُ: لَا أَعْمَلُ لَكَ فِيهَا حَتَّى تُقَدِّمَ إلَيَّ دِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً سَلَفًا حَتَّى يُقَاصَّهُ بِهِ مِنْ رِبْحِهِ؟ فَقَالَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ فِي سَفِينَةٍ عَلَى نِصْفِ مَا يَرْبَحُ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يَرَاهُ حَسَنًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: احْمِلْ طَعَامِي هَذَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا
-
وَكَذَا عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ النِّصْفَ مَكَانَهُ نَقْدًا فَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَيْهِ،
-
فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِطَعَامٍ بِعَيْنِهِ لَا يَدْفَعُهُ إلَّا إلَى أَجَلٍ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت دَابَّتَهُ أَعْمَلُ عَلَيْهَا عَلَى النِّصْفِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ هَذَا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ عَمِلَ عَلَيْهَا لِمَنْ يَكُونُ الْعَمَلُ؟
-
قَالَ: يَكُونُ الْعَمَلُ لِلْعَامِلِ وَلِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أَجْرُ مِثْلِهَا.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَيْتُهَا إلَى مَكَّةَ وَكَانَتْ إبِلًا وَكُنْتُ أَخَذْتُهَا عَلَى أَنْ أَعْمَلَ عَلَيْهَا عَلَى النِّصْفِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ يَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ لِلْمُتَكَارِي وَيَكُونُ لِرَبِّ الْإِبِلِ مِثْلُهُ كِرَاءُ إبِلِهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَالَ: أَكْرِهَا وَلَك نِصْفُ مَا يَخْرُجُ مَنْ كِرَائِهَا كَانَ الْكِرَاءُ لِصَاحِبِ الْإِبِلِ وَكَانَ لِلْمُكْرِي أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: بِعْ سِلْعَتِي هَذِهِ وَلَك نِصْفُ ثَمَنِهَا؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
-
قَالَ: فَإِنْ بَاعَهَا أُعْطِيَ أَجْرُ مِثْلِهِ وَكَانَ جَمِيعُ الثَّمَنِ لِرَبِّ السِّلْعَةِ
-
وَكَذَلِكَ الْكِرَاءُ عِنْدِي إذَا كَانَ يُكْرِيهَا وَلَهُ نِصْفُ الْكِرَاءِ كَانَ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ فِي بَيْعِ السِّلْعَةِ وَإِذَا قَالَ: اعْمَلْ عَلَيْهَا وَلَك نِصْفُ مَا يَكُونُ مَنْ عَمَلِهَا فَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْتُ لَكَ وَاَلَّذِي يَقُولُ: اعْمَلْ عَلَيْهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْرَى دَابَّتَهُ بِنِصْفِ مَا يَكْسِبُ الْأَجِيرُ أَوْ يَكُونَ آجَرَ نَفْسَهُ بِنِصْفِ مَا يَكْسِبُ عَلَى الدَّابَّةِ فَأَوْلَاهُمَا بِمَا يَكُونُ مِنْ الْكَسْبِ الْعَامِلُ وَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَجْرُ مِثْلِهَا قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
الطَّعَامِ وَالْغَنَمِ وَالْغَزْلِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاسْتَأْجَرَ صَاحِبَهُ عَلَى حَمْلِهِ وَنَسَجَ الْغَزْلَ عَلَى النِّصْفِ
-
فِي الطَّعَامِ وَالْغَنَمِ وَالْغَزْلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَسْتَأْجِرُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى حَمْلِهِ وَيَنْسِجُ الْغَزْلَ عَلَى النِّصْفِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ طَعَامًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ اسْتَأْجَرْته عَلَى حَمْلِهِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا
-
وَكَذَا لِنِفَاقٍ بَلَغَنَا فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيَّ نِصْفُ كِرَاءِ ذَلِكَ الطَّعَامِ أَوْ قُلْتُ لَهُ: اطْحَنْهُ بِكَذَا
-
وَكَذَا عَلَى أَنَّ عَلَيَّ نِصْفَ كِرَاءِ الطَّحْنِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْمُتَكَارِي أَنْ يَحْمِلَ حِصَّتَهُ مَعَ حِصَّةِ الْمُكْرِي إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَبِيعَهُمَا جَمِيعًا،
-
وَلَا يَكُونُ لِلْمُكْرِي أَنْ يُقَاسِمَهُ حَتَّى يَبِيعَهُمَا أَوْ حَتَّى يُبَلِّغَهَا تِلْكَ الْبَلْدَةَ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَكْرَاهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ حِصَّتَهُ، وَالْحِنْطَةُ مَجْمُوعَةٌ مُخْتَلِطَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَقْتَسِمَاهَا إلَّا أَنَّهُ مَتَى مَا بَدَا لِلْمُكْرِي أَخْذُ حِصَّتِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ فَبَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا إنْ شَاءَ فِي الطَّرِيقِ وَإِنْ شَاءَ قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَ وَإِنْ شَاءَ حَيْثُمَا شَاءَ وَحَمْلُ حِصَّةِ الْمُكْتَرِي لَازِمٌ لَهُ ذَلِكَ،
-
فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا ضَرَبَ لِمَا يَبِيعُهَا إلَيْهِ أَجَلًا وَفِي الطَّحِينِ إنْ كَانَ إنْ شَاءَ طَحَنَ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَطْحَنْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؟
-
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَارِي عَلَى حِصَّتِهِ فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْحَنَهُمَا جَمِيعًا حِصَّتَهُ وَحِصَّةَ صَاحِبِهِ،
-
فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَنَّهُ فَاسِدٌ؟
-
قَالَ: يَكُونُ لِلَّذِي طَحَنَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّتِهِ أَجْرٌ مِثْلُ حِصَّةِ صَاحِبِهِ فِي الطَّحِينِ أَوْ فِي الْكِرَاءِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ غَنَمًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ اسْتَأْجَرْته عَلَى أَنْ يَرْعَاهَا لِي عَلَى أَنَّ لَهُ
-
نِصْفَ أَجْرِهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي رَأْيِي إذَا كَانَ لِلرَّاعِي أَنْ يُقَاسِمَهُ حِصَّتَهُ مَتَى مَا بَدَا لَهُ أَوْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ مَتَى بَدَا لَهُ. لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَتَكُونُ الْإِجَارَةُ لَازِمَةً لِلرَّاعِي فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ إنْ مَاتَتْ الْغَنَمُ أَوْ نَقَصَتْ أَخْلَفَ لَهُ مِثْلَ حِصَّتِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا اعْتَدَلَتْ فِي الْقِسْمِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ غَزْلًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ اسْتَأْجَرْته عَلَى أَنْ يَنْسِجَهُ لِي بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ الْحَائِكَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْغَزْلِ؛ لِأَنَّ النَّسْجَ قَدْ لَزِمَهُ لِصَاحِبِهِ.
-
الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الرَّجُلَ شَهْرًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبًا وَلَهُ دِرْهَمٌ
-
فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الرَّجُلَ شَهْرًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبًا وَلَهُ دِرْهَمٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْته شَهْرًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لِي ثَوْبًا وَلَهُ دِرْهَمٌ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ إنْ بَاعَ قَبْلَ الشَّهْرِ أَخَذَ بِحِسَابِ الشَّهْرِ.
-
قُلْتُ: وَالْقَلِيلُ مِنْ السِّلَعِ وَالْكَثِيرُ تَصْلُحُ فِيهِ الْإِجَارَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْقَلِيلِ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ لَمَّا جَوَّزَ مَالِكٌ فِي الْقَلِيلِ الْجُعْلَ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِيهِ عِنْدِي أَجْوَزَ.
-
قُلْتُ: وَكُلُّ مَا يَجُوزُ الْجُعْلُ فِيهِ عِنْدَك تَجُوزُ فِيهِ الْإِجَارَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا ضَرَبَ لِلْإِجَارَةِ أَجَلًا.
-
قُلْتُ: وَالْكَثِيرُ مِنْ السِّلَعِ لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْجُعْلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْجُعْلُ وَتَصْلُحُ فِيهِ الْإِجَارَةُ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: وَالْقَلِيلُ مَنْ السِّلَعِ تَصْلُحُ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَالْجُعْلُ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ فِي السِّلَعِ الْكَثِيرَةِ أَنْ يَبِيعَهَا الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِالْجُعْلِ؟ قَالَ: لِأَنَّ السِّلَعَ الْكَثِيرَةَ تَشْغَلُ بَائِعَهَا عَنْ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَعْمَلَ فِي غَيْرِهَا،
-
فَإِذَا كَثُرَتْ السِّلَعُ هَكَذَا حَتَّى يَشْتَغِلَ الرَّجُلُ لَمْ يَصْلُحْ إلَّا بِإِجَارَةٍ مَعْلُومَةٍ. قَالَ لِي مَالِكٌ: وَالثَّوْبُ وَالثَّوْبَانِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَشْغَلُ صَاحِبَهَا عَنْ أَنْ يَعْمَلَ فِي غَيْرِهَا،
-
فَلَا بَأْسَ بِالْجُعْلِ فِيهَا وَهُوَ مَتَى مَا شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ، وَالْإِجَارَةُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا مَتَى مَا شَاءَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ بَيْعَ الدَّابَّةِ وَالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ أَهَذَا مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْجُعْلُ؟ قَالَ: نَعَمْ،
-
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، فَإِذَا كَثُرَتْ الدَّوَابُّ أَوْ الرَّقِيقُ،
-
فَلَا يَصْلُحُ فِي هَذَا الْجُعْلُ. ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَتَاعًا يَبِيعُهُ، وَلَهُ أَجْرٌ مَعْلُومٌ عَلَى بَيْعِهِ إنْ بَاعَهُ وَلَيْسَ لِبَيْعِهِ أَمْرٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ حَسَنًا إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى هَذَا فَإِنْ بَاعَهُ اسْتَوْجَبَ أَجْرًا عَسَى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مَا عَمِلَ فِيهَا فَإِنْ أَخْطَأَهُ بَيْعُهَا كَانَ قَدْ كَفَاهُ مِنْهَا أَمْرًا قَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُكْفَاهُ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقِمَارِ.
-
الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْبَنَّاءَ عَلَى بُنْيَانِ دَارِهِ وَعَلَى الْبَنَّاءِ الْآجُرُّ وَالْجِصُّ
-
فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْبَنَّاءَ عَلَى بُنْيَانِ دَارِهِ وَعَلَى الْبَنَّاءِ الْآجُرُّ وَالْجِصُّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَبْنِي لِي دَارِي عَلَى أَنَّ الْآجُرَّ وَالْجِصَّ مَنْ عِنْدِ الْأَجِيرِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَلِمَ جَوَّزَهُ؟
-
قَالَ: لِأَنَّهَا إجَارَةٌ وَشِرَاءُ جِصٍّ وَآجُرٍّ صَفْقَةً وَاحِدَةً.
-
قُلْتُ: وَهَذَا الْآجُرُّ لَمْ يُسْلِفْ فِيهِ وَلَا هَذَا الْجِصُّ وَلَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا مِنْ الْآجُرِّ بِعَيْنِهِ وَلَا مِنْ الْجَصِّ بِعَيْنِهِ فَلِمَ جَوَّزَهُ مَالِكٌ؟
-
قَالَ: لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ مَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ الْجِصِّ وَالْآجُرِّ فَلِذَلِكَ جَوَّزَهُ مَالِكٌ.
-
قُلْتُ: هُنَا قَدْ جَعَلْتَ الْآجُرَّ وَالْجِصَّ مَعْرُوفًا؛ لِأَنَّهُ كَمَا زَعَمْتَ أَنَّهُ عِنْدَ النَّاسِ مَعْرُوفًا مَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، أَرَأَيْت السَّلَمَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لَهُ أَجَلًا وَهَذَا لَمْ يَضْرِبْ لِلْآجُرِّ وَالْجِصِّ أَجَلًا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ: ابْنِ لِي هَذِهِ الدَّارَ فَكَأَنَّهُ وَقَّتَ؛
-
لِأَنَّ وَقْتَ بِنَائِهَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْآجُرِّ وَالْجِصِّ فِي هَذِهِ الدَّارِ عِنْدَ النَّاسِ مَعْرُوفٌ وَوَقْتُ مَا تُبْنَى هَذِهِ الدَّارُ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَكَأَنَّهُ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي جِصٍّ وَآجُرٍّ مَعْرُوفٍ إلَى وَقْتٍ مَعْرُوفٍ وَإِجَارَتُهُ فِي عَمَلِ هَذِهِ الدَّارِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعِمَالَةِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَمَلَ يَدَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا قَدَّمَ نَقْدَهُ.
-
الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ حَافَّتَيْ نَهْرٍ يَبْنِي عَلَيْهِ وَطَرِيقَ رَجُلٍ فِي دَارِهِ وَمَسِيلَ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ
-
فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ حَافَّتَيْ نَهْرٍ يَبْنِي عَلَيْهِ وَطَرِيقَ رَجُلٍ فِي دَارِهِ وَمَسِيلَ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت مِنْ رَجُلٍ حَافَّتَيْ نَهْرٍ لَهُ أَبْنِي فِيهِ بُنْيَانًا أَوْ أَنْصِبُ عَلَى ظَهْرِهِ رَحَى مَاءٍ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت مِنْ دَارِ رَجُلٍ مَسِيلَ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ،
-
وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت طَرِيقًا فِي دَارِ رَجُلٍ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.
-
الْإِجَارَاتُ الْكَثِيرَةُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ
-
ٍ لَا يُسَمِّي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إجَارَةً بِعَيْنِهَا وَمَسِيلُ مِيزَابِ مَاءٍ فِي دَارِ رَجُلٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت بَيْتَ الرَّحَى مِنْ رَجُلٍ وَالرَّحَى مَنْ رَجُلٍ آخَرَ وَدَابَّةَ الرَّحَى مِنْ رَجُلٍ آخَرَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ كُلُّ شَهْرٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ جَمِيعُ ذَلِكَ أَيَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَدْرِي بِمَا أَكْرَى شَيْأَهُ حَتَّى يَقُومَ، فَقَدْ أَكْرَى بِمَا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا بَعْدَ مَا يَقُومُ وَإِنْ اسْتَحَقَّتْ سِلْعَةٌ مِنْ هَذِهِ السِّلَعِ الَّتِي اكْتَرَى أَوْ دَخَلَ أَمْرٌ يَفْسَخُ إجَارَتَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا يَبِيعُ صَاحِبُهُ إلَّا بَعْدَ الْقِيمَةِ، وَهُوَ إنْ أَصَابَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ عَدِيمًا لَمْ يَدْرِ بِمَا يُتْبِعُهُ وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت مَسِيلَ مَاءِ مِيزَابٍ مِنْ دَارِ رَجُلٍ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَكُونُ الْمَطَرُ أَمْ لَا وَلَا يَدْرِي مَا يَكُونُ مِنْ الْمَطَرِ.
-
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا.
-
إجَارَةِ رَحَى الْمَاءِ
-
فِي إجَارَةِ رَحَى الْمَاءِ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِي أَنْ اسْتَأْجَرَ رَحَى الْمَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: سَأَلَ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
فَقِيلَ لِمَالِكٍ أَتُسْتَأْجَرُ بِالْقَمْحِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَإِنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا أَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي انْقِطَاعِ الْمَاءِ شَيْئًا وَأَرَاهُ عُذْرًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ عَادَ الْمَاءُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِ الْإِجَارَةِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُؤَاجَرُ فَيَمْرَضُ: إنَّهُ إنْ صَحَّ لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرُ الْإِجَارَةَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ، فَكَذَلِكَ رَحَى الْمَاءِ أَيْضًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَتَفَاسَخَا قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ الْعَبْدُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفَا فِي انْقِطَاعِ الْمَاءِ فَقَالَ رَبُّ الرَّحَى: انْقَطَعَ الْمَاءُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ
-
مُدَّةَ هَذِهِ الْإِجَارَةِ، وَقَالَ الْمُتَكَارِي: بَلْ انْقَطَعَ الْمَاءُ شَهْرًا؟
-
قَالَ: إنْ كَانَا تَصَادَقَا فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَآخِرِهَا وَاخْتَلَفَا فِي انْقِطَاعِ الْمَاءِ وَهَدْمِ الدَّارِ كَمْ مُدَّةُ ذَلِكَ؟ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الدَّارِ وَصَاحِبِ الرَّحَى الْمُكْرِي؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَصَادَقَا عَلَى تَمَامِ السَّنَةِ، وَقَدْ وَجَبَ الْكِرَاءُ عَلَى الْمُتَكَارِي، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحُطَّ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ.
-
قَالَ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنَّ السَّنَةَ انْقَضَتْ فَادَّعَى الْمُتَكَارِي أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ مَهْدُومَةً السَّنَةَ كُلَّهَا، وَادَّعَى مُتَكَارِي الرَّحَى أَنَّ الْمَاءَ انْقَطَعَ السَّنَةَ كُلَّهَا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ رَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ الرَّحَى فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُتَكَارِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا قَالَ فَهُمَا إنْ اخْتَلَفَا فِي بَعْضِ السَّنَةِ كَانَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي السَّنَةِ كُلِّهَا وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَقَالَ رَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ الرَّحَى: أَكْرَيْتُكَ سَنَةً وَقَدْ انْقَضَتْ السَّنَةُ وَقَالَ الْمُتَكَارِي: بَلْ أَكْرَيْتَنِي السَّنَةَ وَمَا سَكَنْتُ وَمَا طَحَنْتُ إلَّا مُنْذُ شَهْرَيْنِ فَانْهَدَمَتْ الدَّارُ الْآنَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُتَكَارِي؛
-
لِأَنَّ الْمُتَكَارِيَ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ سَكَنَ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
-
وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْمُدَّةِ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ السَّاكِنِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَحَى مَاءٍ شَهْرًا عَلَى أَنَّهُ إنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ قَبْلَ الشَّهْرِ فَالْإِجَارَةُ لِي لَازِمَةٌ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
-
إجَارَة الثِّيَاب وَالْحُلِيِّ
-
فِي إجَارَةِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت فُسْطَاطًا أَوْ بِسَاطًا أَوْ غَرَائِرَ أَوْ جِرَابًا أَوْ قُدُورًا أَوْ آنِيَةً أَوْ وَسَائِدَ إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا وَجَائِيًا أَيَجُوزُ أَنْ تُؤَاجَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ: قَدْ ضَاعَتْ مِنِّي فِي الْبُدَاءَةِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الضَّيَاعِ.
-
قُلْتُ: فَالْإِجَارَةُ كَمْ يَلْزَمُ الْمُكْتَرِي مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ لِلْمُتَكَارِي بَيِّنَةٌ عَلَى يَوْمِ ضَاعَتْ مِنْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ مَعَهُ قَوْمٌ فِي سَفَرِهِ فَشَهِدُوا عَلَى أَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ بِضَيَاعِ ذَلِكَ؟ قَالَ: إنْ شَهِدُوا عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ تَفَقُّدِهِ وَطَلَبِهِ رَأَيْتُ أَنْ يَحْلِفَ وَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَيَكُونَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ.
-
وَقَالَ: قَالَ غَيْرُهُ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الضَّيَاعِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِجَارَةِ إلَّا مَا قَالَ: إنَّهُ انْتَفَعَ بِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ اكْتَرَى جَفْنَةً فَقَالَ: إنَّهَا ضَاعَتْ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الضَّيَاعِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْبًا أَوْ فُسْطَاطًا شَهْرًا فَحَبَسْتُهُ هَذَا الشَّهْرَ فَلَمْ أَلْبَسْهُ أَيَكُونُ عَلَيَّ الْأَجْرُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْكَ الْأَجْرُ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ حَبَسَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى عَلَيْهِ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ حَبْسِهِ هَذِهِ الثِّيَابَ بِغَيْرِ لُبْسٍ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ لَبِسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَكُونُ عَلَيْهِ عَلَى حِسَابِ الْإِجَارَةِ الْأُولَى إذَا كَانَ مَعَهُ وَكَانَ صَاحِبُهُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَيَقْدِرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى رَدِّهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اسْتَأْجَرْت مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ مِثْلَ الْآنِيَةِ وَالْقُدُورِ وَالصِّحَافِ وَالْأَسْتَارِ وَالْقِبَابِ وَالْحِجَالِ وَمَتَاعِ الْجَسَدِ أَلَيْسَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْبًا أَلْبَسُهُ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ فَضَاعَ مِنِّي أَيَكُونُ عَلَيَّ ضَمَانٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْبًا أَلْبَسُهُ يَوْمَيْنِ فَلَبِسْتُهُ يَوْمًا فَضَاعَ مِنِّي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَأَصَبْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدَدْتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ أَيَكُونُ عَلَيَّ أَجْرُ الْيَوْمِ الَّذِي ضَاعَ فِيهِ الثَّوْبُ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا أَجْرَ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي ضَاعَ فِيهِ الثَّوْبُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ عَدَدُ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَضِعْ الثَّوْبُ فِيهَا قَالَ: وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ يَتَكَارَاهَا الرَّجُلُ أَيَّامًا فَتَضِيعُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ تَضِعْ الدَّابَّةُ فِيهَا.
-
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرَتْهُ امْرَأَةٌ لِتَلْبَسَهُ فَسُرِقَ مِنْهَا أَتَضْمَنُهُ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهَا وَهَذَا مِنْ الضَّيَاعِ الَّذِي فَسَّرْتُ لَكَ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ: قَدْ غُصِبَ مِنِّي؟
-
قَالَ: نَعَمْ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُفَرِّطَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْبًا أَلْبَسُهُ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ أُعْطِيَهُ غَيْرِي
-
يَلْبَسُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ غَيْرَكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِأَمَانَتِكَ وَاللُّبْسُ مُخْتَلِفٌ وَأَنْتَ لَوْ تَلِفَ مِنْكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْكَ وَإِنْ دَفَعْتَهُ إلَى غَيْرِكَ كُنْتَ ضَامِنًا إنْ تَلِفَ.
-
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ فَيُؤَاجِرَهَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُكْرِيهِ رَبُّ الدَّابَّةِ لِأَمَانَتِهِ وَحِفْظِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْرِيَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَلَكِنْ إنْ مَاتَ الْمُتَكَارِي أُكْرِيَتْ الدَّابَّةُ فِي مِثْلِ كِرَائِهَا وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَأَرَى الثِّيَابَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ كِرَاءِ الدَّابَّةِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فَلَوْ بَدَا لِلْمُتَكَارِي فِي الْإِقَامَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَكْرِيَهَا؟
-
قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَكْرِيَهَا لِمَوْضِعِ الْأَمَانَةِ وَلَوْ أَكْرَاهَا فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ إذَا كَانَ أَكْرَاهَا فِيمَا اكْتَرَاهَا فِيهِ مِنْ مِثْلِهِ وَفِي حَالِهِ وَأَمَانَتِهِ وَخِفَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ كُلُّهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت حُلِيَّ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ مَرَّةً وَاسْتَثْقَلَهُ أُخْرَى وَقَالَ: لَسْتُ أَرَاهُ بِالْحَرَامِ الْبَيِّنِ وَلَيْسَ كِرَاءُ الْحُلِيِّ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَأَنَا لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ فُسْطَاطًا إلَى مَكَّةَ فَأَكْرَيْتُهُ مِنْ غَيْرِي أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا أَكْرَيْتَهُ مِنْ مِثْلِكَ وَفِي حَالِكَ وَأَمَانَتِكَ وَيَكُونُ صَنِيعُهُ فِي الْخِبَاءِ كَصَنِيعِكَ وَحَاجَتُهُ إلَى الْخِبَاءِ كَحَاجَتِكَ فَأَرَى الْكِرَاءَ جَائِزًا فِي رَأْيِي. ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَابْنَ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الدَّارَ ثُمَّ يُؤَاجِرُهَا بِأَفْضَلَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهَا بِهِ؟
-
فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ وَالسَّفِينَةِ. وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَدْرَكْنَا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ بِفَضْلِ إجَارَةِ الْعَبِيدِ وَالسُّفُنِ وَالْمَسَاكِنِ بَأْسًا.
-
قَالَ اللَّيْثُ: وَسُئِلَ يَحْيَى عَنْ رَجُلٍ تَكَارَى أَرْضًا،
-
ثُمَّ أَكْرَاهَا بِرِبْحٍ قَالَ: يَحْيَى هِيَ مِنْ ذَلِكَ. ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى ظَهْرًا أَوْ دَارًا،
-
ثُمَّ يَبِيعُ ذَلِكَ بِرِبْحٍ فَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا
-
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ وَاسْتُفْتِيَ فِي عَبْدٍ اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ هَلْ يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَاجِرُهُ مِنْ آخَرَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ: ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ.
-
قَالَ بُكَيْر: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا،
-
ثُمَّ آجَرَهُ أَتَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا؟
-
قَالَ: لَا. وَقَالَ ذَلِكَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَكْرِي،
-
ثُمَّ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ دَعْنِي وَلَك كَذَا
-
وَكَذَا مِنْ الْمَالِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ ذَلِكَ أَبُو الزِّنَادِ.
-
إجَارَة الْمِكْيَال وَالْمِيزَانِ
-
فِي إجَارَةِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ.
-
قُلْتُ: أَيُجِيزُ مَالِكٌ إجَارَةَ الْقَفِيزِ وَالْمِيزَانِ وَالدَّلْوِ وَالْحَبْلِ وَالْفَأْسِ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ قَالَ: قَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ إجَارَةِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَأَرَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِثْلَ هَذَا، وَأَرَى الْإِجَارَةَ فِيهَا جَائِزَةً.
-
إجَارَة الْمُصْحَف
-
فِي إجَارَةِ الْمُصْحَفِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُصْحَفَ هَلْ يَصْلُحُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ الرَّجُلُ يَقْرَأُ فِيهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: لِمَ جَوَّزَهُ مَالِكٌ؟
-
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمُصْحَفِ فَلَمَّا جَوَّزَ مَالِكٌ بَيْعَهُ جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمُصْحَفِ إنَّمَا يَبِيعُ الْوَرَقَ وَالْحِبْرَ وَالْعَمَلَ.
-
ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَكْحُولٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ بِبَيْعِ الْمَصَاحِفِ بَأْسًا. ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ مُصَيَّحٍ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْأَوَّلِ أَحْسِبَهُ قَالَ: فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَيَبِيعُهَا وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَالَ:
-
وَلَا رَأَيْنَا أَحَدًا بِالْمَدِينَةِ يُنْكِرُ ذَلِكَ قَالَ: وَكُلُّهُمْ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا
-
سَحْنُونٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ زِيَادٍ مَوْلًى لِسَعْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَنْ بَيْعِ الْمَصَاحِفِ وَالتِّجَارَةِ فِيهَا فَقَالَا لَا نَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ مُتَّجَرًا وَلَكِنْ مَا عَمِلَتْ يَدَاكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ وَشِرَائِهَا: لَا بَأْسَ بِهِ.
-
ِ قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يُعَلِّمُ لِي وَلَدِي الْقُرْآنَ يُحَذِّقُهُمْ الْقُرْآنَ بِكَذَا
-
وَكَذَا دِرْهَمًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَ وَلَدَهُ الْقُرْآنَ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ كُلَّ سَنَةٍ بِدِرْهَمٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ: اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَ وَلَدَهُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِكَذَا
-
وَكَذَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ:
-
وَلَا بَأْسَ بِالسُّدُسِ أَيْضًا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْجَمِيعِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ: اسْتَأْجَرْته يُعَلِّمُ وَلَدِي الْكِتَابَةَ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ؟
-
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي إجَارَةِ الْمُعَلِّمِينَ سَنَةً سَنَةً: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَاَلَّذِي يَسْتَأْجِرُهُ يُعَلِّمُ وَلَدَهُ الْكِتَابَةَ وَحْدَهَا لَا بَأْسَ بِذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي إجَارَةِ الْمُعَلِّمِينَ سَنَةً سَنَةً.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يُعَلِّمُ وَلَدِي الْفِقْهَ وَالْفَرَائِضَ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ، فَأَنَا أَرَى الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ ذَلِكَ لَا تُعْجِبُنِي وَالْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِهِمَا أَشَرُّ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ عَلِّمْ غُلَامِي هَذَا الْكِتَابَ سَنَةً أَوْ الْقُرْآنَ سَنَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَك؟ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدُهُمَا عَلَى بَيْعِ مَا لَهُ فِيهِ قَبْلَ السَّنَةِ؛ فَهَذَا فَاسِدٌ،
-
وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ السَّنَةِ أَيْضًا ذَهَبَ عَمَلُهُ بَاطِلًا. عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ الْكِتَابَ عَلَى عَهْدِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَيَشْتَرِطُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَجْرُ الْمُعَلِّمِ عَلَى تَعْلِيمِ الْكِتَابِ أَعَلِمْتَ أَحَدًا كَرِهَهُ قَالَ لَا وَأَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ
-
شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَدِمَ بِرَجُلٍ مِنْ الْعِرَاقِ يُعَلِّمُ أَبْنَاءَهُمْ الْكِتَابَ بِالْمَدِينَةِ وَيُعْطُونَهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرَ. ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ عَنْ مُعَلِّمِ الْكِتَابِ الْغِلْمَانَ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ؟
-
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: كُلُّ مَنْ سَأَلْتُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَرَى بِتَعْلِيمِ الْغِلْمَانِ بِالْأَجْرِ بَأْسًا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ الْكِتَابَ بِالْمَدِينَةِ وَيُعْطُونَهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرَ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ لَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى تَعْلِيمِ الْغِلْمَانِ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَ مَعَ مَالِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ شَيْئًا مَعْلُومًا كُلُّ فِطْرٍ وَأَضْحَى؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
إجَارَةِ تَعْلِيمِ مُعَلَّمِي الصِّنَاعَاتِ
-
فِي إجَارَةِ تَعْلِيمِ مُعَلَّمِي الصِّنَاعَاتِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت غُلَامِي إلَى خَيَّاطٍ أَوْ قَصَّارٍ أَوْ إلَى خَبَّازٍ يُعَلِّمُوهُ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ وَدَفَعْته إلَيْهِمْ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ دَفَعْتُهُ إلَيْهِمْ لِيُعَلِّمُوهُ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِعَمَلِ الْغُلَامِ سَنَةً؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ أَجَوْزُ.
-
إجَارَةِ مُعَلِّمِ الشِّعْرِ وَكِتَابَتِهِ
-
فِي إجَارَةِ مُعَلِّمِ الشِّعْرِ وَكِتَابَتِهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَ وَلَدَهُ الشِّعْرَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت كَاتِبًا يَكْتُبُ لِي شِعْرًا أَوْ نَوْحًا أَوْ مُصْحَفًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا كِتَابُ الْمُصْحَفِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَمَّا الشِّعْرُ وَالنَّوْحُ فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَلَا يُعْجِبُنِي؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُبَاعَ كُتُبُ الْفِقْهِ، فَكُتُبُ الشِّعْرِ أَحْرَى أَنْ يَكْرَهَهَا.
-
إجَارَةِ قِيَامِ رَمَضَانَ وَالْمُؤَذِّنِينَ
-
فِي إجَارَةِ قِيَامِ رَمَضَانَ وَالْمُؤَذِّنِينَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَؤُمُّ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ
-
قَالَ: قُلْتُ: لِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ؟
-
قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْإِجَارَةَ فِي الْحَجِّ، فَكَيْفَ لَا يَكْرَهُ الْإِجَارَةَ فِي الصَّلَاةِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْمَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: كَرِهَهُ مَالِكٌ فِي النَّافِلَةِ فَهُوَ عِنْدِي فِي الْمَكْتُوبَةِ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرُوا رَجُلًا عَلَى أَنْ يُؤَذِّنَ لَهُمْ وَيُقِيمَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ اسْتَأْجَرُوهُ عَلَى أَنْ يُؤَذِّنَ لَهُمْ وَيُقِيمَ لَهُمْ وَيُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاتَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ هَذِهِ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَ الْإِجَارَةَ فِي هَذَا عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَقِيَامِهِ عَلَى الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى الصَّلَاةِ بِهِمْ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْرَى عَلَى سَعْدٍ الْقَرَظِ وَالْمُؤَذِّنِ رِزْقًا وَكَانَ يَجْرِي عَلَيْهِ وَعَلَى مُؤَذِّنِي أَهْلِ بَيْتِهِ.
-
إجَارَةِ دَفَاتِرِ الشِّعْرِ أَوْ الْغِنَاءِ
-
فِي إجَارَةِ دَفَاتِرِ الشِّعْرِ أَوْ الْغِنَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت دَفَاتِرِي فِيهَا نَوْحٌ أَوْ شِعْرٌ وَغِنَاءٌ يُقْرَأُ فِيهَا؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا.
-
قُلْتُ: لِمَ؟
-
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُبَاعُ دَفَاتِرُ فِيهَا الْفِقْهُ، وَكَرِهَ بَيْعَهَا وَمَا أَشُكُّ أَنَّ مَالِكًا إذَا كَرِهَ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ إنَّهُ لِبَيْعِ كُتُبِ الشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ أَكْرَهُ، فَلَمَّا كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ هَذِهِ الْكُتُبِ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِيهَا عَلَى أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا غَيْرَ جَائِزَةٍ؛
-
لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ مَالِكٍ فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ فِيهِ.
-
قُلْتُ: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْغِنَاءَ؟ قَالَ: كَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ، فَكَيْفَ لَا يَكْرَهُ الْغِنَاءَ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَيَشْتَرِطُ أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْغِنَاءَ.
-
قُلْتُ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ إنْ بَاعُوا هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَشَرَطُوا أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ وَوَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَهُ.
-
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ هَذَا الْبَيْعُ.
-
قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الدِّفَافَ فِي الْعُرْسِ أَوْ يُجِيزُهُ وَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ الْإِجَارَةَ فِيهِ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الدِّفَافَ وَالْمَعَازِفَ كُلَّهَا فِي الْعُرْسِ وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْتُهُ عَنْهُ فَضَعَّفَهُ وَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ.
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَقْتُلُ لِي رَجُلًا عَمْدًا ظُلْمًا فَقَتَلَهُ أَيَكُونُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا أَرَى لَهُ مِنْ الْأَجْرِ شَيْئًا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ لِي عَلَى رَجُلٍ الْقِصَاصُ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ: اضْرِبْ عُنُقَهُ بِدِرْهَمٍ فَفَعَلَ؟ قَالَ: الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي أَجْرِ الطَّبِيبِ أَنَّهُ جَائِزٌ وَالطَّبِيبُ يَقْطَعُ وَيَبُطُّ فَأَرَى مَسْأَلَتَكَ فِي الْقَتْلِ فِي الْقِصَاصِ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَجْرِ الطَّبِيبِ أَنَّهُ جَائِزٌ سَحْنُونٌ، عَنْ ابْنِ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ السَّبْعَةَ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ أَهْلُ فِقْهٍ وَفَضْلٍ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجُرْحِ فِيمَا دُونَ الْمُوَضَّحَةِ: إذَا بَرِئَ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ إنَّمَا فِيهِ أَجْرُ الْمُدَاوِي.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَضْرِبُ لِي ابْنًا لِي كَذَا
-
وَكَذَا دِرَّةً بِدِرْهَمٍ أَوْ عَبْدًا لِي كَذَا
-
وَكَذَا سَوْطًا أَدَبًا لَهُمَا بِكَذَا
-
وَكَذَا دِرْهَمًا أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ،
-
فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْأَدَبِ فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ،
-
وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ أَجِيرًا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَنْبَغِي فِيهِ الْإِجَارَةُ عُوقِبَ الْمُسْتَأْجِرُ وَكَانَ عَلَى الْأَجِيرِ الْقِصَاصُ.
-
إجَارَةِ الْأَطِبَّاءِ
-
فِي إجَارَةِ الْأَطِبَّاءِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت كَحَّالًا يُكَحِّلُ عَيْنِي مِنْ وَجَعٍ بِهَا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَطِبَّاءِ: إذَا اُسْتُؤْجِرُوا عَلَى الْعِلَاجِ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْبُرْءِ فَإِنْ بَرَأَ فَلَهُ حَقُّهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
-
قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَا شَرَطَا شَرْطًا حَلَالًا فَيَنْفُذُ بَيْنَهُمَا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى إنْ اشْتَرَطَ أَنْ يُكَحِّلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَنْقُدْهُ قَالَ:
-
فَإِنْ بَرَأَ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ لِلطَّبِيبِ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ ذَلِكَ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الْعَيْنَيْنِ فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَحِّلَهُ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ وَيُكَحِّلَهُ كُلَّ يَوْمٍ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ هَذَا قَدْ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا اشْتَرَطَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ يَتَوَقَّعُ بُرْؤُهُ وَإِنَّمَا هَذَا
-
رَجُلٌ شَرَطَ عَلَى الْكَحَّالِ أَنْ يُكَحِّلَهُ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ وَهُوَ صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ بِالْإِثْمِدِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَالْإِجَارَةُ فِيهِ جَائِزَةٌ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَيَجُوزُ فِيهِ النَّقْدُ.
-
قُلْتُ: أَتَجُوزُ إجَارَةُ قُسَّامِ الدُّورِ وَقُسَّامِ الْقَاضِي وَحُسَّابِهِمْ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَرِهَهُ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ كَانَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ يَقْسِمَانِ مَعَ الْقُضَاةِ وَيَحْسِبَانِ وَلَا يَأْخُذَانِ لِذَلِكَ جُعْلًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَنَى رَجُلٌ مَسْجِدًا فَأَكْرَاهُ مِمَّنْ يُصَلِّيَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا فِي رَأْيِي؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَا تُبْنَى لِلْكِرَاءِ.
-
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبْنِي مَسْجِدًا،
-
ثُمَّ يَبْنِي فَوْقَهُ بَيْتًا؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَبِيتُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِالْمَدِينَةِ فِي الصَّيْفِ وَكَانَ لَا تَقْرَبَهُ فِيهِ امْرَأَةٌ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا الَّذِي يَبْنِي فَوْقَ الْمَسْجِدِ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ مَسْكَنًا يَسْكُنُ فِيهِ بِأَهْلِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَالِكٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْتًا، وَسَكَنَهُ صَارَ فِيهِ مَعَ أَهْلِهِ، فَصَارَ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، قَالَ: كَرِهَهُ مَالِكٌ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً.
-
آجَرَ بَيْتَهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ
-
فِيمَنْ آجَرَ بَيْتَهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ آجَرَ بَيْتَهُ مِنْ قَوْمٍ يُصَلُّونَ فِيهِ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَكْرَى بَيْتَهُ كَمَنْ أَكْرَى مَسْجِدًا فَالْإِجَارَةُ فِيهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَلَكِنَّ مَالِكًا كَرِهَ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ أَجْرًا عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ.
-
قَالَ: وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَاجِرَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ رَمَضَانَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ دَارًا لِي عَلَى أَنْ يَتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
-
قُلْتُ: فَإِذَا مَضَتْ الْعَشْرُ سِنِينَ؟
-
قَالَ: إذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ رَجَعَتْ الدَّارُ إلَى رَبِّهَا.
-
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا.
-
قُلْتُ: فَإِذَا رَجَعَتْ الدَّارُ إلَى رَبِّهَا لِمَنْ يَكُونُ نَقْضُ الْمَسْجِدِ؟
-
قَالَ: لِأَهْلِ النَّقْضِ الَّذِينَ اشْتَرَوْهَا وَبَنَوْا الْمَسْجِدَ فَالنَّقْضُ لَهُمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ آجَرْت دَارِي مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ وَأَنَا فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ أَوْ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَارِهِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً وَلَا يُؤَاجِرُ دَارِهِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً وَلَا يَبِيعُ شَاتَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَشْتَرُونَهَا لِيَذْبَحُوهَا لِأَعْيَادِهِمْ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُكْرِي دَابَّتَهُ مِنْهُمْ إذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَكْرَوْهَا لِيَرْكَبُوهَا إلَى أَعْيَادِهِمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ كَنِيسَةٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُكْرِي دَارِهِ وَلَا يَبِيعَهَا مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَيْسَ لِلنَّصَارَى أَنْ يُحْدِثُوا الْكَنَائِسَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا الْكَنَائِسَ أَوْ يُحْدِثُونَهَا فِي قُرَاهُمْ الَّتِي صَالَحُوا عَلَيْهَا؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا هَلْ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَتَّخِذُوا الْكَنَائِسَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَيْءٌ أَعْطَوْهُ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ فِي قُرَاهُمْ الَّتِي صَالَحُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْبِلَادَ بِلَادُهُمْ يَبِيعُونَ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَلَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِلَادَهُمْ غَلَبَهُمْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَافْتَتَحُوهَا عَنْوَةً فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهَا شَيْئًا؛
-
لِأَنَّ الْبِلَادَ بِلَادُ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا وَلَا أَنْ يُوَرِّثُوهَا وَهِيَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ،
-
فَإِذَا أَسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ، فَلِذَلِكَ لَا يُتْرَكُونَ،
-
وَأَمَّا مَا سَكَنَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ افْتِتَاحِهِمْ وَكَانَتْ مَدَائِنُهُمْ الَّتِي اخْتَطُّوهَا مِثْلَ الْفُسْطَاطِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ مَدَائِنِ الشَّامِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَيْءٌ أَعْطَوْهُ فَيُوفِيَ لَهُمْ بِهِ لِأَنَّ سِكَكَ الْمَدَائِنِ قَدْ صَارَتْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مَالًا لَهُمْ يَبِيعُونِ وَيُوَرِّثُونَ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الصُّلْحِ فِيهَا حَقٌّ، فَقَدْ صَارَتْ مَدَائِنُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَمْوَالًا لَهُمْ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ أَنْ يَتَّخِذُوا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَنِيسَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَهْدٌ فَيُحْمَلُونَ عَلَى عَهْدِهِمْ.
-
وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ بِلَادٍ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَأُقِرُّوا فِيهَا وَقَفَتْ الْأَرْضُ لِأُعْطِيَّاتِ الْمُسْلِمِينَ وَنَوَائِبِهِمْ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ الَّتِي فِي قُرَاهُمْ الَّتِي أُقِرُّوا فِيهَا وَلَا مِنْ أَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا كَنَائِسَ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا فِيهَا عَلَى ذِمَّتِهِمْ وَعَلَى مَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِعْلُهُ،
-
وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ خَرَاجُ قُرَاهُمْ الَّتِي أُقِرُّوا فِيهَا وَإِنَّمَا الْخَرَاجُ عَلَى الْأَرْضِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَطْرَحُ لِي هَذِهِ الْمَيْتَةَ أَوْ هَذَا الدَّمَ أَوْ هَذِهِ الْعَذِرَةَ مَنْ دَارِي أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مَاتَتْ فِي دَارِهِ شَاةٌ فَقَالَ لِرَجُلٍ: احْمِلْهَا عَنِّي وَلَك جِلْدُهَا، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا
-
خَيْرَ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهُ بِجِلْدِ مَيْتَةٍ، وَجُلُودُ الْمَيْتَةِ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهَا، فَهَذَا قَدْ اسْتَأْجَرَهُ بِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
-
قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُبَاعُ جُلُودُ الْمَيْتَةِ دُبِغَتْ أَوْ لَمْ تُدْبَغْ وَلَا تُبَاعُ عَلَى حَالٍ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ:
-
وَلَا يُصَلَّى عَلَى جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَلَا تُلْبَسُ؟ قَالَ مَالِكٌ: وَالِاسْتِقَاءُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ وَلَسْت أُشَدِّدُ فِيهِ عَلَى غَيْرِي وَلَكِنِّي أَتَّقِيهِ فِي نَفْسِي خَاصَّةً وَلَا أُحَرِّمُهُ عَلَى النَّاسِ وَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَيُغَرْبَلُ عَلَيْهَا، فَهَذَا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَهَذَا الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجُلُودِهَا» .
-
قَالَ أَشْهَبُ: وَقَدْ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ النَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -: مَا حَرُمَ أَكْلُهُ حَرُمَ ثَمَنُهُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» .
-
إجَارَةِ نَزْوِ الْفَحْلِ
-
فِي إجَارَةِ نَزْوِ الْفَحْلِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت فَحْلًا لِإِنْزَاءِ فَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ تَيْسٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اسْتَأْجَرَهُ يُنْزِيهِ أَعْوَامًا مَعْرُوفَةً بِكَذَا
-
وَكَذَا، فَهَذَا جَائِزٌ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ يُنْزِيهِ شَهْرًا بِكَذَا
-
وَكَذَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ يُنْزِيهِ حَتَّى تَعْلَقَ الرَّمَكَةَ فَذَلِكَ فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ.
-
قُلْتُ: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ جَوَّزَ مَالِكٌ إجَارَةَ الْفَحْلِ قَدْ بَلَغَكَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ كَرِهُوهُ وَذَكَرُوهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذَا مِنْ الْغَرَرِ فِي الْقِيَاسِ قَالَ: إنَّمَا جَوَّزَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ عَلَيْهِ وَأَدْرَكَ النَّاسَ يُجِيزُونَهُ بَيْنَهُمْ فَلِذَلِكَ جَوَّزَهُ مَالِكٌ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ تَيْسٌ يُطْرِقُهُ الْغَنَمَ وَيَأْخُذُ عَلَيْهِ الْجُعْلَ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي بَيْعِ ضَرْبِ الْحَمْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُحُولِ لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا إذَا كَانَ لَهُ أَجَلٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ ضِرَابُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ يَضْمَنُ لَهُ اللِّقَاحَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَلَى أَصْحَابِهَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ طَرُوقَةِ جَمَلٍ تَحْمِلُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَأَلْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَقَدْ كَانَتْ عِنْدَنَا دُورٌ فِيهَا تُيُوسٌ تُكْرَى لِذَلِكَ وَأَبْنَاءُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْيَاءٌ فَلَمْ يَكُونُوا يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ.
-
إجَارَةِ الْبِئْرِ
-
فِي إجَارَةِ الْبِئْرِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت مِنْ رَجُلٍ بِئْرًا وَهِيَ فِي دَارِهِ أَوْ فِي فِنَائِهِ وَلَيْسَتْ مِنْ آبَارِ الْمَاشِيَةِ اسْتَأْجَرْتهَا مِنْهُ أَسْقِي مِنْهَا غَنَمٍ كُلَّ شَهْرٍ بِدِينَارٍ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ فِي دَارِهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَمْنَعَهَا النَّاسَ
-
وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ،
-
وَأَمَّا فِنَاؤُهُ فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ مَا الْفِنَاءُ إنْ كَانَ هُوَ إنَّمَا احْتَفَرَهُ لِلنَّاسِ صَدَقَةً يَسْتَقُونَ مِنْهَا، أَوْ لِمَاشِيَتِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَإِنْ كَانَ احْتَفَرَهَا لِيَحُوزَهَا لِنَفْسِهِ كَمَا يَحُوزُ مَا فِي دَارِهِ يَسْتَقِي بِهِ وَيَشْرَبُ مِنْهُ وَهِيَ أَرْضُهُ وَلَمْ يَحْفِرْهَا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ لِلنَّاسِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ يُكْرِيَهُ.
-
قُلْتُ: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ بَيْعَ مَاءِ الْمَوَاجِلِ مَوَاجِلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ بَيْعِ مَاءِ الْمَوَاجِلِ الَّتِي عَلَى طَرِيقِ أَنْطَابُلُسَ فَكَرِهَ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ بَيْعَ فَضْلِ مَاءِ الزَّرْعِ مِنْ الْعُيُونِ أَوْ الْآبَارِ؟
-
قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ يَكْرَهُ بَيْعَ رِقَابِ آبَارِ مَاءِ الزَّرْعِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْعُيُونُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ أَصْلِهَا وَبَيْعِ مَائِهَا لِيَسْقِيَ بِهِ الزَّرْعَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُبَاعُ مَاؤُهَا؟ أَوْ يُبَاعُ أَصْلُهَا قَالَ: نَعَم.
-
قُلْتُ: وَأَهْلُهَا أَحَقُّ بِمَائِهَا حَتَّى إذَا فَضَلَ عَنْهُمْ فَضْلٌ كَانَ النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةً؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ بَيْعَ آبَارِ الشَّفَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْبِئْرُ فِي دَارِهِ أَوْ أَرْضِهِ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَبِيعَ مَاءَهَا.
-
قُلْتُ: وَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَجْعَلُ رَبَّهَا أَحَقَّ بِمَائِهَا مِنْ النَّاسِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَالْمَوَاجِلُ أَكَانَ مَالِكٌ يَجْعَلُ رَبَّهَا أَحَقَّ بِهَا؟
-
قَالَ: أَمَّا كُلُّ مَا احْتَفَرَهُ فِي دَارِهِ أَوْ فِي أَرْضِهِ يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ مِثْلُ مَا يُحْدِثُ النَّاسُ فِي دُورِهِمْ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَحِلُّ بَيْعُهُ، وَأَمَّا
-
مَا عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارَى وَفَيَافِي الْأَرْضِ مِثْلَ مَوَاجِلِ طَرِيقِ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ بَيْعَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ حَرَامًا وَجُلُّ مَا كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْكَرَاهِيَةُ وَاسْتِثْقَالُ بَيْعِ مَائِهَا وَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ وَهِيَ مِثْلُ الْآبَارِ الَّتِي يَحْتَفِرُونَهَا لِلْمَاشِيَةِ إنَّ أَهْلَهَا أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْوُوا وَيَكُونُ لِلنَّاسِ مَا فَضَلَ إلَّا مَنْ مَرَّ بِهَا لِشَفَتِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ،
-
فَإِنَّ أُولَئِكَ لَا يُمْنَعُونَ كَمَا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ شُرْبِهِمْ مِنْهَا كَمَا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ.
-
إجَارَةِ الْوَصِيِّ أَوْ الْوَالِدِ نَفْسَهُ مِنْ يَتِيمِهِ أَوْ مِنْ ابْنِهِ أَوْ الِابْنِ مِنْ أَبِيهِ نَفْسَهُ
-
فِي إجَارَةِ الْوَصِيِّ أَوْ الْوَالِدِ نَفْسَهُ مِنْ يَتِيمِهِ أَوْ مِنْ ابْنِهِ أَوْ الِابْنِ مِنْ أَبِيهِ نَفْسَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ وَصِيًّا آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ يَتِيمٍ لَهُ فِي حِجْرِهِ يَعْمَلُ فِي بُسْتَانِهِ أَوْ فِي دَارِهِ؟ قَالَ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ أَمْضَاهُ عَلَى الْوَصِيِّ، فَأَرَى الْإِجَارَةَ مِثْلَ الْبَيْعِ يَنْظُرُ فِيهَا السُّلْطَانُ كَمَا يَنْظُرُ فِي الْبَيْعِ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ فِي ابْنِهِ الصَّغِيرِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ الْوَصِيُّ وَالْوَالِدُ فِي هَذَا سَوَاءٌ،
-
وَلَا أَحْفَظُ الْوَالِدَ عَنْ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ لِلْخِدْمَةِ فَفَعَلَ أَيَكُونُ لِلِابْنِ الْإِجَارَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ ابْنُهُ هَذَا قَدْ احْتَلَمَ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لِلِابْنِ إذَا كَانَ آجَرَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَلْزَمُ الْأَبُ نَفَقَةَ الِابْنِ إذَا احْتَلَمَ.
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا آجَرَ نَفْسَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ.
-
قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ عَمِلَ؟
-
قَالَ: لَهُ الْأَجْرُ الَّذِي سَمَّى لَهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ إجَارَةُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ فَيَكُونَ لَهُ إجَارَةُ مِثْلِهِ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الدَّابَّةِ إذَا تَعَدَّى عَلَيْهَا أَوْ غَصَبَهَا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ عَطِبَ الصَّبِيُّ أَوْ الْغُلَامُ مَاذَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؟ قَالَ: إذَا اسْتَعْمَلَهُمَا عَمَلًا
-
يُعْطَبَانِ فِيهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ اسْتَعْمَلَهُ أَوْ الْكِرَاءِ، وَسَيِّدُ الْعَبْدِ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْكِرَاءَ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ الْعَبْدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ،
-
وَأَمَّا فِي الصَّبِيِّ الْحُرِّ فَعَلَى الْمُتَكَارِي أَجْرُ مَا عَمِلَ الصَّبِيُّ الْأَجْرُ الَّذِي سَمَّيَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجْرُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّيَاهُ، وَتَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ لِأَنَّ الْحُرَّ فِي هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا تُخَيَّرُ وَرَثَتُهُ كَمَا يُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ وَالْحُرُّ لَيْسَ بِسِلْعَةٍ مِنْ السِّلَعِ، لِأَنَّ الدِّيَةَ لَازِمَةٌ فِي الْحُرِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهِيَ السُّنَّةُ أَنَّ الدِّيَةَ لَازِمَةٌ سَحْنُونٌ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبِيدِ يُسْتَأْجَرُونَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهُمْ ضَمَانُ مَا أَصَابَهُمْ وَإِنْ قَالَ سَادَاتُ الْعَبِيدِ: لَمْ نَأْمُرْهُمْ أَنْ يُؤَاجِرُوا أَنْفُسَهُمْ إلَّا أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَبْدٌ فِي عَمَلٍ مَخُوفٍ عَلَى وَجْهِ الْغَرَرِ يَزِيدُهُ فِي إجَارَتِهِ أَضْعَافًا، مِنْ ذَلِكَ الْبِئْرُ تَكُونُ فِيهِ الْحَمْأَةُ وَالْهَدْمُ مِنْ تَحْتِ الْجُدَرَانِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَاَلَّذِي اسْتَأْجَرَهُ عَلَى هَذَا هُوَ ضَامِنٌ لِلْعَبْدِ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكٌ:
-
وَمَنْ اسْتَعْمَلَ عَبْدًا عَمَلًا شَدِيدًا فِيهِ غَرَرٌ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَعَمِلَهُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الضَّمَانُ إنْ أُصِيبَ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ أُرْسِلَ فِي الْإِجَارَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُذِنَ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ فِيمَا تَجْرِي فِيهِ الْأَعْمَالُ وَتُؤْمَنُ فِيهِ الْبَلَايَا، وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الِاغْتِرَارِ كَالْبِئْرِ الَّتِي قَتَلَتْ أَهْلَهَا حَمْأَةٌ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ خَرَجَ بِهِ سَفَرًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ يُونُسُ، قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَضْمَنُ الْعَبْدُ فِيمَا اُسْتُعِينَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ يَنْبَغِي فِي مِثْلِهِ الْإِجَارَةُ وَكُلُّ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فِي غَرَرِ الْإِجَارَةِ فِيمَا يَخْشَى مِنْهُ التَّلَفَ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ أُرْسِلَ فِي الْإِجَارَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُذِنَ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ فِيمَا تَجْرِي فِيهِ الْأَعْمَالُ وَتُؤْمَنُ فِيهِ الْبَلَايَا، وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الِاغْتِرَارِ كَالْبِئْرِ الَّتِي قَتَلَتْ أَهْلَهَا حَمْأَةٌ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ،
-
وَأَمَّا كَبِيرٌ حُرٌّ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُسْتَغْفَلَ أَوْ يُسْتَجْهَلَ أَوْ يُقَرَّبَ لَهُ أَشْيَاءُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ الَّذِي قَرَّبَ لَهُ فِيهِ. قَالَ:
-
وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدَ قَوْمٍ فَإِنْ كَانَ غُلَامًا يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فَخَرَجَ بِهِ سَفَرًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ؟ قَالَ: وَكُلُّ مَنْ اسْتَعَانَ غُلَامًا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فِيمَا يَنْبَغِي لَهُ فِي مِثْلِهِ الْإِجَارَةُ، فَهُوَ لِمَا أَصَابَهُ ضَامِنٌ. قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ عَبْدٍ اُسْتُعِينَ بِهِمَا فِيمَا لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْإِجَارَةُ كَالرَّجُلِ يَقُولُ نَاوِلْنِي نَعْلِي أَوْ نَاوِلْنِي قَدَحًا وَكَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي هَذَا عَقْلٌ.
-
فِي إجَارَة الْعَبْد بِإِذْنِ سِيدَهْ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَإِنْ مَرِضَ فِيهِ قَضَاهُ فِي شَهْرٍ غَيْرِهِ
-
فِي إجَارَةِ سَيِّدِهِ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَإِنْ مَرِضَ فِيهِ قَضَاهُ فِي شَهْرٍ غَيْرِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت عَبْدًا يَخْدُمُنِي شَهْرًا بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَرِضَ فِي هَذَا الشَّهْرِ قَضَانِي فِي شَهْرٍ غَيْرِهِ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ تَخْتَلِفُ لَيْسَ أَيَّامُ الصَّيْفِ كَأَيَّامِ الشِّتَاءِ، فَهَذَا الشَّهْرُ إنْ كَانَ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَتَمَادَى بِهِ فِي الْمَرَضِ إلَى أَيَّامِ الشِّتَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَتَمَادَى بِهِ الْمَرَضُ إلَى أَيَّامِ الصَّيْفِ فَهَذِهِ الْإِجَارَةُ لَا خَيْرَ فِيهَا.
-
الرَّجُلِ يَسْتَأْجِر الْحَائِط لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ الْخَشَبَةَ
-
فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْحَائِطَ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ الْخَشَبَةَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت مِنْ رَجُلٍ حَائِطًا لِأَبْنِيَ عَلَيْهِ سُتْرَةً أَوْ لِأَحْمِلَ عَلَيْهِ خَشَبَةً أَوْ لِأَضْرِبَ فِيهِ وَتَدًا أَوْ لِأُعَلِّقَ عَلَيْهِ سِتْرًا كُلُّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَأَرَى الْإِجَارَةَ فِيهِ جَائِزَةً.
-
قُلْتُ: وَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ «لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِهِ؟» قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدِي عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ.
-
الرَّجُلِ يَسْتَأْجِر الْأَجِيرَ يَجِيئُهُ بِالْغَلَّةِ
-
فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِر الْأَجِيرَ يَجِيئُهُ بِالْغَلَّةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَجْعَلَهُ يَجِيئُنِي بِالْغَلَّةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ حِينَ اسْتَأْجَرَهُ خَرَاجًا مَعْلُومًا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا وَلَكِنَّهُ وَضَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَاجًا مَعْلُومًا أَيَصْلُحُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ إنَّمَا وَضَعَ عَلَيْهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا فَإِنْ هُوَ لَمْ يَأْتِهِ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَسْتَأْجِرُ الْغِلْمَانَ الْحَجَّامِينَ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ بِالْغَلَّةِ أَيَصْلُحُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَسْتَأْجِرْهُمْ عَلَى أَنْ يُضَمِّنَهُمْ خَرَاجًا مَعْلُومًا وَلَمْ يَقُلْ لِي مَالِكٌ حَجَّامًا مِنْ غَيْرِ حِجَامٍ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ
-
شرطها كبائع ومشتر
-
والصيغة آجرتك هذا أو أكريتك أو ملكتك منافعه سنة بكذا فيقول قبلت أو استأجرت أو اكتريت
-
والأصح انعقادها بقوله آجرتك منفعتها
-
ومنعها بقوله بعتك منفعتها
-
وهي قسمان واردة على عين كإجارة العقار ودابة أو شخص معينين
-
وعلى الذمة كاستئجار دابة موصوفة وبأن يلزم ذمته خياطة أو بناء
-
ولو قال استأجرتك لتعمل كذا فإجارة عين
-
وقيل: ذمة
-
ويشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس
-
وإجارة العين لا يشترط ذلك فيها
-
ويجوز فيها التعجيل والتأجيل إن كانت في الذمة
-
وإذا أطلقت تعجلت
-
وإن كانت معينة ملكت في الحال
-
ويشترط كون الأجرة معلولة
-
فلا تصح بالعمارة والعلف
-
ولا ليسلخ بالجلد
-
ويطحن ببعض الدقيق أو بالنخالة
-
ولو استأجرها لترضع رقيقا ببعضه في الحال جاز على الصحيح
-
وكون المنفعة متقومة
-
فلا يصح استئجار بياع على كلمة لا تتعب وإن روجت السلعة
-
وكذا دراهم ودنانير للتزيين وكلب للصيد في الأصح
-
وكون المؤجر قادرا على تسليمها
-
فلا يصح استئجار آبق ومغصوب
-
وأعمى للفحظ
-
وأرض للزراعة لا ماء لها دائم ولا يكفيها المطر المعتاد
-
ويجوز أن كان لها ماء دائم
-
وكذا إن كفاها المطر المعتاد أو ماء الثلوج المجتمعة والغالب حصولها في الأصح
-
والامتناع الشرعي كالحسي
-
فلا يصح استئجار لقلع سن صحيحة
-
ولا حائض لخدمة مسجد
-
وكذا منكوحة لرضاع أو غيره بغير إذن الزوج في الأصح
-
ويجوز تأجيل المنفعة في إجارة الذمة كألزمت ذمتك الحمل إلى مكة أول شهر كذا
-
ولا يجوز إجارة عين لمنفعة مستقبلة
-
فلو أجر السنة الثانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز في الأصح
-
ويجوز كراء العقب في الأصح
-
وهو أن يؤجر دابة رجلا ليركبها بعض الطريق أو رجلين ليركب هذا أياما وذا أياما ويبين البعضين ثم يقتسمان.
فصل
-
يشترط كون المنفعة معلومة
-
ثم تارة تقدر بزمان كدار سنة
-
وتارة بعمل كدابة إلى مكة وكخياطة ذا الثوب
-
فلو جمعهما فاستأجره ليخيطه بياض النهار لم يصح في الأصح
-
وبقدر تعليم القرآن بمدة أو تعيين سور
-
وفي البناء يبين الموضع والطول والعرض والسمك وما يبني به إن قدر بالعمل
-
وإذا صلحت الأرض لبناء وزراعة وغراس اشترط تعيين المنفعة
-
ويكفي تعيين الزراعة عن ذكر ما يزرع في الأصح
-
ولو قال لتنتفع بها بما شئت صح
-
وكذا لو قال إن شئت فازرع وإن شئت فاغرس في الأرض
-
ويشترط في إجارة دابة لركوب معرفة الراكب بمشاهدة أو وصف تام
-
وقيل: لا يكفي الوصف
-
وكذا الحكم فيما يركب عليه من محمل وغيره إن كان له
-
ولو شرط حمل المعاليق مطلقا فسد العقد في الأصح
-
وإن لم يشرطه لم يستحق
-
ويشترط في إجارة العين تعيين الدابة
-
وفي اشتراط رؤيتها الخلاف في بيع الغائب
-
وفي إجاره الذمة ذكر الجنس والنوع والذكورة أو الأنوثة
-
ويشترط فيهما بيان قدر السير كل يوم
-
إلا أن يكون بالطريق منازل مضبوطة فينزل عليها
-
ويجب في الإيجار للحمل أن يعرف المحمول
-
فإن حضر رآه وامتحنه بيده إن كان في ظرف
-
وإن غاب قدر بكيل أو وزن وجنسه
-
لا جنس الدابة وصفتها إن كانت إجارة ذمة
-
إلا أن يكون المحمول زجاجا ونحوه.
فصل
-
لا تصح إجارة مسلم لجهاد
-
ولا عبادة تجب لها نية
-
إلا الحج وتفرقة زكاة
-
وتصح لتجهيز ميت ودفنه
-
وتعليم القرآن
-
ولحضانة وإرضاع معا
-
ولأحدهما فقط
-
والأصح أنه لا يستتبع أحدهما الآخر
-
والحضانة حفظ صبي وتعهده بغسل رأسه وبدنه وثيابه ودهنه وكحله وربطه في المهد وتحريكه لينام ونحوها
-
ولو استأجر لهما فانقطع اللبن فالمذهب انفساخ العقد في الإرضاع دون الحضاة
-
والأصح أنه لا يجب حبر وخيط وكحل على وراق وخياط وكحال.
-
قلت: صحح الرافعي في الشرح الرجوع فيه إلى العادة فإن اضطربت وجب البيان وإلا فتبطل الإجارة. والله أعلم.
فصل
-
يجب تسليم مفتاح الدار إلى المكتري
-
وعمارتها على المؤجر
-
فإن بادر وأصلحها وإلا فللمكتري الخيار
-
وكسح الثلج عن السطح على المؤجر
-
وتنظيف عرصة الدار عن ثلج وكناسه على المكتري
-
وإن أجر دابة لركوب فعلى المؤجر الكاف وبرذعة وخرام وثفر وبرة وخطام
-
وعلى المكتري محمل ومظلة ووطاء وغطاء وتوابعها
-
والأصح في السرج اتباع العرف
-
وظرف المحمول على المؤجر في إجارة الذمة
-
وعلى المكتري في إجارة العين
-
وعلى المؤجر في إجارة الذمة الخروج مع الدابة لتعهدها وإعانة الراكب في ركوبه ونزوله بحسب الحاجة ورفع الحمل وحطه وشد المحمل وحله
-
وليس عليه في إجارة العين إلا التخلية بين المكتري والدابة
-
وتنفسخ إجارة العين بتلف الدابة
-
ويثبت الخيار بعيبها
-
ولا خيار في إجارة الذمة بل يلزمه الإبدال
-
والطعام المحمول ليؤكل يبدل إذا أكل في الأظهر.
فصل
-
يصح عقد الإجارة مدة تبقى فيها العين غالبا
-
وفي قول لا يزاد على سنة
-
وفي قوله ثلاثين
-
وللمكتري استيفاء المنفعة بنفسه وبغيره فيركب ويسكن مثله
-
ولا يسكن حدادا ولا قصارا
-
وما يستوفي منه كدار ودابة معينة لا يبدل
-
وما يستوفي به كثوب وصبي عين للخياطة والإرتضاع يجوز إبداله في الأصح
-
ويد المكتري على الدابة والثوب يد أمانة مدة الإجارة
-
وكذا بعدها في الأصح
-
ولو ربط دابة اكتراها لحمل أو ركوب ولم ينتفع بها لم يضمن
-
إلا إذا انهدم عليها اصطبل في وقت لو انتفع بها لم يصبها الهدم
-
ولو تلف المال في يد أجير بلا تعد كثوب استؤجر لخياطته أو صبغه لم يضمن إن لم ينفرد باليد بأن قعد المستؤجر معه أو أحضره منزله
-
وكذا إذا انفرد في أظهر الأقوال
-
والثالث: يضمن المشترك
-
وهو من التزم عملا في ذمته
-
لا المنفرد
-
وهو من أجر نفسه مدة معينة لعمل
-
ودفع ثوبا إلى قصار ليقصره أو خياط ليخيطه ففعل ولم يذكر أجرة فلا أجرة له
-
وقيل: له
-
وقيل: إن كان معروفا بذلك العمل فله وإلا فلا وقد يستحسن
-
ولو تعدى المستأجر بأن ضرب الدابة وكبحها فوق العادة أو أركبها أثقل منه أو أسكن حدادا أو قصارا ضمن العين
-
وكذا لو اكترى لحمل مائة رطل من حنطة فحمل مائة شعيرا أو عكس أو لعشرة أقفزة شعير فحمل حنطة دون عكسه
-
ولو اكترى لمائة فحمل مائة وعشرة لزمه أجرة المثل للزيادة
-
وإن تلفت بذلك ضمنها إن لم يكن صاحبها معها
-
فإن كان ضمن قسطا للزيادة
-
وفي قول نصف القيمة
-
ولو سلم المائة والعشرة إلى المؤجر فحملها جاهلا ضمن المكتري على المذهب
-
ولو وزن المؤجر وحمل فلا أجرة للزيادة ولا ضمان إن تلفت
-
ولو أعطاه ثوبا ليخيطه فخاطه قباء وقال أمرتني بقطعه قباء فقال بل قميصا فالأظهر تصديق المالك بيمينه ولا أجرة عليه وعلى الخياط أرش النقص.
فصل
-
لا تنفسخ الأجرة بعذر كتعذر وقود حمام وسفر ومرض مستأجر دابة لسفر
-
ولو استأجر أرضا لزراعة فزرع فهلك الزرع بجائحة فليس له الفسخ ولا حط شيء من الأجرة
-
وتنفسخ بموت الدابة والأجيبر المعينين في المستقبل
-
لا الماضي في الأظهر فيستقر قسطه من المسمى
-
ولا تنفسخ بموت العاقدين ومتولي الوقف
-
ولو أجر البطن الأول مدة ومات قبل تمامها أو الولي صبيا مدة لا يبلغ فيها بالسن فبلغ بالاحتلام فالأصح انفساخها في الوقف لا الصبي
-
وإنها تنفسخ بانهدام الدار
-
لا انقطاع ماء أرض استؤجرت لزراعة بل يثبت الخيار
-
وغصب الدابة وإباق العبد تثبت الخيار
-
ولو أكرى جمالا وهرب وتركها عند المكتري راجع القاضي ليمونها من مال الجمال
-
فإن لم يجد له مالا اقترض عليه
-
فإن وثق بالمكتري دفعه إليه وإلا جعله عند ثقة
-
وله أن يبيع منها قدر النفقة
-
ولو أذن للمكتري في الإنفاق من ماله ليرجع جاز في الأظهر
-
ومتى قبض المكتري الدابة أو الدار وأمسكها حتى مضت مدة إجارة استقرت الأجرة وإن لم ينتفع
-
وكذا لو اكترى لركوب إلى موضع وقبضها ومضت مدة إمكان السير إليه
-
وسواء فيه إجارة العين والذمة إذا سلم الدابة الموصوفة
-
وتستقر في الإجارة الفاسدة أجرة المثل بما يستقر به المسمى في الصحيفة
-
ولو أكرى عينا مدة ولم يسلمها حتى مضت انفسخت
-
ولو لم يقدر مدة وأجر لركوب إلى موضع ولم يسلما حتى مضت مدة السير فالأصح أنها لا تنفسخ
-
ولو أجر عبده ثم أعتقه فالأصح أنها لا تنفسخ الإجارة
-
وأنه لا خيار للعبد
-
والأظهر أنه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق
-
ويصح بيع المستأجرة للمكتري
-
ولا تنفسخ الإجارة في الأصح
-
ولو باعها لغيره جاز في الأظهر
-
ولا تنفسخ.
-
هي كقوله من رد آبقي فله كذا
-
ويشترط صيغه تدل على العمل بعوض ملتزم
-
فلو عمل بلا إذن أو أذن لشخص فعمل غيره فلا شيء له
-
ولو قال أجنبي من رد عبد زيد فله كذا استحقه الراد على الأجنبي
-
وإن قال: قال زيد من رد عبدي فله كذا وكان كاذبا لم يستحق عليه ولا على زيد
-
ولا يشترط قبول العامل وإن عينيه
-
وتصح على عمل مجهول
-
وكذا معلوم في الأصح
-
ويشترط كون الجعل معلوما
-
فلو قال من رده فله ثوب أو أرضيه فسد العقد وللراد أجرة مثله
-
ولو قال من بلد كذا فرده من أقرب منه فله قسطه من الجعل
-
ولو اشترط اثنان في رده اشتركا في الجعل
-
ولو التزم جعلا لمعين فشاركه غيره في العمل إن قصد إعانته فله كل الجعل
-
وإن قصد العمل للمالك فللأول قسطه ولا شيء للمشارك بحال
-
ولكل منهما الفسخ قبل تمام العمل
-
فإن فسخ قبل الشروع أو فسخ العامل بعد الشروع فلا شيء له
-
وإن فسخ المالك بعد الشروع فعليه أجرة المثل في الأصح
-
وللمالك أن يزيد وينقص في الجعل قبل الفراغ
-
وفائدته بعد الشروع وجوب أجرة المثل
-
ولو مات الآبق في بعض الطريق أو هرب فلا شيء للعامل
-
وإذا رده فليس له حبسه لقبض الجعل
-
ويصدق المالك إذا أنكر شرط الجعل أو سعيه في رده
-
فإن اختلفا في قدر الجعل تحالفا.
-
تصح بثلاثة شروط: معرفة المنفعة كسكنى دار وخدمة آدمي "وتعليم علم" .
-
الثاني: معرفة الأجرة
-
وتصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما
-
وان دخل حماما أو سفينة أو أعطى ثوبه قصارا أو خياطا بلا عقد صح بأجرة العادة.
-
الثالث: الإباحة في العين
-
فلا تصح على نفع محرم كالزنا والزمر والغناء وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر
-
وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه.
-
ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها.
فصل
-
ويشترط في العين المؤجرة: معرفتها برؤية أو صفة "في غير الدار ونحوها" .
-
وأن يعقد على نفعها دون أجزائها
-
فلا تصح إجارة الطعام للأكل
-
ولا الشمع ليشعله
-
ولا حيوان ليأخذ لبنه
-
إلا في الظئر
-
ونقع البئر "وماء الأرض" يدخلان تبعا.
-
والقدرة على التسليم
-
فلا تصح إجارة الآبق والشارد.
-
واشتمال العين على المنفعة,
-
فلا تصح إجارة بهيمة زمنة للحمل ولا أرض لا تنبت للزرع.
-
وأن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذونا له فيها
-
وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه "لا بأكثر منه ضررا" .
-
وتصح إجارة الوقف
-
فإن مات المؤجر فانتقل إلى من بعده لم تنفسخ
-
وللثاني حصته من الأجرة.
-
وان آجر الدار ونحوها مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح.
-
وإن استأجرها لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين او بقر لحرث أو دياس زرع أو من يدله على طريق اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف.
-
ولا تصح على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة.
-
وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه والشد عليه وشد الأحمال والمحامل والرفع والحط ولزوم البعير ومفاتيح الدار وعمارتها
-
فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة.
فصل
-
وهي عقد لازم
-
فان أجره شيئا ومنعه "كل المدة" أو بعضها فلا شيء له
-
وإن بدا للآخر قبل انقضائها فعليه الأجرة.
-
وتنفسخ بتلف العين المؤجرة
-
وموت المرتضع والراكب إن لم يخلف بدلا
-
وبانقلاع ضرس أو برئه ونحوه
-
لا بموت المتعاقدين أو أحدهما
-
ولا ضياع نفقة المستأجر ونحوه.
-
وإن اكترى دارا فانهدمت أو أرضا للزرع فانقطع ماؤها "أو غرقت" انفسخت الإجارة في الباقي
-
وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ
-
وعليه أجرة ما مضى.
-
ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ
-
ولا حجام وطبيب وبيطار لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم
-
ولا راع لم يتعد
-
ويضمن المشترك ما تلف بفعله
-
ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله
-
ولا أجرة له.
-
وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجل
-
وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة.
-
ومن تسلم عينا بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل.
-
وهي: "أن يجعل شيئا معلوما لمن يعمل له عملا معلوما أو مجهولا مدة معلومة أو مجهولة" كرد عبد ولقطة وخياطة وبناء حائط
-
فمن فعل بعد علمه بقوله استحقه
-
والجماعة يقتسمونه,
-
"وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه" .
-
ولكل فسخها
-
فمن العامل لا يستحق شيئا
-
ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة مثل عمله
-
ومع الاختلاف في أصله أو قدره يقبل قول الجاعل.
-
ومن "رد لقطة أو ضالة" أو عمل لغيره عملا بغير جعل لم يستحق عوضا
-
إلا دينارا أو اثني عشر درهما عن رد الآبق
-
ويرجع بنفقته أيضا.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب الإجارات١٢ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ٨٦٣، مسألة ٨٦٤، مسألة ٨٦٦٣٧ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ الْإِجَارَةِ فِي الصِّيَاغَةِ، بَابُ الْإِجَارَةِ فِي عَمَلِ التَّمْوِيهِ، كِتَابُ الْإِجَارَاتِ١٬٤٢٩ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْإِجَارَاتِ [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ الْإِجَارَاتِ وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ]، كِتَابُ الْإِجَارَاتِ، الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِهَا وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ.٢٠٣ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الإجارة١٬٠١٥ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ الْإِجَارَةِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ١٬٢٢٦ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفها وأركانها وأقسامها، شروط الإجارة، مبحث ما تجوز إجارته وما لا تجوز٥٥١ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالباب الثالث: مسائل الإجماع في كتاب الإجارة، الباب الخامس: مسائل الإجماع في كتاب الجعالة، الباب السادس: مسائل في الإجماع في كتاب الصلح١٬٣٩٣ مسألة
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف١٤ - الإجارة، * حكم الإجارة:، * حكمة مشروعية الإجارة:٥٩ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الإجارة والجعالة