الاعتكاف
العبادات
في متون المذاهب الأربعة
-
الِاعْتِكَافُ قُرْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فَالْإِضَافَةُ إلَى الْمَسَاجِدِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْقُرْبِ وَتَرْكُ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ لَأَجْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَالسُّنَّةُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: عَجَبًا مِنْ النَّاسِ كَيْفَ تَرَكُوا الِاعْتِكَافَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ
-
يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَيَتْرُكُهُ وَمَا تَرَكَ الِاعْتِكَافَ حَتَّى قُبِضَ وَفِي الِاعْتِكَافِ تَفْرِيغُ الْقَلْبِ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَتَسْلِيمُ النَّفْسِ إلَى بَارِئِهَا وَالتَّحَصُّنُ بِحِصْنٍ حَصِينٍ وَمُلَازَمَةُ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى (قَالَ) عَطَاءٌ مَثَلُ الْمُعْتَكِفِ كَمَثَلِ رَجُلٍ لَهُ حَاجَةٌ إلَى عَظِيمٍ فَيَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ، وَيَقُولُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتِي وَالْمُعْتَكِفُ يَجْلِسُ فِي بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَقُولُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَغْفِرَ لِي فَهُوَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ إذَا كَانَ عَنْ إخْلَاصٍ ثُمَّ جَوَازُهُ يَخْتَصُّ بِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ مَعْلُومٌ وَتُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُعْتَكَفُ فِيهِ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدَيْنِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، وَضَمُّوا إلَى هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ إيلِيَاءَ» يَعْنِي مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فَعَمَّ الْمَسَاجِدَ فِي الذِّكْرِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَرَوَى أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ عَجَبًا مِنْ قَوْمٍ عُكُوفٍ بَيْنَ دَارِك وَدَارِ أَبِي مُوسَى وَأَنْتَ لَا تَمْنَعُهُمْ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رُبَّمَا حَفِظُوا وَنَسِيت وَأَصَابُوا وَأَخْطَأْت كُلُّ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ يُعْتَكَفُ فِيهِ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِقَوْمٍ مُعْتَكِفِينَ فَقَالَ: لِحُذَيْفَةَ وَهَلْ يَكُونُ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟
-
فَقَالَ حُذَيْفَة: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ فَإِنَّهُ يُعْتَكَفُ فِيهِ» وَفِي الْكِتَابِ ذَكَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ هَذَا بَيَانُ حُكْمِ الْجَوَازِ فَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَالِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْجِوَارَ بِمَكَّةَ وَيَقُولُ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ هِجْرَةٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَاجَرَ مِنْهَا إلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهُوَ أَفْضَلُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ.
-
ثُمَّ الِاعْتِكَافُ غَيْرُ وَاجِبٍ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً إلَّا أَنْ يُوجِبَهُ الْعَبْدُ بِنَذْرِهِ فَيَلْزَمُهُ لِحَدِيثِ «عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ قَالَ: لَيْلَةً أَوْ قَالَ: يَوْمَيْنِ فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِك» .
-
وَمِنْ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ الصَّوْمُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ بِشَرْطٍ وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَهِمَا
-
قَالَا: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ وَمَذْهَبُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَلِيٍّ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مِثْلُ قَوْلِنَا وَالثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إلَّا أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلَّ بِهَذَا وَبِحَدِيثِ «عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سُؤَالِهِ إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ» وَاللَّيْلُ لَا يُصَامُ فِيهِ؛
-
وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الِاعْتِكَافِ مِنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي حَقِّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا وَمَا يَكُونُ شَرْطُ الْعِبَادَةِ شَرْطَ اقْتِرَانِهِ بِأَوَّلِهِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ،
-
وَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ بِدَوَامِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَلَا صَوْمَ بِاللَّيْلِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطَ الِاعْتِكَافِ وَلَا هُوَ رُكْنَهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَحَدُ أَرْكَانِ الدِّينِ وَالِاعْتِكَافُ نَفْلٌ زَائِدٌ فَلَا يَكُونُ الْأَقْوَى رُكْنًا لِلْأَضْعَفِ بَلْ هُوَ زَائِدٌ فِي مَعْنَى الْقُرْبَةِ عَلَى مَا يَتِمُّ بِهِ الِاعْتِكَافُ فَيَلْزَمُهُ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ كَالتَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ وَالْقِرَانُ فِي الْحَجِّ.
-
(وَلَنَا) «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا اعْتَكَفَ إلَّا صَائِمًا» وَالْأَفْعَالُ الْمُتَّفِقَةُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ لَا تَجْرِي عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ إلَّا لِدَاعٍ يَدْعُو إلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بَيَانِ أَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ الِاعْتِكَافِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ صَائِمًا يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَبِقَوْلِهِ صَائِمًا،
-
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ نَصَبًا عَلَى الْمَصْدَرِ كَمَا يُقَالُ ضَرَبْته وَجِيعًا أَيْ ضَرْبًا وَجِيعًا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَعْتَكِفُ اعْتِكَافًا صَائِمًا وَالصَّوْمُ لَا يَكُونُ صِفَةً لِلِاعْتِكَافِ فَالِاعْتِكَافُ لَبْثٌ فِي مَقَامٍ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الْمَقَامِ وَالصَّوْمُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهَوَاتِ إتْعَابًا لِلْبَدَنِ فَكَيْفَ يَكُونُ صِفَةً لِلِاعْتِكَافِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ كَمَا يُقَالُ: دَخَلَ الدَّارَ رَاكِبًا وَالْحَالُ خُلُوٌّ عَنْ الْإِيجَابِ؛
-
لِأَنَّهُ صِفَةُ الْمُوجِبِ لَا الْوَاجِبِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ الِاعْتِكَافِ كَمَنْ يَقُولُ: أُصَلِّي طَاهِرًا وَشَرْطُ الشَّيْءِ يَتْبَعُهُ فَيَثْبُتُ بِثُبُوتِهِ سَوَاءٌ ذُكِرَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَصُومُ مُتَتَابِعًا فَإِنَّهُ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ صِفَةُ الصَّوْمِ وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ أُصَلِّي قَائِمًا فَإِنَّهُ يَنْصِبُ قَائِمًا عَلَى الْمَصْدَرِ يُقَالُ: صَلَاةً قَائِمَةً وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ أَحُجُّ قَارِنًا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ بِالِانْضِمَامِ إلَى الْحَجِّ يَزْدَادُ فِيهَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ وَلِهَذَا لَزِمَهُ دَمُ الْقِرَانِ، وَهُوَ دَمُ نُسُكٍ وَعَنْ كَلَامِهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطُ الِاعْتِكَافِ وَالشَّرَائِطُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَا يُمْكِنُ اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ لَيْلًا فَسَقَطَ لِلتَّعَذُّرِ، وَجُعِلَ اللَّيْلُ تَبَعًا لِلْأَيَّامِ كَمَا أَنَّ الشِّرْبَ وَالطَّرِيقَ يُجْعَلُ تَبَعًا فِي بَيْعِ الْأَرْضِ، وَالثَّانِي أَنَّ شَرْطَ الِاعْتِكَافِ أَنْ يَكُونَ مُؤَدًّى فِي وَقْتِ الصَّوْمِ وَبِوُجُودِ الصَّوْمِ فِي النَّهَارِ يَتَّصِفُ جَمِيعُ الشَّهْرِ بِأَنَّهُ وَقْتُ الصَّوْمِ وَدَلِيلُهُ شَهْرُ رَمَضَانَ
-
فَصَارَ الشَّرْطُ بِهِ مَوْجُودًا كَمَا أَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ أَنْ يَقُومَ إلَيْهَا طَاهِرًا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَحَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَلِيلُنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «اعْتَكَفَ وَصُمْ» وَبِلَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الرِّوَايَةِ إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا.
-
فَأَمَّا التَّطَوُّعُ مِنْ الِاعْتِكَافِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَكُونُ إلَّا بِصَوْمٍ وَلَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَجُعِلَ الصَّوْمُ لِلِاعْتِكَافِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ بِالِاعْتِكَافِ مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ: إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ مَا أَقَامَ تَارِكٌ لَهُ إذَا خَرَجَ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ حَتَّى تَجُوزَ صَلَاةُ النَّفْلِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَرَاكِبًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ وَالْوَاجِبُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ.
-
(قَالَ) : وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا لِجُمُعَةٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَمَّا الْخُرُوجُ لِلْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكِفِهِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» ؛
-
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَاجَةِ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا فِي زَمَانِ الِاعْتِكَافِ،
-
وَلَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ فَالْخُرُوجُ لِأَجْلِهَا صَارَ مُسْتَثْنًى بِطَرِيقِ الْعَادَةِ وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفٍ فَإِنْ آوَاهُ سَقْفٌ غَيْرُ سَقْفِ الْمَسْجِدِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَدْخُلُ حُجْرَتَهُ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ» وَإِذَا خَرَجَ لِلْحَاجَةِ لَمْ يَمْكُثْ فِي مَنْزِلِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطُّهْرِ؛
-
لِأَنَّ الثَّابِتَ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدَرِهَا وَأَمَّا إذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ فَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ فَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ دُونَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ اعْتَكَفَ فِي أَيْ مَسْجِدٍ شَاءَ،
-
وَإِنْ كَانَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ قَالَ: لِأَنَّ رُكْنَ الِاعْتِكَافِ هُوَ الْمَقَامُ وَالْخُرُوجُ ضِدُّهُ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لَهُ إلَّا بِقَدْرِ مَا تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ فِيهِ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَامِعِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الْخُرُوجِ فَهُوَ، وَالْخُرُوجُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ سَوَاءٌ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْخُرُوجَ لِلْجُمُعَةِ مَعْلُومٌ وُقُوعُهُ فِي زَمَانِ الِاعْتِكَافِ فَصَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ نَذْرِهِ كَالْخُرُوجِ لِلْحَاجَةِ وَالْخُرُوجُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وُقُوعُهُ فِي زَمَانِ الِاعْتِكَافِ لَا مَحَالَةَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ يَقْصِدُ الْتِزَامَ الْقُرْبَةِ لَا الْمَعْصِيَةَ وَالتَّخَلُّفُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَعْصِيَةٌ فَيُعْلَمُ يَقِينًا
-
أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ بِنَذْرِهِ فَإِذَا اعْتَكَفَ فِي الْجَامِعِ كَانَ خُرُوجُهُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي الْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَى الرُّجُوعِ إلَى بَيْتِهِ وَاذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا عَنْ الْجَامِعِ يَزْدَادُ خُرُوجُهُ إذَا اعْتَكَفَ فِي الْجَامِعِ عَلَى مَا إذَا اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْكِتَابِ: يَخْرُجُ حِينَ تَزُولَ الشَّمْسُ فَيُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا قَالُوا: هَذَا إذَا كَانَ مُعْتَكَفُهُ قَرِيبًا مِنْ الْجَامِعِ بِحَيْثُ لَوْ انْتَظَرَ زَوَالَ الشَّمْسِ لَا تَفُوتُهُ الْخُطْبَةُ وَلَا الْجُمُعَةُ فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ تَفُوتُهُ لَمْ يَنْتَظِرْ زَوَالَ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ الْجَامِعَ فَيُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْأَذَانِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ سِتَّ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَأَرْبَعٌ سُنَّةً
-
وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ يَمْكُثُ مِقْدَار مَا يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوَسِتًّا بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ،
-
وَلَا يَمْكُثُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِلْحَاجَةِ وَالسُّنَنِ تَبَعٌ لِلْفَرَائِضِ وَلَا حَاجَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السُّنَّةِ فَإِنْ مَكَثَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَدَا لَهُ أَنْ يُتِمَّ اعْتِكَافَهُ فِي الْجَامِعِ جَازَ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لِلِاعْتِكَافِ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَ الِاعْتِكَافِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُتِمَّهُ فِي مَسْجِدَيْنِ.
-
(قَالَ) : وَلَا يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً إلَّا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَإِنَّهُ يَرْوِي حَدِيثًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ الْمَرِيضَ وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ» .
-
(وَلَنَا) حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ فِي اعْتِكَافِهِ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ فَيَسْأَلُ عَنْهُ وَلَا يَعْرُجُ عَلَيْهِ» ؛ وَلِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا وُقُوعُهُ فِي مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ فَالْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَثْنًى كَالْخُرُوجِ لِتَلَقِّي الْحَاجِّ وَتَشْيِيعِهِمْ.
-
وَمَا كَانَ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مُعْتَكَفِهِ إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي الْخُرُوجِ لِأَجْلِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْحَاجَةَ يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا فِي مُعْتَكَفِهِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا مَرِضَ الْمُعْتَكِفُ فِي اعْتِكَافٍ وَاجِبٍ فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا اسْتَقْبَلَ الِاعْتِكَافَ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ الصَّوْمُ وَقَدْ فَاتَ وَالْعِبَادَةُ لَا تَبْقَى بِدُونِ شُرُوطِهَا كَمَا لَا تَبْقَى بِدُونِ رُكْنِهَا (قَالَ) :
-
وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الِاعْتِكَافِ قَدْ فَاتَ فَأَمَّا إذَا خَرَجَ سَاعَةً مِنْ الْمَسْجِدِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَفْسُدُ مَا لَمْ يَخْرُجْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَقِيسُ وَقَوْلُهُمَا أَوْسَعُ قَالَا: الْيَسِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ عَفْوٌ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ
-
فَإِنَّهُ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ لَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يُسْرِعَ الْمَشْيَ، وَلَهُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى التُّؤَدَةِ فَظَهَرَ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْخُرُوجِ عَفْوٌ وَالْكَثِيرَ لَيْسَ بِعَفْوٍ فَجَعَلْنَا الْحَدَّ الْفَاصِلَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ فَإِنَّ الْأَقَلَّ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ فَإِذَا كَانَ فِي أَكْثَرِ الْيَوْمِ فِي الْمَسْجِدِ جُعِلَ كَأَنَّهُ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا قُلْنَا فِي نِيَّةِ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ إذَا وُجِدَتْ فِي أَكْثَرِ الْيَوْمِ جُعِلَ كَوُجُودِهَا فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: رُكْنُ الِاعْتِكَافِ هُوَ الْمَقَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجُ ضِدُّهُ فَيَكُونُ مُفَوِّتًا رُكْنَ الْعِبَادَةِ، وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي هَذَا سَوَاءٌ كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ وَالْحَدَثِ فِي الطَّهَارَةِ.
-
(قَالَ) : وَلَا تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ إلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ قَالَ: لِأَنَّ مَسْجِدَ الْبَيْتِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهِ وَالنَّوْمِ فِيهِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُ الْبُقْعَةِ فَيُخْتَصُّ بِبُقْعَةِ مُعْظَمِهِ شَرْعًا، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي مَسَاجِدِ الْبُيُوتِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ مَوْضِعَ أَدَاءِ الِاعْتِكَافِ فِي حَقِّهَا الْمَوْضِعُ الَّذِي تَكُونُ صَلَاتُهَا فِيهِ أَفْضَلَ كَمَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَصَلَاتُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا «سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: فِي أَشَدِّ مَكَان مِنْ بَيْتِهَا ظُلْمَةً» وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَرَادَ الِاعْتِكَافَ أَمَرَ بِقُبَّةٍ فَضُرِبَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَأَى قِبَابًا مَضْرُوبَةً فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ فَقِيلَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ فَغَضِبَ وَقَالَ: آلْبِرَّ يُرِدْنَ بِهِنَّ وَفِي رِوَايَةٍ يُرِدْنَ بِهَذَا، وَأَمَرَ بِقُبَّتِهِ فَنُقِضَتْ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي ذَلِكَ الْعَشْرِ» فَإِذَا كَرِهَ لَهُنَّ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ إلَى الْجَمَاعَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛
-
فَلَأَنْ يُمْنَعْنَ فِي زَمَانِنَا أَوْلَى، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا إذَا اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ ذَلِكَ، وَاعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ يَدْخُلُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَهِيَ طُولُ النَّهَارِ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَتِرَةً وَيُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ مِنْ الْفَسَقَةِ فَالْمَنْعُ لِهَذَا، وَهُوَ لَيْسَ لِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى عَيْنِ الِاعْتِكَافِ فَلَا يَمْنَعُ جَوَازَ الِاعْتِكَافِ وَإِذَا اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا فَتِلْكَ الْبُقْعَةُ فِي حَقِّهَا كَمَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ لَا تَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَإِذَا حَاضَتْ خَرَجَتْ وَلَا يَلْزَمُهَا بِهِ الِاسْتِقْبَالُ إذَا كَانَ اعْتِكَافُهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ وَلَكِنَّهَا تَصِلُ قَضَاءَ أَيَّامِ الْحَيْضِ لِحِينِ طُهْرِهَا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الصَّوْمِ الْمُتَتَابِعِ فِي حَقِّهَا.
-
وَمَسْجِدُ بَيْتِهَا الْمَوْضِعُ الَّذِي تُصَلِّي فِيهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنْ بَيْتِهَا.
-
(قَالَ) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا فَعَلَيْهِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ مُتَتَابَعٍ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا
-
وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ قَالَ: لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ فَرْعٌ عَنْ الصَّوْمِ فَإِنَّ مَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْفَرَائِضِ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ وَلَا أَصْلَ لِلِاعْتِكَافِ فِي الْفَرَائِضِ سِوَى الصَّوْمِ ثُمَّ التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ لَا يَجِبُ بِمُطْلَقِ النَّذْرِ فَكَذَلِكَ فِي الِاعْتِكَافِ وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّسْوِيَةِ أَنَّ تَعْيِينَ الْوَقْتِ إلَيْهِ،
-
وَلَا يَتَعَيَّنُ لِأَدَائِهِ الشَّهْرُ الَّذِي يَعْقُبُ نَذْرَهُ فِيهِمَا
-
بِخِلَافِ الْأَيْمَانِ وَالْآجَالِ وَالْإِجَارَاتِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ لَهَا الشَّهْرُ الَّذِي يَعْقُبُ السَّبَبَ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَدُومُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ جَمِيعًا فَبِمُطْلَقِ ذِكْرِ الشَّهْرِ فِيهِ يَكُونُ مُتَتَابِعًا كَالْيَمِينِ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا وَالْآجَالُ وَالْإِجَارَاتُ
-
بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَدُومُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي نَفْسِهِ لَا يَجِبُ الْوَصْلُ فِيهِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ وَمَا كَانَ مُتَّصِلَ الْجَزَاءِ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ ثُمَّ الِاعْتِكَافُ مِنْ حَيْثُ الِابْتِدَاءِ يُشْبِهُ الصَّوْمَ فَإِنَّ أَدَاءَهُ يَسْتَدْعِي فِعْلًا مِنْ جِهَتِهِ وَكُلُّ وَقْتٍ لَا يَصْلُحُ لَهُ كَالْيَوْمِ الَّذِي أَكَلَ فِيهِ
-
بِخِلَافِ الْأَيْمَانِ فَإِنَّ بِمُوجِبِ الْيَمِينِ لَا يَسْتَدْعِي فِعْلًا مِنْ جِهَتِهِ، وَكُلُّ وَقْتٍ يَصْلُحُ لَهُ فَيَتَعَيَّنُ لَهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَعْقُبُ السَّبَبَ وَمِنْ حَيْثُ الدَّوَامِ الِاعْتِكَافُ يُشْبِهُ الْأَيْمَانَ وَالْآجَالُ دُونَ الصَّوْمِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْأَيْمَانَ وَالْآجَالَ وَالْإِجَارَاتِ عَامَّةٌ فِي الْوَقْتِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا، وَالصَّوْمُ خَاصٌّ بِالْوَقْتِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَالِاعْتِكَافُ خَاصٌّ بِالْوَقْتِ ابْتِدَاءً عَامٌّ بِالْوَقْتِ دَوَامًا فَمِنْ حَيْثُ الِابْتِدَاءُ أَلْحَقْنَاهُ بِالصَّوْمِ فَكَانَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ إلَيْهِ وَمِنْ حَيْثُ الدَّوَامُ أَلْحَقْنَاهُ بِالْآجَالِ وَالْأَيْمَانِ فَكَانَ مُتَتَابِعًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي نَذْرِهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَهَذَا وَقَوْلُهُ شَهْرًا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ مِنْ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ يَقْتَضِي دُخُولَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْآخَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} وَفِي تِلْكَ الْقِصَّةِ قَالَ: فِي مَوْضِعِ آخَرَ {ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا} فَقَوْلُهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَيِّ بِلَيَالِيِهَا فَكَانَ مُتَتَابِعًا
-
(قَالَ) : وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ بِالنَّهَارِ فَهُوَ كَمَا قَالَ إنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ لِاتِّصَالِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ بِالْبَعْضِ وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِتَنْصِيصِهِ عَلَى النَّهَارِ دُونَ اللَّيَالِي وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالنَّهَارِ وَنَوَاهُ فَنِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ؛
-
لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِنْ الزَّمَانِ مِنْ حِينِ يَهِلُّ الْهِلَالُ إلَى أَنْ يُهِلَّ الْهِلَالُ فَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ الشَّهْرُ وَلَا اللَّيَالِي فَإِنَّمَا نَوَى تَخْصِيصَ مَا لَيْسَ فِي لَفْظِهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَمَنْ قَالَ: لَا آكُلُ وَنَوَى مَأْكُولًا دُونَ مَأْكُولٍ؛ وَلِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ لِبَعْضِ الْوَقْتِ الَّذِي سَمَّاهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِالنِّيَّةِ لَا يَحْصُلُ كَمَا لَوْ قَالَ: شَهْرًا وَنَوَى نِصْفَ شَهْرٍ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَنَوَى النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ هُنَا إنَّمَا نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَإِنَّ الْيَوْمَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ
-
فَلِهَذَا أَعْمَلْنَا نِيَّتَهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى تَخْصِيصَ مَا فِي لَفْظِهِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرِ كَذَا فَمَضَى، وَلَمْ يَعْتَكِفْهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ النَّذْرِ بِالِاعْتِكَافِ إلَى زَمَانٍ بِعَيْنِهِ كَإِضَافَةِ النَّذْرِ بِالصَّوْمِ إلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ،
-
وَاذَا فَوَّتَ الْأَدَاءَ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَهَذَا فِي شَهْرٍ سِوَى رَمَضَانَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
-
فَأَمَّا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَمَضَى وَلَمْ يَعْتَكِفْ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فِي الشَّهْرِ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ قَضَى اعْتِكَافَهُ بِقَضَاءِ صَوْمِ الشَّهْرِ وَإِنْ كَانَ صَامَ الشَّهْرَ فَعَلَيْهِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ بِصَوْمٍ وَعِنْدَ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَوَجْهُهُ أَنَّ اعْتِكَافَهُ تَعَلَّقَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ فَإِذَا صَامَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَعْتَكِفْ بَقِيَ الِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ صَوْمٍ، وَالِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ لَا يَكُونُ إلَّا بِصَوْمٍ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ نَذْرَهُ قَدْ صَحَّ وَتَعَلَّقَ بِالزَّمَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ فَإِذَا لَمْ يَعْتَكِفْ فِيهِ انْقَطَعَ هَذَا التَّعْيِينُ وَصَارَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ وَالْتِزَامُ الِاعْتِكَافِ يَكُونُ الْتِزَامًا لِشَرْطِهِ، وَهُوَ الصَّوْمُ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ الْقَابِلِ قَضَاءً عَمَّا الْتَزَمَهُ لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِين إنْ كَانَ أَرَادَ يَمِينًا لِوُجُودِ شَرْطِ حِنْثِهِ وَإِنْ اعْتَكَفَ ذَلِكَ الشَّهْرَ الَّذِي سَمَّاهُ إلَّا أَنَّهُ أَفْطَرَ مِنْهُ يَوْمًا قَضَى ذَلِكَ الْيَوْمَ؛
-
لِأَنَّ الشَّهْرَ الْمُتَعَيِّنَ مُتَجَاوِرُ الْأَيَّامِ لَا مُتَتَابِعٌ فَصِفَةُ التَّتَابُعِ فِي الِاعْتِكَافِ لَا تَثْبُتُ إلَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى شَهْرٍ بِعَيْنِهِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَحَاضَتْ فِيهِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَتَصِلَهَا بِالشَّهْرِ فَإِنْ لَمْ تَصِلْهَا بِهِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَقْبِلَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّتَابُعِ فِي وُسْعِهَا وَمَا سَقَطَ عَنْهَا مَعْلُومٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهَا وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ نَذَرَتْ اعْتِكَافَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَحَاضَتْ فِيهَا فَعَلَيْهَا الِاسْتِقْبَالُ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ مَا أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ قَطَعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَبِثَ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ فَلَا يَكُونُ مُقَدَّرًا بِالْيَوْمِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُ الْبُقْعَةِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ الْيَوْمِ وَقَدْ يُنَافِي هَذَا رِوَايَةَ الْحَسَنِ.
-
(قَالَ) : وَاذَا اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ فَانْهَدَمَ فَهَذَا عُذْرٌ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْمَهْدُومَ لَا يُمْكِنُ الْمَقَامُ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعْتَكَفًا فَالْمُعْتَكَفُ مَسْجِدٌ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِالْجَمَاعَةِ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْمَهْدُومِ فَكَانَ عُذْرًا فِي التَّحَوُّلِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ.
-
(قَالَ) : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُعْتَكِفُ وَيَبِيعَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَتَحَدَّثَ بِمَا بَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْثَمًا فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ النَّاسِ فِي اعْتِكَافِهِ» وَصَوْمُ الصَّمْتِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فِي
-
شَرِيعَتِنَا وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُعْتَكِفِ قَالُوا: وَهَذَا إذَا لَمْ يُحْضِرْ السِّلْعَةَ إلَى الْمَسْجِدِ فَأَمَّا إحْضَارُ السِّلْعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «جَنَّبُوا مَسَاجِدَكُمْ» إلَى قَوْلِهِ «وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ» ؛
-
وَلِأَنَّ بُقْعَةَ الْمَسْجِدِ تَحَرَّرَتْ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَصَارَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَيُكْرَهُ شَغْلُهَا بِالْبَيْعِ وَالتِّجَارَةِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُحْضِرْ السِّلْعَةَ فَقَدْ انْعَدَمَ هُنَاكَ شَغْلُ الْبُقْعَةِ.
-
(قَالَ) : وَاذَا أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ مِنْ الْمَسْجِدِ مُكْرَهًا فِي اعْتِكَافٍ وَاجِبٍ فَإِنْ دَخَلَ مَسْجِدًا آخَرَ كَمَا تَخَلَّصَ؛ اسْتَحْسَنَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى اعْتِكَافِهِ وَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ غَرِيمٌ فَحَبَسَهُ وَقَدْ خَرَجَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْأَصَحُّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ وَهَذَا الِاسْتِحْسَانُ وَالْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِهِمَا فِيمَا إذَا كَانَ خُرُوجُهُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ رُكْنَ الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ اللُّبْثُ قَدْ فَاتَ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُكْرَهُ وَالطَّائِعُ كَمَا إذَا فَاتَ رُكْنُ الصَّوْمِ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْأَكْلِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِيمَا صَنَعَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُقَاوَمَةُ السُّلْطَانِ وَلَا دَفْعُ الْغَرِيمِ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِإِيصَالِ حَقِّهِ إلَيْهِ فَلَمْ يَصِرْ بِهَذَا تَارِكًا تَعْظِيمَ الْبُقْعَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ فِيمَا إذَا انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ، فَقَالَ: بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْجَوَابُ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّ هُنَاكَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا؛
-
لِأَنَّ الْعُذْرَ كَانَ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ إذْ لَا صُنْعَ لِلْعِبَادِ فِي انْهِدَامِ الْمَسْجِدِ، وَهُنَا الْعُذْرُ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَلِهَذَا كَانَ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يُسْتَقْبَلَ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الِاعْتِكَافَ يَوْمًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَقَامَ فِيهِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الِاعْتِكَافَ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمُ اسْمٌ لِلْوَقْتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِدَلِيلِ الصَّوْمِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِنْ الزَّمَانِ، وَذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِيِ،
-
وَمَتَى دَخَلَ فِي اعْتِكَافِهِ اللَّيْلُ مَعَ النَّهَارِ فَابْتِدَاؤُهُ يَكُونُ مِنْ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ لَيْلَةٍ تَتْبَعُ الْيَوْمَ الَّذِي بَعْدَهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَالْيَوْمُ الَّذِي بَعْدَ لَيْلَتِهِ زَمَانُ الِاعْتِكَافِ فَكَذَلِكَ اللَّيْلَةُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: فِي شَهْرٍ بِعَيْنِهِ كَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأَمَّا فِي شَهْرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَالْخِيَارُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ،
-
وَإِنْ شَاءَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهُوَ أَفْضَلُ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ أَوْجَبَ اعْتِكَافَ
-
يَوْمَيْنِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأَقَامَ فِيهِ لَيْلَةً وَيَوْمَهَا وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى وَيَوْمَهَا إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ
-
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْأَيَّامِ الْكَثِيرَةِ أَمَّا إذَا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ فَالْجَوَابُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا أَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ يَقْتَضِي دُخُولَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْآخَرِ فَأَمَّا إذَا ذَكَرَ يَوْمَيْنِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ يَوْمَيْنِ بِلَيْلَةٍ تَتَخَلَّلُهُمَا فَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ: لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ غَيْرُ الْجَمْعِ فَهَذَا وَالْمَذْكُورُ بِلَفْظِ الْفَرْدِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ اللَّيْلَةَ الْمُتَوَسِّطَةَ تَدْخُلُ بِضَرُورَةِ اتِّصَالِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ بِالْبَعْضِ وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تُوجَدُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الْجَمْعِ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» فَكَانَ هَذَا وَالْمَذْكُورُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ سَوَاءً أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَيْلَتَيْنِ صَحَّ نَذْرُهُ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَيْلَةً وَاحِدَةً
-
(قَالَ) : وَاذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ امْرَأَتَهُ فِي الْفَرْجِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ سَوَاءٌ جَامَعَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا كَانَ أَوْ عَامِدًا أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فَصَارَ الْجِمَاعُ بِهَذَا النَّصِّ مَحْظُورَ الِاعْتِكَافِ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لَهُ بِكُلِّ حَالٍ كَالْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ لَمَّا كَانَ مَحْظُورًا كَانَ مُفْسِدًا لِلْإِحْرَامِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ نَاسِيًا لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ قَالَ: الِاعْتِكَافُ فَرْعٌ عَنْ الصَّوْمِ وَالْفَرْعُ يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ فِي حُكْمِهِ فَإِنْ بَاشَرَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَإِنْ أَنْزَلَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ، وَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ قَوْلٌ مِثْلُ قَوْلِنَا، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ أَنْزَلَ كَمَا لَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَإِنْ أَنْزَلَ فَإِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدُومُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لِظَاهِرِ الْآيَةِ فَإِنَّ اسْمَ الْمُبَاشَرَةِ يَتَنَاوَلُ الْجِمَاعَ فِيمَا دُونِ الْفَرْجِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْجِمَاعَ فِي الْفَرْجِ فَصَارَ ذَلِكَ مَحْظُورَ الِاعْتِكَافِ بِالنَّصِّ وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ الْمُبَاشِرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِنْزَالُ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافُ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَيَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْإِنْزَالُ فَهُوَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ وَلَا مُلْحَقٌ بِهِ حُكْمًا فِي إفْسَادِ الْعِبَادَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ فَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنْ خَرَجَ لِهَذَا الْفِعْلِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ بِالْخُرُوجِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا بَيَّنَّا
-
(قَالَ) : فَإِذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافًا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، وَهَذَا إذَا أَوْصَى؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ
-
فَرْعٌ عَنْ الصَّوْمِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الصَّوْمِ حُكْمَ الْفِدْيَةِ فَكَذَلِكَ فِي الِاعْتِكَافِ فَإِنْ قِيلَ الْفِدْيَةُ عَنْ الصَّوْمِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا هُوَ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَكَيْفَ قِسْتُمْ الِاعْتِكَافَ عَلَيْهِ وَالْعَجَبُ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ قُلْتُمْ مِثْلَ هَذَا وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ قُلْنَا: أَمَّا فِي الِاعْتِكَافِ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ سَهْلٌ؛
-
لِأَنَّ صِحَّةَ النَّذْرِ بِالِاعْتِكَافِ بِاعْتِبَارِ الصَّوْمِ فَإِنَّ مَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْفَرَائِضِ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ فَكَانَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْفِدْيَةِ فِي الصَّوْمِ تَنْصِيصًا عَلَيْهِ فِي الِاعْتِكَافِ وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُطْلَقْ الْجَوَابُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ عَلَى الْفِدْيَةِ مَكَانَ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ قَالَ: فِي مَوْضِعٍ مِنْ الزِّيَادَاتِ يُجْزِيهِ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَبِتَقْيِيدِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْجَوَابُ فِيهِ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا حِينَ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فَلَمْ يَبْرَأْ حَتَّى مَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرِيضِ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ بِنَاءً عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ صَوْمِ رَمَضَانَ بِشُهُودِهِ الشَّهْرَ فَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ بِالنَّذْرِ، وَالْفِدْيَةُ تَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَإِنْ صَحَّ يَوْمًا ثُمَّ مَاتَ أَطْعَمَ عَنْهُ عَنْ جَمِيعِ الشَّهْرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُطْعِمُ عَنْهُ بِعَدَدِ مَا صَحَّ مِنْ الْأَيَّامِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ قَالَا: لَمَّا صَحَّ فَقَدْ صَارَتْ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ فِي الْتِزَامِ الْأَدَاءِ فَيُجْعَلُ كَالْمُجَدِّدِ لِلنَّذْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ،
-
وَالصَّحِيحُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ يَوْمٍ أُطْعِمَ عَنْهُ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ إنْ أَوْصَى يُجْبَرُ الْوَارِثُ عَلَيْهِ مِنْ الثُّلُثِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يُجْبَرْ الْوَارِثُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ إنْ أَحَبَّ فَعَلَ فَكَذَلِكَ هَذَا.
-
(قَالَ) : وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ نَوَى لَيْلَةً بِيَوْمِهَا يَلْزَمُهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّ جَوَابَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَاسْم اللَّيْلِ خَاصٌّ بِزَمَانٍ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ وَشَرْطُ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ الصَّوْمُ فَإِذَا نَوَى لَيْلَةً بِيَوْمِهَا عَمِلَتْ نِيَّتُهُ اعْتِبَارًا لِلْفَرْدِ بِالْجَمْعِ فَصَارَ شَرْطَ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ الصَّوْمُ بِنِيَّتِهِ مَوْجُودًا فَصَحَّ نَذْرُهُ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ أَصْبَحَ فِي يَوْمٍ ثُمَّ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ هَذَا الْيَوْمَ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَ فِيهِ أَوْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ النَّذْرَ بِالِاعْتِكَافِ إلَى وَقْتٍ لَا يُقْبَلُ الصَّوْمُ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَكُنْ أَكَلَ شَيْئًا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَصِحُّ نَذْرُهُ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْخُرُوجِ يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا الْخُرُوجُ فِيمَا دُونَ نِصْفِ الْيَوْمِ لَا يُفْسِدُ
-
الِاعْتِكَافَ وَمَا هُوَ الشَّرْطُ، وَهُوَ الصَّوْمُ يَصِحُّ مِنْهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ وَقْتٍ مَاضٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يُتَعَبَّدْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَصِحَّةُ الْأَدَاءِ بِاعْتِبَارِ إمْكَانِ الْأَدَاءِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي.
-
(قَالَ) : وَإِنْ أَحْرَمَ الْمُعْتَكِفُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالْإِحْرَامِ ثُمَّ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ وَيَشْرَعُ فِيهِ وَأَدَاءُ الْمَنَاسِكِ يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ عَنْ الْإِحْرَامِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ مَضَى فِي إحْرَامِهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الْحَجِّ فَحِينَئِذٍ يَدَعُ الِاعْتِكَافَ وَيَحُجُّ؛
-
لِأَنَّ مَا يَخَافُ فَوْتَهُ يَكُونُ أَهَمَّ فَيَبْدَأُ بِهِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الِاعْتِكَافَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ مُتَتَابِعًا فَإِذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ لِخُرُوجِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الِاعْتِكَافُ اعْتِبَارًا لِمَا الْتَزَمَهُ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى وَشَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصًا لَا يَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَإِنَّ الْأَهْلِيَّةَ لِلْعِبَادَةِ بِكَوْنِهِ أَهْلًا لِثَوَابِهَا وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِثَوَابِ الْعِبَادَةِ؛
-
لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ الْتَحَقَ بِكَافِرٍ أَصْلِيٍّ فَإِنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ عَمَلَهُ وَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ إذَا أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ اعْتِكَافٌ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِنَذْرِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا نَذَرَ الْمَمْلُوكُ اعْتِكَافًا صَحَّ نَذْرُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ فِي الْتِزَامِ الْأَدَاءِ إلَّا أَنَّ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمَوْلَى إلَّا مَا صَارَ مُسْتَثْنًى شَرْعًا وَذَلِكَ مِقْدَارُ مَا تَتَأَدَّى بِهِ الْفَرَائِضُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا يَلْتَزِمُهُ مِنْ الِاعْتِكَافِ بِاخْتِيَارِهِ فَكَانَ لِلْمَوْلَى مَنْعُهُ فَإِذَا أُعْتِقَ قَضَاهُ
-
وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ الِاعْتِكَافِ الَّذِي الْتَزَمَتْهُ بِنَذْرِهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلزَّوْجِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ،
-
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِنَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ وَاَلَّذِي بَيَّنَّا فِي النَّذْرِ كَذَلِكَ فِي الشُّرُوعِ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ الْإِتْمَامِ وَلِلْمَوْلَى مَنْعُ عَبْدِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ بِالْإِذْنِ مَلَّكَهَا مَنَافِعَهَا، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ وَالْمَوْلَى بِالْإِذْنِ مَا مَلَّكَ الْعَبْدَ مَنَافِعَهُ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ وَلَكِنَّهُ وَعَدَ فَالْوَفَاءُ لَهُ وَخُلْفُ الْوَعْدِ مَذْمُومٌ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ مَنْعُهُ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ وَأَثِمَ، وَهُوَ قِيَاسُ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَحْرَمَتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَنْ يُحَلِّلَهَا وَالْعَبْدُ إذَا أَحْرَمَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يُحَلِّلَهُ وَإِنْ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا أَكَلَ الْمُعْتَكِفُ نَهَارًا نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّهُ الْأَكْلُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَكْلِ لِأَجَلِ الصَّوْمِ لَا لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ حَتَّى اُخْتُصَّ
-
بِوَقْتِ الصَّوْمِ وَالْأَكْلُ نَاسِيًا لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا جَامَعَ نَاسِيًا فَحُرْمَةُ الْجِمَاعِ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ حَتَّى يَعُمَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ جَمِيعًا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا كَانَتْ حُرْمَتُهُ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ يَسْتَوِي فِيهِ النَّاسِي وَالْعَامِدُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِحْرَامِ وَمَعْنَى الْفَرْقِ أَنَّهُ مَتَى اقْتَرَنَ بِحَالِهِ مَا يُذَكِّرُهُ لَا يُبْتَلَى فِيهِ بِالنِّسْيَانِ عَادَةً فَيُعْذَرُ لِأَجْلِهِ فَفِي الْإِحْرَامِ هَيْئَةُ الْمُحْرِمِينَ مُذَكِّرَةٌ لَهُ وَفِي الِاعْتِكَافِ كَوْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُذَكِّرًا لَهُ فَأَمَّا فِي الصَّوْمِ لَمْ يَقْتَرِنْ بِحَالِهِ مَا يُذَكِّرُهُ؛
-
لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الطَّعَامِ فِي حَالَةِ الصَّوْمِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْأَكْلِ فِي الصَّلَاةِ سَوَّى بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا أُغْمِيَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَيَّامًا أَوْ أَصَابَهُ لَمَمٌ فَعَلَيْهِ إذَا بَرِئَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الِاعْتِكَافَ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ وَهُوَ الصَّوْمُ قَدْ انْعَدَمَ بِتَطَاوُلِ الْإِغْمَاءِ فَعَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ فَإِنْ صَارَ مَعْتُوهًا ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ سِنِينَ فَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ لِسُقُوطِ الْخِطَابِ عَنْهُ بِالْعَتَهِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛
-
لِأَنَّ سَبَبَ الِالْتِزَامِ تَقَرَّرَ قَبْلَ الْعَتَهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرَائِضِ الَّتِي لَزِمَتْهُ بِتَقَرُّرِ السَّبَبِ قَبْلَ الْعَتَهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بِالْعَتَهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِثَوَابِهَا فَبَقِيَتْ ذِمَّتُهُ صَالِحَةً لِلْوُجُوبِ فِيهَا فِيمَا تَقَرَّرَ سَبَبُهُ
-
(قَالَ) : وَيَلْبَسُ الْمُعْتَكِفُ وَيَنَامُ، وَيَأْكُلُ، وَيَدَّهِنُ وَيَتَطَيَّبُ بِمَا شَاءَ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي اعْتِكَافِهِ
-
(قَالَ) : وَلَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ سِبَابٌ وَلَا جِدَالٌ فَإِنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا قَبْلَ الِاعْتِكَافِ وَلَا يَفُوتُ بِهِ رُكْنُ الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ اللُّبْثُ وَلَا شَرْطُهُ، وَهُوَ الصَّوْمُ
-
وَكَذَلِكَ إنْ سَكِرَ لَيْلًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُرْمَةَ السُّكْرِ لَيْسَتْ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ فَلَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ
-
(قَالَ) : وَصُعُودُ الْمُعْتَكِفِ عَلَى الْمِئْذَنَةِ لَا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ أَمَّا إذَا كَانَ بَابُ الْمِئْذَنَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ وَالصُّعُودُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَكَذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: هَذَا قَوْلُهُمَا فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيَنْبَنِي أَنْ يَفْسُدَ اعْتِكَافُهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا وَاسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا؛
-
لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ حَاجَتِهِ فَإِنَّ مَسْجِدَهُ إنَّمَا كَانَ مُعْتَكَفًا لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ بِالْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِالْأَذَانِ وَهُوَ بِهَذَا الْخُرُوجِ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْ تَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ أَصْلًا بَلْ هُوَ سَاعٍ فِيمَا يَزِيدُ فِي تَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ فَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ.
-
(قَالَ) : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى بَعْضِ أَهْلِهِ لِيَغْسِلَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اعْتِكَافِهِ كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ فَكَانَتْ تَغْسِلُهُ وَتُرَجِّلُهُ» ؛ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ رَأْسِهِ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ
-
لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْهَا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَصْبَحَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ» فَفِي هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ أَرَادَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوْ نَذَرَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا.
-
(قَالَ) : وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ الْعِيدِ قَضَاهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ إنْ كَانَ أَرَادَ يَمِينًا،
-
وَإِنْ اعْتَكَفَ فِيهِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ وَهَذَا عِنْدَنَا اعْتِبَارًا لِلِاعْتِكَافِ بِالصَّوْمِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْأَحْكَامَ فِي النَّذْرِ بِصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ فَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ.
-
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَصْلِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَتَاهُ جَبْرَائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: إنَّ مَا تَطَلَّبْت وَرَاءَك فَقَالَ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ كَانَ مُعْتَكِفًا مَعَنَا فَلِيَعُدْ إلَى مُعْتَكَفِهِ وَإِنِّي أَرَانِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمُطِرْنَا وَكَانَ عَرِيشُ الْمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدٍ فَوَكَفَ فُو الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَقَدْ صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَإِنِّي أَرَى جَبْهَتَهُ وَأَرْنَبَةَ أَنْفِهِ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ» وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ لِبَيَانِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ بَعْدَهُمْ فَأَمَّا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ عُلَمَاؤُنَا لِمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ فَاتَهُ ثَلَاثُ لَيَالٍ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ لَيْلَةُ التَّاسِعِ عَشَرَ وَالْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَآخِرُهَا لَيْلَةً فَقِيلَ سِوَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: سِوَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ» وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَبِيرُ حُجَّةٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَرَانِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: أَنَّهَا لَيْلَةُ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ فَإِنَّهُ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ كَانَ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ» .
-
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وَالْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنْ الْقُرْآنِ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسَّرَيْنِ فَإِذَا جَمَعْت بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ عَاصِمٌ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَخْبَرَنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُدْرِكْهَا فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ حَثَّ النَّاسِ عَلَى الْجُهْدِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ قُلْت بِمَ عَرَفْت ذَلِكَ قَالَ بِالْعَلَامَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعْتَبَرْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا قُلْت وَمَا تِلْكَ
-
الْعَلَامَةُ قَالَ: تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ صَبِيحَتِهَا كَأَنَّهَا طَسْتُ لَا شُعَاعَ لَهَا وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: إنَّهَا لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ فَقِيلَ: لَهُ وَمِنْ أَيْنَ تَقُولُ: ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً وَقَوْلُهُ هِيَ الْكَلِمَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَفِيهَا إشَارَةٌ إلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
-
وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا تَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَكِنَّهَا تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ مَنْ قَالَ: لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ عَتَقَ إذَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ وَإِنْ قَالَ: ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِجَوَازِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَفِي الشَّهْرِ الْآتِي فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا مَضَتْ لَيْلَةٌ مِنْ الشَّهْرِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فَجَاءَ مِثْلُ الْوَقْتِ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ عَتَقَ؛
-
لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ بَلْ هِيَ فِي لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَإِذَا جَاءَ مِثْلُ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَدْ تَيَقَّنَّا بِمَجِيءِ الْوَقْتِ الْمُضَافِ إلَيْهِ الْعِتْقُ بَعْدَ يَمِينِهِ فَلِهَذَا عَتَقَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
كتاب آخر
-
الاعتكاف نافلة
-
وصحته لمسلم مميز
-
بمطلق صوم ولو نذرا
-
ومسجد
-
إلَّا لِمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ وَتَجِبُ بِهِ فَالْجَامِعُ مما تصح فيه الجمعة
-
وإلا خرج وبطل:
-
كمرض أبويه
-
لا جنازيهما معا
-
وَكَشَهَادَةٍ وَإِنْ وَجَبَتْ
-
وَلْتُؤَدَّ بِالْمَسْجِدِ أَوْ تُنْقَلْ عنه
-
وكردة
-
وكمبطل صومه
-
وكسكره ليلا
-
وفي إلحاق الكبائر به: تأويلان
-
وبعدم وطء
-
وقبلة شهوة
-
ولمس
-
ومباشرة
-
وإن لحائض ناسية
-
وَإِنْ أَذِنَ لِعَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ فِي نَذْرٍ: فلا منع
-
كغيره إن دخلا
-
وأتمت ما سبق منه أو عدة
-
إلَّا أَنْ تُحْرِمَ وَإِنْ بِعِدَّةِ مَوْتٍ فَيَنْفُذُ وتبطل
-
وَإِنْ مَنَعَ عَبْدَهُ نَذْرًا فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ
-
ولا يمنع مكاتب يسيره
-
ولزم يوم إن نذر ليلة
-
لا بعض يوم
-
وتتابعه في مطلقه
-
ومنويه حين دخوله:
-
كمطلق الجوار
-
لا النهار فقط فباللفظ
-
ولا يلزم فيه حينئذ: صوم
-
وفي يوم دخوله: تأويلان
-
وإتيان ساحل لناذر صوم به مطلقا
-
والمساجد الثلاثة فقط لناذر عكوف بها
-
وإلا فبموضعه.
-
مكروهاته: وكره أكله خارج المسجد
-
واعتكافه غير مكفي
-
ودخوله منزله وإن لغائط
-
وَاشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ
-
وَكِتَابَتِهِ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ
-
وفعل غير ذكر وصلاة وتلاوة:
-
كعيادة
-
وجنازة ولو لاصقت
-
وصعوده لتأذين بمنار أو سطح
-
وترتبه للإمامة
-
وإخراجه لحكومة إن لم يلد به.
-
ما يجوز فيه: وجاز إقراء قرآن
-
وسلامه على من بقربه
-
وتطيبه
-
وأن ينكح وينكح بمجلسه
-
وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفْرًا أَوْ شاربا
-
وانتظار غسل ثوبه أو تجفيفه.
-
مندوباته: وندب إعداد ثوب
-
ومكثه ليلة العيد
-
ودخوله قبل الغروب
-
وصح إن دخل قبل الفجر
-
واعتكاف عشرة
-
وبآخر المسجد
-
وبرمضان
-
وبالعشر الأخير لليلة القدر الغالبة به
-
وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ أَوْ بِرَمَضَانَ خِلَافٌ
-
وَانْتَقَلَتْ
-
والمراد بكسابعة ما بقي
-
وبنى بزوال إغماء أو جنون
-
كَأَنْ مُنِعَ مِنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أو عيد
-
وخرج وعليه حرمته
-
وإن أخره بطل
-
إلا ليلة العيد ويومه
-
وإن اشترط سقوط القضاء لم يعده.
-
هو مستحب كل وقت
-
وفي العشر الأواخر من رمضان أفضل لطلب ليلة القدر
-
وميل الشافعي رحمه الله إلى أنها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين
-
وإنما يصح الاعتكاف في المسجد
-
والجامع أولى
-
والجديد أنه لا يصح اعتكاف امرأة في مسجد بيتها وهو المعتزل المهيأ للصلاة
-
ولو عين المسجد الحرام في نذره الاعتكاف تعين
-
وكذا مسجد المدينة والأقصى في الأظهر
-
ويقوم المسجد الحرام مقامهما ولا عكس
-
ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى ولا عكس
-
والأصح أنه يشترط في الاعتكاف لبث قدر يسمى عكوفا
-
وقيل: يكفي مرور بلا لبث
-
وقيل: يشترط مكث نحو يوم
-
ويبطل بالجماع
-
وأظهر الأقوال أن المباشرة بشهوة كلمس وقبلة تبطله إن أنزل وإلا فلا
-
ولو جامع ناسيا فكجماع الصائم
-
ولا يضر التطيب والتزين
-
والفطر بل يصح اعتكاف الليل وحده
-
ولو نذر اعتكاف يوم هو فيه صائم لزمه
-
ولو نذر أن يعتكف صائما أو يصوم معتكفا لزماه
-
والأصح وجوب جمعهما
-
ويشترط نية الاعتكاف
-
وينوي في النذر الفرضية
-
وإذا أطلق كفته نيته وإن طال مكثه
-
لكن لو خرج وعاد احتاج إلى الاستئناف
-
ولو نوى مدة فخرج فيها وعاد فإن خرج لغير قضاء الحاجة لزمه الاستئناف أولها فلا
-
وقيل: إن طالت مدة خروجه استأنف
-
وقيل: لا يستأنف مطلقا
-
ولو نذر مدة متتابعة فخرج لعذر لا يقطع التتابع لم يجب استئناف النية
-
وقيل: إن خرج لغير حاجة وغسل الجنابة وجب
-
وشرط المعتكف الإسلام والعقل والنقاء عن الحيض والجنابة
-
ولو ارتد المعتكف أو سكر بطل
-
والمذهب بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابع
-
ولو طرأ جنون أو إغماء لم يبطل ما مضى إن لم يخرج
-
ويحسب زمن الإغماء من الاعتكاف دون الجنون
-
أو الحيض وجب الخروج
-
وكذا جنابة إن تعذر الغسل في المسجد
-
فلو أمكن جاز الخروج ولا يلزم
-
ولا يحسب زمن الحيض ولا الجنابة.
فصل
-
إذا نذر متتابعة لزمه
-
والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط
-
وأنه لو نذر يوما لم يجز تفريق ساعاته
-
وأنه لو عين مدة كأسبوع وتعرض للتتابع وفاته لزمه التتابع في القضاء
-
وإن لم يتعرض له لم يلزمه في القضاء
-
وإذا ذكر التتابع وشرط الخروج لعارض صح الشرط في الأظهر
-
والزمان المصروف إليه لا يجب تداركه إن عين المدة كهذا الشهر وإلا فيجب
-
وينقطع التتابع بالخروج بلا عذر
-
ولا يضر إخراج بعض الأعضاء
-
ولا الخروج لقضاء الحاجة
-
ولا يجب فعلها في غير داره
-
ولا يضر بعدها إلا أن يفحش فيضر في الأصح
-
ولو عاد مريضا في طريقه لم يضر ما لم يطل وقوفه أو يعدل عن طريقه
-
ولا ينقطع التتابع بمرض يحوج إلى الخروج
-
ولا بحيض إن طالت مدة الاعتكاف
-
فإن كانت بحيث تخلو عنه انقطع في الأظهر
-
ولا بخروج ناسيا على المذهب
-
ولا بخروج مؤذن راتب إلى منارة منفصلة عن المسجد للأذان في الأصح
-
ويجب قضاء أوقات الخروج بالأعذار إلا وقت قضاء الحاجة.
-
الِاعْتِكَافُ لُغَةً لُزُومُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} يُقَالُ: عَكَفَ بِفَتْحِ الْكَافِ يَعْكُفُ بِضَمِّهَا وَكَسْرِهَا, قِرَاءَتَانِ.
-
وَشَرْعًا لُزُومُ مَسْجِدٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَهَذَا الِاعْتِكَافُ لَا ١يَحِلُّ أَنْ يُسَمَّى خَلْوَةً, وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا, وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ أَوْلَى, وَيُسَمَّى جِوَارًا, لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنْت أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ يَعْنِي الْأَوْسَطَ ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ.
-
وَهُوَ سُنَّةٌ "ع" وَيَجِبُ بِنَذْرِهِ "ع" .
-
وَإِنْ عَلَّقَهُ أَوْ غَيْرُهُ بِشَرْطٍ, فَلَهُ شَرْطُهُ, نَحْوَ لِلَّهِ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ إنْ كُنْت مُقِيمًا أَوْ مُعَافًى, فَكَانَ فِيهِ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَهَلْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ أَوْ بِالنِّيَّةِ؟ سَبَقَ آخِرَ الْبَابِ قَبْلَهُ.
-
وَلَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ إلَّا مَا نُهِيَ عَنْ صِيَامِهِ, للاختلاف في جوازه بغير
-
صَوْمٍ, وَآكَدُهُ رَمَضَانُ, "ع" وَآكَدُهُ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ "ع" وَلَمْ يُفَارِقْ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الثَّغْرِ وَغَيْرِهِ, وَهُوَ وَاضِحٌ, وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَعْتَكِفُ فِي الثَّغْرِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ نَفِيرٌ.
-
وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ "وَ" وَيَجِبُ تَعْيِينُ الْمَنْذُورِ بِالنِّيَّةِ لِيَتَمَيَّزَ,
-
وَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ فَقِيلَ: يَبْطُلُ, لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ, كَالصَّلَاةِ,
-
وَقِيلَ: لَا, لِتَعَلُّقِهِ بِمَكَانٍ, كَالْحَجِّ "م ١" وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ,
-
وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا يُبْطِلُ وَلَمْ يَكُنْ نَوَى مُدَّةً مُقَدَّرَةً ابْتِدَاءَ النِّيَّةِ, وَإِلَّا فَلَا, ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ, وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا يَبْتَدِئُهَا.
-
وَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَمَجْنُونٍ وَطِفْلٍ, كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا,
-
وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ, لِخُرُوجِهِ بِالْجُنُونِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ, عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَابِ الْغُسْلِ, لَكِنْ يَتَوَجَّهُ: هَلْ
-
يَبْنِي أَوْ يَبْتَدِئُ؟ الْخِلَافُ فِي بُطْلَانِ الصَّوْمِ.
-
وَلَا يَبْطُلُ بِإِغْمَاءٍ, جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وغيرها, ويأتي في النذر نذر الكافر والله أعلم.
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَبْدُ ٢بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ,
-
وَلَا الْمَرْأَةُ بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا, "وَ" , لِتَفْوِيتِ مَنَافِعِهِمَا الْمَمْلُوكَةِ لَهُمَا,
-
فَإِنْ شَرَعَا فِي نَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ بِلَا إذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا, وِفَاقًا, لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ "لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا بِإِذْنِهِ" إسْنَادُهُ جَيِّدٌ, رَوَاهُ الْخَمْسَةُ, وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَضَرَرُ الِاعْتِكَافِ أَعْظَمُ, وَالْحَجُّ آكَدُ, وَخَرَّجَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ: لَا يُمْنَعَانِ مِنْ اعْتِكَافٍ مَنْذُورٍ, كَرِوَايَةٍ فِي الْمَرْأَةِ فِي صَوْمٍ وَحَجٍّ مَنْذُورَيْنِ, ذَكَرَهَا فِي الْمُجَرَّدِ وَالتَّعْلِيقِ, وَنَصَرَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ, وَالْعَبْدُ يَصُومُ النَّذْرَ, وَيَأْتِي هَذَا الْوَجْهُ فِي الْوَاضِحِ فِي النَّفَقَاتِ, قَالَ: وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ: مَنْعُهُمَا وَتَحْلِيلُهُمَا مِنْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ فَقَطْ, لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي, كَوَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا فِي صَوْمٍ وَحَجٍّ مَنْذُورَيْنِ, قَالَ: وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ رَابِعٌ: مَنْعُهُمَا وَتَحْلِيلُهُمَا إلَّا مِنْ مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَ النكاح والملك, كوجه
-
لِأَصْحَابِنَا فِي سُقُوطِ نَفَقَتِهَا, وَيَتَوَجَّهُ: إنْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَكَالْمَنْذُورِ, وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ,
-
فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يُحَلِّلَاهُمَا صَحَّ وَأَجْزَأَ "وَ" , وَقَالَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ ابْنُ الْبَنَّا: يَقَعُ بَاطِلًا, لِتَحْرِيمِهِ, كَصَلَاةٍ فِي مَغْصُوبٍ, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ,
-
وَكَذَا فِي الرِّعَايَةِ, وَذَكَرَهُ نَصُّ أَحْمَدَ فِي الْعَبْدِ.
-
وَإِنْ أَذِنَّا لَهُمَا ثُمَّ أَرَادَا تَحْلِيلَهُمَا فَلَهُمَا ذَلِكَ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا, وَإِلَّا فَلَا "وش" لأنه صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي الِاعْتِكَافِ ثُمَّ منعهن منه بعد أن دخلن فيه, وَلِأَنَّ حَقَّهُمَا وَاجِبٌ, وَالتَّطَوُّعُ لَا يَلْزَمُ بِالْمَشْرُوعِ, عَلَى مَا سَبَقَ, فَهِيَ هِبَةُ مَنَافِعَ تَتَجَدَّدُ,
-
وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا مَا لَمْ يُقْبَضْ, عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ.
-
وَمَذْهَبُ "م" مَنْعُ تَحْلِيلِهِمَا مُطْلَقًا, لِلُزُومِهِ بِالشُّرُوعِ عِنْدَهُ.
-
وَمَذْهَبُ "هـ" لَهُ تَحْلِيلُ الْعَبْدِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بالتمليك,
-
ويكره لِإِخْلَافِهِ الْوَعْدَ, وَلَا يَمْلِكُ تَحْلِيلَ الزَّوْجَةِ فِيهِمَا, لِمِلْكِهَا بِالتَّمْلِيكِ.
-
وَلَوْ رَجَعَا بَعْدَ الْإِذْنِ قَبْلَ الشُّرُوعِ جَازَ "ع" ,
-
بِخِلَافِ حَقِّ الشُّفْعَةِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ لِأَمْرٍ مَضَى لَا يَتَجَدَّدُ, وَاخْتَارَ صاحب المحرر
-
فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ كَنَذْرِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ مُتَتَابِعَةٍ إذَا اخْتَارَا فِعْلَهُ مُتَتَابِعًا وَأَذِنَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ تَحْلِيلُهُمَا مِنْهُ ١عِنْدَ مُنْتَهَى كُلِّ يَوْمٍ, لِجَوَازِ الْخُرُوجِ لَهُ مِنْهُ إذَنْ, كَالتَّطَوُّعِ, قَالَ: وَتَعْلِيلُ أَصْحَابِنَا يَدُلُّ عَلَيْهِ, وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ, وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْمَنْعُ كَغَيْرِهِ.
-
وَفِي الرِّعَايَةِ: لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا فِي غَيْرِ نَذْرٍ,
-
وَقِيلَ: فِي غَيْرِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ, وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ.
-
وَالْإِذْنُ فِي عَقْدِ النَّذْرِ إذْنٌ فِي فِعْلِهِ إنْ نَذَرَ زَمَنًا مُعَيَّنًا بالإذن, وإلا فلا, "وش" لِأَنَّ زَمَنَ الشُّرُوعِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْإِذْنُ السَّابِقُ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ مَنْعَ تَحْلِيلِهِمَا أَيْضًا, كَالْإِذْنِ فِي الشُّرُوعِ.
-
وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِلَا إذْنٍ, نَصَّ عَلَيْهِ, لِمِلْكِهِ مَنَافِعِهِ, كَحُرٍّ مَدِينٍ,
-
بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ, قَالَ جَمَاعَةٌ: مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ, وَلَهُ أَنْ يَحُجَّ بِلَا إذْنٍ نَصَّ عَلَيْهِ, كَالِاعْتِكَافِ, وَأَوْلَى, لِإِمْكَانِ التَّكَسُّبِ مَعَهُ,
-
وَلَا يُمْنَعُ مِنْ إنْفَاقِهِ لِلْمَالِ فِيهِ, كَالِاعْتِكَافِ, وَكَتَرْكِهِ التَّكَسُّبِ مُدَّةً, وَيُنْفِقُ فِيهَا عَلَيْهِ مِمَّا قَدْ جَمَعَهُ, وَاخْتَارَ الشَّيْخُ: يَجُوزُ إنْ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ مِمَّا قَدْ جَمَعَهُ مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ, وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَهُ الْحَجُّ مِنْ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ مَا لَمْ يَأْتِ نجمه, وحمله القاضي وابن عقيل والشيخ على إذنه له, ويجوز بإذنه,
-
أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ, وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ,
-
وَعَنْهُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا, "وق" .
-
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ مُهَايَأَةٌ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ بِلَا إذْنِهِ, لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَهُ فِيهَا, وَإِلَّا فَلِسَيِّدِهِ منعه. والله أعلم.
-
وَلَا يَصِحُّ مِنْ رَجُلٍ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فِي مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ إلَّا فِي مَسْجِدٍ تقام فيه الجماعة,
-
ولو من رجلين معتكفين,
-
وَلَا يَصِحُّ مِنْ رَجُلٍ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فِي مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ, "وهـ" ,
-
وَلَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ معتكفين,
-
وَإِلَّا صَحَّ مِنْهُ فِي مَسْجِدِ غَيْرِهِ, وَفِي الِانْتِصَارِ:
-
وَلَا يَصِحُّ مِنْ الرَّجُلِ مُطْلَقًا إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ, وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ, وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ مَا رَوَاهُ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَامِعٍ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: لَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ" أَوْ قَالَ "فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ" حَدِيثٌ صَحِيحٌ, وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ,
-
٥وَلَا اعتكاف إلا بصوم,
-
وَلَا اعْتِكَافَ, إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ: غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ لَا يَقُولُ فِيهِ: قَالَتْ: السُّنَّةُ, يَعْنِي أَنَّهُ مَوْقُوفٌ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ, وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ, وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثٍ عَنْهَا, وَفِيهِ "وَإِنَّ السُّنَّةَ" وَذَكَرَهُ.
-
وَفِي آخِرِهِ وَيَأْمُرُ مَنْ اعْتَكَفَ أَنْ يَصُومَ وَقَالَ: يُقَالُ: "إنَّ السُّنَّةَ" إلَى آخِرِهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ,
-
وَمَنْ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ وَهَمَ, وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ, وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ, فَيَحْرُمُ تَرْكُهَا.
-
وَيَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ بِتَكْرَارِ الْخُرُوجِ, وَظَهَرَ مِنْ هَذَا إنْ قُلْنَا لَا تَجِبُ الْجَمَاعَةُ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ, "وم ش" , لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
-
وَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدٍ, إجْمَاعًا, حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ, وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ.
-
وَيَصِحُّ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ, إجْمَاعًا, حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ, وَعَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِيهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَرَحَبَةُ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ, فِي رِوَايَةٍ, وهي ظاهر كلام الخرقي, وعنه:
-
بَلَى, جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ, وِفَاقًا, وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ, وَجَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ, فَقَالَ: إنْ كَانَتْ مَحُوطَةً فَهِيَ مِنْهُ, وَإِلَّا فَلَا, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ فَقَالَ: إذَا سَمِعَ أَذَانَ الْعَصْرِ فِي رَحَبَةِ مَسْجِدِ الْجَامِعِ انْصَرَفَ وَلَمْ يُصَلِّ, لَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْجِدِ, حَدُّ الْمَسْجِدِ الَّذِي جُعِلَ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَبَابٌ.
-
وَقَدَّمَ هَذَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ, وَصَحَّحَهُ أَيْضًا وَقَالَ:
-
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ "م ٢" وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيَّةِ: الرَّحَبَةُ الْمُتَّصِلَةُ به منه. والله أعلم.
-
وظهر المسجد منه "وهـ ش" , وَمَذْهَبُ "م" لَا يَعْتَكِفُ فِيهِ وَلَا فِي بَيْتِ قَنَادِيلِهِ. وَقَالَ "م" أَيْضًا: يُكْرَهُ, والله أعلم.
-
وَالْمَنَارَةُ الَّتِي لِلْمَسْجِدِ إنْ كَانَتْ فِيهِ أَوْ بَابُهَا فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ, بِدَلِيلِ مَنْعِ جُنُبٍ وَالْأَشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ: يُكْرَهُ, وَقَالَهُ اللَّيْثُ.
-
وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجًا مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطْرِقُ إلَيْهَا إلَّا خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهُ كَمَا جَزَمَ "بِهِ" بَعْضُهُمْ فَخَرَجَ لِلْأَذَانِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ, لِأَنَّهُ مَشَى حَيْثُ يَمْشِي جُنُبٌ, لِأَمْرٍ مِنْهُ بُدٌّ, كَخُرُوجِهِ إلَيْهَا لِغَيْرِ الْأَذَانِ,
-
وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ, وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهَا بُيِّتَتْ لَهُ, فَكَأَنَّهَا مِنْهُ. وقال أبو الخطاب: لأنها كالمتصلة بِهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِلْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَةِ الْأَذَانِ, فَكَأَنَّهَا مِنْهُ فِيمَا بُنِيَتْ لَهُ,
-
وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ "ثُبُوتُ" بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ, لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ لَهُ, وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ, وَثَالِثٌ: إنْ أَلِفَ النَّاسُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جَازَ, لِلْحَاجَةِ وَإِلَّا فَلَا,
-
وَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّحَبَةِ فَهِيَ مِنْهَا ٢ "وَإِلَّا فَلَا" ٢ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَالْأَفْضَلُ اعْتِكَافُ الرَّجُلِ فِي الْجَامِعِ إذَا كَانَ اعْتِكَافُهُ تَتَخَلَّلُهُ جُمُعَةٌ,
-
وَلَا يَلْزَمُ وِفَاقًا لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ, مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ, وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ, لِمَا سَبَقَ, وَلِأَنَّهُ خرج لما لا بد منه, وكأنه
-
اسْتَثْنَى الْجُمُعَةَ, وَلَا تَتَكَرَّرُ,
-
بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ. وَفِي الِانْتِصَارِ وَجْهٌ: يَلْزَمُ,
-
فَإِنْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ بَطَلَ بِخُرُوجِهِ إلَيْهَا, "وم" , لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْهُ, كَالْخَارِجِ مِنْ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ إلَى صَوْمِ رَمَضَانَ, وَنَحْنُ نَمْنَعُهُ, عَلَى مَا يَأْتِي,
-
فَأَمَّا إنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ تَعَيَّنَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ,
-
وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ مَوْضِعِهَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَوْضِعُهَا,
-
وَلَا يَصِحُّ إنْ وَجَبَتْ الْجَمَاعَةُ بِالِاعْتِكَافِ فِيمَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَحْدُهَا,
-
وَيَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَلِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ, وَتَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ, كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ.
-
وَيَصِحُّ مِنْ الْمَرْأَةِ فِي كُلِّ مَسْجِدِ, لِلْآيَةِ, وَالْجَمَاعَةُ لَا تَلْزَمُهَا. وَفِي الِانْتِصَارِ: فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ, وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ, وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْخِرَقِيِّ. لِمَا رَوَاهُ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ نَفْسِهَا فِي بَيْتِهَا, فَقَالَ: بِدْعَةٌ, وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْبِدَعُ,
-
فَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ. تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ,
-
وَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وهو ما اتخذته لصلاتها لما سبق,
-
وَهَذَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا,
-
وَيَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ, وَأَنَّهُ أَفْضَلُ, وَفِي كُتُبِهِمْ كَالْمُخْتَارِ: الْمَرْأَةُ تَعْتَكِفُ فِي بَيْتِهَا, قَالَ الْأَصْحَابُ: فلم يُنَبِّهْ أَزْوَاجَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا خَافَ عَلَيْهِنَّ التَّنَافُسَ فِي الْكَوْنِ مَعَهُ, وَتَرْكَ الْمُسْتَحَاضَةِ فِيهِ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: إنَّنَا نَكْرَهُهُ لَهَا إذَا لَمْ تَتَحَفَّظْ بِخِبَاءٍ وَنَحْوِهِ, وَاسْتَحَبَّهُ غَيْرُهُ,
-
وَأَنْ لَا يَكُونَ بِمَوْضِعِ الرِّجَالِ, نَقَلَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ: يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسَاجِدِ وَيَضْرِبْنَ لَهُنَّ فِيهَا الْخِيَمَ, قَالَ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ:
-
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرَّجُلُ أَيْضًا, لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ, لِأَنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِ, وَنَقَلَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ وغيره: لا إلَّا لِبَرْدٍ شَدِيدٍ, وَنَقَلَ صَالِحٌ وَابْنُ مَنْصُورٍ: لبرد "والله أعلم" .
-
وَيَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ,
-
هَذَا الْمَذْهَبُ "وش" , لأن عمر سأله صلى الله عليه وسلم: إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ, قَالَ أَوْفِ بِنَذْرِك زَادَ الْبُخَارِيُّ: "فَاعْتَكِفْ لَيْلَةً" ٥, ولحديث
-
ابْنِ عَبَّاسٍ "لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: رَفَعَهُ السُّوسِيُّ أَبُو بَكْرٍ, وَغَيْرُهُ لَا يَرْفَعُهُ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: هُوَ ثِقَةٌ فَيُقْبَلُ رَفْعُهُ وَزِيَادَتُهُ. قَالَهُ الْخَطِيبُ: دَخَلَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ أَحَادِيثَ مُسْتَقِيمَةً. وَلِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ. وَتَفَرَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بن بديل وله مناكير بقوله صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ: "اعْتَكِفْ وَصُمْ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد, وَضَعَّفَهُ وَزِيَادَتُهُ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا,
-
ثُمَّ أَمَرَهُ اسْتِحْبَابًا أَوْ نَذَرَهُ مَعَ الِاعْتِكَافِ, بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الشِّرْكِ وَيَصُومَ, قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إسْنَادٌ حَسَنٌ تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ, وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ مُخْتَلِفَةٌ.
-
فَعَلَى هَذَا أَقَلُّهُ تَطَوُّعًا, أَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَأَطْلَقَ مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا, فَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَحْظَةً وِفَاقًا لِلْأَصَحِّ لِلشَّافِعِيَّةِ, وَأَقَلُّهُ عِنْدَهُمْ مُكْثٌ يَزِيدُ عَلَى طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ أَدْنَى زِيَادَةٍ, وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهُ سَاعَةٌ لَا لَحْظَةٌ,
-
وَلَا يَكْفِي عُبُورُهُ, خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ,
-
وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي أَيَّامِ النَّهْيِ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا.
-
وَلَوْ صَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ عَمْدًا لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ.
-
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ صَوْمٍ, وهـ م", فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ لَيْلَةً
-
مُفْرَدَةً, وَفِي أَقَلِّهِ وَجْهَانِ قَالَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ: أَحَدُهُمَا يَوْمٌ, اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وِفَاقًا لِرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ, لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الصَّوْمُ. الثَّانِي أَقَلُّهُ مَا يَقَعُ عليه الاسم إذا وجد "في" الصوم, لوجود اللُّبْثِ بِشَرْطِهِ, وَجَزَمَ بِهَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ "م ٣" وَهُوَ أَصَحُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَجَزَمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا: إنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَأَطْلَقَ يَلْزَمُهُ يَوْمٌ, وَمُرَادُهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا, كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِيمَا إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَجْزَأَهُ بَقِيَّةُ النَّهَارِ إنْ كَانَ صَائِمًا, وَجَزَمُوا فِي النَّذْرِ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْلَى, لَا يَوْمًا "ش" لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ, وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَعَنْهُ أَيْضًا: ثَلَاثَةٌ.
-
وَلَا يَصِحُّ فِي أَيَّامِ النَّهْيِ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا "وهـ م" وَاعْتِكَافُهَا نَذْرًا وَنَفْلًا كَصَوْمِهَا نَذْرًا وَنَفْلًا,
-
فَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ يَوْمُ الْعِيدِ فِي أَثْنَاءِ اعْتِكَافٍ مُتَتَابِعٍ,
-
فَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ,
-
وَيَجُوزُ خُرُوجُهُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ,
-
وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ, خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَعَبْدِ الْمَلِكِ الْمَالِكِيِّ,
-
وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى إنْ شَاءَ وَإِلَى أَهْلِهِ, وَعَلَيْهِ حُرْمَةُ الْعُكُوفِ ثُمَّ يَعُودُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِهِ لِتَمَامِ أَيَّامِهِ, هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ, قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
-
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَصُومَ لِلِاعْتِكَافِ مَا لَمْ يَنْذُرْ لَهُ الصَّوْمَ, لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ. وَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي رَمَضَانَ تَطَوُّعًا أَوْ بِنَذْرٍ عَيَّنَهُ بِهِ "وَ" ,
-
وَشَرَطَهُ الْحَنَفِيَّةُ لِلِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ.
-
فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ رَجَبٍ فَتَرَكَهُ وَاعْتَكَفَ رَمَضَانَ أَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ رَمَضَانَ فَتَرَكَهُ وَاعْتَكَفَ رَمَضَانَ الْمُقْبِلَ لَمْ يُجْزِئْهُ.
-
وَكَذَا عِنْدَهُمْ الِاعْتِكَافُ الْمُطْلَقُ إذَا فَعَلَهُ فِي رَمَضَانَ, لِوُجُوبِ صَوْمٍ فِي ذِمَّتِهِ,
-
فَلَا يَتَأَدَّى بِرَمَضَانَ, كَنَذْرِ الصَّوْمِ الْمُفْرَدِ. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ.
-
وَأَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي أَيِّ صَوْمٍ كَانَ. كَمَنْ نَذَرَ صَلَاةً وَهُوَ مُحْدِثٌ ثُمَّ تَطَهَّرَ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِهِ. وَلِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ رَمَضَانَ فَأَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ فَقَضَاهُ وَاعْتَكَفَ مَعَ الْقَضَاءِ أَجْزَأَهُ "وَ" .
-
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ رَمَضَانَ فَفَاتَهُ لَزِمَهُ شَهْرٌ غَيْرُهُ "وَ" خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ, لِأَنَّ كُلَّ قُرْبَةٍ مُعَلَّقَةٌ "بِزَمَنٍ" لَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ كَنَذْرِ صَلَاةٍ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ, أَوْ الصَّدَقَةِ, وَكَنَذْرِ اعْتِكَافِ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ رَمَضَانَ, وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ, لِفَوَاتِ الْمُلْتَزَمِ,
-
وَيَبْطُلُ هَذَا بِالصَّوْمِ الْمُعَيَّنِ "ع" وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
ثُمَّ إذَا لَزِمَ شَهْرٌ غَيْرُهُ فَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ لَا يَلْزَمُهُ صَوْمٌ, لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ,
-
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ, قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ أَوْلَى,
-
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: إنْ شَرَطْنَاهُ فِيهِ لَزِمَهُ, وَإِلَّا فَلَا, وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَمُنْتَهَى الغاية, تحقيقا لشرط الصحة "م ٤" .
-
وَيُجْزِئُ مَعَ شَرْطِ الصَّوْمِ رَمَضَانُ آخَرُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا: لَا يُجْزِئُهُ, وَهُوَ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ السَّابِقِ, وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ, وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي خِلَافًا فِي نَذْرِ الِاعْتِكَافِ الْمُطْلَقِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ, وَهَذَا خِلَافُ نَصِّ أَحْمَدَ. وَمُتَنَاقِضٌ, لِأَنَّ الْمُطْلَقَ أَقْرَبُ إلَى الْتِزَامِ الصَّوْمِ, فَهُوَ أَوْلَى, ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ, وَلَمْ يَرُدَّ الْقَاضِي هَذَا وَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ, وَالْقَوْلُ بِهِ فِي الْمُطْلَقِ مُتَعَيَّنٌ, وَعَلَّلَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ
-
الإجزاء بأنه لم يلزمه بِالنَّذْرِ صِيَامٌ, وَإِنَّمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ عَنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَعَلَّلَ عَدَمَهُ بِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ شَهْرٍ بِصَوْمٍ, فَلَمْ يَقَعْ صِيَامُهُ عَنْهُ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشْرِهِ الْأَخِيرِ فَنَقَصَ أَجْزَأَهُ وِفَاقًا,
-
بِخِلَافِ نَذَرَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ من آخر الشهر فنقص يقضي يوما, "و" .
-
وَإِنْ فَاتَهُ الْعَشْرُ فَقَضَاهُ خَارِجَ رَمَضَانَ جَازَ, ذكره القاضي, وفاقا, لقضائه صلى الله عليه وسلم فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ, مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَكَقَضَاءِ نَذَرَ صَوْمِ عَرَفَة أَوْ عَاشُورَاءَ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ قَابِلٍ, وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ فِي الْمُعْتَكِفِ يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ مِنْ قَابِلٍ, لِاشْتِمَالِهِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ, وَسَبَقَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ قِيَامَهَا لَزِمَهُ, فَكَذَا اعْتِكَافُهَا, ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
-
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ رَمَضَانَ الْآتِي, فِي الْأَشْهَرِ, قَالَ مِنْ عِنْدَهُ, وَيَحْتَمِلُ "أَنْ يُجْزِئَهُ" مِثْلُهُ مِنْ شَهْرٍ غَيْرِهِ. وَيَتَوَجَّهُ مِنْ تَعْيِينِ الْعَشْرِ تَعْيِينُ رَمَضَانَ فِي الَّتِي قَبْلِهَا, وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
-
فَذَكَرَ قَوْلَهُ وَلَمْ يزد, ولعل الثاني أظهر, لأن فعله صلى الله عليه وسلم تطوع, والصوم
-
يُجْزِئُ الْمَفْضُولُ فِيهِ عَنْ الْفَاضِلِ, بِدَلِيلِ أَيَّامِ الأسبوع والأشهر والله أعلم.
-
مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ صَائِمًا
-
أَوْ بِصَوْمٍ لَزِمَاهُ مَعًا,
-
فَلَوْ فَرَّقَهُمَا أَوْ اعْتَكَفَ وَصَامَ فَرْضَ رَمَضَانَ وَنَحْوَهُ لَمْ يجزئه, لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ" ١ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيهِ, كَالتَّتَابُعِ وَكَالْقِيَامِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ لَا الْجَمْعُ, فَلَهُ فِعْلُ كُلِّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا.
-
وَقَالَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَائِمًا أَوْ بِالْعَكْسِ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لَا نُسَلِّمُهُ وَنَقُولُ: يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ كَمَا قَالَ,
-
ثُمَّ سَلَّمَهُ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ, لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا ليس بمقصود في الآخر ولا سبته.
-
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا فَالْوَجْهَانِ لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا, قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ, وَفَرَّقَ فِي التَّلْخِيصِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ من شعاره الاعتكاف,
-
وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ. وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا فَالْوَجْهَانِ فِي الْمَذْهَبَيْنِ. وَفِيهِمَا وَجْهٌ ثَالِثٌ: لَا يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ هُنَا, لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ, وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ كَفٌّ يُعْتَبَرُ بِالزَّمَانِ, فَلَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالنَّذْرِ, كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ,
-
وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الزَّمَانِ, ذكر ذلك صاحب المحرر, وَالْمُرَادُ رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ, وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الصُّورَةَ فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَةِ, وَذَكَرَ أَنْ يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ, وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
-
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً وَيَقْرَأَ فِيهَا سُورَةً بِعَيْنِهَا لَزِمَهُ الْجَمْعُ,
-
فَلَوْ قَرَأَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِئْهُ, ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ, وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ, وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يَلْزَمُ حَالَ النَّاذِرِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إذَا كَانَتْ عِبَادَةً مُفْرَدَةً,
-
فَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا أَوْ بِالْعَكْسِ, ١أَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُصَلِّيًا أَوْ بِالْعَكْسِ, أَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مُعْتَكِفًا أَوْ بِالْعَكْسِ, وَنَحْوِهِ, لَزِمَهُ الْأَوَّلُ لَا
-
الثَّانِي, لَا مُنْفَرِدًا وَلَا مَعَ الْأَوَّلِ, لِأَنَّهُ لم يلتزمه مُنْفَرِدًا, وَلَيْسَ بِصِفَةٍ مَقْصُودَةٍ لِيَلْزَمَ بِالنَّذْرِ,
-
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا لَزِمَهُ الصَّوْمُ, لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِيهِ عَلَى أَصْلِهِمْ,
-
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا فَلَهُمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ سوى الصوم, كَمَا سَبَقَ, وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ, لِأَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً, فَجَازَ جَعْلُهُ شَرْطًا فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي جُعِلَتْ شَرْطًا لَهُ. وَنَصَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وُجُوبَ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ, لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ كذلك فيدخل فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ" ٤ وَلِأَنَّهُ طَاعَةٌ, لِاسْتِبَاقِهِ إلَى الْخَيْرَاتِ, وَلِكَوْنِهِ أَشَقَّ.
-
قَالَ: وَمَا عَلَّلَ بِهِ الْمُخَالِفَ يَبْطُلُ بِالتَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ, وَكُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. والله أعلم.
-
مَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ
-
أَوْ الصَّلَاةَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَمْ يُجْزِئْهُ فِي غَيْرِهَا "هـ" لِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا, وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: يَتَعَيَّنُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَقَطْ.
-
وَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهُ, لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا, احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ, فَدَلَّ إنْ قُلْنَا إنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ أَنَّ مَسْجِدَهَا أَفْضَلُ "ر م" وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ, وَصَرَّحَ بِهِ صاحب الرعاية.
-
وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهُ, لِأَنَّهُ دُونَهُ, إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ عَلَى مَا سَبَقَ.
-
وَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ الْمَسْجِدَانِ فَقَطْ, نَصَّ عَلَيْهِ, لِأَفْضَلِيَّتِهِمَا عَلَيْهِ "م" فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ.
-
وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ, لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ" وَذَكَرَهَا, مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: "إنَّمَا يُسَافَرُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ" فَلَوْ تَعَيَّنَ احْتَاجَ إلَى شَدِّ رَحْلٍ, كَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ, وَهُوَ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ, وَخَالَفَ فِيهِ اللَّيْثُ, وَيَتَوَجَّهُ إلَّا مَسْجِدَ قُبَاءَ, وِفَاقًا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيِّ, لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
-
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ, كَانَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ, مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلنَّسَائِيِّ "وَابْنِ مَاجَهْ" ٤ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: "إنَّ مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيُصَلِّيَ فِيهِ كَانَ لَهُ عَدْلُ عُمْرَةٍ" , وَعَنْ أُسَيْدَ بْنِ ظُهَيْرٍ مَرْفُوعًا: "الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ,
-
ولا نعرف لأسيد شيئا يصح
-
غَيْرُ هَذَا. وَفِيهِ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَيَّامِ بِالزِّيَارَةِ, وَكَرِهَهُ ١مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيُّ. أَمَّا مَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَدِّ رَحْلٍ فَمَفْهُومُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي يَلْزَمُ فِيهِ, وَهُوَ ظَاهِرُ الِانْتِصَارِ, فَإِنَّهُ قَالَ: الْقِيَاسُ لُزُومُهُ تَرَكْنَاهُ لِقَوْلِهِ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ...." ٣. وَذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ احْتِمَالًا فِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ لِلصَّلَاةِ, وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ تَعْيِينَهُ لَهَا, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لِأَنَّهُ أَفْضَلُ, قَالَ: وَنَذْرُ الِاعْتِكَافِ مِثْلُهُ, وَأَطْلَقَ شَيْخُنَا وَجْهَيْنِ فِي تَعْيِينِ مَا امْتَازَ بمزية شرعية, كقدم وكثرة جمع, واختار في مَوْضِعٍ آخَرَ: يَتَعَيَّنُ, وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِهَذَا فِي الْمَسْجِدِ الْقَرِيبِ, وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَلَّابِ مِنْهُمْ, وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ, وَذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا, وَبَعْضُهُمْ قَوْلًا فِي تَعْيِينِ الْمَسَاجِدِ لِلِاعْتِكَافِ, وَاحْتَجُّوا لِعَدَمِ التَّعْيِينِ بِأَنَّهُ لَا مِزْيَةَ لِبَعْضِ الْمَسَاجِدِ عَلَى بَعْضٍ بِمِزْيَةٍ أَصْلِيَّةٍ, وَهَذَا يَبْطُلُ بِقُبَاءَ,
-
ثُمَّ هِيَ طَاعَةٌ, فَتَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ,
-
ثُمَّ مَا الْفَرْقُ؟ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَكَانًا:
-
وَيَبْطُلُ بِبِقَاعِ الْحَجِّ. وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ لَا يَخْتَصَّانِ بِمَكَانٍ,
-
بِخِلَافِ الصَّوْمِ, كَذَا قَالَا "م هـ" فَعَلَى الْمَذْهَبِ الأول يعتكف في غير المسجد الذي
-
عَيَّنَهُ, وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ إنْ وَجَبَتْ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَبِّ.
-
وَكَذَا الصَّلَاةُ "م ٦" .
-
وَظَاهِرُ كَلَامِ جماعة: يصلي في غير مسجد أَيْضًا, وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِمْ, وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
-
وَإِنْ أَرَادَ الذَّهَابَ إلَى مَا عَيَّنَهُ فَإِنْ احْتَاجَ إلى شد رحل خير
-
عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ, وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ, وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فِي الْقَصِيرِ, وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ قُبَاءَ, وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ, وَقَالَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ, وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ, وَلَمْ يُجَوِّزْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَشَيْخُنَا "م ٧" "وم" وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ, وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ: يُكْرَهُ, وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُ فِي التَّخْلِيصِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ, وَذَكَرَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ فِي شرح المقنع: يكره إلى الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ, وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَشِنْدِيّ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي الْمَشَاهِدَ وَيَذْهَبُ إلَيْهَا: تَرَى ذَلِكَ؟
-
قَالَ: أَمَّا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَتَّخِذَ ذَلِكَ مُصَلًّى, وَعَلَى نَحْوِ مَا كَانَ يَفْعَلُ ابْنُ عُمَرَ يَتْبَعُ مَوَاضِعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثَرَهُ, فَلَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ, إلَّا أَنَّ النَّاسَ أَفْرَطُوا فِي هَذَا جِدًّا وَأَكْثَرُوا, قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ, فذكر قبر
-
الْحُسَيْنِ وَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ عِنْدَهُ, وَحَكَى شَيْخُنَا وَجْهًا: يَجِبُ السَّفَرُ الْمَنْذُورُ إلَى الْمَشَاهِدِ, وَمُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ. وَقَالَ شَيْخُنَا أَيْضًا: مَا شُرِعَ جِنْسُهُ وَالْبِدْعَةُ اتِّخَاذُهُ عَادَةً كَأَنَّهُ وَاجِبٌ كَصَلَاةٍ وَقِرَاءَةٍ "وَدُعَاءٍ" وَذِكْرٍ جَمَاعَةً وَفُرَادَى وَقَصْدِ بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَنَحْوِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْكَثِيرِ الظَّاهِرِ مِنْهُ وَالْقَلِيلِ الْخَفِيِّ وَالْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ.
-
قَالَ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَكَرَاهَتِهِ حُكْمُ نَذْرِهِ وَشَرْطِهِ فِي وَقْفٍ وَوَصِيَّةٍ وَنَحْوِهِ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا مَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَدِّ رَحْلٍ فَيُخَيَّرُ, ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ, وَهَذَا أَظْهَرُ.
-
مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُعَيَّنًا مُتَتَابِعًا
-
لَيْلًا أَوْ نَهَارًا مُطْلَقًا, أَوْ شَرَطَ تَتَابُعَهُ, أَوْ نَوَاهُ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ, أَوْ أَطْلَقَ وَقُلْنَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ فِي وَجْهٍ كَمَا يَأْتِي لَزِمَهُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَقَطْ, نَصَّ عَلَيْهِ "وش" لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ, وَاللَّيْلَةَ اسْمٌ لِسَوَادِ اللَّيْلِ, وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تَكْرَارُ الْوَاحِدِ, وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مَا تَخَلَّلَهُ مِنْ الْأَيَّامِ أَوْ اللَّيَالِي تَبَعًا لِلُّزُومِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا, وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَلْزَمُهُ مَا تَخَلَّلَهُ, لِأَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ, وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ وَخَرَّجَهُ مِنْ اعْتِكَافِ يَوْمٍ لَا يلزمه معه ليلة, وهو الأصح
-
لِلشَّافِعِيَّةِ, وَحُكِيَ لَنَا قَوْلٌ: لَا يَلْزَمُهُ لَيْلًا, وَمَذْهَبُ "هـ م" يَلْزَمُهُ بِعَدَدِ مَا لَفَظَ بِهِ, لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ مِنْ أَحَدِ جِنْسَيْ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي عِبَارَةٌ عَنْهُمَا مَعَ الْإِطْلَاقِ, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} وَقَالَ: {ثَلاثَةَ أَيَّامٍ} وَأُجِيبُ بِأَنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلَيْهِمَا, كَمَا يُعْمَلُ بِالنِّيَّةِ فِي اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ "وَ" .
-
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَوْ مُطْلَقًا دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ فَجْرِهِ الثَّانِي وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِهِ "وهـ ش" لِأَنَّهُ اسْمُ الْيَوْمِ, قَالَهُ الْخَلِيلُ,
-
وَلَا تَلْزَمُهُ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ "م" لِأَنَّ اللَّيْلَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْيَوْمِ, وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً: يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ وَقْتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ,
-
وَكَذَا عِنْدَ مَالِكٍ إنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً لَزِمَتْهُ بِيَوْمِهَا. وَتَلْزَمُهُ عِنْدَنَا اللَّيْلَةُ فَقَطْ, فَيَدْخُلُ قَبْلَ الْغُرُوبِ, وَيَخْرُجُ بَعْدَ فَجْرِهَا الثَّانِي "وش" وَإِنْ اعْتَبَرْنَا الصَّوْمَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ "وهـ" .
-
وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ بِسَاعَاتٍ مِنْ الْأَيَّامِ "وهـ م" لأنه
-
يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ, كَقَوْلِهِ: مُتَتَابِعًا. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ,
-
وَإِنْ قَالَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ وَقْتِي هَذَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ, لِتَعْيِينِهِ ذَلِكَ بِنَذْرِهِ. وَفِي دُخُولِ اللَّيْلِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَمِنْ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ.
-
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهِ, نَصَّ عَلَيْهِ "وَ" وَعَنْهُ: أَوْ يَدْخُلُ قَبْلَ فَجْرِهَا الثَّانِي, رُوِيَ عَنْ اللَّيْثِ وَأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ.
-
وَإِنْ نَذَرَ عَشْرًا مُعَيَّنًا دَخَلَ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الْأُولَى "وَ" وَعَنْهُ: أَوْ قَبْلَ فَجْرِهَا الثَّانِي,
-
وَعَنْهُ: أَوْ بَعْدَ صَلَاتِهِ.
-
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ تَطَوُّعًا دَخَلَ قبل ليلته الأولى, نص عليه, لرؤياه صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ, فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ, وَحَضَّ أَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ على اعتكاف العشر, وليلته الأولى كغيرها
-
وَهُوَ عَدَدٌ مُؤَنَّثٌ وَعَنْهُ: بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ, وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ, لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ, مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَلَى الْجَوَازِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْعِشْرِينَ لِيَسْتَظْهِرَ بِبَيَاضِ يَوْمٍ زِيَادَةً قَبْلَ دُخُولِ الْعَشْرِ, قَالَ: وَنُقِلَ هَذَا عَنْهُ,
-
ثُمَّ ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ, وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ.
-
وَيَخْرُجُ بَعْدَ فَرَاغِ مُدَّةِ الِاعْتِكَافِ "ع" فَإِنْ اعْتَكَفَ رَمَضَانَ أَوْ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ, وَيَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى, نَصَّ عَلَيْهِ, وَقَالَ: هَكَذَا حَدِيثُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ, وَقَالَهُ مَالِكٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ مَضَوْا.
-
وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لِيَصِلَ طَاعَةً بِطَاعَةٍ, قَالَ فِي الْكَافِي: وَلِأَنَّهَا لَيْلَةٌ تتلو العشر, ورد الشرع
-
بِالتَّرْغِيبِ فِي قِيَامِهَا فَأَشْبَهَتْ لَيَالِيَ الْعَشْرِ, وَأَوْجَبَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ وَقَالَ: إنَّهُ السُّنَّةُ الْمُجْمَعُ عليها,
-
فإن خرج ليلة العيد بنيتة فَسَدَ اعْتِكَافُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِمَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ, وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ, لِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ, كَالْعَشْرِ الْأَوَّلِ أَوْ الْأَوْسَطِ والله أعلم.
-
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهُ مِنْ لَيَالِيهِ لَا لَيْلَتِهِ الْأُولَى, نَصَّ عَلَيْهِ, وَفِيهَا وَفِي لَيَالِيه الْمُتَخَلِّلَةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ أَوَّلَ الْفَصْلِ, وَفِي الْكَافِي: إنْ نَذَرَ أَيَّامَ الشَّهْرِ أَوْ لَيَالِيَهُ أَوْ شَهْرًا بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ لَزِمَهُ مَا نَذَرَهُ فَقَطْ, وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا,
-
وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا لزمه تتابعه, نص عليه "وهـ م" لأنه معنى يصح ليلا ونهارا,
-
كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ وَالْعُنَّةِ وَالْإِيلَاءِ, وَلِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِهِ, بِدَلِيلِ فَهْمِهِ مِنْ إطْلَاقِهِ فِي الْعِدَّةِ والإيلاء, فعلم أن التصريح به فِي الْكَفَّارَةِ تَأْكِيدٌ وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ, اخْتَارَهُ الآجري, وصححه ابن شهاب وغيره "وش" لِأَنَّهُ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى ذَلِكَ, وَلِهَذَا يَصِحُّ تَقْيِيدُهُ بِالتَّتَابُعِ,
-
وَلَا يَلْزَمُهُ الشُّرُوعُ فِيهِ عَقِبَ النَّذْرِ,
-
بِخِلَافِ لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا شَهْرًا.
-
وَيَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ.
-
وَعَنْهُ: أَوْ وَقْتَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ, وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
-
وَعَنْهُ: أَوْ قَبْلَ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ.
-
وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِهِ. وَيَكْفِي شَهْرٌ هِلَالِيٌّ نَاقِصٌ بِلَيَالِيِهِ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا. قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَلَى رِوَايَةٍ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ: يَجُوزُ إفْرَادُ اللَّيَالِي عَنْ الْأَيَّامِ إذَا لَمْ نَعْتَبِرْ الصَّوْمَ,
-
وَإِنْ اعْتَبَرْنَاهُ لَمْ يَجُزْ وَوَجَبَ اعْتِكَافُ كُلِّ يَوْمٍ مَعَ لَيْلَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ.
-
وَإِنْ ابْتَدَأَ الثَّلَاثِينَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَتَمَامُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ "وَإِنْ ابْتَدَأَهُ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ تَمَّ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ اللَّيْلَةِ الْحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ" إنْ لَمْ نَعْتَبِرْ الصَّوْمَ,
-
وَإِنْ اعْتَبَرْنَاهُ فَثَلَاثِينَ لَيْلَةً صِحَاحًا بِأَيَّامِهَا الْكَامِلَةِ, فَيَتِمُّ اعْتِكَافُهُ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ فِي الصُّورَةِ
-
الْأُولَى, أَوْ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ فِي الثَّانِيَةِ, لِئَلَّا يَعْتَكِفَ بَعْضَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضَ لَيْلَةٍ دُونَ يَوْمِهَا الَّذِي يَلِيهَا, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ أَوْ لَيَالٍ مَعْدُودَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِعَدَمِ دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ,
-
وَكَذَا احْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ فِي الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِهِ: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} وَعِنْدَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ "وهـ م" كَلَفْظِ الشَّهْرِ,
-
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إلَّا فِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا, لِلْقَرِينَةِ, لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهْرِ,
-
فَإِنْ تَابَعَ لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ, فِي الْأَشْهَرِ.
-
وَيَدْخُلُ فِي الْأَيَّامِ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ الثَّانِي,
-
وَعَنْهُ: أَوْ بَعْدَ صَلَاتِهِ.
-
وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُتَفَرِّقًا فَلَهُ تَتَابُعُهُ "وش" قَالَ صاحب المحرر: لأنه
-
أَفْضَلُ كَاعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ نَذْرِ غَيْرِهِ, قَالَ: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَهْلِ الرَّأْيِ, فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ أَوْصَى بِحَجَّتَيْنِ فِي عَامَيْنِ فَأُخْرِجَا فِي عَامٍ: جَازَ, فَهَذَا أَوْلَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: فَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْقِيَاسِ, فَدَلَّ عَلَى مُخَالَفَةِ لَفْظُ الْمُوصِي لِلْأَفْضَلِيَّةِ لِمَصْلَحَتِهِ, فَمَعَ إطْلَاقِهِ أَوْلَى, وَسَبَقَ فِي الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ, وَيَأْتِي كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِلَفْظِ الْمُوصِي, وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ كَلَامُ شيخنا.
-
مَنْ لَزِمَهُ تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِ لَمْ يَجُزْ خُرُوجُهُ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ, فَيَخْرُجُ لِبَوْلٍ وَغَائِطٍ "ع" وَقَيْءٍ بَغْتَةً, وَغُسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ, وَلَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ وَقَصْدٍ بَيْتِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ لَا ضَرَرَ "عَلَيْهِ" فِيهِ وَلَا مِنَّةَ, كَسِقَايَةٍ لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ, قَالُوا:
-
وَلَا مُخَالَفَةَ لِعَادَتِهِ, وَفِي هَذَا نَظَرٌ, وَيَلْزَمُهُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ بِهِ,
-
بِخِلَافِ مَنْ اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَبْعَدِ مِنْهُ, لِعَدَمِ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ دُخُولِهِ لِلِاعْتِكَافِ,
-
وَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَدِيقُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَنْزِلَةَ الْقَرِيبِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ, لِلْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ مِنْهُ.
-
وَيَحْرُمُ بَوْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ, وَلِعُمُومِ قوله عليه السلام: "إن
-
الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ " ١ أَوْ كَمَا قَالَ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ, وَصَحَّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّهُ فَعَلَهُ, وَاحْتِمَالٌ آخَرُ: لِكِبَرٍ وَضَعْفٍ وِفَاقًا لِإِسْحَاقَ, وَكَذَا فَصْدٌ وَحِجَامَةٌ, فَيَخْرُجُ لِحَاجَةٍ كَثِيرَةٍ, وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ, كَمَرَضٍ يُمْكِنُهُ احْتِمَالُهُ, وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا: يَجُوزُ فِي إنَاءٍ " وش " كَالْمُسْتَحَاضَةِ " و " مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ, وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا التَّحَرُّزُ مِنْهُ إلَّا بِتَرْكِ الِاعْتِكَافِ, وَقِيلَ: الْجَوَازُ لِضَرُورَةٍ, وَكَذَا النَّجَاسَةُ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ, كَالْقَتْلِ عَلَى نِطْعٍ, وَدَمٍ فِي قِنْدِيلٍ, أَظُنُّهُ فِي الْفُصُولِ.
-
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فَوْقَ الْمَسْجِدِ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ, نَصَّ عَلَيْهِ, قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْإِجَارَةِ فِي الْفُصُولِ فِي التَّمَسُّحِ بِحَائِطِهِ: مُرَادُهُ الْحَظْرُ فَإِنْ بَالَ خَارِجًا وَجَسَدُهُ فِيهِ لَا ذَكَرُهُ كُرِهَ,
-
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ, وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَيَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِغُسْلِ جَنَابَةٍ,
-
وَكَذَا غُسْلُ جُمُعَةٍ إنْ وَجَبَ, وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ "وَ" كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ, وَيَخْرُجُ لِلْوُضُوءِ لِحَدَثٍ, نَصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ قلنا
-
لَا يُكْرَهُ "فِيهِ" فِعْلُهُ فِيهِ بِلَا ضَرَرٍ, وَسَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ الْوُضُوءِ, وَيَخْرُجُ لِيَأْتِيَ بِمَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ يَحْتَاجُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ من يأتيه به, نص عليه "وهـ ش" وَعِنْدَ "م" لَا يَخْرُجُ وَلَا يَعْتَكِفُ حَتَّى يُعِدَّ مَا يُصْلِحُهُ, كَذَا قَالَ.
-
وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ فِي بَيْتِهِ, فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ, وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي والمحرر "وهـ" لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِإِبَاحَتِهِ وَلَا نَقْصَ فِيهِ, وَذَكَرَ القاضي أنه يتوجه الجواز, واختاره أبو حكيم, وحمل كلام أبي الخطاب عليه "وش" لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَيَسْتَحْيِ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيُرِيدَ أَنْ يُخْفِيَ جِنْسَ قُوَّتِهِ.
-
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إلَى مَنْزِلِهِ أَكَلَ فِيهِ يَسِيرًا كَلُقْمَةٍ وَلُقْمَتَيْنِ, لَا كُلَّ أَكْلِهِ. وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِي إنَاءٍ مِنْ وَسَخٍ وَزَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا, وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَفِي غَيْرِ إنَاءٍ,
-
وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لِغَسْلِهَا, وَسَبَقَ أَوَّلَ الْبَابِ هَلْ يَخْرُجُ لِلْجُمُعَةِ؟ وَلَهُ التَّكْبِيرُ إلَيْهَا, نَصَّ عَلَيْهِ, وإطالة المقام بعدها "وهـ" ولا يكره, لصلاحية الموضع للاعتكاف, ويستحب
-
عَكْسُ ذَلِكَ, ذَكَرَهُ الْقَاضِي, وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ, وَذَكَرَ الشَّيْخُ احْتِمَالًا: يُخَيَّرُ فِي الْإِسْرَاعِ إلَى مُعْتَكَفِهِ. وَفِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ احْتِمَالُ تَبْكِيرِهِ أَفْضَلُ, وَأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ, لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الْمُعْتَكِفَ. وَفِي الْفُصُولِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ.
-
وَأَنَّهُ إنْ تَنَفَّلَ بَعْدَهَا فَلَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ, وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِي التَّبْكِيرِ: أَرْجُو. وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَهَا عَادَتَهُ, وَإِنَّمَا جَازَ التَّبْكِيرُ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَتَقْدِيمِ وُضُوءِ الصَّلَاةِ لِيُصَلِّيَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
-
وَلَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ, وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ يَلْزَمُهُ, كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ, قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ كَذَلِكَ وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا فِي النَّذْرِ, وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ أَطْوَلِ الطُّرُقِ إنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ وَعِيَادَةٍ وَغَيْرِهَا, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَيَخْرُجُ لِمَرَضٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْقِيَامُ فِيهِ, أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ. بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى خِدْمَةٍ وَفِرَاشٍ "وَ" وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا كَالصُّدَاعِ وَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ لَمْ يَجُزْ "وَ" إلَّا أَنْ يُبَاحَ بِهِ الْفِطْرُ فَيُفْطِرُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إنْ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ وَإِلَّا فَلَا, وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ لِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ "وَ" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ "لِلْمَسْجِدِ" رَحَبَةٌ رَجَعَتْ إلَى بَيْتِهَا,
-
فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ "وَ" وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحَبَةٌ يُمْكِنُهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ فَعَلَتْ ذَلِكَ, فَإِذَا طَهُرَتْ عَادَتْ
-
إلَى الْمَسْجِدِ, ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى, لِمَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّ الْمُعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِخْرَاجِهِنَّ عَنْ الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَطْهُرْنَ, إسْنَادٌ جَيِّدٌ, وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ أَيْضًا, وَنَقَلَهُ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ عَنْ أَحْمَدَ.
-
وَقَالَ أَحْمَدُ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ أَنْ تُضْرَبَ قُبَّةٌ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ, رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَعْقُوبَ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْخَبَرِ عِنْدَهُ, وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ: تَذْهَبُ إلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ بَنَتْ عَلَى اعْتِكَافِهَا, وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْحَسَنِ, وَكَبَقِيَّةِ الْأَعْذَارِ, وَالْفَرْقُ أَنَّ مَقْصُودَ تِلْكَ الْأَعْذَارِ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَوْنِ فِي الرَّحَبَةِ, وَعَلَى الْأَوَّلِ: إقَامَتُهَا فِي الرَّحَبَةِ اسْتِحْبَابٌ, فِي اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَالْمُغْنِي وَغَيْرِهِمَا, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا, لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كَانَ لَهَا الْمُضِيُّ إلَى مَنْزِلِهَا, ذَكَرَهُ فِي الْمُجَرَّدِ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْحَائِضِ تُوَدِّعُ الْبَيْتَ تَقِفُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَتَدْعُو, فَكَذَا هُنَا, لِتَقْرَبَ مِنْ مَحَلِّ العبادة, واختار صاحب الرعاية يسن
-
أَنْ تَجْلِسَ فِي الرَّحَبَةِ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ.
-
وَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ فَأَيْنَ شَاءَتْ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَا يَخْرُجُ لِشَهَادَةٍ "وَ" إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فَيَلْزَمَ الْخُرُوجُ "م" لِظَوَاهِرِ الْآيَاتِ, وَكَالْخُرُوجِ إلَى الْجُمُعَةِ,
-
وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ "م" وَلَوْ لَمْ يُعَيَّنْ عَلَيْهِ التَّحَمُّلُ "ش" كَالنِّفَاسِ,
-
وَلَوْ كَانَ سَبَبُهُ اخْتِيَارِيًّا: وَاخْتَارَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ إنْ كَانَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا خَرَجَ لَهَا وَإِلَّا فَلَا وَيَلْزَمُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَخْرُجَ لِعِدَّةِ الْوَفَاةِ فِي مَنْزِلِهَا, لِوُجُوبِهِ شَرْعًا "م" كَالْجُمُعَةِ, وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ وَلِآدَمِيٍّ لَا يُسْتَدْرَكُ إذَا تُرِكَ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ "ق" .
-
وَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِجِهَادٍ مُتَعَيَّنٍ,
-
وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ, لِمَا ذَكَرْنَا,
-
وَكَذَا إنْ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ أَوْ إنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوَهُ,
-
وَإِنْ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ خَافَ مِنْهَا إنْ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ نَهْبًا أَوْ حَرِيقًا وَنَحْوَهُ فَلَهُ الْخُرُوجُ,
-
وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ, لِأَنَّهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الجمعة, فهنا أولى.
-
وَمَنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ وَلَوْ بِنَفْسِهِ "ق" كَحَائِضٍ, وَمَرِيضٍ, وَخَائِفٍ أَنْ يَأْخُذَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا فَخَرَجَ
-
وَاخْتَفَى "وش" وَإِنْ أَخْرَجَهُ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ "وَ" وَإِلَّا لَمْ يَبْطُلْ "م" لِأَنَّهُ خُرُوجٌ وَاجِبٌ, وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ: إنْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ وَإِلَّا لَمْ يَبْطُلْ.
-
وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ نَاسِيًا لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ, كَالصَّوْمِ. ذَكَرَهُ فِي الْمُجَرَّدِ وَذَكَرَ فِي الْخِلَافِ وَالْفُصُولِ: يَبْطُلُ, لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ, كَالْجِمَاعِ, وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَنْقَطِعُ وَيَبْنِي, كَمَرَضٍ وَحَيْضٍ, وَاخْتَارَهُ أَيْضًا, وَذَكَرَهُ قِيَاسَ مَذْهَبِنَا فِي الْمُظَاهِرِ يَطَأُ فِي نَهَارِ صَوْمِهِ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا نَاسِيًا, أَوْ يَأْكُلُ فِيهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَيَبِينُ نَهَارًا يَقْضِي الْيَوْمَ وَلَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ, جَعْلًا لَهُ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ كَالْمَرِيضِ.
-
فَكَذَا هُنَا, وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, كَصَوْمِ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ, وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ بِأَنَّ الْخُرُوجَ لِعُذْرٍ مُوجِبٍ لِلْقَضَاءِ لَا يُبْطِلُ الْمَاضِيَ مِنْ الِاعْتِكَافِ,
-
بِخِلَافِ صَوْمِ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ, فَعُلِمَ أَنَّهُ كَعِبَادَاتٍ, قَالَ: فَنَظِيرُ صَوْمِ الْيَوْمِ مِنْ الِاعْتِكَافِ أَنْ يَطَأَ فِي يَوْمٍ مِنْهُ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ وَقُلْنَا مِنْ شَرْطِهِ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ عَلَيْهِ اعْتِكَافَ ذَلِكَ الْيَوْمِ كُلَّهُ,
-
وَلَا يُفْسِدُ مَا مَضَى, عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ, وَجَزَمَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُ الْمُكْرَهِ, كَمَا سَبَقَ, وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا وَجْهَيْنِ, وَلَا فَرْقَ.
-
وَمَتَى زَالَ الْعُذْرُ رَجَعَ وَقْتَ إمْكَانِهِ,
-
فَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ مَا مَضَى, عَلَى مَا يَأْتِي فِيمَنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ,
-
وَلَا يَبْطُلُ بِدُخُولِهِ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ "وَ"
-
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَدْخُلُ تَحْتَ سَقْفٍ, وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ, وَعَنْ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ: يَبْطُلُ, وَقَيَّدَهُ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَإِسْحَاقُ بِسَقْفٍ لَيْسَ فِيهِ مَمَرُّهُ, لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ, فَهُوَ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ,
-
وَمَنْ أَرَادَ الْمَنْعَ مُطْلَقًا فَلَا وَجْهَ لَا, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَالْمُعْتَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ
-
وَهُوَ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ "عِ" وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ "عِ" وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ "عِ" وَالْجُمُعَةُ, كَمَا لَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ,
-
فَلَا تَنْقُصُ مُدَّتُهُ وَلَا يَقْضِي شَيْئًا مِنْهُ, لِأَنَّ الخروج له كالمستثنى, لكونه معتادا, ولا تلزمه كَفَّارَةٌ.
-
وَبَقِيَّةُ الْأَعْذَارِ إنْ لَمْ تَطُلْ, فَذَكَرَ الشَّيْخُ لَا يَقْضِي الْوَقْتَ الْفَائِتَ بِذَلِكَ, لِكَوْنِهِ يَسِيرًا مُبَاحًا أَوْ وَاجِبًا, كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ, وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ الْقَاضِي فِي النَّاسِي, فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ, وَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ: لَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ مُكْرَهًا أَنْ يُخَرَّجَ بُطْلَانُهُ عَلَى الصَّوْمِ, وَإِنَّمَا مَنَعَهُ صاحب المحرر
-
لِقَضَاءِ زَمَنِ الْخُرُوجِ فِيهِ بِالْإِكْرَاهِ, وَفِي الصَّوْمِ يَعْتَدُّ بِزَمَنِ الْإِكْرَاهِ, وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ أنه يقضي, واختاره صاحب المحرر "وش" كَمَا لَوْ طَالَتْ "م ٨" وَذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ الْمَذْكُورَ مُوهِمٌ, وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا, وَأَنَّهُ أَرَادَ الْبِنَاءَ مَعَ قَضَاءِ زَمَنِ الْخُرُوجِ, قَالَ: وَكَنَذْرِهِ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَخَرَجَ لِبَقِيَّةِ الْأَعْذَارِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ زَمَنٌ يَسِيرٌ, كَذَا قَالَ, وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ خِلَافُهُ, كَمَا لَوْ خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ, قَالَ: وَكَالْأَجِيرِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لَا تَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ الْمُعْتَادَ,
-
بِخِلَافِ غَيْرِهِ, كَذَا هُنَا, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ وَالِاعْتِكَافُ مَنْذُورٌ فَلَهُ أَحْوَالٌ:
-
أَحَدُهَا, نَذَرَ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً غير معينة, فيخير بين البناء والقضاء وم ش " مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ, لِكَوْنِ النَّذْرِ حَلْفَةً " م ش " وَبَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ بِلَا كَفَّارَةٍ " وَ " كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرَ معين وشرع ثم أفطر لعذر,
-
وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ: يَبْنِي, وَفِي الْكَفَّارَةِ الْخِلَافُ,
-
وَقِيلَ: أَوْ يَسْتَأْنِفُهُ إنْ شَاءَ كَذَا قَالَ. وَمَذْهَبُ "هـ" يَلْزَمُ الِاسْتِئْنَافُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ, كَمَذْهَبِهِ فِي الْمَرَضِ فِي شَهْرَيْ الْكَفَّارَةِ, وَيَتَخَرَّجُ كَقَوْلِهِ فِي مَرَضٍ يُبَاحُ الْفِطْرُ بِهِ,
-
وَلَا يَجِبُ, بناء على أحد الوجهين في انقطاع صوم الْكَفَّارَةِ مِمَّا يُبِيحُ الْفِطْرَ وَلَا يُوجِبُهُ وَوَافَقَتْ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عُذْرِ الْحَيْضِ هُنَا وَفِي شَهْرَيْ الْكَفَّارَةِ, وَاخْتَارَ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ لِوَاجِبٍ كَمَرَضٍ لَا يُؤْمَنُ مَعَ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ, وَإِلَّا فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ, وَاخْتَارَ الشَّيْخُ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إلَّا لِعُذْرِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ, لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ, وَضَعَّفَهُمَا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ بِأَنَّا سَوَّيْنَا فِي نَذْرِ الصَّوْمِ بَيْنَ الْأَعْذَارِ, وَبِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا زَمَنَ حاجة الْإِنْسَانِ, كَذَا قَالَ.
-
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ: لَا يَقْضِي, وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ وَيَتَوَجَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي هُنَا فِي الصَّوْمِ,
-
وَلَا فَرْقَ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَالثَّانِيَةُ: نَذَرَ اعْتِكَافًا مُعَيَّنًا فَيَقْضِي مَا تَرَكَهُ وَيُكَفِّرُ, لِتَرْكِهِ فِي النَّذْرِ فِي وَقْتِهِ, نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْكَفَّارَةِ فِي الْخُرُوجِ لِفِتْنَةٍ, وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِيهَا وَالْخُرُوجُ لِنَفِيرٍ وَعِدَّةٍ, وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي عِدَّةٍ, وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَمَرِضَ فِيهِ أَوْ حَاضَتْ فِيهِ الْمَرْأَةُ فِي الْكَفَّارَةِ مَعَ الْقَضَاءِ رِوَايَتَانِ, وَالِاعْتِكَافُ مِثْلُهُ, هَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ, وَقَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُمَا.
-
قَالَ: فَيَتَخَرَّجُ جَمِيعُ الْأَعْذَارِ فِي الِاعْتِكَافِ عَلَى روايتين عدم وجوب الكفارة "وم ش" كرمضان
-
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِطْرَهُ لَا كَفَّارَهُ فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ, وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ وَحَنْبَلٌ عَدَمَ الْكَفَّارَةِ فِي الِاعْتِكَافِ. وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ وُجُوبِهَا فِي الصَّوْمِ وَسَائِرِ الْمَنْذُورَاتِ, وَكَلَامِ الْقَاضِي وَالشَّيْخِ وَالْحَنَفِيَّةِ هُنَا أَيْضًا.
-
وَإِنْ تَرَكَ اعْتِكَافَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَضَاهُ متتابعا "وم ش" بِنَاءً عَلَى التَّتَابُعِ فِي الْأَيَّامِ الْمُطْلَقَةِ, أَوْ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى لَفْظِ النَّاذِرِ, لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ الْمُطْلَقِ فَتَضَمَّنَ نَذْرُهُ التَّتَابُعَ وَالتَّعْيِينَ, وَالْقَضَاءَ يُحْكَى الْأَدَاءُ فِيمَا يُمْكِنُ,
-
وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ إلَّا بِشَرْطِهِ أَوْ بِنِيَّتِهِ "وش" كَرَمَضَانَ, وَعِنْدَ زُفَرَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَلْزَمُهُ تَتَابُعٌ وَلَوْ شَرَطَهُ, لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي الْمُعِينِ لَغْوٌ وَمَذْهَبُ "م" لَا يَقْضِي مَعْذُورٌ. فَعَلَى المذهب الأول
-
مَا خَرَجَ عَنْ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا "ش" مُتَّصِلًا بِهَا "ش" . الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ نَذَرَ أَيَّامًا مُطْلَقَةً,
-
فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ التَّتَابُعُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي السَّابِقِ فَكَالْحَالَةِ الْأُولَى,
-
وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ تَمَّمَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ, لَكِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ ليكون متتابعا ولا كفارة عليه لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ.
-
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ, وَيُكَفِّرُ, وَقِيَاسُ مَذْهَبِ "ش" يَبْنِي بِلَا كَفَّارَةٍ.
-
قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ,
-
فَلَا يَخْرُجَ لِكُلِّ قُرْبَةٍ لَا تَتَعَيَّنُ كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَزِيَارَةٍ وَشُهُودِ جِنَازَةٍ وَتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ وَأَدَائِهَا وَتَغْسِيلِ مَيِّتٍ وَغَيْرِهِ, نَصَّ عَلَيْهِ, وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ "وَ" لِمَا سَبَقَ أَوَّلُ الْبَابِ, وَلِأَنَّ مِنْهُ بُدًّا كَغَيْرِهِ, وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ فَرِيضَةٍ وَهُوَ النَّذْرُ لِفَضِيلَةٍ,
-
وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ, رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ. إسْنَادٌ صَحِيحٌ, قَالَ أَحْمَدُ: عَاصِمٌ حُجَّةٌ وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا "الْمُعْتَكِفُ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ" , رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَنْبَسَةَ بن عبد الرحمن وهو متروك.
-
وَرَوَى سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يُحِبُّونَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِط هَذِهِ الْخِصَالَ, وَهِيَ لَهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ.
-
وَلَا يَدْخُلُ سَقْفًا وَيَأْتِي الْجُمُعَةَ وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَيَخْرُجُ فِي الْحَاجَةِ وَقَاسَ الشَّيْخُ عَلَى الْمَشْيِ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ لِيَقْضِيَهَا, كَذَا قَالَ, فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ تَطَوُّعًا فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ لِذَلِكَ, لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ, وَمُقَامُهُ عَلَى اعْتِكَافِهِ أَفْضَلُ, لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَخْرُجُ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ, وَلِقَوْلِ عائشة إنه صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْ الْمَرِيضِ, رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: خُرُوجُهُ لِجِنَازَةٍ أَفْضَلُ, لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
-
وَإِنْ تَعَيَّنَتْ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ دَفْنُ مَيْتٍ وَتَغْسِيلِهِ فَكَشَهَادَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ, عَلَى مَا سَبَقَ.
-
وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَلَهُ فِعْلَهُ, نَصَّ عَلَيْهِ, ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ, وَالثَّوْرِيِّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ, وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ, وَذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ, جَمَعَا بَيْنَ مَا سَبَقَ, وَلِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ مِنْ قَوْلِ علي: وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة
-
وَهُوَ قَائِمٌ. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعَ "وَ" لِمَا سَبَقَ. فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَقْضِي زُمْنَ الْخُرُوجِ إذَا نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا, فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا, كَمَا لَوْ عَيَّنَ الشَّهْرَ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لَوْ قَضَاهَا صَارَ الْخُرُوجُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمَشْرُوط فِي غَيْر الشَّهْرِ.
-
وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: يَقْضِي, لِإِمْكَانِ حَمْلِ شَرْطِهِ عَلَى نَفْيِ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ فَقَطْ, فَنَزَلَ عَلَى الْأَقَلِّ.
-
فَأَمَّا إنْ شَرْطَ مَا لَهُ مِنْهُ بد وليس بقربة ويحتاجه كالعشاء في منزله وَالْمَبِيتِ "فِيهِ" فَعَنْهُ: يَجُوزُ, جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ, لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ, كَالْوَقْفِ, لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ نَذَرَ مَا أَقَامَهُ, وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ.
-
وَعَنْهُ: الْمَنْعُ, وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ "وَغَيْرُهُمَا" وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ "م ٩" لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ صُورَةً وَمَعْنًى, كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنُّزْهَةِ وَالْفُرْجَةِ, لِأَنَّهُ زَمَنُ الْخُرُوجِ فِي حُكْمِ الْمُعْتَكِفِ, لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ.
-
وَشَرْطُهُ مَا فِيهِ قُرْبَةٌ يُلَائِمُ الِاعْتِكَافَ
-
بِخِلَافِ هَذَا, وَالْوَقْفُ لَا يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ مَا يُنَافِيهِ, فَكَذَا الِاعْتِكَافُ.
-
وَإِنْ "شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلتِّجَارَةِ" , أَوْ التَّكَسُّبِ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ, لَمْ يَجُزْ, بِلَا خِلَافٍ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ, قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ, سَأَلَ أَبُو طَالِبٍ لِأَحْمَدَ: الْمُعْتَكِفُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ مِنْ الْخِيَاطَةِ وَغَيْرِهَا, قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي, قُلْت: إنْ كَانَ يَحْتَاجُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ يَحْتَاجُ فَلَا يَعْتَكِفُ.
-
وَسَبَقَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ, وَأَجَازَ هُوَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ شَرْطَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ قَالَ: مَتَى مَرِضْتُ أَوْ عَرَضَ لَيَّ عَارِضٌ خَرَجْتُ, فَلَهُ شَرْطُهُ "م" أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ, كَالشَّرْطِ فِي الْإِحْرَامِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: فَائِدَةُ الشَّرْطِ هُنَا سُقُوطُ الْقَضَاءِ فِي المدة المعينة,
-
فأما المطلقة, كنذر شهر مُتَتَابِعٍ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إلَّا لِمَرَضٍ, فَإِنَّهُ يَقْضِي زَمَنَ الْمَرَضِ, لِإِمْكَانِ حَمْلُ شَرْطِهِ هُنَا عَلَى نَفْيِ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ فَقَطْ, فَنَزَلَ عَلَى الْأَقَلِّ, وَيَكُونُ الشَّرْطُ أَفَادَ هُنَا ٢الْبِنَاءَ مَعَ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ, عَلَى أَصْلِنَا, وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ السَّابِقِ, فَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُهُمَا على الوجهين.
-
وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ
-
فَسَأَلَ عَنْ الْمَرِيضِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فِي الرِّعَايَةِ:
-
وَقِيلَ: أَوْ غَيْرِهِ فِي طَرِيقِهِ وَلَمْ يَعْرِجْ جَازَ "وَ" لِمَا سَبَقَ, وكبيعه وشرائه ولم يقف لذلك,
-
فَأَمَّا إنْ وَقَفَ لِمَسْأَلَتِهِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ "وَ" وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ: لَا بَأْسَ بِقَدْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ, وَعَنْ مَالِكٍ: إنْ خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَلَقِيَهُ وَلَدُهُ أَوْ شَرِبَ مَاءً وَهُوَ قَائِمٌ أَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ, وَلَمْ يَرَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَأْسًا إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُهُ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: الْمَسْأَلَةُ هَذِهِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَمَعْنَاهَا, وَالْخُرُوجُ لِمَرَضٍ وَحَيْضٍ لَهُ الْوَقْفَةُ وَالتَّعْرِيجُ وَغَيْرُهُمَا, فَالْخُرُوجُ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لَا يَجُوزُ مَعَهُ مَا يُزَادُ بِهِ زَمَانُهُ مِمَّا مِنْهُ بُدٌّ, لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ جُزْءًا مُسْتَحَقًّا مِنْ اللُّبْثِ بِلَا عُذْرٍ, كَمَا لَوْ خَرَجَ لَهُ,
-
وَيَجُوزُ مَعَهُ مَا لَا يَزْدَادُ بِهِ زَمَانُهُ غَيْرُ المباشرة لأنه لا
-
يُفَوِّتُ بِهِ حَقًّا, فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فَلَا تَجُوزُ فِيهِ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْضَى وَقْتُهُ, وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ, وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ, وَإِلَّا جَازَتْ "م" كَغَيْرِهَا, ١لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ, بِدَلِيلِ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ, لَا تُحْتَسَبُ لَهُ وَيَقْضِيهَا,
-
بِخِلَافِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ, وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا فَخَرَجَ لِعُذْرٍ يَقْضِي زمنه ٢غير أنه لَمْ يَبَرَّ مَا لَمْ ٣يَعْتَكِفْ ذَلِكَ, وَلِأَنَّ الصَّوْمَ الْمُتَتَابِعَ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ فِي لَيَالِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَدَّتِهِ, كَذَا هُنَا, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَدَخَلَ مَسْجِدًا يُتِمُّ اعْتِكَافُهُ فِيهِ جَازَ إنْ كَانَ الثَّانِي أَقْرَبَ إلَى مَكَانِ حَاجَتِهِ مِنْ الْأَوَّلِ "وش" لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا, كَانْهِدَامِهِ أَوْ إخْرَاجِهِ فَخَرَجَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ فَأَتَمَّ فِيهِ, أَوْ خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ وَأَقَامَ فِي الْجَامِعِ يَوْمًا وَلَيْلَةً,
-
وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ "وَ" لِتَرْكِهِ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا. وَلَمْ يُبْطِلْهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْحَالَتَيْنِ, بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ, عَلَى مَا يَأْتِي. وَأَبْطَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِمَا, لِتَعَيُّنِ الْمَسْجِدِ, كَتَعْيِينِ يَوْمٍ بِشُرُوعِهِ فِي صَوْمٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَتَعَيَّنُ بِنَذْرِهِ,
-
بِخِلَافِ الصَّوْمِ, وَالصَّوْمُ لَا يُمْكِنُ الْبِنَاءُ مَعَ نَقْلِهِ, بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ.
-
وَلَوْ تَلَاصَقَ مَسْجِدَانِ فَانْتَقَلَ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ,
-
فَإِنْ مَشَى فِي انْتِقَالِهِ خَارِجًا مِنْهُمَا بَطَلَ, وَإِلَّا فَلَا,
-
وَيَبْطُلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُطْلَقًا, وعند أبي يوسف ومحمد عكسه.
-
وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ
-
فَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فَقَدْ سَبَقَ فِي الْأَعْذَارِ,
-
وَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ, فِي الْمَنْصُوصِ "وَ" لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلهَا رَأْسَهُ, مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
-
وَإِنْ أَخْرَجَ جَمِيعَهُ مُخْتَارًا عَمْدًا بَطَلَ وَإِنْ قَلَّ "وَ" كَالْجِمَاعِ, لِتَحْرِيمِهِمَا, وَكَمَا لَوْ زَادَ عَلَى نِصْفِ يَوْمٍ, وَأَبْطَلَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ فَقَطْ, وَأَبْطَلَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إنْ دَخَلَ تَحْتَ سَقْفٍ لَيْسَ مَمَرُّهُ فِيهِ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
ثُمَّ إنْ كَانَ مُتَتَابِعًا بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ, أَوْ قُلْنَا تَتَابَعَ فِي الْمُطْلَقِ, اسْتَأْنَفَ "و" لِإِمْكَانِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَنْذُورِ عَلَى صِفَتِهِ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ, وَكَمَنْ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ فِي كَفَّارَةٍ, أَوْ نَذْرٍ فِي الذِّمَّةِ وَلَا وَكَفَّارَةِ "وَ" . وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَسْتَأْنِفُ الْمُطْلَقُ الْمُتَتَابِعُ بِلَا كَفَّارَةٍ,
-
وَقِيلَ: أَوْ يَبْنِي وَيُكَفِّرُ, كَذَا قَالَ وَإِنْ كَانَ مُتَتَابِعٌ مُتَعَيِّنًا كَنَذْرِهِ شَعْبَانَ مُتَتَابِعًا, اسْتَأْنَفَ: "وم ش" كَالْقَسَمِ قَبْلِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِمَا, وَالتَّتَابُعُ أَوْلَى مِنْ الْوَقْتِ, لِكَوْنِهِ قُرْبَةً مَقْصُودَةً, وَيُكَفِّرُ "م ش" . وَمَذْهَبُ "هـ" وَصَاحِبَيْهِ يَبْنِي وَلَا يَسْتَأْنِفُ, لِأَنَّ التَّعْيِينَ أَصْلٌ, وَالتَّتَابُعُ وَصْفٌ, وَحِفْظُ الْأَصْلِ أَوْلَى,
-
وَلَا كَفَّارَةَ عندهم إلا أن يريد
-
بِهِ الْيَمِينَ فَيُكَفِّرَ مَعَ الْقَضَاءِ, وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ أَرَادَ الْيَمِينَ كَفَّرَ بِلَا قَضَاءٍ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ كَانَ مُتَعَيِّنًا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالتَّتَابُعِ كَنَذْرِهِ اعْتِكَافِ شَهْرِ شَعْبَانَ فَقِيلَ: يَبْنِي "وهـ ش" لِأَنَّ التَّتَابُعَ هُنَا حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ, فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَقَضَاءُ رَمَضَانَ, وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ عَلَى تَتَابُعِ قَضَائِهِ إذَا فَوَّتَهُ,
-
وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفُ لِتَضَمُّنِ نَذْرِهِ التَّتَابُعَ, وَلِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْمُدَّةِ الْمُطْلَقَةِ, وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ: يَسْتَأْنِفُ هُنَا دُونَ الصَّوْمِ, لِعَدَمِ تَقْيِيدِ الْأَيَّامِ الْمُطْلَقَةِ فِيهِ بِالتَّتَابُعِ عِنْدَهُ.
-
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ, وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ, وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَأَفْطَرَ فِيهِ فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ "م ١٠" وَيُكَفِّرُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ "م ش" لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ, وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا سَبَقَ.
-
وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِي الْفَرْجِ عَمْدًا
-
بطل اعتكافه "ع" للآية,
-
وَالنَّهْيُ لِلْفَسَادِ, وَكَذَا إنْ وَطِئَ نَاسِيًا, نَصَّ عَلَيْهِ, لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ, رَوَاهُ حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ, وَكَالْعَمْدِ وَكَالْحَجِّ, وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ مِنْ الصَّوْمِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ. وَقَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي "أَنَّهُ" يَبْنِي, وَقَدْ سَبَقَ فِي الْإِعْذَارِ, وَفِي الْفَصْلِ بَعْدهَا الْوَطْءُ زَمَنَ الْعُذْرِ.
-
وَلَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ "وَ" نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ إبْرَاهِيمَ, وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ منهم صاحب المغني والمحرر,
-
لِعَدَمِ الدَّلِيلِ, وَكَالصَّلَاةِ وَأَنْوَاعِ الصَّوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ, وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ, كَرَمَضَانَ وَالْحَجِّ, وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ, وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةِ حَنْبَلٍ, وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا, عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ, وَمَالَ إلَيْهِ الشَّيْخُ,
-
وَخَصَّ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ الْوُجُوبَ بِالْمَنْذُورِ, وَذَكَرَ فِي الْفُصُولِ أَنَّهَا تَجِبُ فِي التَّطَوُّعِ, فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لَا وَجْهَ لَهُ, وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْقَاضِي وَلَا وَقَفْتُ عَلَى لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا عَنْ أَحْمَدَ, فَهَذِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ, وَهِيَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَفِي التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ, وَحَكَى رِوَايَةً, وَمُرَادُهُ مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ المغني والمحرر
-
وَالْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ أَفْسَدَ الْمَنْذُورَ بِالْوَطْءِ, وَهُوَ كَمَا أَفْسَدَهُ بِالْخُرُوجِ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ, عَلَى مَا سَبَقَ, وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ, وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي نَذْرٍ,
-
وَقِيلَ: مُعَيَّنٍ, فَلِهَذَا قِيلَ: تَجِبُ الْكَفَّارَتَانِ, وَكَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فَأَحْرَمَ ثُمَّ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِلْوَطْءِ وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ لِلنَّذْرِ.
-
وَلَا تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ بِلَا شَهْوَةٍ "و" وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا: تَحْرُمُ, كَشَهْوَةٍ, ٢فِي الْمَنْصُوصِ "وَ" وَمَتَى أَنْزَلَ بِهَا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ "ق" وَإِلَّا فَلَا "م ق" كَالصَّوْمِ,
-
وَمَتَى فَسَدَ خَرَجَ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ
-
الْخِلَافُ, ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: يَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ: يَجِبُ بِالْإِنْزَالِ عَنْ وَطْءٍ لَا عَنْ لَمْسٍ وَقُبْلَةٍ, قَالَ: وَمُبَاشَرَةُ النَّاسِي كالعامد, على إطلاق أصحابنا "وهـ م" وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ هُنَا لَا يُبْطِلُهُ, كالصوم
-
وَإِنْ سَكِرَ فِي اعْتِكَافِهِ فَسَدَ,
-
وَلَوْ سَكِرَ لَيْلًا "هـ" لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ كَالْحَيْضِ.
-
وَلَا يَبْنِي, لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ,
-
وَإِنْ ارْتَدَّ "فِيهِ" ٢ فَسَدَ, كَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِ, وَمَذْهَبٌ "ش" لَا يَفْسُدُ وَيَبْنِي, لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمُقَامِ فِي الْمَسْجِدِ, ٣وَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ, وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ فِيهِ كَذِمِّيٍّ, عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَحْكَامِهِمْ.
-
وَإِنْ شَرِبَ خَمْرًا وَلَمْ يَسْكَرْ أَوْ أَتَى كَبِيرَةً فَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي لَا يَفْسُدُ, لِأَنَّهُ مِنْ أهل الْعِبَادَةِ وَالْمُقَامِ فِيهِ, وَمَذْهَبٌ "م" يَفْسُدُ, وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ "هـ ش" وَقَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ: إن أتى ذنبا فسد.
-
يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ
-
وَاجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ "وَ" مِنْ جِدَالٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلَامٍ وَغَيْرِهِ, قَالَ الشَّيْخُ: لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ فَفِيهِ أَوْلَى,
-
وَلَا بَأْسَ أَنْ تَزُورَهُ زَوْجَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَتَتَحَدَّثَ مَعَهُ وَتُصْلِحَ رَأْسَهُ أَوْ غَيْرُهُ, مَا لَمْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا, وَلَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ, مَا لَمْ يُكْثِرْ, لِأَنَّ صَفِيَّةَ زَارَتْهُ صلى الله عليه وسلم فَتَحَدَّثَتْ مَعَهُ, وَرَجَّلَتْ عَائِشَةُ رَأْسَهُ,
-
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا يُرِيدُ خَفِيفًا لَا يَشْغَلَهُ, نَصَّ عَلَيْهِ "وَ" وَلَيْسَ الصَّمْتُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ, قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إلَى اللَّيْلِ, قَالَ فِي الْمُغْنِي وَمُنْتَهَى الْغَايَةِ: وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُهُ, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي, رَأَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْرَأَةً لَا تَتَكَلَّمُ فَقِيلَ لَهُ: حَجَّتْ مُصْمِتَةٌ, فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ, هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ, رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
-
وَرَوَى أَبُو دَاوُد: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَدٍ الْمَدِينِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ أَنَّهُ سَمِعَ شُيُوخًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَمِنْ خَالِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحمد قال: قال علي: حفظت عن
-
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ" حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْأَزْدِيُّ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ: لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
-
وَإِنْ نَذَرَهُ لَمْ يَفِ بِهِ "وَ" لِمَا سَبَقَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَهُ فِعْلُهُ إذا كان أسلم, لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَمَتَ نَجَا" ٢ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّمْتِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ.
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ, ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ, وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ, لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ, كَتَوَسُّدِ الْمُصْحَفِ أَوْ الْوَزْنِ بِهِ, وَجَاءَ: لَا تُنَاظِرْ بِكِتَابِ اللَّهِ. قِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَتَكَلَّمُ بِهِ عِنْدَ الشَّيْءِ تَرَاهُ, مِثْلَ أَنْ تَرَى رَجُلًا جَاءَ فِي وَقْتِهِ فَتَقُولَ: وَ {جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى, وَجَزَمَ فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَةِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ, وَذَكَرَ شَيْخُنَا إنْ قَرَأَ عِنْدَ الْحُكْمِ الَّذِي أُنْزِلَ لَهُ أَوْ مَا يُنَاسِبُهُ وَنَحْوَهُ فَحَسَنٌ كَقَوْلِهِ لِمَنْ دَعَاهُ لِذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} وَقَوْلُهُ عِنْدَمَا أَهَمَّهُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} وفي الصحيحين أن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَ ثَابِتٌ وَجَمَاعَةٌ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ, فَدَخَلُوا عَلَى الْحَسَنِ فَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ: هِيهِ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ
-
الثَّانِيَةِ, قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ فِي اسْتِزَادَةِ الْحَدِيثِ: إيهِ, وَيُقَالُ هِيهِ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ, قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إيهِ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ, تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذَا اسْتَزَدْتَهُ مِنْ حَدِيثٍ أَوْ عَمَلٍ: إيهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ, قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
-
فَإِنْ وَصَلْت نَوَّنْت فَقُلْت إيهٍ حَدِّثْنَا, قَالَ ابْنُ السَّرِيِّ: إذَا قُلْت إيهِ, فَإِنَّمَا تَأْمُرُهُ أَنْ يَزِيدَك مِنْ الْحَدِيثِ الْمَعْهُودِ بَيْنكُمَا وَإِنْ قُلْت إيهٍ بِالتَّنْوِينِ, كَأَنَّك قُلْت: هَاتِ حَدِيثًا مَا, لِأَنَّ التَّنْوِينَ تَنْكِيرٌ,
-
فَأَمَّا إذَا أَسْكَنْتَهُ وَكَفَفْتَهُ قُلْتَ: إلَيْهَا عَنَّا قَالُوا لِلْحَسَنِ: قُلْنَا مَا زَادَنَا, قَالَ: قَدْ حَدَّثَنَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ, أَيْ مُجْتَمَعُ الْقُوَّةِ وَالْحِفْظِ, وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدَّثَكُمْ فَتَتَّكِلُوا, قُلْنَا: فَحَدِّثْنَا, فَضَحِكَ وَقَالَ: {خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} مَا ذَكَرْت لَكُمْ هَذَا إلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ.
-
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ "إنَّهُ" لَا بَأْسَ بِضَحِكِ الْعَالِمِ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِهِ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أُنْسٌ, وَلَمْ يَخْرُجْ ضَحِكُهُ إلَى حَدٍّ يُعَدُّ تَرْكًا لِلْمُرُوءَةِ, وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْقُرْآنِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ, وَفِي الصَّحِيحِ مِثْلِهِ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا طَرَقَ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ {وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} قال: ونظائره كثيرة,
-
وَنَزَلَتْ {خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} لَمَّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ الْعَذَابَ,
-
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَقِيلَ: آدَم "عَلَيْهِ السَّلَامُ" فَعَلَى هَذَا قَالَ الْأَكْثَرُ: خُلُقَ عَجُولًا فَوَجَدَ فِي أَوْلَادِهِ وَأَوْرَثَهُمْ الْعَجَلَةَ,
-
وَقِيلَ: خُلِقَ بِعَجَلٍ, اسْتَعْجَلَ بِخَلْقِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ,
-
وَقِيلَ: الْإِنْسَانُ اسْمُ جِنْسٍ, فَقِيلَ: الْمَعْنَى خُلِقَ عَجُولًا.
-
قَالَ الزَّجَّاجُ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ اللَّعِبُ إنَّمَا خُلِقْتَ مِنْ لَعِبٍ, يُرِيدُونَ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِهِ بِذَلِكَ,
-
وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ, وَالْمَعْنَى خُلِقَتْ الْعَجَلَةُ فِي الْإِنْسَانِ, وَالْآيَةُ الْأُخْرَى رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ, وَكَانَ جِدَالُهُ فِي الْقُرْآنِ,
-
وَقِيلَ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ, وَكَانَ جِدَالُهُ فِي الْبَعْثِ, قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَا يَعْقِلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ يُجَادِلُ, وَالْإِنْسَانُ أَكْثَرُ هذه الأشياء جدلا.
-
وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ إقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ
-
والمناظرة فيه ونحوه "وم" ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَصْحَابِنَا, نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يُقْرِئُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ, وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ أَيْضًا: يُقْرِئُ "الْقُرْآنَ" أَعْجَبُ إلَى مِنْ أَنْ يَعْتَكِفَ, لِأَنَّهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لَوْلَا أَنَّ الْإِقْرَاءَ يُكْرَهُ فِيهِ لَقَالَ يَعْتَكِفُ وَيُقْرِئُ, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُقْرِئُ وَلَا يَكْتُبُ الْحَدِيثَ وَلَا يُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ, لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ, فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَجِبُ فِيهِ, وَاعْتَكَفَ فِي قُبَّةٍ, وَكَالطَّوَافِ, وَذَكَرَ
-
الْآمِدِيُّ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ, وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمَا يُسْتَحَبُّ "وهـ ش" ١ لِظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ, وَكَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ,
-
وَلَا يَتَّسِعُ الطَّوَافُ لِمَقْصُودِ الْإِقْرَاءِ وَنَحْوِهِ,
-
بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ فِعْلُهُ لِذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ, لِتَعَدِّي نَفْعِهِ, كَمَا سَبَقَ.
-
قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ فِي كَرَاهَةِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْإِقْرَاءِ فَإِنَّهُ ٤فِي مَعْنَاهُ, وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْضِي إلَّا فيما خف.
-
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ,
-
وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ, وَيُصْلِحَ بَيْنَ الْقَوْمِ, وَيَعُودَ الْمَرِيضَ, وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ, وَيُعَزِّيَ, وَيُهَنِّئَ وَيُؤَذِّنَ, وَيُقِيمَ, كل ذلك في المسجد "وش" وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ إلَّا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ, لِكَرَاهَتِهَا عِنْدَهُمْ فِيهِ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَعُودُ مَرِيضًا فِيهِ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جَنْبِهِ,
-
وَلَا يَقُومَ لِيُهَنِّئَ, أَوْ يُعَزِّيَ أَوْ يَعْقِدَ نِكَاحًا فِيهِ إلَّا أَنْ يَغْشَاهُ فِي مَجْلِسِهِ,
-
وَلَا يُصْلِحَ فِيهِ بَيْنَ الْقَوْمِ إلَّا فِي مَجْلِسِهِ خَفِيفًا, وَأَكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُؤَذِّنِينَ, لِأَنَّهُ يَمْشِي, وَهُوَ عَمَلٌ,
-
وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جِنَازَةٍ فِيهِ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَعَلَّ ظَاهِرَ الْإِيضَاحِ: يَحْرُمُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يزوج.
-
يستحب له ترك لبس رفيع الثياب,
-
قال صاحب المحرر: قال أصحابنا: وَالتَّلَذُّذِ بِمَا يُبَاحُ لَهُ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ.
-
وَأَنْ لَا يَنَامَ إلَّا عَنْ غَلَبَةٍ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْمَاءِ,
-
وَأَنْ لَا يَنَامَ مُضْطَجِعًا بَلْ مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا.
-
وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ, وَكَرِهَ لَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ "لِبْسَ" ١ رَفِيعِ الثِّيَابِ,
-
وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ, فِي قِيَاسِ مَذْهَبِنَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ, كَغَسْلِ يَدِهِ فِي طِشْتٍ وَتَرْجِيلِ شَعْرِهِ, وَكَرِهَ مَالِكٌ أَخْذَ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ وَلَوْ جَمَعَهُ وَأَلْقَاهُ, لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ, وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ إزَالَةَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا صِيَانَةً لَهُ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ: يُسَنُّ ذَلِكَ, وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا, وَإِلَّا يَحْرُمُ إلْقَاؤُهُ فِيهِ.
-
وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ. نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يَتَطَيَّبُ, وَنَقَلَ أَيْضًا: لَا يُعْجِبُنِي وَقَالَهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ وَقَالَهُ عَطَاءٌ فِي الْمُعْتَكِفَةِ. وَنَقَلَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ: يَتَطَيَّبُ "وَ" كَالتَّنَظُّفِ, وَلِظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ, وَهَذَا أَظْهَرُ, وَقَاسَ أَصْحَابُنَا الْكَرَاهِيَةَ عَلَى الْحَجِّ وَعَدَمِ التَّحْرِيمِ عَلَى الصَّوْمِ, وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَةِ فِي كَرَاهَةِ لِبْسِ الثَّوْبِ الرَّفِيعِ وَالتَّطَيُّبِ وَجْهَيْنِ.
-
لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ,
-
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ, وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَصَاحِبُ الْوَسِيلَةِ وَالْإِفْصَاحِ وَغَيْرُهُمْ, كَمَا رَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ حَدَّثَنِي عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ,
-
وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ,
-
وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الضَّالَّةُ, وَعَنْ الْحِلَقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ, وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ, وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ إنْشَادَ الضَّالَّةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا "إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك" إسْنَادُهُ جَيِّدٌ, رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
-
قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَصَحَّتْ الْأَخْبَارُ بِالْمَنْعِ مِنْ إنشاد الضالة, ٣والبيع و الِاعْتِكَافِ أَوْلَى, قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: مَنَعَ صِحَّتَهُ وَجَوَّزَهُ أَحْمَدُ,
-
وَقِيلَ: إنْ حُرِّمَ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ, وَجَزَمَ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ "وم ش" ٤ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ.
-
وَيُكْرَهُ إحْضَارُ السِّلَعِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى قَوْلِنَا يُكْرَهُ وَيُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ فِيهِ الْيَسِيرُ "خ" كَالْكَثِيرِ "وَ" وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ الْمَالِكِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَا عُقِدَ مِنْ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِد لَا يجوز نقضه, كذا قال,
-
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ, كَمَا سَبَقَ فِي الْأَعْذَارِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ,
-
فَأَمَّا التِّجَارَةُ وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ فَلَا يَجُوزُ, فَهَذَا عَامٌّ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ, ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ, وَقَالَهُ إِسْحَاقُ, وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ مِنْهُ,
-
وَلَوْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَمْ يَقِفْ لَهُ وَسَبَقَ جَوَازُهُ فِي فَصْلٍ لَهُ السُّؤَالُ عَنْ الْمَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ ويخرج له, وعلى الثاني يَجُوزُ فَلَا يَخْرُجُ لَهُ "وَ" وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَكَسَّبَ بِالصَّنْعَةِ فِي الْمَسْجِدِ كَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِهَا, وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ وَالْمُحْتَاجُ وَغَيْرُهُ سواء, قاله القاضي وغيره "وم" وجزم به
-
في المذهب والإيضاح قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: قَالَهُ جَمَاعَةٌ, وَنَقَلَ حَرْبٌ التَّوَقُّفَ فِي اشْتِرَاطِهِ, فَقِيلَ لَهُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَخِيطَ فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. وَقَالَ لَهُ الْمَرُّوذِيُّ: تَرَى أَنْ يَخِيطَ؟ قَالَ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَكِفَ إذَا ٢كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ, وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَعْمَلَ فَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ فَلَا يَعْتَكِفُ.
-
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّجِرَ وَلَا يَصْنَعَ الصَّنَائِعَ, قَالَ: وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ الْإِقْرَاءِ وَإِمْلَاءِ الْحَدِيثِ, كَذَا قَالَ. وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ: يُكْرَهُ أَنْ يَتَّجِرَ أَوْ يَتَكَسَّبَ بِالصَّنْعَةِ, حَكَاهُ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ, وَأَبَاحَهُ الْحَسَنُ وَأَهْلُ الرَّأْيِ كَالْكَلَامِ وَالنَّوْمِ.
-
وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ في اليسير, وكره الكثير, والله أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ احْتَاجَ لِلُبْسِهِ خِيَاطَةً أَوْ غَيْرَهَا لَا لِلتَّكَسُّبِ فَقَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ: لَا يَجُوزُ, وَحَكَاهُ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ, وَاخْتَارَهُ هُوَ وَالشَّيْخُ وَغَيْرُهُمَا يَجُوزُ "م ١١" قَالُوا: وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ, كلف عمامته والتنظيف
-
وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِالْبَيْعِ وَعَمَلِ الصَّنْعَةِ لِلتَّكَسُّبِ, لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنَافِي حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ, وَلِهَذَا أُبِيحَ فِي مَمَرِّهِ, وَذَكَر فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ قَوْلًا: يَبْطُلُ. إنْ حُرِّمَ, لِخُرُوجِهِ بِالْمَعْصِيَةِ عَنْ وُقُوعِهِ قُرْبَةً, وَقَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ٢فِي الْقَدِيمِ مُطْلَقًا, لمنافاته الاعتكاف, والله أعلم.
-
يَنْبَغِي لِمَنْ قَصْدَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ
-
أَوْ غَيْرِهَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ فِيهِ, لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ صَائِمًا, ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ, وَمَعْنَاهُ فِي الْغُنْيَةِ, وِفَاقًا للشافعية, ولم يره شيخنا.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذرلا كلام له في هذا الباب
التجريدالقدوريلا كلام له في هذا الباب
المبسوطالسرخسيبَابُ الِاعْتِكَافِ١١٠ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الِاعْتِكَافِ٨٧ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الاعتكاف٣٣٣ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الِاعْتِكَافِ، فَصْلٌ٢٩٦ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفه وأركانه، أقسامه ومدته، شروط الاعتكاف - اعتكاف المرأة بدون زوجها١٣١ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقافالباب الثامن: أحكام الاعتكاف، الفصل الأول: تعريف الاعتكاف، المطلب الأول: حكم الاعتكاف للرجال٢٢٦ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الاعتكاف