فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الجنائز

العبادات

مذهبي

هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب

في متون المذاهب الأربعة

الحنفية
كتاب آخر
فتح القديرالكمال ابن الهمام، ١٩٦ مسألة
  1. (وَإِذَا حَمَلُوا الْمَيِّتَ عَلَى سَرِيرِهِ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ) بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ، وَفِيهِ تَكْثِيرُ الْجَمَاعَةِ وَزِيَادَةُ

  2. جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ «لَمَّا أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ بَكَى ثُمَّ قَالَ لِي: اذْهَبْ فَغَسِّلْهُ وَكَفِّنْهُ وَوَارِهِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي اذْهَبْ فَاغْتَسِلْ، قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَيَّامًا وَلَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الْآيَةَ» وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْحَدِيثَ بِسَنَدِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ قَالَ «إنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الْكَافِرَ قَدْ مَاتَ فَمَا تَرَى فِيهِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُجِنَّهُ وَأَمَرَهُ بِالْغُسْلِ» .

  3. وَإِنَّمَا لَمْ نَذْكُرْهُ نَحْنُ مِنْ السُّنَنِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِمَا «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ ثُمَّ لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي، فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ وَجِئْتُهُ، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي» وَلَيْسَ فِيهِ الْأَمْرُ بِغُسْلِهِ إلَّا مَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْ طَرِيقِ الِالْتِزَامِ الشَّرْعِيِّ بِنَاءً عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ الْغُسْلُ إلَّا مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ دُونَ دَفْنِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ عليه الصلاة والسلام يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ» وَهُوَ ضَعِيفٌ.

  4. وَرَوَى هُوَ وَالتِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ عَلِيٍّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّ طُرُقَ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَثِيرَةٌ، وَالِاسْتِحْبَابُ يَثْبُتُ بِالضَّعْفِ غَيْرِ الْمَوْضُوعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا إذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ وَلَيْسَ لَهُ قَرِيبٌ إلَّا كَافِرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ بَلْ يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ، أَلَا تَرَى «أَنَّ الْيَهُودِيَّ لَمَّا آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ قَالَ عليه الصلاة والسلام لِأَصْحَابِهِ تَوَلَّوْا أَخَاكُمْ» وَلَمْ يُخِلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ،

  5. وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَافِرُ فِي قَبْرِ قَرَابَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَدْفِنَهُ.

  6. الْإِكْرَامِ وَالصِّيَانَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يَحْمِلَهَا رَجُلَانِ: يَضَعُهَا السَّابِقُ عَلَى أَصْلِ عُنُقِهِ، وَالثَّانِي عَلَى أَعْلَى صَدْرِهِ، لِأَنَّ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه هَكَذَا حُمِلَتْ. قُلْنَا: كَانَ ذَلِكَ لِازْدِحَامِ الْمَلَائِكَةِ.

  7. (فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ)

  8. (قَوْلُهُ لِأَنَّ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ هَكَذَا حُمِلَتْ) رَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مِنْ بَيْتِهِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ حَتَّى خَرَجَ بِهِ مِنْ الدَّارِ» قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَالدَّارُ تَكُونُ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ: وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ انْتَهَى.

  9. إلَّا أَنَّ الْآثَارَ فِي الْبَابِ ثَابِتَةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.

  10. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: " تُوُفِّيَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَشَهِدْنَاهُ، فَلَمَّا خُرِّجَ سَرِيرُهُ مِنْ حُجْرَتِهِ إذَا حَسَنُ بْنُ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ، فَأَمَرَ بِهِ الْحَجَّاجُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَقِفَ مَكَانَهُ فَأَبَى، فَسَأَلَهُ بَنُو جَابِرٍ أَلَا خَرَجْت فَخَرَجَ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى وُضِعَ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ، ثُمَّ جَاءَ إلَى الْقَبْرِ فَنَزَلَ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ فِي قَبْرِهِ، فَأَمَرَ بِهِ الْحَجَّاجُ أَنْ يَخْرُجَ لَيَدْخُلَ مَكَانَهُ فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَسَأَلَهُ بَنُو جَابِرٍ فَخَرَجَ، فَدَخَلَ الْحَجَّاجُ الْحُفْرَةَ حَتَّى فَرَغَ " .

  11. وَأَسْنَدَ الطَّبَرَانِيُّ قَالَ: تُوُفِّيَ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَحَمَلَهُ عُمَرُ بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ حَتَّى وَضَعَهُ بِالْبَقِيعِ وَصَلَّى عَلَيْهِ.

  12. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَحْمِلُ بَيْنَ عَمُودَيْ سَرِيرٍ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه وَمِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: رَأَيْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَحْمِلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ وَاضِعًا السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ.

  13. وَمِنْ طَرِيقِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَائِمًا بَيْنَ قَائِمَتَيْ السَّرِيرِ.

  14. وَمِنْ طَرِيقِهِ عَنْ شُرَيْحٍ أَبِي عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَحْمِلُ بَيْنَ عَمُودَيْ سَرِيرٍ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ. قُلْنَا: هَذِهِ مَوْقُوفَاتٌ وَالْمَرْفُوعُ مِنْهَا ضَعِيفٌ،

  15. ثُمَّ هِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ فَاحْتَمَلَ كَوْنُ ذَلِكَ فَعَلُوهُ لِأَنَّهُ السُّنَّةُ أَوْ لِعَارِضٍ اقْتَضَى فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ حَمْلَ الِاثْنَيْنِ.

  16. وَالْحَقُّ أَنْ نَقُولَ: لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى حَمْلِ الِاثْنَيْنِ لِجَوَازِ حَمْلِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحَدُهُمْ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ بِأَنْ يَحْمِلَ الْمُؤَخَّرُ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ وَهُوَ مِنْ جِهَةِ يَسَارِ الْمَيِّتِ وَالْمُقَدَّمُ عَلَى الْأَيْسَرِ وَهُوَ مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْمَيِّتِ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّ بَعْضَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُمْ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ رُوِيَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ.

  17. رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي عَطَاءٍ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ قَالَ: " رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ فَحَمَلَ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ " .

  18. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْمِهْزَمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: مَنْ حَمَلَ الْجِنَازَةَ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعِ فَقَدْ قَضَى الَّذِي عَلَيْهِ.

  19. ثُمَّ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِلَافَ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ. رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ " مَنْ اتَّبَعَ الْجِنَازَةَ فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعَةِ " وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَحَدَّثَنَا الْمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ بِهِ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ حَمْلُ الْجِنَازَةِ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعَةِ» .

  20. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِهِ وَلَفْظُهُ: «مَنْ اتَّبَعَ الْجِنَازَةَ فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ ثُمَّ إنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ» فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ وَأَنَّ خِلَافَهُ إنْ تَحَقَّقَ مِنْ بَعْضِ السَّلَفِ فَلِعَارِضٍ،

  21. وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُنَاظِرِ تَعْيِينُهُ، وَقَدْ يَشَاءُ فَيُبْدِي مُحْتَمَلَاتٍ مُنَاسَبَةً يُجَوِّزُهَا

  22. (وَيَمْشُونَ بِهِ مُسْرِعِينَ دُونَ الْخَبَبِ) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام حِينَ سُئِلَ عَنْهُ قَالَ: مَا دُونَ الْخَبَبِ

  23. (وَإِذَا بَلَغُوا إلَى قَبْرِهِ يُكْرَهُ أَنْ يَجْلِسُوا قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّعَاوُنِ وَالْقِيَامُ أَمْكَنُ مِنْهُ

  24. قَالَ:

  25. تَجْوِيزًا كَضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ كَثْرَةِ النَّاسِ أَوْ قِلَّةِ الْحَامِلِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

  26. وَأَمَّا كَثْرَةُ الْمَلَائِكَةِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا رَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «لَقَدْ شَهِدَهُ: يَعْنِي سَعْدًا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَمْ يَنْزِلُوا إلَى الْأَرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَقَدْ ضَمَّهُ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» . وَمَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تَحْمِلُهُ» فَإِنَّمَا يُتَّجَهُ مُحْمَلًا عَلَى تَقْدِيرِ تَجَسُّمِهِمْ عليهم السلام لَا تَجَرُّدِهِمْ عَنْ الْكَثَافَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْلُ خِلْقَتِهِمْ.

  27. وَفِي الْآثَارِ: «مَعَ كُلِّ عَبْدٍ مَلَكَانِ، وَفِيهَا أَكْثَرُ إلَى سَبْعِينَ» فَلَمْ تُوجِبْ مُزَاحَمَةً حِسِّيَّةً وَلَا مَنْعًا مِنْ اتِّصَالٍ بَيْنَك وَبَيْنَ إنْسَانٍ،

  28. وَلَا حَمْلَ شَيْءٍ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَالرَّأْسِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ بِسَبَبٍ حَمْلِهِمْ عليهم السلام اُكْتُفِيَ عَنْ تَكْمِيلِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْحَامِلِينَ، وَلِأَنَّ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَصْوَنُ لِلْجِنَازَةِ عَنْ السُّقُوطِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ أَشَقَّ عَلَى الْحَامِلِينَ مَصْلَحَةٌ مُعَارَضَةٌ بِمَفْسَدَةِ تَعْرِيضِهِ عَلَى السُّقُوطِ خُصُوصًا فِي مَوَاطِنِ الزَّحْمَةِ وَالْمِحْجَنِ، وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ إكْرَامًا لِلْمَيِّتِ وَأَعْوَنُ عَلَى تَحْصِيلِ سُنَّةِ الْإِسْرَاعِ وَأَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِحَمْلِ الْأَمْتِعَةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَلِذَاكِرِهِ حَمْلُهُ عَلَى الظَّهْرِ وَالدَّابَّةِ

  29. (قَوْلُهُ دُونَ الْخَبَبِ) ضَرْبٌ مِنْ الْعَدْوِ دُونَ الْعُنُقِ وَالْعُنُقُ خَطْوٌ فَسِيحٌ فَيَمْشُونَ بِهِ دُونَ مَا دُونَ الْعُنُقِ،

  30. وَلَوْ مَشَوْا بِهِ الْخَبَبَ كُرِهَ لِأَنَّهُ ازْدِرَاءٌ بِالْمَيِّتِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام حِينَ سُئِلَ عَنْهُ إلَخْ) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ فَقَالَ: مَا دُونَ الْخَبَبِ» وَهُوَ مُضَعَّفٌ. وَأَخْرَجَ السِّتَّةُ قَالَ عليه الصلاة والسلام «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِهِ كُلِّهِ مِنْ حِينِ يَمُوتُ

  31. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّعَاوُنِ إلَخْ) وَلِأَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ نَدْبِ الشَّرْعِ لِحُضُورِ دَفْنِهِ إكْرَامُ الْمَيِّتِ، وَفِي جُلُوسِهِمْ قَبْلَ وَضْعِهِ ازْدِرَاءٌ بِهِ وَعَدَمُ الْتِفَاتٍ إلَيْهِ، هَذَا فِي حَقِّ الْمَاشِي مَعَهَا، أَمَّا الْقَاعِدُ عَلَى الطَّرِيقِ إذَا مَرَّتْ بِهِ أَوْ عَلَى الْقَبْرِ إذَا جِيءَ بِهِ فَلَا يَقُومُ لَهَا،

  32. وَقِيلَ يَقُومُ، وَاخْتِيرَ الْأَوَّلُ لَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ

  33. وَكَيْفِيَّةُ الْحَمْلِ) أَنْ تَضَعَ مُقَدَّمَ الْجِنَازَةِ عَلَى يَمِينِك ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا عَلَى يَمِينِك ثُمَّ مُقَدَّمَهَا عَلَى يَسَارِك ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا عَلَى يَسَارِك إيثَارًا لِلتَّيَامُنِ، وَهَذَا فِي حَالَةِ التَّنَاوُبِ.

  34. وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» بِهَذَا اللَّفْظِ لِأَحْمَدَ

  35. (قَوْلُهُ أَنْ تَضَعَ) هُوَ حِكَايَةُ خِطَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَبِي يُوسُفَ، وَالْمُرَادُ بِمُقَدَّمِ الْجِنَازَةِ يَمِينُهَا، وَيَمِينُ الْجِنَازَةِ بِمَعْنَى الْمَيِّتِ هُوَ يَسَارُ السَّرِيرِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ، فَالْحَاصِلُ أَنْ تَضَعَ يَسَارَ السَّرِيرِ الْمُقَدَّمَ عَلَى يَمِينِك ثُمَّ يَسَارَهُ الْمُؤَخَّرَ ثُمَّ يَمِينَهُ الْمُقَدَّمَ عَلَى يَسَارِك ثُمَّ يَمِينَهُ الْمُؤَخَّرَ لِأَنَّ فِي هَذَا إيثَارًا لِلتَّيَامُنِ. (تَتِمَّةٌ)

  36. الْأَفْضَلُ لِلْمُشَيِّعِ لِلْجِنَازَةِ الْمَشْيُ خَلْفَهَا وَيَجُوزُ أَمَامَهَا إلَّا أَنْ يَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَوْ يَتَقَدَّمَ الْكُلُّ فَيُكْرَهُ وَلَا يَمْشِي عَنْ يَمِينِهَا وَلَا عَنْ شِمَالِهَا،

  37. وَيُكْرَهُ لِمُشَيِّعِهَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَيَذْكُرُ فِي نَفْسِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمَشْيُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ، وَقَدْ نُقِلَ فِعْلُ السَّلَفِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالتَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى. هُوَ يَقُولُ: هُمْ شُفَعَاءُ وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ لِيُمَهِّدَ الْمَقْصُودَ، وَنَحْنُ نَقُولُ: هُمْ مُشَيِّعُونَ فَيَتَأَخَّرُونَ وَالشَّفِيعُ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَصْحِبُ الْمَشْفُوعَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِخِلَافِهِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ شَرْعًا إلْزَامُ تَقْدِيمِهِ حَالَةَ الشَّفَاعَةِ لَهُ أَعْنِي حَالَةَ الصَّلَاةِ، فَثَبَتَ شَرْعًا عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا اعْتَبَرَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

  1. (وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ وَيُلْحَدُ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَاللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» (وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ) مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ،

  2. فَإِنَّ عِنْدَهُ يُسَلُّ سَلًّا لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سُلَّ سَلًّا» . وَلَنَا أَنَّ جَانِبَ الْقِبْلَةِ مُعَظَّمٌ

  3. (فَصْلٌ فِي الدَّفْنِ)

  4. (قَوْلُهُ وَيُلْحَدُ) السُّنَّةُ عِنْدَنَا اللَّحْدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورَةً مِنْ رَخْوِ الْأَرْضِ فَيُخَافُ أَنْ يَنْهَارَ اللَّحْدُ فَيُصَارُ إلَى الشَّقِّ، بَلْ ذُكِرَ لِي أَنَّ بَعْضَ الْأَرْضِينَ مِنْ الرِّمَالِ يَسْكُنُهَا بَعْضُ الْأَعْرَابِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا الشَّقُّ أَيْضًا، بَلْ يُوضَعُ الْمَيِّتُ وَيُهَالُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ.

  5. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَامِرٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِيهِ مَقَالٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ «لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ وَالْآخَرُ يَضْرَحُ، فَقَالُوا: نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إلَيْهِمَا فَأَيُّهُمَا سَبَقَ تَرَكْنَاهُ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمَا فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ، فَلَحَّدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ » وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَهُوَ مَا أُخْرِجَ " عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْحَدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وَهُوَ رِوَايَةٌ مِنْ سَعْدٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَلْحَدَ.

  6. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أُلْحِدَ وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنْ الْأَرْضِ نَحْوَ شِبْرٍ» وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يُرْمَسَ فِي التُّرَابِ رَمْسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَقَالَ: لَيْسَ أَحَدُ جَنْبَيَّ أَوْلَى بِالتُّرَابِ مِنْ الْآخَرِ (قَوْلُهُ وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِمَّا يَلِي) وَذَلِكَ أَنْ تُوضَعَ الْجِنَازَةُ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْ الْقَبْرِ وَيُحْمَلُ الْمَيِّتُ مِنْهُ فَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ فَيَكُونُ الْآخِذُ لَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَالَ الْأَخْذِ (قَوْلُهُ فَإِنَّ عِنْده يُسَلُّ سَلًّا) هُوَ بِأَنْ يُوضَعَ السَّرِيرُ فِي مُؤَخَّرِ الْقَبْرِ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الْمَيِّتِ بِإِزَاءِ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ مِنْ الْقَبْرِ،

  7. ثُمَّ يُدْخَلُ رَأْسُ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ وَيُسَلُّ كَذَلِكَ فَتَكُونُ رِجْلَاهُ مَوْضِعَ رَأْسِهِ،

  8. ثُمَّ تُدْخَلُ رِجْلَاهُ وَيُسَلُّ كَذَلِكَ، قَدْ قِيلَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَالْمَرْوِيُّ لِلشَّافِعِيِّ الْأَوَّلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «سُلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» .

  9. وَقَالَ: أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي النَّضْرِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» ،

  10. وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَإِسْنَادُ أَبِي دَاوُد صَحِيحٌ، وَهُوَ مَا أُخْرِجَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَالسَّبِيعِيِّ قَالَ: أَوْصَانِي الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخِطْمِيُّ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ وَقَالَ: هَذَا مِنْ السُّنَّةِ.

  11. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ،

  12. فَيُسْتَحَبُّ الْإِدْخَالُ مِنْهُ، وَاضْطَرَبَتْ الرِّوَايَاتُ فِي إدْخَالِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام

  13. (فَإِذَا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ يَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) كَذَا قَالَهُ عليه الصلاة والسلام حِينَ وَضَعَ أَبَا دُجَانَةَ رضي الله عنه فِي الْقَبْرِ

  14. قُلْنَا إدْخَالُهُ عليه الصلاة والسلام مُضْطَرَبٌ فِيهِ، فَكَمَا رُوِيَ ذَلِكَ رُوِيَ خِلَافُهُ.

  15. أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ هُوَ النَّخَعِيُّ وَمَنْ قَالَ التَّيْمِيُّ فَقَدْ وَهَمَ،

  16. فَإِنَّ حَمَّادًا إنَّمَا يَرْوِي عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فَقَالَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُدْخِلَ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يُسَلَّ سَلًّا» وَزَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَرُفِعَ قَبْرُهُ حَتَّى يُعْرَفَ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أُخِذَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَاسْتُقْبِلَ اسْتِقْبَالًا» وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى مَا دَفَعَ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ الْأَوَّلَ مِنْ أَنَّ سَلَّهُ لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّ الْقَبْرَ فِي أَصْلِ الْحَائِطِ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام دُفِنَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتَوَفَّ مُلْتَصِقًا إلَى الْحَائِطِ بَلْ مُسْتَنِدًا إلَى عَائِشَةَ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ كَانَتْ تَقُولُ «مَاتَ بَيْنَ حَافِنَتِي وَذَاقِنَتِي» يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُبَاعِدًا مِنْ الْحَائِطِ وَإِنْ كَانَ فِرَاشُهُ إلَى الْحَائِطِ لِأَنَّهُ حَالَةَ اسْتِنَادِهِ إلَى عَائِشَةَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام إنَّمَا يُتَوَفَّى مُسْتَقْبِلًا فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ اللَّحْدِ مُلْتَصِقًا إلَى أَصْلِ الْجِدَارِ، وَمَنْزِلُ الْقَبْرِ قِبْلَةً، وَلَيْسَ الْإِدْخَالُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ إلَّا أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عَلَى سَقْفِ اللَّحْدِ ثُمَّ يُؤْخَذَ الْمَيِّتُ وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: تَعَارَضَ مَا رَوَاهُ وَمَا رَوَيْنَاهُ فَتَسَاقَطَا.

  17. وَلَوْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ كَانَ لِلضَّرُورَةِ كَمَا قُلْنَا.

  18. وَغَايَةُ فِعْلِ غَيْرِهِ أَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ ظَنَّ السُّنَّةَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَجَدْنَا التَّشْرِيعَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ خِلَافَهُ،

  19. وَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، فَالْأَوَّلُ مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ إنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ انْتَهَى.

  20. مَعَ أَنَّ فِيهِ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ وَمِنْهَالَ بْنَ خَلِيفَةَ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا وَذَلِكَ يَحُطُّ الْحَدِيثَ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ لَا الْحَسَنِ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي أَمْرِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ فِي بَابِ الْقِرَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  21. وَالثَّانِي مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ " أَنَّ عَلِيًّا كَبَّرَ عَلَى يَزِيدَ بْنَ الْمُكَفِّفِ أَرْبَعًا وَأَدْخَلَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ " . وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ " أَنَّهُ وَلَّى ابْنَ عَبَّاسٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَأَدْخَلَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ "

  22. (قَوْلُهُ هَكَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ وَضَعَ أَبَا دُجَانَةَ) غَلَطٌ،

  23. فَإِنَّ أَبَا دُجَانَةَ الْأَنْصَارِيَّ تُوُفِّيَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ، لَكِنْ

  24. (وَيُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَتُحَلُّ الْعُقْدَةُ) لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنْ الِانْتِشَارِ (وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ اللَّبِنُ

  25. (وَيُسَجَّى قَبْرُ الْمَرْأَةِ بِثَوْبٍ حَتَّى يُجْعَلَ اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ وَلَا يُسَجَّى قَبْرُ الرَّجُلِ) لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ وَمَبْنَى حَالِ الرِّجَالِ عَلَى الِانْكِشَافِ (وَيُكْرَهُ الْآجُرُّ وَالْخَشَبُ) لِأَنَّهُمَا لِإِحْكَامِ الْبِنَاءِ وَالْقَبْرُ مَوْضِعُ الْبِلَى،

  26. ثُمَّ بِالْآجُرِّ يَكُونُ أَثَرُ النَّارِ فَيُكْرَهُ تَفَاؤُلًا (وَلَا بَأْسَ بِالْقَصَبِ)

  27. رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَدْخَلَ الْمَيِّتَ الْقَبْرَ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» زَادَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ بِاسْمِ اللَّهِ " وَبِاَللَّهِ " وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي قُبُورِهِمْ فَقُولُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ طُرُقٌ أُخْرَى عَدِيدَةٌ (قَوْلُهُ وَيُوَجَّهُ بِذَلِكَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) غَرِيبٌ، وَاسْتُؤْنِسَ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ» فَذَكَرَ مِنْهَا اسْتِحْلَالَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام جُعِلَ فِي قَبْرِهِ اللَّبِنُ) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْحَدُوا لِي لَحَدًّا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقَدَّمَ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ، وَفِيهِ " نُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا " الْحَدِيثَ

  28. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ إحْكَامِ الْبِنَاءِ) وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْآجُرَّ مَسَّتْهُ النَّارُ وَدُفِعَ بِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُغَسَّلَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ،

  29. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَيُسْتَحَبُّ اللَّبِنُ وَالْقَصَبُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ طُنٌّ مِنْ قَصَبٍ

  30. (ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ وَيُسَنَّمُ الْقَبْرُ وَلَا يُسَطَّحُ) أَيْ لَا يُرَبَّعُ «لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ الْقُبُورِ» وَمَنْ شَاهَدَ قَبْرَهُ عليه الصلاة والسلام أَخْبَرَ أَنَّهُ مُسَنَّمٌ.

  31. فَعُلِمَ أَنَّ مَسَّ النَّارِ لَمْ يُعْتَبَرْ مَانِعًا فِي الشَّرْعِ وَالْأَوْلَى مَا فِي الْكِتَابِ، وَفِي الدَّفْعِ نَوْعُ نَظَرٍ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام جَعَلَ عَلَى قَبْرِهِ طُنٌّ مِنْ قَصَبٍ) وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ حُزْمَةٌ. رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ طُنٌّ مِنْ قَصَبٍ» ) وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَأَسْنَدَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، أَوْصَى أَبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ الْهَمْدَانِيُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى لَحْدِهِ طُنًّا مِنْ قَصَبٍ وَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الْمُهَاجِرِينَ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ انْتَهَى.

  32. وَلَا يَلْزَمُ خَطَأُ هَذَا الْحَدِيثِ لِمُعَارَضَةِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُضِعَ اللَّبِنُ عَلَى قَبْرِهِ عليه الصلاة والسلام نَصْبًا مَعَ قَصَبٍ كُمِّلَ بِهِ لِإِعْوَازٍ فِي اللَّبَنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ

  33. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ الْقُبُورِ) وَمَنْ شَاهَدَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُسَنَّمٌ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ الْقُبُورِ وَتَجْصِيصِهَا» وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ نَاشِزَةً مِنْ الْأَرْضِ وَعَلَيْهَا فِلْقٌ مِنْ مَدَرٍ أَبْيَضَ.

  34. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّ سُفْيَانَ التَّمَارَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى «قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا» . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَلَفْظُهُ عَنْ سُفْيَانَ: وَدَخَلْت الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَرَأَيْت قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُسَنَّمَةً وَمَا عُورِضَ بِهِ مِمَّا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْتُ: يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءَ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ» ، لَيْسَ مُعَارِضًا لِهَذَا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى الْجَمْعِ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ.

  35. وَأَيْضًا ظَهَرَ أَنَّ الْقَاسِمَ أَرَادَ أَنَّهَا مُسَنَّمَةٌ بِرِوَايَةِ أَبِي حَفْصِ بْنِ شَاهِينَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْت ثَلَاثَةً كُلُّهُمْ لَهُ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبٌ، سَأَلْت أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ سَالِمٍ، وَسَأَلْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَأَلْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قُلْت: أَخْبِرُونِي عَنْ قُبُورِ آبَائِكُمْ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ فَكُلُّهُمْ قَالُوا: إنَّهَا مُسَنَّمَةُ.

  36. وَأَمَّا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْهِيَاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: «أَبْعَثُكَ عَلَى

  37. مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» فَهُوَ عَلَى مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَعْلِيَةِ الْقُبُورِ بِالْبِنَاءِ الْحَسَنِ الْعَالِي، وَلَيْسَ مُرَادُنَا ذَلِكَ الْقَدْرَ بَلْ قَدْرَ مَا يَبْدُو مِنْ الْأَرْضِ وَيَتَمَيَّزُ عَنْهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

  38. تَتِمَّةٌ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْ النِّسَاءِ الْقَبْرَ وَلَا يُخْرِجُهُنَّ إلَّا الرِّجَالُ وَلَوْ كَانُوا أَجَانِبَ، لِأَنَّ مَسَّ الْأَجْنَبِيِّ لَهَا بِحَائِلٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ جَائِزٌ فِي حَيَاتِهَا، فَكَذَا بَعْدَ مَوْتِهَا،

  39. فَإِذَا مَاتَتْ وَلَا مَحْرَمَ لَهَا دَفَنَهَا أَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْ مَشَايِخِ جِيرَانِهَا،

  40. فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَالشَّبَابُ الصُّلَحَاءُ، أَمَّا إنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ وَلَوْ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ نَزَلَ وَأَلْحَدَهَا،

  41. وَلَا يُنْبَشُ بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ إلَّا لِعُذْرٍ.

  42. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: وَالْعُذْرُ أَنَّ الْأَرْضَ مَغْصُوبَةٌ أَوْ يَأْخُذُهَا شَفِيعٌ، وَلِذَا لَمْ يُحَوَّلْ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ دُفِنُوا بِأَرْضِ الْحَرْبِ إذْ لَا عُذْرَ،

  43. فَإِنْ أَحَبَّ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يُسَوِّيَ الْقَبْرَ وَيَزْرَعَ فَوْقَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا وَظَاهِرِهَا.

  44. فَإِنْ شَاءَ تَرَكَ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا.

  45. وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ وَمِنْ الْأَعْذَارِ أَنْ يُسْقَطَ فِي اللَّحْدِ مَالٌ ثَوْبٌ أَوْ دِرْهَمٌ لِأَحَدٍ. وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَشَايِخِ فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ وَأَرَادَتْ نَقْلَهُ أَنَّهُ لَا يَسَعُهَا ذَلِكَ، فَتَجْوِيزُ شَوَاذِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

  46. وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ وَقَدْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ بِلَا صَلَاةٍ فَلَمْ يُبِيحُوهُ لِتَدَارُكِ فَرْضٍ لَحِقَهُ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِهِ، أَمَّا إذَا أَرَادُوا نَقْلَهُ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ تَسْوِيَةَ اللَّبِنِ فَلَا بَأْسَ بِنَقْلِهِ نَحْوَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ.

  47. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: لِأَنَّ الْمَسَافَةَ إلَى الْمَقَابِرِ قَدْ تَبْلُغُ هَذَا الْمِقْدَارَ. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَقْلَهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ مَكْرُوهٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْفَنَ كُلٌّ فِي مَقْبَرَةِ الْبَلْدَةِ الَّتِي مَاتَ بِهَا، وَنُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَ مَاتَ بِالشَّامِ وَحُمِلَ مِنْهَا: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ فِيك إلَيَّ مَا نَقَلْتُك وَلَدَفَنْتُك حَيْثُ مِتَّ.

  48. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: فِي النَّقْلِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا إثْمَ لِمَا نُقِلَ أَنَّ يَعْقُوبَ عليه السلام مَاتَ بِمِصْرٍ فَنُقِلَ إلَى الشَّامِ، وَمُوسَى عليه السلام نَقَلَ تَابُوتَ يُوسُفَ عليه السلام بَعْدَمَا أَتَى عَلَيْهِ زَمَانٌ مِنْ مِصْرٍ إلَى الشَّامِ لِيَكُونَ مَعَ آبَائِهِ انْتَهَى.

  49. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا وَلَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا إلَّا أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ مَاتَ فِي ضَيْعَةٍ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ إلَيْهَا ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَذَكَرَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ فِي بَلْدَةٍ يُكْرَهُ نَقْلُهُ إلَى الْأُخْرَى لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ بِمَا فِيهِ تَأْخِيرُ دَفْنِهِ وَكَفَى بِذَلِكَ كَرَاهَةً.

  50. وَمَنْ حَفَرَ قَبْرًا فِي مَقْبَرَةٍ لِيُدْفَنَ فِيهِ فَدُفِنَ غَيْرُهُ لَا يُنْبَشُ لَكِنْ يُضَمَّنُ قِيمَةَ الْحَفْرِ،

  51. وَلَا يُدْفَنُ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ بَلْ يُنْقَلُ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ،

  52. وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ،

  53. وَلَا يُحْفَرُ قَبْرٌ لِدَفْنِ آخَرَ إلَّا إنْ بَلِيَ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا عَظْمٌ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ بُدٌّ فَيُضَمُّ عِظَامُ الْأَوَّلِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ.

  54. وَمَنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ دَفَنُوهُ إنْ أَمْكَنَ الْخُرُوجُ إلَى أَرْضٍ، وَإِلَّا أَلْقَوْهُ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلَاةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ يُثَقَّلُ لِيَرْسُبَ، وَعَنْ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَإِلَّا شُدَّ بَيْنَ لَوْحَيْنِ لِيَقْذِفَهُ الْبَحْرُ فَيُدْفَنُ وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُسَمَّى فَسَاقِي وَالْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ وَوَطْؤُهُ، وَحِينَئِذٍ فَمَا يَصْنَعُهُ النَّاسُ مِمَّنْ دُفِنَتْ

  1. (الشَّهِيدُ مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ، أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا

  2. أَقَارِبُهُ ثُمَّ دُفِنَ حَوَالَيْهِمْ خَلْقٌ مِنْ وَطْءِ تِلْكَ الْقُبُورِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى قَبْرِ قَرِيبِهِ مَكْرُوهٌ.

  3. وَيُكْرَهُ النَّوْمُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ، بَلْ أَوْلَى وَكُلُّ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي السُّنَّةِ، وَالْمَعْهُودُ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا زِيَارَتَهَا وَالدُّعَاءَ عِنْدَهَا قَائِمًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ ﷺ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْبَقِيعِ وَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» .

  4. وَاخْتُلِفَ فِي إجْلَاسِ الْقَارِئِينَ لِيَقْرَءُوا عِنْدَ الْقَبْرِ وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. وَفِي التَّجْنِيسِ مِنْ عَلَامَةِ النَّوَازِلِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ مَاتَتْ وَاضْطَرَبَ فِي بَطْنِهَا شَيْءٌ وَكَانَ رَأْيُهُمْ أَنَّهُ وَلَدٌ حَيٌّ شُقَّ بَطْنُهَا، فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا ابْتَلَعَ الرَّجُلُ دُرَّةً فَمَاتَ وَلَمْ يَدَعْ مَالًا عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَلَا يُشَقُّ بَطْنُهُ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إبْطَالَ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ لِصِيَانَةِ حُرْمَةِ الْحَيِّ فَيَجُوزُ.

  5. أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إبْطَالُ حُرْمَةِ الْأَعْلَى وَهُوَ الْآدَمِيُّ لِصِيَانَةِ حُرْمَةِ الْأَدْنَى وَهُوَ الْمَالُ،

  6. وَلَا كَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى انْتَهَى. وَتَوْضِيحُهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا،

  7. وَلَا يُشَقُّ بَطْنُهُ حَيًّا لَوْ ابْتَلَعَهَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَعَ الْفَضَلَاتِ فَكَذَا مَيِّتًا،

  8. بِخِلَافِ شَقِّ بَطْنِهَا لِإِخْرَاجِ الْوَلَدِ إذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ. وَفِي الِاخْتِيَارِ جُعِلَ عَدَمُ شِقِّ بَطْنِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ.

  9. ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى الْجُرْجَانِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُشَقُّ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيّ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الظَّالِمِ الْمُتَعَدِّي انْتَهَى. وَهَذَا أَوْلَى. وَالْجَوَابُ مَا قَدَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِرَامَ يَزُولُ بِتَعَدِّيهِ.

  10. وَيَجُوزُ الْجُلُوسُ لِلْمُصِيبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى،

  11. وَيُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَتُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَفْتِنَّ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ عَزَّى أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي السُّرُورِ لَا فِي الشُّرُورِ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ.

  12. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصُنْعَهُمْ الطَّعَامَ مِنْ النِّيَاحَةِ.

  13. وَيُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالْأَقْرِبَاءِ الْأَبَاعِدِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لَهُمْ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلِأَنَّهُ بِرٌّ وَمَعْرُوفٌ، وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ لِأَنَّ الْحُزْنَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَيَضْعُفُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  14. (بَابُ الشَّهِيدِ)

  15. وَجْهُ فَضْلِهِ، وَتَأْخِيرُهُ ظَاهِرٌ، وَسُمِّيَ شَهِيدًا إمَّا لِشُهُودِ الْمَلَائِكَةِ إكْرَامًا لَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَلِشُهُودِهِ أَيْ حُضُورِهِ حَيًّا يُرْزَقُ عِنْدَ رَبِّهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَصِحُّ (قَوْلُهُ الشَّهِيدُ إلَخْ) هَذَا تَعْرِيفٌ لِلشَّهِيدِ الْمَلْزُومِ لِلْحُكْمِ

  16. وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ فَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ. وَقَالَ عليه الصلاة والسلام فِيهِمْ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ» فَكُلُّ مَنْ قُتِلَ بِالْحَدِيدَةِ ظُلْمًا وَهُوَ طَاهِرٌ بَالِغٌ وَلَمْ يَجِبْ بِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُمْ فَيَلْحَقُ بِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْأَثَرِ الْجِرَاحَةُ لِأَنَّهَا دَلَالَةُ الْقَتْلِ،

  17. الْمَذْكُورِ: أَعْنِي عَدَمَ تَغْسِيلِهِ وَنَزْعِ ثِيَابِهِ لَا لِمُطْلَقِهِ فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ مِنْ أَنَّ الْمُرْتَثَّ وَغَيْرَهُ شَهِيدٌ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْأَوْصَافِ يُجْتَنَبُ فِي الْحَدِّ لَكِنْ يُحْتَاجُ إلَى قَيْدٍ مُدْخِلٍ وَهُوَ قَوْلُنَا: إلَّا مَا يَجِبُ بِشُبْهَةِ الْأُبُوَّةِ،

  18. وَلَوْ أُرِيدَ تَصْوِيرُهُ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ قِيلَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ قُتِلَ ظُلْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ بِأَيِّ آلَةٍ كَانَتْ وَبِجَارِحٍ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَمْ تَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ بِنَفْسِ الْقَتْلِ وَلَمْ يُرْتَثَّ فَظُلْمًا مُخْرِجٌ لِلْمَقْتُولِ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ بِنَاءٌ أَوْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ غَرِقَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَإِنْ كَانَ شَهِيدًا.

  19. وَأَمَّا إذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةُ كَافِرٍ فَوَطِئَتْ مُسْلِمًا مِنْ غَيْرِ سَائِقٍ، أَوْ رَمَى مُسْلِمٌ إلَى الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا، أَوْ نَفَرَتْ دَابَّةُ مُسْلِمٍ مِنْ سَوَادِ الْكُفَّارِ، أَوْ نَفِدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فَأَلْجَئُوهُمْ إلَى خَنْدَقٍ أَوْ نَارٍ وَنَحْوِهِ فَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ، أَوْ جَعَلُوا حَوْلَهُمْ الْحَسَكَ فَمَشَى عَلَيْهَا مُسْلِمٌ فَمَاتَ بِهِ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ فِعْلَهُ وَفِعْلَ الدَّابَّةِ دُونَ حَامِلٍ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ إلَيْهِمْ.

  20. أَمَّا لَوْ طَعَنُوهُمْ حَتَّى أَلْقَوْهُمْ فِي نَارٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ نَفَّرُوا دَابَّةً فَصَدَمَتْ مُسْلِمًا، أَوْ رَمَوْا نَارًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَهَبَّتْ بِهَا رِيحٌ إلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَرْسَلُوا مَاءً فَغَرِقَ بِهِ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ الْقَتْلَ مُضَافٌ إلَى الْعَدُوِّ تَسْبِيبًا.

  21. فَإِنْ قِيلَ فِي الْحَسَكِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُغَسَّلَ لِأَنَّ جَعْلَهُ تَسْبِيبٌ لِلْقَتْلِ. قُلْنَا: مَا قُصِدَ بِهِ الْقَتْلُ يَكُونُ تَسْبِيبًا وَمَا لَا فَلَا، وَهُمْ قَصَدُوا بِهِ الدَّفْعَ لَا الْقَتْلَ. وَقَوْلُنَا بِجَارِحٍ لَا يَخُصُّ الْحَدِيدَ بَلْ يَشْمَلُ النَّارَ وَالْقَصَبَ. وَقَوْلُنَا بِنَفْسِ الْقَتْلِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا وَجَبَ بِالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ بَعْدَ مَا وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَعَمَّا إذَا قَتَلَ الْوَالِدُ وَلَدَهُ فَالْوَاجِبُ الدِّيَةُ، وَالْوَلَدُ شَهِيدٌ لَا يُغَسَّلُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ،

  22. فَإِنَّ مُوجِبَ فِعْلِهِ ابْتِدَاءُ الْقِصَاصِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ مَالًا لِمَانِعِ الْأُبُوَّةِ، وَبَاقِي الْقُيُودِ ظَاهِرَةٌ، وَسَتَخْرُجُ مِمَّا سَيُورَدُ مِنْ الْأَحْكَامِ (قَوْلُهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام فِي شُهَدَاءِ إلَخْ) غَرِيبٌ تَمَامُهُ.

  23. وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَشْرَفَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ فَقَالَ: إنِّي شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ» اهـ. إلَّا أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْغُسْلِ، إذْ مَعَ الْغُسْلِ لَا يَبْقَى.

  24. وَفِي تَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي قَتْلَى أُحُدٍ وَيَقُولُ: أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» زَادَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ قَالَ

  25. وَكَذَا خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ مَوْضِعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالْعَيْنِ وَنَحْوِهَا، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ

  26. النَّسَائِيّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ اللَّيْثَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُؤْثَرْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ تَفَرُّدُ اللَّيْثِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

  27. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ قَالَ «رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» (قَوْلُهُ

  28. وَكَذَا خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ مَوْضِعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالْعَيْنِ وَنَحْوِهَا) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَوُجِدَ مَيِّتًا فِي الْمَعْرَكَةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُوجَدَ بِهِ أَثَرٌ أَوْ لَا،

  29. فَإِنْ وُجِدَ فَإِنْ كَانَ خُرُوجُ دَمٍ مِنْ جِرَاحَةٍ ظَاهِرَةً فَهُوَ شَهِيدٌ أَوْ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ مَوْضِعٍ مُعْتَادٍ كَالْأَنْفِ وَالدُّبُرِ وَالذَّكَرِ لَمْ نُثْبِتْ شَهَادَتَهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبُولُ دَمًا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ،

  30. وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ حُكِمَ بِهَا وَإِنْ كَانَ الْأَثَرُ مِنْ غَيْرِ رَضٍّ ظَاهِرٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَهِيدًا،

  31. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ أَصْلًا لَا يَكُونُ شَهِيدًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لِشِدَّةِ خَوْفِهِ انْخَلَعَ قَلْبُهُ.

  32. وَأَمَّا إنْ ظَهَرَ مِنْ الْفَمِ فَقَالُوا: إنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ بِأَنْ يَكُونَ صَافِيًا غُسِلَ،

  33. وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الْجَوْفِ فَيَكُونُ مِنْ جِرَاحَةٍ فِيهِ فَلَا يُغْسَلُ. وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ الْمُرْتَقَى مِنْ الْجَوْفِ قَدْ يَكُونُ عَلَقًا فَهُوَ سَوْدَاءُ بِصُورَةِ الدَّمِ، وَقَدْ يَكُونُ رَقِيقًا مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي طَهَارَةٍ الطَّهَارةِ فَلَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ مِنْ جِرَاحَةٍ حَادِثَةٍ بَلْ هُوَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَاتِ (قَوْلُهُ وَيَقُولُ السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ) ذَكَرُوهُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ حَدِيثًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَإِنَّمَا مُعْتَمَدُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ» وَهَذَا مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ، فَيُعَارِضُ حَدِيثَ جَابِرٍ عِنْدَنَا،

  34. ثُمَّ يَتَرَجَّحُ بِأَنَّهُ مُثْبِتٌ وَحَدِيثُ جَابِرٍ نَافٍ، وَنَمْنَعُ أَصْلَ الْمُخَالِفِ فِي تَضْعِيفِ الْمَرَاسِيلِ،

  35. وَلَوْ سَلَّمَ فَعِنْدَهُ إذَا اُعْتُضِدَ يَرْفَعُ مَعْنَاهُ.

  36. قِيلَ وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «فَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ حِينَ فَاءَ النَّاسُ مِنْ الْقِتَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَهُ، فَلَمَّا رَآهُ وَرَأَى مَا مُثِّلَ بِهِ شَهِقَ وَبَكَى، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَرَمَى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، ثُمَّ جِيءَ بِحَمْزَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ بِالشُّهَدَاءِ فَيُوضَعُونَ إلَى جَانِبِ حَمْزَةَ فَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُرْفَعُونَ وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ حَتَّى صَلَّى عَلَى الشُّهَدَاءِ كُلِّهِمْ» وَقَالَ ﷺ «حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُخْتَصَرٌ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ إلَّا أَنَّ فِي سَنَدِهِ مُفَضَّلَ بْنَ صَدَقَةَ أَبَا حَمَّادٍ الْحَنَفِيَّ، وَهُوَ وَإِنْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى وَالنَّسَائِيُّ فَقَدْ قَالَ الْأَهْوَازِيُّ: كَانَ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ يُوَثِّقُهُ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ يُثْنِي عَلَيْهِ ثَنَاءً تَامًّا.

  37. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا،

  38. فَلَا يَقْصُرُ الْحَدِيثَ عِنْدَ دَرَجَةِ الْحُسْنِ، وَهُوَ حُجَّةٌ اسْتِقْلَالًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ صَلَاحِيَّتِهِ عَاضِدًا لِغَيْرِهِ. وَأَسْنَدَ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كَانَ النِّسَاءُ يَوْمَ أُحُدٍ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ يُجْهِزْنَ عَلَى جَرْحَى الْمُشْرِكِينَ، إلَى أَنْ قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ حَمْزَةَ وَجِيءَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَوُضِعَ إلَى جَنْبِهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَرُفِعَ الْأَنْصَارِيُّ وَتُرِكَ حَمْزَةُ، ثُمَّ جِيءَ بِآخَرَ فَوُضِعَ إلَى جَنْبِ حَمْزَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ وَتُرِكَ حَمْزَةُ

  39. فَأَغْنَى عَنْ الشَّفَاعَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ، وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِهَا، وَالطَّاهِرُ عَنْ الذُّنُوبِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الدُّعَاءِ كَالنَّبِيِّ وَالصَّبِيِّ

  40. (وَمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ أَهْلُ الْبَغْيِ أَوْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلُوهُ لَمْ يُغَسَّلْ) لِأَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ مَا كَانَ كُلُّهُمْ قَتِيلَ السَّيْفِ وَالسِّلَاحِ

  41. (وَإِذَا اُسْتُشْهِدَ الْجُنُبُ غُسِّلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)

  42. صَلَّى يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً» وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحُسْنِ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَأَرْجُو أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ قَبْلَ التَّغَيُّرِ،

  43. فَإِنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ أَنَّهُ أَخَذَ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَفَاتُهُ تَأَخَّرَتْ عَنْ وَفَاةِ عَطَاءِ بِنَحْوِ خَمْسِينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَبْلَ ابْنِ زَيْدٍ بِنَحْوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَيَكُونُ صَحِيحًا، وَعَلَى الْإِبْهَامِ لَا يَنْزِلُ عَنْ الْحُسْنِ.

  44. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «لَمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ قَتْلَى أُحُدٍ، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ جَعَلَ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً، وَكَانَتْ الْقَتْلَى يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ» وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْزِلُ عَنْ الْحَسَنِ،

  45. ثُمَّ لَوْ كَانَ الْكُلُّ ضَعِيفًا ارْتَقَى الْحَاصِلُ إلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ،

  46. ثُمَّ كَانَ عَاضِدُ الْمَرَاسِيلِ سَيِّدَ التَّابِعِينَ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، عَلَى أَنَّ الْوَاقِدِيَّ فِي الْمَغَازِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ.

  47. وَأَسْنَدَ فِي فُتُوحِ الشَّامِ: حَدَّثَنِي رُوَيْمُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ الْوَاقِصِي عَنْ سَيْفٍ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسٍ الْيَشْكُرِيِّ قَالَ: كُنْت فِي الْجَيْشِ الَّذِي وَجَّهَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إلَى أَيْلَةَ وَأَرْضِ فِلَسْطِينَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ.

  48. وَفِيهَا أَنَّهُ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ وَصَلَّى عَلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَعَ عَمْرٍو تِسْعَةُ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ

  49. (قَوْلُهُ وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالشَّفَاعَةُ وَالتَّكْرِيمُ، يُسْتَفَادُ إرَادَتُهُ مِنْ إيجَابِ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فَنَقُولُ: إذَا أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ تَكْرِيمًا فَلَأَنْ يُوجِبَهَا عَلَيْهِمْ عَلَى الشَّهِيدِ أَوْلَى، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْكَرَامَةِ أَظْهَرُ (قَوْلُهُ كَالنَّبِيِّ أَوْ الصَّبِيِّ) لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى النَّبِيِّ كَانَ أَوْلَى،

  50. فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَبَوَيْهِ. هَذَا وَلَوْ اخْتَلَطَ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلَى الْكُفَّارِ أَوْ مَوْتَاهُمْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ فَيُصَلِّي حِينَئِذٍ عَلَيْهِمْ وَيَنْوِي أَهْلَ الْإِسْلَامِ فِيهَا بِالدُّعَاءِ

  51. (قَوْلُهُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلُوهُ كَانَ شَهِيدًا) لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي قِتَالِهِمْ مِثْلُهُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ مَأْمُورٌ بِهِ كَأَهْلِ الْحَرْبِ، قَالَ تَعَالَى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وَسُمِّيَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مُحَارِبِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْقَطْعُ بِأَنَّ مُحَارِبَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَجِبُ قِتَالُهُ عَلَى أَنَّهُمْ بُغَاةٌ فَيَدْخُلُونَ فِي الَّتِي تَبْغِي بِالْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ فَالْمَقْتُولُ مِنْهُمْ بَاذِلٌ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ مَا كَانَ كُلُّهُمْ قَتِيلَ السَّيْفِ وَالسِّلَاحِ) اللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ،

  52. وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، إذْ يَكْفِي فِيهِ ثُبُوتُ بَذْلِهِ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ

  53. وَقَالَا: لَا يُغَسَّلُ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ وَالثَّانِي لَمْ يَجِبْ لِلشَّهَادَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةً غَيْرَ رَافِعَةٍ فَلَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ حَنْظَلَةَ لَمَّا اُسْتُشْهِدَ جُنُبًا غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحَائِضُ

  54. إذْ هُوَ الْمَنَاطُ فِي قَتِيلِ الْمُشْرِكِينَ

  55. (قَوْلُهُ مَا وَجَبَ بِالْجَنَابَةِ) وَهُوَ الْغُسْلُ (سَقَطَ بِالْمَوْتِ) لِأَنَّ وُجُوبَهُ لِوُجُوبِ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِ. وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ فَيَسْقُطُ الْغُسْلُ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ بِالْمَوْتِ لِاحْتِبَاسِ الدِّمَاءِ إنْ قُتِلَ بِغَيْرِ جَارِحٍ، أَوْ لِتَلَطُّخِهِ بِهَا إنْ قُتِلَ بِجَارِحٍ مَعَ قِيَامِ الْمُوجِبِ فَكَذَا الْوَاجِبُ قَبْلَهُ.

  56. وَلَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عُهْدَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ ثُبُوتِ التَّنَجُّسِ بِالْمَوْتِ وَبِالتَّلَطُّخِ وَإِلَّا لَرُتِّبَ مُقْتَضَاهُ، أَمَّا رَفْعُهَا لِنَجَاسَةٍ كَانَتْ قَبْلَهَا فَمَوْقُوفٌ عَلَى السَّمْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ إلَّا فِي نَجَاسَةِ الْحَدَثِ لِلْقَطْعِ إجْمَاعًا بِأَنَّهُ لَا يُوَضَّأُ شَهِيدٌ مَعَ الْعِلْمِ بِاسْتِلْزَامِ كُلِّ مَوْتٍ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَقَلُّهُ مَا يَحْصُلُ بِزَوَالِ الْعَقْلِ قُبَيْلَهُ،

  57. فَلَوْ بَقِيَ الْحَالُ عَلَى عَدَمِ السَّمْعِ لَكَفَى فِي إيجَابِ الْغُسْلِ فَكَيْفَ وَالسَّمْعُ يُوجِبُهُ، وَهُوَ مَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ حَنْظَلَةَ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُهُمَا سَقَطَ بِسُقُوطِ مَا وَجَبَ لِأَجْلِهِ.

  58. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُلْنَا فِي جَوَابِهِ لِمَ لَمْ يُشْرَعْ غُسْلُ الْجَنَابَةِ لِلْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ عز وجل وَعَلَا وَإِدْخَالِ الْقَبْرِ كَمَا كَانَ مَشْرُوعًا لِلْقِرَاءَةِ وَالْمَسِّ، وَقَدْ لَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِيَتَحَقَّقَ سُقُوطُهُ،

  59. فَإِنْ أَصْلَحُوا الْعِبَارَةَ قَالُوا سَقَطَ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ وَهِيَ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى فِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ دُفِعَ بِتَجْوِيزِ تِلْكَ الْفَائِدَةِ وَهِيَ الْعَرْضُ عَلَى الرَّبِّ ﷻ ، فَيَبْقَى الْوُجُوبُ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْمَوْتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ صِفَةَ تَعَلُّقِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى حَلِّ مَا لَا يَحِلُّ بِدُونِهِ حَالَةَ الْحَيَاةِ وَالْعَرْضِ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْغُسْلِ.

  60. وَالْحَقُّ أَنَّ الدَّافِعَ لَيْسَ إلَّا بِالنَّصِّ، وَهُوَ حَدِيثُ حَنْظَلَةَ لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا هَذَا بِأَنَّ الْوُجُوبَ قَبْلَ الْمَوْتِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وَبَعْدَهُ بِغَيْرِهِ فَهُوَ غَيْرُهُ، أَوْ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ فَنَرْجِعُ فِي إيجَادِهِمْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ إلَى حَدِيثِ حَنْظَلَةَ:

  61. فَإِنْ قَالُوا: هُوَ إنَّمَا يُفِيدُ إرَادَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَكْرِيمَهُ لَا أَنَّهُ وَاجِبٌ وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ بِفِعْلِ غَيْرِ الْآدَمِيِّينَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِمْ. قُلْنَا: كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ تَعْلِيمٍ لِلْوُجُوبِ وَإِفَادَتِهِ لَهُ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ مَا الْمَقْصُودُ بِهِ الْفِعْلُ،

  62. بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ، كَغُسْلِ الْمَلَائِكَةِ آدَمَ عليه السلام سَقَطَ بِفِعْلِهِمْ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ إفَادَةِ الْوُجُوبِ مَعَ كَوْنِ الْمَقْصُودِ نَفْسَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يَسْقُطْ مَا بَعْدَهُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ.

  63. وَأَمَّا مُعَارَضَتُهُ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَلَا

  64. وَالنُّفَسَاءُ إذَا طَهُرَتَا وَكَذَا قَبْلَ الِانْقِطَاعِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيّ لَهُمَا أَنَّ الصَّبِيَّ أَحَقُّ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ.

  65. تُغَسِّلُوهُمْ» فَلَيْسَ بِدَافِعٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَيَيْنِ لَيْسَ حَنْظَلَةُ مِنْهُمْ،

  66. وَلَوْ كَانَ فِي الْكُلِّ وَهُوَ مِنْهُمْ كَانَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَانَ جُنُبًا لِأَنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَ مِنْ زَوْجَتِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِغُسْلِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ عَلَى مَا يُفِيدُهُ نَصُّ حَدِيثِهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَقَدْ قُتِلَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الثَّقَفِيُّ: إنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ عليهم السلام ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ يَعْنِي زَوْجَتَهُ، وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَكَانَ قَدْ بَنَى بِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا كَأَنَّ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ وَأُغْلِقَ دُونَهُ فَعَرَفْت أَنَّهُ مَقْتُولٌ مِنْ الْغَدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ دَعَتْ بِأَرْبَعَةٍ مِنْ قَوْمِهَا فَأَشْهَدَتْهُمْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ.

  67. ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَزَادَ «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنِّي رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِمَاءِ الْمُزْنِ فِي صِحَافِ الْفِضَّةِ» قَالَ أَبُو أُسَيْدَ: «ذَهَبْنَا إلَيْهِ فَوَجَدْنَاهُ يَقْطُرُ رَأْسُهُ دَمًا، فَرَجَعْتُ فَأَخْبَرْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » الْحَدِيثَ.

  68. وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلسَّرَقُسْطِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ خَرَجَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ وَقَدْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمْ يَغْتَسِلْ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَسَقَطَ أَبُو سُفْيَانَ عَنْ فَرَسِهِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ حَنْظَلَةُ وَقَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ يَذْبَحُهُ فَمَرَّ بِهِ جَعْوَنَةُ بْنُ شَعُوبٍ الْكِنَانِيُّ فَاسْتَغَاثَ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ فَحَمَلَ عَلَى حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:

  69. لَأَحْمِيَنَّ صَاحِبِي وَنَفْسِي … بِطَعْنَةٍ مِثْلِ شُعَاعِ الشَّمْسِ

  70. وَفِي الْوَاقِدِيِّ سَمَّى الْقَاتِلَ الْأَسْوَدَ بْنَ شَعُوبَ (قَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ) احْتِرَازٌ عَنْ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ وَاجِبًا عَلَيْهِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ إذْ لَا يَجِبُ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ.

  71. وَجْهُ الْمُخْتَارَةِ أَنَّ الدَّمَ مُوجِبٌ لِلِاغْتِسَالِ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ، وَقَدْ حَصَلَ الِانْقِطَاعُ بِالْمَوْتِ،

  72. وَلَا بُدَّ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْجُنُبِ إذْ قَدْ صَارَ أَصْلًا مُعَلَّلًا بِالْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ (قَوْلُهُ: إنَّ الصَّبِيَّ أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ) وَهِيَ سُقُوطُ الْغُسْلِ،

  73. فَإِنَّ سُقُوطَهُ لِإِبْقَاءِ أَثَرِ الْمَظْلُومِيَّةِ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ أَوْلَى بِذَلِكَ لِأَنَّ مَظْلُومِيَّتَهُ أَشَدُّ حَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا: خُصُومَةُ الْبَهِيمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ مِنْ خُصُومَةِ الْمُسْلِمِ (قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنَّ السَّيْفَ إلَخْ) حَاصِلُهُ إمَّا إبْدَاءُ قَيْدٍ زَائِدٍ فِي الْعِلِّيَّةِ فَإِنَّهُمَا عَلَّلَا السُّقُوطَ إيفَاءَ أَثَرِ الْمَظْلُومِيَّةِ فَقَالَ هُوَ

  74. وَلَهُ أَنَّ السَّيْفَ كَفَى عَنْ الْغُسْلِ فِي حَقِّ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِوَصْفِ كَوْنِهِ طُهْرَةً،

  75. وَلَا ذَنْبَ عَلَى الصَّبِيِّ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُمْ

  76. (وَلَا يُغْسَلُ عَنْ الشَّهِيدِ دَمُهُ،

  77. وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ) لِمَا رَوَيْنَا (وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالسِّلَاحُ وَالْخُفُّ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ (وَيَزِيدُونَ وَيُنْقِصُونَ مَا شَاءُوا) إتْمَامًا لِلْكَفَنِ

  78. قَالَ (وَمَنْ اُرْتُثَّ غُسِّلَ) وَهُوَ مَنْ صَارَ خَلْفًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِنَيْلِ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخِفُّ أَثَرُ الظُّلْمِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ (وَالِارْتِثَاثُ: أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يُدَاوَى أَوْ يُنْقَلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا) لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ.

  79. وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ مَاتُوا عَطَاشَى وَالْكَأْسُ تُدَارُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا خَوْفًا مِنْ نُقْصَانِ الشَّهَادَةِ، إلَّا إذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ كَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ، لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ،

  80. وَلَوْ آوَاهُ فُسْطَاطٌ أَوْ خَيْمَةٌ كَانَ مُرْتَثًّا لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ بَقِيَ حَيًّا حَتَّى مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ فَهُوَ

  81. الْعِلَّةُ إبْقَاءُ أَثَرِهَا بِجَعْلِ الْقَتْلِ طُهْرَةً، أَيْ جَعْلِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ طُهْرَةً عَنْ الذُّنُوبِ إبْقَاءً لِأَثَرِ الظُّلْمِ،

  82. وَلَا ذَنْبَ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ تَأْثِيرُ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِ لِهَذَا الْحُكْمِ،

  83. وَأَمَّا مَنْعُ الْعِلَّةِ وَتَعْيِينُهَا مُجَرَّدُ جَعْلِ الشَّهَادَةِ طُهْرَةً إكْرَامًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَوْلُهُ أَوْلَى لِاتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّكْرِيمِ فِي إسْقَاطِ الْغُسْلِ بِالْقَتْلِ، وَالتَّكْرِيمُ فِي جَعْلِ الْقَتْلِ طُهْرَةً مِنْ الذُّنُوبِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي إبْقَاءِ أَثَرِ الظُّلْمِ أَوْ هُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُ أَصْلًا

  84. (قَوْلُهُ وَيُزِيدُونَ وَيُنْقِصُونَ مَا شَاءُوا) أَيْ يُزِيدُونَ إذَا كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْكَفَنِ أَوْ نَاقِصًا عَنْ الْعَدَدِ الْمَسْنُون. وَيُنْقِصُونَ إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِ

  85. (قَوْلُهُ: لِنَيْلِ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ خَلْفًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ، وَحُكْمُ الشَّهَادَةِ أَنْ لَا يُغَسَّلَ، وَقَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ خَلْفًا فِي نَفْسِ الشَّهَادَةِ بَلْ هُوَ شَهِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ إلَخْ) كَوْنُ هَذَا وَقَعَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ.

  86. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيِّ قَالَ: انْطَلَقْت يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَطْلُبُ ابْنَ عَمِّي وَمَعَهُ شَنَّةُ مَاءٍ فَقُلْت: إنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْته وَمَسَحْت وَجْهَهُ،

  87. فَإِذَا بِهِ يَنْشُدُ، فَقُلْت أَسْقِيك؟ فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ،

  88. فَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ آهِ، فَأَشَارَ ابْنُ عَمِّي أَنْ انْطَلِقْ بِهِ إلَيْهِ فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَخُو عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَأَتَيْته فَقُلْت أَسْقِيك؟ فَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ آهِ فَأَشَارَ هِشَامُ أَنْ انْطَلِقْ إلَيْهِ فَجِئْته فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْت إلَى هِشَامٍ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْت إلَى ابْنِ عَمِّي فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ.

  89. وَأَسْنَدَ هُوَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَعِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ أُثْبِتُوا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَدَعَا الْحَارِثُ بِمَاءٍ يَشْرَبُهُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ عِكْرِمَةُ فَقَالَ ارْفَعُوهُ إلَى عِكْرِمَةَ، فَرَفَعُوهُ إلَيْهِ فَنَظَرَ إلَيْهِ عَيَّاشُ فَقَالَ عِكْرِمَةُ ارْفَعُوهُ إلَى عَيَّاشٍ، فَمَا وَصَلَ إلَى عَيَّاشٍ وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى مَاتُوا وَمَا ذَاقُوا (قَوْلُهُ أَوْ يَمْضِي عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ) أَيْ وَيَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا حَتَّى يَجِبَ الْقَضَاءُ، كَذَا قَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

  90. وَفِيهِ إفَادَةٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَدَاءِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ،

  91. فَإِنْ أَرَادَ إذَا لَمْ

  92. مُرْتَثٌّ) لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَحْيَاءِ. قَالَ: وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ،

  93. وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ كَانَ ارْتِثَاثًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْأَمْوَاتِ

  94. (وَمَنْ وُجِدَ قَتِيلًا فِي الْمِصْرِ غُسِّلَ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ فَخَفَّ أَثَرُ الظُّلْمِ (إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ وَالْقَاتِلُ لَا يَتَخَلَّصُ عَنْهَا ظَاهِرًا، إمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ الْعُقْبَى. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَا لَا يَلْبَثُ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ وَيُعْرَفُ فِي الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

  95. يَقْدِرْ لِلضَّعْفِ مَعَ حُضُورِ الْعَقْلِ فَكَوْنُهُ يَسْقُطُ بِهِ الْقَضَاءُ قَوْلُ طَائِفَةٍ، وَالْمُخْتَارُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ،

  96. وَإِنْ أَرَادَ لِغَيْبَةِ الْعَقْلِ فَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَمَتَى يَسْقُطُ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْأَدَاءِ مِنْ الْجَرِيحِ (قَوْلُهُ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) فِي الْكَافِي أَوْ عَاشَ مَكَانَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ إذْ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَيًّا يَوْمًا كَامِلًا أَوْ لَيْلَةً.

  97. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا يُغَسَّلُ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَحْيَاءِ.

  98. وَعَنْهُ إنْ عَاشَ بَعْدَ الْجُرْحِ أَكْثَرَ الْيَوْمِ أَوْ أَكْثَرَ اللَّيْلَةِ يُغَسَّلُ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) قِيلَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِأُمُورِ الدُّنْيَا، أَمَّا بِأُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا يَكُونُ مُرْتَثًّا اتِّفَاقًا.

  99. وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْوَصِيَّةِ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَفِي أُمُورِ الدُّنْيَا يَكُونُ مُرْتَثًّا اتِّفَاقًا.

  100. وَقِيلَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا، فَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا كَانَتْ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَمُحَمَّدٌ لَا يُخَالِفُهُ. وَجَوَابُ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا كَانَتْ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُخَالِفُهُ فِيهَا.

  101. وَمِنْ الِارْتِثَاثِ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ،

  102. بِخِلَافِ الْقَلِيلِ فَإِنَّ مِمَّنْ شَهِدَ أُحُدًا مَنْ تَكَلَّمَ كَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ،

  103. وَأَمَّا قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا يَكُونُ مُرْتَثًّا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا

  104. (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا) أَيْ وَيُعْلَمُ قَاتِلُهُ عَيْنًا، أَمَّا مُجَرَّدُ وِجْدَانِهِ مَذْبُوحًا لَا يَمْنَعُ غُسْلَهُ وَقَدْ يُسْتَفَادُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِصَاصُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عَلَى الْقَاتِلِ الْمُعَيَّنِ، هَذَا

  105. (وَمَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بَاذِلٌ نَفْسَهُ لِإِيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِمْ

  106. (وَمَنْ قُتِلَ مِنْ الْبُغَاةِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْبُغَاةِ.

المالكية
كتاب آخر
الرسالةابن أبي زيد القيرواني، ٥٥ مسألة
  1. وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه.

  2. ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر. وإغماضه إذا قضى ويلقن لا إله إلا الله عند الموت

  3. وإن قدر على أن يكون طاهرا وما عليه طاهر فهو أحسن

  4. ويستحب أن لا يقربه حائض

  5. ولا جنب وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به

  6. ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع وينهى عن الصراخ والنياحة وليس في غسل الميت حد ولكن ينقى ويغسل وترا بماء وسدر ويجعل في الأخيرة كافور وتستر عورته

  7. ولا تقلم أظفاره ولا يحلق شعره ويعصر بطنه عصرا رفيقا

  8. وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن وليس بواجب ويقلب لجنبه في الغسل أحسن

  9. وإن أجلس فذلك واسع

  10. ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة والمرأة تموت في السفر لا نساء معها

  11. ولا محرم من الرجال فلييمم رجل وجهها وكفيها

  12. ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين إن لم يكن معهن رجل يغسله

  13. ولا امرأة من محارمه

  14. فإن كانت امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته

  15. وإن كان مع الميتة ذو محرم غسلها من فوق ثوب يستر جميع جسدها

  16. ويستحب أن يكفن الميت في وتر ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة وما جعل له من وزرة وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر وقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية أدرج فيها إدراجا صلى الله عليه وسلم

  17. ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم وينبغي أن يحنط ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه

  18. ولا يغسل الشهيد في المعترك

  19. ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه ويصلى على قاتل نفسه ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود

  20. ولا يصلي عليه الإمام

  21. ولا يتبع الميت بمجمر والمشي أمام الجنازة أفضل ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن وينصب عليه اللبن ويقول حينئذ اللهم إن صاحبنا قد نزل بك وخلف الدنيا وراء ظهره وافتقر إلى ما عندك اللهم ثبت عند المسألة منطقه

  22. ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به وألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم

  23. ويكره البناء على القبور وتجصيصها

  24. ولا يغسل المسلم أباه الكافر

  25. ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق وهو أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر وذلك إذا كانت تربة صلبة لا تتهيل

  26. ولا تتقطع وكذلك فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

  1. والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات يرفع يديه في أولاهن

  2. وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس

  3. وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم

  4. وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه ويقف الإمام في الرجل عند وسطه وفي المرأة عند منكبيها والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفية للإمام والمأموم وفي الصلاة على الميت قيراط من الأجر وقيراط في حضور دفنه وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود وذلك

  5. كله واسع ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول الحمد لله الذي أمات وأحيا والحمد لله الذي يحيي الموتى له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والسناء وهو على كل شيء قدير اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته

  6. وأنت أمته وأنت تحييه وأنت أعلم بسره وعلانيته جئناك شفعاء له فشفعنا فيه اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة اللهم قه من فتنة القبر

  7. ومن عذاب جهنم اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه

  8. وإن كان مسيئا فتجاوز عنه اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه اللهم ثبت عند المسألة منطقه

  9. ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به اللهم لا تحرمنا أجره

  10. ولا تفتنا بعده تقول هذا بإثر كل تكبيرة وتقول بعد الرابعة اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان

  11. ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام وأسعدنا بلقائك وطيبنا للموت وطيبه لنا واجعل فيه راحتنا ومسرتنا ثم تسلم

  12. وإن كانت امرأة قلت اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث غير أنك لا تقول وأبدلها زوجا خيرا من زوجها لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة

  13. ولا يكون للمرأة أزواج

  14. ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء

  15. وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام وجعل من دونه النساء والصبيان من وراء ذلك إلى القبلة

  16. ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب إلى الإمام أفضلهم

  17. وأما دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة

  18. ومن دفن ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره

  19. ولا يصلى على من قد صلي عليه ويصلى على أكثر الجسد واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل

  1. تثني على الله تبارك وتعالى وتصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم تقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه اللهم فاجعله لوالديه سلفا وذخرا وفرطا وأجرا وثقل به موازينهم وأعظم به أجورهم

  2. ولا تحرمنا وإياهم أجره

  3. ولا تفتنا وإياهم بعده اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وعافه من فتنة القبر

  4. ومن عذاب جهنم تقول ذلك في كل تكبيرة وتقول بعد الرابعة اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ولمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان

  5. ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ثم تسلم

  6. ولا يصلى على من لم يستهل صارخا

  7. ولا يرث ولا يورث

  8. ويكره أن يدفن السقط في الدور

  9. ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين أو سبع

  10. ولا يغسل الرجال الصبية واختلف فيها إن كانت لم تبلغ أن تشتهى والأول أحب إلينا.

الشافعية
كتاب آخر
منهاج الطالبينالنووي، ٢٣٨ مسألة
كتاب الجنائز٢٣٨ مسألة
  1. ليكثر ذكر الموت

  2. ويستعد بالتوبة ورد المظالم

  3. والمريض آكد

  4. ويضجع المحتضر لجنبه الأيمن إلى القبلة على الصحيح

  5. فإن تعذر لضيق مكان ونحوه ألقي على قفاه ووجه وأخمصاه للقبلة

  6. ويلقن الشهادة بلا إلحاح

  7. ويقرأ عنده يس

  8. وليحسن ظنه بربه سبحانه وتعالى

  9. فإذا مات غمض

  10. وشد لحياه بعصابة

  11. ولينت مفاصله

  12. وستر جميع بدنه بثوب خفيف

  13. ووضع على بطنه شيء ثقيل:

  14. ووضع على سرير ونحوه

  15. ونزعت ثيابه

  16. ووجه للقبلة كمحتضر

  17. ويتولى ذلك أرفق محارمه

  18. ويبادر بغسله إذا تيقن موته

  19. وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فروض كفاية

  20. وأقل الغسل تعميم بدنه بعد إزالة النجس

  21. ولا تجب نية الغاسل في الأصح فيكفي غرقه أو غسل كافر.

  22. قلت: الصحيح المنصوص وجوب غسل الغريق والله أعلم

  23. والأكمل وضعه بموضع خال مستور على لوح

  24. ويغسل في قميص بماء بارد

  25. ويجلسه الغاسل على المغتسل مائلا إلى ورائه ويضع يمينه على كتفه وإبهامه في نقرة قفاه ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى ويمر يساره على بطنه إمرارا بليغا ليخرج ما فيه

  26. ثم يضجعه لقفاه ويغسل بيساره وعليها خرقة سوأتية

  27. ثم يلف أخرى ويدخل أصبعه فمه ويمرها على أسنانه

  28. ويزيل ما في منخريه من أذى

  29. ويوضئه كالحي

  30. ثم يغسل رأسه ثم لحيته بسدر ونحوه ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق ويرد المنتف إليه

  31. ويغسل شقه الأيمن ثم الأيسر

  32. ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا والظهر إلى القدم ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك فهذه غسلة

  33. ويستحب ثانية وثالثة

  34. وأن يستعان في الأولى بسدر أو خطمى ثم يصب ماء قراح من فرقه إلى قدمه بعد زوال السدر

  35. وأن يجعل في كل غسلة قليل كافور

  36. ولو خرج بعده نجس وجب إزالته فقط

  37. وقيل: مع الغسل إن خرج من الفرج

  38. وقيل: الوضوء

  39. ويغسل الرجل الرجل والمرأة المرأة

  40. ويغسل أمته وزوجته وهي زوجها

  41. ويلفان خرقة ولا مس

  42. فإن لم يحضر إلا أجنبي أو أجنبية يمم في الأصح

  43. وأولى الرجال به أولا لهم بالصلاة

  44. وبها قراباتها ويقدمن على زوج في الأصح

  45. وأولاهن ذات محرمية ثم الأجنبية ثم رجال القرابة كترتيب صلاتهم.

  46. قلت: إلا ابن العم ونحوه فكالأجنبي والله أعلم

  47. ويقدم عليهم الزوج في الأصح

  48. ولا يقرب المحرم طيبا

  49. ولا يؤخذ شعره وظفره

  50. وتطيب المحدة في الأصح

  51. والجديد أنه لا يكره في غير المحرم أخذ ظفره وشعر إبطه وعانته وشاربه.

  52. قلت: الأظهر كراهته. والله أعلم.

  53. فصل

  54. يكفن بما له لبسه حيا

  55. وأقله ثوب

  56. ولا تنفذ وصيته بإسقاطه

  57. والأفضل للرجل ثلاثة

  58. ويجوز رابع وخامس

  59. ولها خمسة

  60. ومن كفن منهما بثلاثة فهي لفائف

  61. وإن كفن في خمسة زيد قميص وعمامة تحتهن

  62. وإن كفنت في خمسة فإزار وخمار وقميص ولفافتان

  63. وفي قول ثلاث لفائف وإزار وخمار

  64. ويسن الأبيض

  65. ومحله أصل التركة

  66. فإن لم يكن فعلى من عليه نفقته من قريب وسيد

  67. وكذا الزوج في الأصح

  68. ويبسط أحسن اللفائف وأوسعها والثانية فوقها وكذا الثالثة

  69. ويذر على كل واحدة حنوط

  70. ويوضع الميت فوقها مستلقيا وعليه حنوط وكافور

  71. ويشد ألياه ويجعل على منافذ بدنه قطن

  72. ويلف عليه اللفائف وتشد

  73. فإذا وضع في قبره نزع الشداد

  74. ولا يلبس المحرم الذكر محيطا

  75. ولا يستر رأسه

  76. ولا وجه المحرمة

  77. وحمل الجنازة بين العمودين أفضل من التربيع في الأصح

  78. وهو أن يضع الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ورأسه بينهما ويحمل المؤخرتين رجلان

  79. والتربيع أن يتقدم رجلان ويتأخر آخران

  80. والمشي أمامها بقربها أفضل

  81. ويسرع بها إن لم يخف تغيره.

  82. فصل

  83. لصلاته أركان أحدها: النية

  84. ووقتها كغيرها

  85. وتكفي نية الفرض

  86. وقيل: تشترط نية فرض كفاية

  87. ولا يجب تعيين الميت

  88. فإن عين وأخطأ بطلت

  89. وإن حضر موتى نواهم.

  90. الثاني: أربع تكبيرات

  91. فإن خمس لم تبطل في الأصح

  92. ولو خمس إمامه لم يتابعه في الأصح بل يسلم أو ينتظره ليسلم معه.

  93. الثالث: السلام كغيرها.

  94. الرابع: قراءة الفاتحة بعد الأولى.

  95. قلت: تجزىء الفاتحة بعد غير الأولى. والله أعلم.

  96. الخامس: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الثانية

  97. والصحيح أن الصلاة على الآل لا تجب.

  98. السادس: الدعاء للميت بعد الثالثة

  99. السابع: القيام على المذهب إن قدر

  100. ويسن رفع يديه في التكبيرات

  101. وإسرار القراءة

  102. وقيل: يجهر ليلا

  103. والأصح ندب التعوذ دون الإفتتاح

  104. ويقول في الثالثة: اللهم هذا عبدك وابن عبديك إلى آخره

  105. ويقدم عليه اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان

  106. ويقول في الطفل مع هذا الثاني اللهم اجعله فرطا لأبويه وسلفا وذخرا وعظة واعتبار وشفيعا وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما

  107. وفي الرابعة اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده

  108. ولو تخلف المقتدي بلا عذر فلم يكبر حتى كبر إمامه أخرى بطلت صلاته

  109. ويكبر المسبوق ويقرأ الفاتحة وإن كان الإمام في غيرها

  110. فلو كبر الإمام أخرى قبل شروعه في الفاتحة كبر معه وسقطت القراءة

  111. وإن كبرها وهو في الفاتحة تركها وتابعه في الأصح

  112. وإذا سلم الإمام تدارك المسبوق باقي التكبيرات بأذكارها

  113. وفي قول لا يشترط الأذكار

  114. ويشترط شروط الصلاة لا الجماعة

  115. ويسقط فرضها بواحد

  116. وقيل: يجب اثنان

  117. وقيل: ثلاثة

  118. وقيل: أربعة

  119. ولا يسقط بالنساء وهناك رجال في الأصح

  120. ويصلى على الغائب عن البلد

  121. ويجب تقديمها على الدفن

  122. وتصح بعده

  123. والأصح تخصيص الصحة بمن كان من أهل فرضها وقت الموت

  124. ولا يصلي على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال.

  125. فرع:

  126. الجديد أن الوالي أولى بإمامتها من الوالي

  127. فيقدم الأب ثم الجد وإن علا ثم الابن ثم ابنه ثم الأخ

  128. والأظهر تقديم الأخ لأبوين على الأخ لأب

  129. ثم ابن الأخ لأبوين ثم لأب ثم العصبة على ترتيب الإرث ثم ذووا الأرحام

  130. ولو اجتمعا في درجة فالأسن العدل أولى على النص

  131. ويقدم الحر البعيد على العبد القريب

  132. ويقف عند رأس الرجل وعجزها

  133. وتجوز على الجنائز صلاة

  134. وتحرم على الكافر

  135. ولا يجب غسله

  136. والأصح وجوب تكفين الذمي ودفنه

  137. ولو وجد عضو مسلم علم بموته صلى الله

  138. والسقط إن استهل أو بكى ككبير

  139. وإلا فإن ظهرت أمارة الحياة كاختلاج صلى عليه في الأظهر

  140. وإن لم تظهر ولم يبلغ أربعة أشهر لم يصل عليه

  141. وكذا إن بلغها في الأظهر

  142. ولا يغسل الشهيد

  143. ولا يصلى عليه

  144. وهو من مات في قتال الكفار بسببه

  145. فإن مات بعد انقضائه أو في قتال البغاة فغير شهيد في الأظهر

  146. وكذا في القتال لا بسببه على المذهب

  147. ولو استشهد جنب فالأصح أنه لا يغسل

  148. وأنه تزال نجاسته غير الدم

  149. ويكفن في ثيابه الملطخة بالدم

  150. فإن لم يكن ثوبه سابغا تمم.

  151. فصل

  152. أقل القبر حفرة تمنع الرائحة والسبع

  153. ويندب أن يوسع ويعمق قامة وبسطة

  154. واللحد أفضل من الشق إن صلبت الأرض

  155. ويوضع رأسه عند رجل القبر

  156. ويسل من قبل رأسه برفق

  157. ويدخله القبر الرجال

  158. وأولاهم الأحق بالصلاة.

  159. قلت: إلا أن تكون امرأة مزوجة فأولاهم الزوج والله أعلم

  160. ويكونون وترا

  161. ويوضع في اللحد على يمينه للقبلة

  162. ويسند وجهه إلى جداره وظهره بلبنة ونحوها

  163. ويسد فتح اللحد بلبن

  164. ويحثو من دنا ثلاث حثيات تراب

  165. ثم يهال بالمساحي

  166. ويرفع القبر شبرا فقط

  167. والصحيح أن تسطيحه أولى من تسنيمه

  168. ولا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة فيقدم أفضلهما

  169. ولا يجلس على القبر

  170. ولا يوطأ

  171. ويقرب زائره كقربه منه حيا

  172. والتعزية سنة قبل دفنه وبعده ثلاثة أيام

  173. ويعزى المسلم بالمسلم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك

  174. وبالكافر أعظم الله أجرك وصبرك

  175. والكافر بالمسلم غفر الله لميتك وأحسن عزاءك

  176. ويجوز البكاء عليه قبل الموت وبعده

  177. ويحرم الندب بتعديد شمائله

  178. والنوح

  179. والجزع بضرب صدره ونحوه.

  180. قلت: هذه مسائل منثورة

  181. يبادر بقضاء دين الميت ووصيته

  182. ويكره تمني الموت لضر نزل به إلا لفتنة دين

  183. ويسن التداوي

  184. ويكره إكراهه عليه

  185. ويجوز لأهل الميت ونحوهم تقبيل وجهه

  186. ولا بأس بالإعلام بموته للصلاة وغيرها بخلاف نعي الجاهلية

  187. ولا ينظر الغاسل من بدنه إلا قدر الحاجة من غير العورة

  188. ومن تعذر غسله يمم

  189. ويغسل الجنب والحائض الميت بلا كراهة

  190. وإذا ما غسلا غسلا واحد فقط

  191. وليكن الغاسل أمينا

  192. فإن رأى خيرا ذكره أو غيره حرم ذكره إلا لمصلحة

  193. ولو تنازع أخوان أو زوجتان أقرع

  194. والكافر أحق بقريبه الكافر

  195. ويكره الكفن المعصفر

  196. والمغالاة فيه

  197. والمغسول أولى من الجديد

  198. والصبي كبالغ في تكفينه بأثواب

  199. والحنوط مستحب

  200. وقيل: واجب

  201. ولا يحمل الجنازة إلا الرجال وإن كانت أنثى

  202. ويحرم حملها على هيئة مزرية وهيئة يخاف منها سقوطها

  203. ويندب للمرأة ما يسترها كتابوت

  204. ولا يكره الركوب في الرجوع منها

  205. ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر

  206. ويكره اللغط في الجنازة

  207. وإتباعها بنار

  208. ولو اختلط مسلمون بكفار وجب غسل الجميع والصلاة

  209. فإن شاء صلى على الجميع بقصد المسلمين وهو الأفضل والمنصوص أو على واحد فواحد ناويا الصلاة عليه إن كان مسلما ويقول اللهم اغفر له إن كان مسلما

  210. ويشترط لصحة الصلاة تقدم غسله

  211. وتكره قبل تكفينه

  212. فلو مات بهدم ونحوه وتعذر إخراجه وغسله لم يصل عليه

  213. ويشترط أن لا يتقدم على الجنازة الحاضرة ولا القبر على المذهب فيهما

  214. وتجوز الصلاة عليه في المسجد

  215. ويسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر

  216. وإذا صلى عليه فحضر من لم يصل صلى

  217. ومن صلى لا يعيد على الصحيح

  218. ولا تؤخر لزيادة مصلين

  219. وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة

  220. ولو نوى الإمام صلاة غائب والمأموم صلاة حاضر أو عكس جاز

  221. والدفن بالمقبرة أفضل

  222. ويكره المبيت بها

  223. ويندب ستر القبر بثوب وإن كان رجلا

  224. وأن يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم

  225. ولا يفرش تحته شيء ولا مخدة

  226. ويكره دفنه في تابوت إلا في أرض ندية أو رخوة

  227. ويجوز الدفن ليلا ووقت كراهة الصلاة إذا لم يتحره

  228. وغيرهما أفضل

  229. ويكره تجصيص القبر والبناء والكتابة عليه

  230. ولو بنى في مقبرة مسبلة هدم

  231. ويندب أن يرش القبر بماء ويوضع عليه حصى وعند رأسه حجر أو خشبة

  232. وجمع الأقارب في موضع

  233. وزيادة القبور للرجال

  234. وتكره للنساء

  235. وقيل: تحرم

  236. وقيل: تباح

  237. ويسلم الزائر ويقرأ ويدعو

  238. ويحرم نقل الميت إلى بلد آخر

  239. وقيل: يكره إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس نص عليه

  240. ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا لضرورة بأن دفن بلا غسل أو في أرض أو ثوب مغصوبين أو وقع فيه مال أو دفن لغير القبلة لا للتكفين في الأصح

  241. ويسن أن يقف جماعة بعد دفنه عند قبره ساعة يسألون له التثبت

  242. ولجيران أهله تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم ويلح عليهم في الأكل

  243. ويحرم تهيئته للنائحات. والله أعلم.

الحنابلة
كتاب آخر
مختصر الخرقيالخرقي، ٥٧ مسألة
  1. وإذا تيقن الموت وجه إلى القبلة. وغمضت عيناه. وشد لحياه، لئلا يسترخي فكه. وجعل على بطنه مرآة أو غيرها، لئلا يعلو بطنه.

  2. وإذا أخذ في غسله ستر من سرته إلى ركبته. والاستحباب أن لا يغسل تحت السماء.

  3. ولا يحضره إلا من يعين في أمره ما دام يغسل. ويلين مفاصله إن سهلت عليه وإلا تركها. ويلف على يده خرقة فينقي ما به من نجاسة. ويعصر بطنه عصرا رفيقا. ويوضئه وضوءه للصلاة.

  4. ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه فإن كان فيهما، أذى أزاله بخرقة. ويصب عليه الماء، فيبدأ بميامنه، ويقلبه على جنبيه، ليعم الماء سائر جسده.

  5. ويكون في كل المياه شيء من السدر، ويضرب [السدر] فيغسل برغوته رأسه ولحيته. ويستعمل في كل أموره الرفق به. والماء الحار، والأشنان، والخلال، يستعمل إن احتيج إليه. ويغسل الثالثة بماء فيه كافور وسدر،

  6. ولا يكون فيه سدر صحيح.

  7. فإن خرج منه شيء غسله إلى خمس،

  8. فإن زاد فإلى سبع.

  9. فإن زاد حشاه بالقطن.

  10. فإن لم يستمسك فبالطين الحر. وينشفه بثوب. وتجمر أكفانه. ويكفن من ثلاثة أثواب، يدرج فيها إدراجا. ويجعل الحنوط فيها بينها.

  11. وإن كفن في قميص، ومئزر، ولفافة، جعل المئزر مما يلي جلده، ولم يزر. ويجعل الذريرة في مفاصله، ويجعل الطيب في مواضع السجود والمغابن، ويفعل به كما يفعل بالعروس.

  12. ولا يجعل في عينيه كافورا.

  13. وإن أحب أهله أن يروه لم يمنعوا.

  14. وإن خرج منه شيء يسير وهو في أكفانه لم يعد إلى الغسل. وحمل. والمرأة تكفن في خمسة أثواب، قميص ومئزر، ولفافة، ومقنعة، وخامسة تشد بها فخذاها.

  15. ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل من خلفها. والمشي بالجنازة الإسراع. والمشي أمامها أفضل. والتربيع أن توضع على كتفه اليمنى إلى الرجل،

  16. ثم الكتف اليسرى إلى الرجل. وأحق الناس بالصلاة عليه من أوصى أن يصلي عليه.

  17. ثم الأمير. ثم الأب وإن علا،

  18. ثم الابن وإن سفل،

  19. ثم أقرب العصبة. والصلاة عليه يكبر الأولى،

  20. ثم يقرأ الحمد لله،

  21. ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما يصلي عليه في التشهد، ويكبر الثالثة ويدعو لنفسه، ولوالديه، ويدعو للمسلمين، ويدعو للميت،

  22. وإن أحب أن يقول: اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، إنك على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام،

  23. ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم إنه عبدك، وابن أمتك، نزل بك، وأنت خير منزول به،

  24. ولا نعلم إلا خيرا، اللهم إن كان محسنا فجازه بإحسانه،

  25. وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجره،

  26. ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله. ويكبر الرابعة. ويرفع يديه مع كل تكبيرة. ويقف قليلا. ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه.

  27. ومن فاته شيء من التكبير قضاه متتابعا.

  28. فإن سلم مع الإمام ولم يقض فلا بأس. ويدخل القبر من عند رجليه، إن كان أسهل عليهم. والمرأة يخمر قبرها بثوب. ويدخلها محرمها. فإن لم يكن فالنساء.

  29. فإن لم يكن فالمشايخ.

  30. ولا يشق الكفن في القبر، وتحل العقد حلا.

  31. ولا يدخل القبر آجرا،

  32. ولا خشبا، ولا شيئا مسته النار.

  33. ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر.

  34. وإن كبر الإمام خمسا كبر بتكبيره. والإمام يقوم عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة.

  35. ولا يصلى على القبر بعد شهر.

  36. وإن تشاح الورثة في الكفن جعل بثلاثين درهما،

  37. فإن كان موسرا. فبخمسين. والسقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه.

  38. وإن لم يتبين أذكر هو أم أثنى سمي اسما يصلح للذكر والأنثى. وتغسل المرأة زوجها.

  39. وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس. والشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل، ولم يصل عليه، ودفن في ثيابه.

  40. وإن كان عليه شيء من الجلود أو السلاح نحي عنه.

  41. وإن حمل وبه رمق غسل وصلي عليه. والمحرم يغسل بماء وسدر،

  42. ولا يقرب طيبا، ويكفن في ثوبيه،

  43. ولا يغطى رأسه ولا رجلاه.

  44. وإن سقط من الميت شيء غسل وجعل معه في أكفانه.

  45. وإن كان شاربه طويلا أخذ وجعل معه في أكفانه.

  46. ويستحب تعزية أهل الميت. والبكاء عليه غير مكروه، إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة.

  47. ولا بأس أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم،

  48. ولا يصلحون هم طعاما للناس. والمرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك،

  49. فلا يشق بطنها، وتسطو القوابل عليه فيخرجنه.

  50. وإذا حضرت الجنازة، وصلاة الفجر، بدئ بالجنازة.

  51. وإن حضرت وصلاة المغرب بدئ بالمغرب.

  52. ولا يصلي الإمام على الغال،

  53. ولا على من قتل نفسه.

  54. وإذا حضرت جنازة رجل وامرأة، وصبي، جعل الرجل مما يلي الإمام، والمرأة خلفه، والصبي خلفهما.

  55. وإن دفنوا في قبر واحد جعل الرجل مما يلي القبلة، والمرأة خلفه، والصبي خلفهما، ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب. ويخلع النعال إذا دخل المقابر.

  56. ولا بأس أن يزور الرجال المقابر.

  57. ويكره للنساء. والله أعلم.

في كتب الخلاف

الإجماعابن المنذرباب الوتر٨ مسائل
التجريدالقدوريلا كلام له في هذا الباب
المبسوطالسرخسيبَابُ الشَّهِيدِ، بَابُ حَمْلِ الْجِنَازَةِ، بَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ٢٣٩ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ أَحْكَامِ الْمَيِّتِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ وَبَعْدَهُ]، الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِيمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَبَعْدَهُ.، الْبَابُ الثَّانِي٢٣١ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الجنائز١٬٠٣٧ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»باب ما يفعل بالميت، باب غسل الميت، باب الكفن٩٥٨ سطرًا
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْجَنَائِزِ، فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ، فَصْلٌ فِي الْكَفَنِ٨٦٣ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريما يفعل بالمحتضر، مبحث ما يفعل بالميت قبل غسله، مبحث غسل الميت - حكمه٦٩٩ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف٢ - غسل الميت، * من يغسل الميت؟، * صفة الغسل المسنون للميت:٢٤١ مسألة

عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الجنائز