وعمل مستكثر عادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه
الشروح عليها
(وعمل) في الصلاة متواليا (مستكثر عادة من غير جنس الصلاة) كالمشي واللبس ولف العمامة (يبطلها عمده وسهوه) وجهله إن لم يكن ضرورة وتقدم،
لا زيادة له على هذه المسألة.
جنس الصلاة (١) ) كالمشي واللبس ولف العمامة وكالخياطة والكتابة، لما لم يكن من جنسها، هذا إذا كثر وإلا فلا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«وعَمَلٌ مستكثرٌ عادةً». «عمل» مبتدأ، «ومُستكثر» صفة له، وقوله:«يبطلها» الجملة خبر المبتدأ.
وقوله:«عملٌ مستكثرٌ» أي: محكوم بكثرته،
ولو عَبَّرَ المؤلِّفُ بقوله:«كثير» لأغنى عن قوله مستكثر؛ لأن المعنى واحد.
«عادة» أي: في عادة النَّاس،
فإذا قال النَّاس: هذا العملُ كثيرٌ في الصَّلاة. فهذا مستكثر عادةً،
وإن قالوا: هذا عملٌ يسيرٌ. فهو يسير. إذاً؛ ليس لهذا ضابطٌ شرعيٌّ، بل هو راجع إلى العادة.
فإذا قال قائل: كيف نرجع إلى العادة في أمرٍ تعبُّدي؟
فالجواب: نعم؛ نرجع إلى العادة؛ لأن الشرع لم يحدِّدْ ذلك.
فلم يقل الشَّارعُ مثلاً: مَنْ تحرَّك في صلاته ثلاث مرَّاتٍ؛ فصلاتُه باطلة. ولم يقل: مَن تحرَّك أربعاً فصلاتُه باطلة. ولم يقل: من تحرَّك اثنتين فصلاتُه باطلة. إذاً؛ يُرجع إلى العُرف،
فإذا قال النَّاس: هذا عَمَلٌ ينافي الصَّلاة؛ بحيث مَن شاهد هذا الرَّجُل وحركاته؛ يقول: إنه لا يُصلِّي. حينئذٍ يكون مستَكْثَراً،
أما إذا قالوا: هذا يسيرٌ، فإنه لا يضرُّ،
ولنضربْ لذلك أمثلة:
لو كان مع الإِنسان وهو يُصلِّي صبيٌّ؛ فَحَمَله من أجل أن يُمسك عن الصِّياح فَيَسْلَم الصبيُّ من الأذى، ويُقْبِلَ هذا الرَّجلُ على صلاته؛ فَحَمَلَ الصبيَّ، وجعل إذا رَكَعَ وَضَعَه،
وإذا سَجَدَ وضعه، وإذا قام حمله. فعندنا عدَّة حركات، حركة الحَمْل، وحركة الرَّفع، وحركة الوضع، وربما نقول: وتَحمُّلُ الحِمْل؛ لأن الصبيَّ إذا كان كبيراً فَسيَثْقُلُ على المصلِّي، فكلُّ هذا نعتبره يسيراً لا يبطل الصلاة، لأنَّ مثله حَصَلَ من النبيِّ ﷺ.
مثال آخر: قَرَعَ عليه الباب رَجُلٌ، والباب قريب، فتقدَّم وهو مستقبل القِبْلة، أو تأخَّر وهو مستقبل القِبْلة، أو ذهب على اليمين وهو مستقبل القِبْلة، أو على اليسار وهو مستقبل القِبْلة فَفَتَحَ الباب، فهذا العمل؛ إذا كان البابُ قريباً يسير؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ فتح البابَ لعائشة .
مثال آخر: رَجُلٌ معه دابة وهو يُصلِّي، وقد أمسك زمامَها بيده، وجعلت الدَّابة تنازعه،
وإذا نازعته فلا بُدَّ أن يكون منه حركة،
إمَّا أن يجذبها، أو ينَقاد معها. فهذا يسيرٌ؛ لفعل الصحابة رضي الله عنهم مثلَ ذلك، كما في حديث أبي بَرْزَةَ الأسلمي رضي الله عنه، أنه كان يصلّي ولجامُ دابته بيده، فجعلت الدَّابة تنازعه، وجعل يتبعها، فجعل رَجُلٌ من الخوارج يقول: اللَّهُمَّ افعلْ بهذا الشَّيخِ. فلما انصرف أبو بَرزة قال:«إني سمعت قولَكم، وإني غزوت مع رسول الله ﷺ ستَّ غزوات، أو سبعَ غزوات، أو ثمان، وشهدتُ تيسيره، وإني إنْ كنت أن أرجع مع دابتي؛ أحبَّ إليَّ من أن أدعها ترجع إلى مألفها، فيشُقُّ عليَّ» يعني: الرجوع إلى أهله لبعد المسافة.
مثال آخر: رَجُلٌ أصابته حِكَّة أشغلته، إنْ سكتَ سكتَ وقلبُه منشغل،
وإنْ تحرَّك وحكَّها بَردت عليه، وأقبل على صلاته، فالأَوْلَى أن يَحكَّها ويُقبل على صلاته؛ لأن هذا عمل يسير، وفيه مصلحة للصَّلاة.
مثال آخر: رَجُلٌ معه قلمٌ، وكان ناسياً محفوظاته، فلما دَخَلَ في الصلاة ذكرها، والاختبار قريب، والقطعة خمسة أسطر، فأخرج الورقة وجعل يكتبها وهو يُصلِّي؛ لأنه خاف إن انفتل مِن صلاته أنْ ينسى.
فهذا كثير تبطل به الصَّلاة، لكن لو كانت كلمة أو كلمتين فهي يسيرة،
فإذا احتاج إلى ذلك فلا بأس؛ لأنه أحياناً يكون للإِنسان أَمْرٌ ضروري لا بُدَّ أن يذكره، والشيطان إذا دَخَلَ الإِنسان في الصلاة أقبل إليه وجعل يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِمَا لم يكن يذكره حتى يذكره، لا رأفة به؛ لكن إفساداً لعبادته؛ حتى تبقى الصَّلاةُ جسداً بلا روح. «من غير جنس الصلاة» احترازاً مما لو كان كثيراً من جنس الصَّلاة،
فإن العمل مِن جنس الصَّلاة سَبَقَ الكلامُ عليه .
وقوله:«من غير جنس الصلاة» يحتاج إلى زيادة قَيد، وهو: أن يكون متوالياً لغير ضرورة،
لأنه إذا كان لضرورة فإنه لا يبطل الصَّلاة ـ ولو كَثُرَ ـ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ ومعلوم أن الرِّجَال سيكون منهم عملٌ كثير، والرِّجَال: الذين يمشون على أرجلهم.
وكذلك لو كان غيرَ متوالٍ؛ بحيث يقوم بعملٍ في كلِّ رَكعة يسيراً، وبمجموعه في الركعات يكون كثيراً فإن الصَّلاة لا تبطل به؛ لأنه لا ينافي الصَّلاة. «يبطلها عمده وسهوه»
أما عمدُه فواضح، وأما سهوه فقال المؤلِّف: إنه يبطل الصَّلاة، يعني: لو غَفَلَ الإِنسان غَفْلة كاملةً في الصَّلاة، وتحرَّك حركات كثيرةً فتبطل الصَّلاة؛ وذلك لأنه منافٍ للصَّلاة مغيِّر لهيئتها فاستوى فيه العمد والسَّهو.
والقول الثَّاني : أنه إذا كان سهواً فإنه لا يبطل الصَّلاة ما لم يغيِّر الصَّلاة عن هيئتها، مثل: لو سَهَا وكان جائعاً فتقدَّم إلى الطَّعام فأكل؛ ناسياً أنه في صلاة، فلما شبع ذَكَرَ أنه يُصلِّي فهذا منافٍ غاية المنافاة للصَّلاة فيبطلها.
فإن كان لا يُنافي الصَّلاة منافاة بَيِّنة، فالصَّحيح أنه لا يبطل الصَّلاة؛ لأن القاعدة الشرعية:«أنَّ فِعْلَ المحظور يُعذر فيه بالجهل والنسيان».
فصارت الشُّروط لإِبطال الصَّلاة بالعمل الذي مِن غير جنسها أربعة:
١ ـ أنه كثير.
٢ ـ من غير جنس الصَّلاة.
٣ ـ لغير ضرورة.
٤ ـ متوالٍ، أي: غير متفرِّق.
، وَلَا يُشْرَعُ لِيَسِيرِهِ سُجُودٌ ........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.