ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها.
الشروح عليها
(ولا) يصح ائتمام (من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، أو غيرهما) ولو جمعة في غير المسبوق إذا أدرك دون ركعة،
قال في " المبدع ": فإن كانت إحداهما تخالف الأخرى كصلاة كسوف واستسقاء وجنازة وعيد منع فرضا
وقيل ونفلا؛ لأنه يؤدي إلى المخالفة في الأفعال اهـ. فيؤخذ منه صحة نفل خلف نفل آخر لا يخالفه في أفعاله كشفع ووتر خلف تراويح حتى على القول الثاني.
[فصل موقف الإمام والمأمومين] فصل في موقف الإمام والمأمومين السنة أن
(من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما) لأنه يؤدي إلى الاختلاف كما تقدم،
وعنه: يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر وغيرها، واختاره الشيخ وغيره: وهي
فرع على ائتمام المفترض بالمنتفل وتقدم، بل هنا أولى، لصحة الظهر خلف من يصلي الجمعة، كما سيأتي.
لا يخالفه في أفعاله، كشفع وتر خلف تراويح أي: يؤخذ من قول صاحب المبدع: منع فرضًا، لأن النافلة أوسع من الفريضة.
كشفع وتر خلف تراويح حتى على القول الثاني وهو قوله: وقيلا نفلا،
قال في الغاية: شروط الإمامة ثمانية، إسلام وعدالة وعقل ونطق وتمييز، وبلوغ إن أم بالغا في فرض، وذكورية إن أم ذكرا، وقدرة على شرط وركن، وواجب إن أم قادرًا، وتقدمت مفصلة موضحة.
القول الثاني . فصل في موقف الإمام والمأموين في الفرض أو النفل في صلاة الجماعة.
«ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها»
أي: ولا يصحُّ ائتمامُ مَن يصلّي الظُّهرَ بمَن يصلِّي العصرَ، أو غيرها. يعني: مِن الصلوات الرباعية وذلك لاخْتلافِ نِيَّةِ الصَّلاتين وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه».
مثال ذلك: رَجُلٌ انتبه مِن النَّومِ، فجاءَ إلى المسجدِ فوجَدَ الإِمامَ يصلِّي العصرَ، وهو لم يصلِّ الظُّهرَ، فأَرادَ أن يصلِّيَ الظُّهرَ خلفَ هذا الإِمامِ الذي يصلِّي العصرَ، يقول المؤلِّفُ: إنَّ هذا لا يَصِحُّ، لاختلاف نِيَّةِ الصَّلاتين؛ لأن هذه ظُهرٌ وهذه عَصرٌ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ :«إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه».
وكذلك العكسُ، فلا يصحُّ ائتمام مَن يصلِّي العصرَ بمَن يصلِّي الظُّهرَ.
مثاله: رَجُلٌ دَخَلَ المسجدَ، وفيه قومٌ قد جمعوا جَمْعَ تأخيرٍ، فوجدهم يصلُّون الظُّهرَ، وهو قد صلَّى الظُّهرَ، فدخلَ معهم بنيَّةِ العصرِ، فلا تَصِحُّ أيضاً؛ وذلك لاخْتلافِ نِيَّةِ الصلاتين. هذا هو المذهب. ولا يُستثنى مِن ذلك إلا المسبوقُ في صلاةِ الجمعةِ إذا أدركَ أقلَّ مِن رَكعة؛ فإنَّه في هذه الحالِ يدخلُ مع الإِمامِ بنيَّةِ الظُّهرِ، والإِمامُ يصلِّي الجُمعةَ، فاختلفتِ النِّيةُ هنا، فالإِمامُ يصلِّي صلاةَ الجُمعةَ، وهذا المسبوقُ يصلِّيها صلاةَ الظُّهرِ. قالوا: هذا لا بأس به؛
لأن الظُّهرَ بَدَلٌ عن الجُمعة؛ إذا فاتت فبينهما اتِّصال.
القول الثاني: أنَّه يَصِحُّ أن يأتمَّ مَن يصلِّي الظُّهرَ بمَن يصلِّي العَصرَ،
ومَن يصلِّي العَصرَ بمَن يصلِّي الظُّهرَ، ولا بأسَ بهذا.
وذلك لعمومِ ما سبق مِن الأدلَّةِ.
وأما استدلالُهم بقولِ النَّبيِّ ﷺ :«إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه»،
فقد بَيَّنا أنَّ المرادَ: بالاختلافِ عليه مخالفتُه في الأفعالِ لقولِهِ: «فإذا كَبَّرَ فكبِّروا».
وعلى هذا القول؛ إذا صَلَّى صلاةً أكثر مِن صلاةِ الإِمام فلا إشكال في المسألةِ.
مثاله: لو صَلَّى العشاءَ خلفَ مَن يصلِّي المغربَ، فهنا نقول: صَلِّ مع الإِمام،
وإذا سَلَّمَ الإِمامُ فَقُمْ وائتِ بركعةٍ.
وإذا صلَّى وراءَ إمامٍ وصلاتُهُ أقلُّ مِن صلاةِ الإِمامِ، فهنا قد يحدثُ فيه إشكالٌ؛ لأنَّ المأمومَ هنا إن تابع الإِمامَ زاد في صلاتِهِ؛
وإنْ جَلَسَ خالفَ إمامَه. مثاله: صَلَّى المغربَ خلف مَن يصلِّي العشاءَ،
فهنا إذا قامَ الإِمامُ إلى رابعةِ العشاءِ فالمأمومُ بين أمرين:
إما أن ينفردَ عن الإِمامِ، وهذه مفسدةٌ.
وإما أن يتابعَ الإِمامَ وهذه أيضاً مفسدةٌ، لأنَّه إنْ تابعَ الإِمامَ زَادَ ركعةً،
وإنْ تخلَّفَ خالفَ الإِمامَ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ :«إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليُؤتمَّ به» فهل هذه الصُّورةُ تدخلُ في القولِ الصَّحيحِ الرَّاجحِ أنَّ اختلافَ النِّيةِ بين الصَّلاتين لا يَضرُّ؟
الجواب: نعم، تدخلُ في القولِ الرَّاجحِ، وأنه يجوزُ أن يصلِّيَ المغربَ خلفَ مَن يصلِّي العشاءَ، وهذه تقعُ كثيراً،
فإنْ أدركَ الإِمامَ في الثانية فما بعدَها فلا إشكال، لأنه يتابعُ إمامَه ويُسلِّمُ معه،
وإنْ دَخَلَ في الثالثةِ أتى بعدَه بركعةٍ،
وإن دَخَلَ في الرابعةِ أتى بركعتين، لكن إنْ دَخَلَ في الأولى فإنَّه يَلزمُه إذا قامَ الإِمامُ إلى الرابعةِ أنْ يجلسَ ولا يقوم.
ولكن إذا جَلَسَ هل ينوي الانفرادَ ويُسلِّمُ، أو ينتظرُ الإِمامَ؟
الجواب: هو مخيّرٌ، لكننا نستحبُّ له أن ينويَ الانفرادَ ويسلِّمُ، إذا كان يمكنه أن يدركَ ما بقيَ مِن صلاةِ العشاءِ مع الإِمامِ؛ مِن أجلِ أنْ يُدركَ صلاةَ الجماعةِ في العشاءِ.
فإن قال قائلٌ: لماذا تُجيزونَ له الانفرادَ، والإِمامُ يجبُ أن يُؤتَمَّ به؟.
فالجواب: لأجلِ العُذرِ الشَّرعيِّ، والانفرادُ للعُذرِ الشَّرعي أو الحِسِّيِّ جائزٌ. ودليل الانفراد للعُذرِ الشَّرعيِّ: صلاةُ الخوفِ، فالطَّائفةُ الأُولى تصلِّي مع الإِمامِ ركعةً،
فإذا قامَ إلى الثانيةِ نوتِ الانفرادَ، وأتمَّت الركعةَ الثانيةَ، وسلَّمت وانصرفت .
ودليلُ الانفرادِ للعُذرِ الحِسِّيِّ انفرادُ الصَّحَابِي عن معاذ بن جَبَل لتطويله .
ومثاله: أن يصيبَ الإِنسانُ في صلاتِه ما يبيحُ له قطعَها أو تخفيفَها بأن يُصابَ وهو يصلِّي مع الإِمامِ بعُذرٍ يَشقُّ عليه أن يستمرَّ معه مع الإِمامِ، فنقول له: لك أن تنفردَ وتخفِّفَ الصَّلاةَ وتنصرفَ، إلا إذا كنت لا تستفيدُ بانفرادِك شيئاً، مثل: أن يكون الإِمامُ يخفِّفُ الصَّلاةَ تخفيفاً بقَدْرِ الواجب، فحينئذٍ لا يستفيدُ مِن الانفرادِ، فلا يتفرَّدُ، لكن لو أنَّ الإِمامَ يطبِّقُ السُّنَّةَ بالتأنِّي ويتعبُ المأمومُ لو بقيَ مع الإِمامِ لمدافعته الأخبثين، فنقول له: أنْ ينفردَ ويخفِّفَ الصَّلاةَ ويُسلِّمَ وينصرفَ.
فإن قال قائلٌ: ما تقولون في رَجُلٍ مسافرٍ صَلَّى خلفَ إمامٍ يصلِّي أربعاً، هل تُبيحونَ له إذا صَلَّى الركعتين أن ينفردَ ويُسلِّمَ؛ لأنَّ المسافرَ يقصر الصَّلاةَ؟
فنقول: لا نُبيحُ لك ذلك.
إذاً؛ ما الفَرْقُ بين هذه المسألةِ، ومسألة مَن يصلِّي المغربَ خلفَ مَن يصلِّي العشاءَ؟
الجواب: الفَرْقُ بينهما ظاهرٌ، لأن إتمامَ الرُّباعيةِ إتمامَ صِفةٍ مشروعةٍ في الحضر،
أما إتمام المغربِ أربعاً فليست صفةً مشروعةً إطلاقاً.
وعلى هذا فنقول: القصرُ في مسألةِ المسافرِ عُورِضَ بوجوبِ المتابعةِ، وإتمام الصَّلاةِ للمسافرِ ليس بحرامٍ، أي: مَن أتمَّ الصَّلاةَ في السَّفَرِ فليس كمَن صَلَّى المغربَ أربعاً، أو صَلَّى الفجرَ أربعاً، فَظَهَرَ الفَرْقُ بينهما،
فمَن صَلَّى مع الإِمامِ المقيمِ وهو مسافرٌ فعليه أنْ يُتِمَّ سواءٌ أدركَ الصَّلاةَ مِن أولها أم في أثنائِها لعموم قولهِ ﷺ :«ما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتموا».
بقي مسألةٌ ذَكَرها شيخُ الإِسلامِ وفي النَّفْسِ منها شيء، وهي: لو صَلَّى خلفَ مَن يصلِّي على جنازة، فشيخُ الإِسلامِ يجيزُ أنْ يدخلَ معه، وينوي الائتمامَ به، ويتابعَ الإِمامَ بالتكبيرِ. ولكن لا ركوعَ ولا سجودَ في صلاةِ الجنازة،
فإذا سَلَّمَ الإِمامُ مِن صلاةِ الجَنازةِ فإنَّه يُتِمُّ صلاتَه، وذلك لأنَّ المصلِّي على الجنازة يصلِّي صلاةً تخالفُ صلاةَ المأمومِ في الأفعالِ والصِّفَةِ، ولذلك كان القلبُ فيه شيءٌ مِن هذا القولِ.
فَصْلٌ يَقِفُ المَأْمُومُونَ خَلْفَ الإِمَامِ، ............. «فصل» أي: في موقف الإِمامِ والمأمومين. أي: أين يقفُ الإِمامُ؟ وأين يقفُ المأمومُ؟ فهذا هو المراد بهذا الفصل.
والإِمامُ على اسمه إمامٌ، فالأنسبُ أن يكون أَمامَ المُصلِّين حتى يتميَّز، ويكون قُدوةً ومتبوعاً، وهكذا جاءت السُّنَّةُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.